النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ بقية بحث البسملة قال الشافعى: إنما معنى هذا الحديث أن النبى حَ لَّه وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين معناه إنهم كانوا يبدون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة ، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرؤن بسم الله الرحمن الرحيم . وكان الشافعى يرى أن يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة. قراءة العامة بتشديد "ألا" وعند قوله (ألا يسجدوا) على قراءة الكسائى بالتخفيف اهـ. ولعله لأجل الاختلاف فى الأحرف اختلفوا فى سور الحج بالسجدة أو السجدتين والله أعلم . قوله : قال الشافعى : إنما معنى هذا الحديث الخ . قال الشيخ رحمه الله كيف يقال بمثل هذا وقد صرح بعدم الجهر بالبسملة فى بعض طرق حديث الهاب عند مسلم فى «صحيحه» (١ - ١٧٢) فى (باب من قال لا يجهر بالبسملة) ولفظه فى طريق: ((فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)) وفى طريق: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم))، وعند النسائى فى "سنته" (١ - ١٤٤) ((فلم أسمع أحداً منهم يجهر بسم الله الرحمن الرحيم)) ورواه أحمد وابن حبان والدار قطنى والطحاوى وابن جارود والخطيب وقالوا فيه : فكانوا لا يجهرون بسم الله الرحمن الرحيم ، وزاد ابن حهان: ويجهرون بالحمد لله رب العالمين، انظر للتفصيل "نصب الرأية" (١ - ٣٢٦) و (١ - ٣٢٧ و٣٢٩). حكاية: ذكر صاحب " الخيرات الحسان" (١) وغيره: زار الإمام (١) هو الشيخ أحمد بن حجر المكى الشافعى المتوفى ٩٧٣هـ فقيه شافعى محدث له تصانيف نافعة جيدة وله فى مناقب أبى حنيفة تأليفان أحدهما هذا الكتاب " الخبرات الحسان فى مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان " طبع مرات ٣٨٢ معارف السنن ج - ٢ ( باب ما جاء أنه لا صلاة الا بفاتحة الكتاب ) حدثنا: ابن أبى عمر وعلى بن حجر قالا نا سفيان عن الزهرى عن محمود الشافعى قبر الإمام أبى حنيفة ببغداد وصلى ركعتين عنده ولم يجهر بالبسملة فقيل له فى ذلك فقال: أدباً لصاحب هذا القبر وقد صح هذا النقل ، وبقول الشافعية فلم لم يترك رفع اليدين ؟ قلنا : لعله كان الجهر بها غير مؤكد ورفع البدين عنده سنة مؤكدة . -: باب ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب :- ههذا مسألتان خلافيتان: مسألة حكم الفاتحة فى الصلاة، ومسألة الفاتحة خلف الإمام ، والباب موضوع هذا للأولى فقط، فذهب أبو حنيفة إلى وجوب الفاتحة - والوجوب عنده مرتبة دون الفرضية كما تقرر فيما سلف غير مرة - وذهب مالك والشافعى وأحمد إلى ركنيتها وفرضيتها كما حكاه البدر العينى فى "العمدة" (٣ - ٦٤) غير أنه أطلق الوجوب وهو يرادف عندهم الفرضية، وإليه ذهب الأوزاعى وابن المبارك وإسماق وداؤد . قال الشيخ: ويعلم من "عمدة القارى" للبدر العينى ( ٣ - ٦٤ ) أن ما ذهب إليه أبو حنيفة رواية مالك أيضاً حيث ذكر أن من ترك الفاتحة ناسياً فى ركعة يسجد سجدنى السهو ويجزيه ، وهى رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه . وهذا بعينه مذهب أبى حنيفة . قال الشيخ: وكذا نقل الوزير ابن هبيرة الحنبلى رواية عدم ركنيتها عنده فى كتابه " الإشراف بمذاهب الأشراف" ورأيت مكتوباً على النسخة المخطوطة "الافصاح" بدل "الإشراف" وهو خطأ والتيس الأمر فإنما "الافصاح بالهند وبمصر، والكتاب الآخر غير مطبوع. وفى " الخيرات الحسان" أيضاً. فيما أحفظ أنه لم يقنت الإمام الشافعى فى صلاة الفجر كذلك وأجاب بمثله حين سئل عن ذلك . ٣٨٣ بيان الكتب المؤلفة فى اختلاف المذاهب قال : ابن الربيع عن عبادة بن الصامت عن النبى عن شرح معانى الصحاح" شرح فيه أحاديث الصحيحين، كتاب آخر الوزير ابن هبيرة وهو الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد المعروف بابن هبيرة صاحب التصانيف المتوفى ٥٦٠ هـ. أقول و"الإشراف بمذاهب الأشراف" ذكره صاحب "كشف الظنون" فى (١ - ١٠٨) و"الافصاح" ذكره فى ( ١ - ١٢٧) ولابن المنذر أبى بكر محمد بن إبراهيم المعروف بابن المنذر النيسابورى الشافعى المتوفى ٣١٨ هـ أيضاً كتاب معروف سماه "الإشراف بمذاهب الأشراف" كتاب فى غاية من الجودة والنفاسة يتعرض فيه الأدلة علماء الأمصار بحثاً وتحقيقاً ، وله فيه اختيارات وهو أعون شئ فى الاطلاع على اختلاف منازع أئمة الإجتهاد ومداركهم ، وأصبح عليه المدار فى نقل المذاهب لمن بعده وهو أحد من كتب فى الخلاف، ومنهم الإمام أبو جعفر الطحاوى الحنفى والإمام أبو جعفر الطبرى والإمام أبو نصر محمد المروزى كل من معاصريه ، ومنهم الإمام زكريا ابن يحي الساجى ذكر كتابه النووى فى " تهذيب الأسماء واللغات" ومنهم الإمام حسين بن على الكرابيسى من أصحاب الشافعى ذكر كتابه ابن نجيم وغيره ، و منهم الإمام الحافظ الكيا الدراسى ألف كتاباً فيه سماه "الزوايا فى الخلاف" وبالأسف كل منها فى ذخائر المخطوطات النادرة أصبح بعيداً عن متناول أهل العلم، وبالأخص فى ديار الهند اليوم وهذه كتب القدماء، والمتأخرون لهم كتب فى هذا الموضوع أيضاً كالشعرانى وعبد الرحمن الدمشقى وغيرهما وآخر تلك الكتب " الفقه على المذاهب الأربعة" المطبوع بالقاهرة اشترك فى الجزء الأول ثمانية من علماء المذاهب وكملها فى خمسة أجزاء الشيخ عبد الرحمن الجزيرى ، و أول من كتب فى الخلاف الإمام أبو حنيفة فصنف كتاب " اختلاف الصحابة" ثم صنف صاحبه الإمام أبويوسف كتاب " اختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى" ثم ألفت أبو عبد الله الثلجى " اختلاف يعقوب وزفر" وهذه كتب فى الخلاف ٣٨٤ معارف السن ج - ٢ ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). وفى الباب عن أبى هريرة وعائشة خاصة ، والتى ذكرناها من قبل كتب فى الخلاف عامة . وفى كتب الرجال والطبقات نجد ذكر كثير ممن كتبوا فى الخلاف ، ولا حاجة بنا إلى الاستقصاء. وأما المسالة الثانية: (١) فمذهب أبى حنيفة ومالك والجمهور عدم قراءة الفاتحة خلف الإمام فى الجهربة ، واختلفوا فى السرية فقيل : سنة ، وقيل : مستحبة، وقيل: مباحة. وقال الشافعى بوجوبها فى السرية فقط فى القديم ، وفى السرية والجهرية جميعاً فى الجديد كما قال المزنى فى "مختصره": بلغنا من بعض أصحابنا أن الشافعى قال كذا. ولفظ الشيخ فى " فصل الخطاب" (ص - ٣): وظنى أن الشافعى رحمه الله أيضاً لا يقول إلا باختيارها فى الجهرية. لا إيجابها ، وليس فى ".الأم"؛ وإنما هو فى "مختصر المزنى» سمعه من الربيع بن سليمان المرادى المتوفى ٢٧٠ هـ من أصحاب الشافعى . كما فى " اتحاف" (٣ - ٤٧). وخالفه البويطى ثم جاء أصحابه بل بعض منهم ثم ابن خزيمة ثم البيهقى فتبعوا البخارى فى إيجاب الفاتحة لكل مصل فى"جزئه"آهـ. قال الشيخ: والقدماء من الشافعية كصاحب " المهذب" (وهو الشيخ أبو اسحاق الشيرازى) يذكرون القولين، والمتأخرون منهم اقتصروا على الجدید . قوله : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، حديث الباب أخرجه البخارى فى "صحيحه» (١ - ١٠٤) (باب وجوب القرأة للإمام) و"مسلم" (١ - ١٦٩) (باب وجوب قراءة الفاتحة فى كل ركعة). وكذا أخرجه سائر أصحاب السنن كلهم من طريق سفيان عن الزهرى عن محمود بن الربيع عن عبادة (١) قلبيه: نرجى إنهاء البيان فى تفصيل المذاهب وبقية البحث إلى محله وهو (باب ما جاء فى القراءة خلف الإمام) بأتى بعد أحد وأربعين ها,) . ٣٨٥ تحقيق كلمة " لا" فى حديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وأنس وأبى قنادة وعبد الله بن عمرو. قال أبو عيسى : حديث عبادة حديث بلفظ : ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). ورواه الدار قطنى بلفظ : (((لا يجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). وقال: اسناده صحيح. وقال صاحب " التنقيح": انفرد زياد بن أيوب بكونه بلفظ لا يجزئ، ورواه جماعة: ((لا صلاة لمن لم يقرأ)) وهو الصحيح. قال: وكأن زياداً رواه بالمعنى . ورواه بلفظ الدارقطنى ابن حبان من حديث أبى هريرة، ثم عقهه بقوله : لم يقل فى خبر العلاء هذا : لا يجزئ صلاة إلا شعبة ولا عنه إلا وهب ابن جرير انتهى هذا ملخص ما فى "نصب الرأية"، وإذن اتضح حال ما يقوله الحافظ فى "الفتح" من تصحيح لفظ الدار قطنى، وتهعه من تهعه كيلا يهفى مجال للمخالف فى التأويل . والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. قال الشيخ رحمه الله: إن حديث الباب هذا فى حق المنفرد لا فى حق الجماعة والذى ورد فى حكم الجماعة هو حديث ((إذا قرأ فانصتوا)) من حديث أبى موسى الأشعرى عند مسلم فى التشهد، ومن حديث أبىهريرة عند النسائى ، و أبیداؤد، وابن ماجه، و ہأتی نفصیل ذلك فى محله . وحديث: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ) روى من حديث جابر عند ابن ماجه وغيره ، ومن حديث ابن عمر وابن عباس و أبى هريرة عند الدار قطنى ، ومن حديث أبى سعيد الخدرى عند الطبرانى ، ومن حديث أنس عند ابن حهان فى الضعفاء ، ويأتى البحث المستوفى فى محله . وقال بعض الحنفية: أن النفى فى قوله: ((لا صلاة)) نفى الكمال لا الأصل. قال الشيخ : وهندى أن هذا مدخول فيه فإن الفاتحة وإن لم تكن ركناً فى الصلاة فهى واجبة عندنا ، ويلزم الإثم بتركها، فلو صح تأويله لم يفد الحديث الوجوب فإن ظنى الدلالة والثبوت معاً لا يفيد الوجوب ، فكان الحديث ظنى الثبوت لكونه من الآحاد ، وإذا تأول فيه ذلك يصير ظنى الدلالة أيضاً فيفوت ( م - ٤٩) ٣٨٦ معارف السنٹ ج - ٢ حسن صحيح. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ الّ منهم عمر الوجوب كما صرح به علماء الأصول (مر تحقيقه فى أول الطهارة) فالحق أن يجعل مدار البحث كونه ظنياً فى الثبوت دون الدلالة كيلا يفوت وجوب الفاتحة ، ولعله لأجل ذلك لم يتعرض صاحب " الهداية" إلی کونه ظنى الدلالة فی کتابه حيث قال فى " الهداية": فقراءة الفاتحة لا تتعين ركناً عندنا .... قال: ولنا قوله تعالى: ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) والزيادة عليه بخبر الواحد لا يجوز لكنه يوجب العمل فقلنا بوجوبها اهـ. فنزل من الركنية إلى الوجوب لكون الحديث: ((لا صلاة)) الخ من الآحاد، وقد نهه على ذلك ابن الهمام فى " الفتح" ( ١ - ٢٠٦ ) أيضاً . ثم قال الشيخ : إن تقديره بقوله : " لا صلاة كاملة " غير صحيح من جهة العربية أيضاً عندى حيث قال حذاق النحويين أنه يكفى فى التقدير رائحة المقدر لا أن يقدر فى نظم العبارة وقالوا : إن متعاق الجار والمجرور وكذا حامل الحال المستفاد إشارة أو تنبيهاً عامل معنوى لا لفظى فذكره إذن فى حاق اللفظ ونظم العبارة قصور . وإنى لا أقول بالتقدير فيما لم يتلفظ فى نوعه ولذا لا أقول بالتقدير فى الظرف المستقر، نعم أقول بتقدير المبتدأ أو الخبر، فمن قال فى "زيد فى الدار" زيد كائن فى الدار خرج من لغة العرب كما صرح به الرضى ، فمن ذلك لا أقول بتقدير الكمال فى أمثال هذه المواضع ، نعم ربما أقول بنفى الكمال فى مثلها ولكنه فى المصداق والمعنى دون العنوان و اللفظ، فيكون فى اللفظ نفى الأصل وفى المعنى نفى الكمال تنزيلاً للناقص منزلة المعدوم مبالغة ، ومن دأب أهل البلاغة تنزيل الناقص منزلة المعدوم و عدم الاعتبار بالناقص ، ونظير تنزيل الناقص منزلة المعدوم ما ورد فى " البخارى" (٢ - ٦٠٤) (باب غزوة خيبر) و "مسلم" فى كتاب الإيمان ( باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه) (١ - ٧٢ ) كلاها من حديث ٣٨٧ بيان الفرق بين قرأه وقرأ به ابن الخطاب وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وغيرهم قالوا: ((لاتجزئ سهل بن ساعد الساعدى من كلام مجانى: ((ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان)) فى حق رجل قاتل المشركين قتالاً فى غزوة خيبر . ( بحث دقيق من قواعد العربية ) (١) القراءة والمسح والايتار كلها ألفاظ متعدية بنفسها فى متعارف اللغة فإذا نقلتها الشريعة إلى عرفها وصارت ألقاباً خاصة لمفهومات شرعية صارت لازمة ، فإذا أريد تعلقها بشئ خاص عديت بالهاء، ومن ههنا بحثهم فى قوله تعالى: (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون) هل العلم هنا لازم أو متعد؟ . فإذن يحصل الفرق بين قولهم : " قرأها" وقولهم " قرأبها" فالأول على ما تعورف ، والثانى بمعنى أتى بها فى جملة القراءة ، وكذا إذا ورد فى الشرع "قرأ" فمعناه على هذا فعل فعل القراءة. وبعبارة أوضح منه لك أن تقول: إن "قرأ" إذا عديته بنفسه فقلت : قرأت سورة كذا اقتضى اقتصارك عليها لتخصيصها بالذكر، وأما إذا عديته بالباء فقلت : قرأت بسورة كذا أى قرأته فى جملة ما قرأت ، فلا يقتضى الاقتصار عليها بل يشعر بقراءة غيرها معها، وعلى ذلك فقوله فَالّ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) نفسه من غير قوله ((فصاعداً)) إشارة قراءة ما عدا الفاتحة وهو السورة . وتأويل قوله فى الحديث: (( كان بقرأ فى الفجر بالستين إلى المائة )) كيف تجد المعنى أنه كان يقرأ فيما يقرأ به بعد الفاتحة بهذه الكمية، وكذلك قوله: ((قرأ بالاعراف)) إنما هى بعد الفاتحة ، (١) قلبيه كتوت هذا البحث بضوء ما أفاده الشيخ رحمه الله فى رسالته: " فصل الخطاب فى مسألة أم الكتاب" وما أفاده فى "العرف الشذى" مع توضيح وزيادة تقريباً للأفهام فيما له صلة بالمقام . وراجع " فصل الخطاب" (من ص ٢٠ إلى ٢٢ ). ٣٨٨ معارف السنن ج - ٢ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)). وبه بقول ابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق . وما إلى ذلك من الأمثال. وتأويل قوله: ((قرأ سورة النجم فسجد)) وقوله: ((قرأ على الجن سورة الرحمن)) فلم يقل بسورة النجم وبسورة الرحمن ؛ لأن القراءة هنا على متفاهم اللغة والعرف فيشعر بالاقتصار على ذلك المقدار دون أن يكون هناك من المقروء شئ آخر . ومثل هذا قوله تعالى: ( فامسحوا برؤسكم) بالباء وقولك مسجت رأس اليتيم ، فالأول على عرف الشريعة وهو امرار اليد المبتلة على الشئ ، فاقتضى اليلة بخلاف الثانى فإنه على صرافة اللغة . ومن هذا القبيل قوله: ((توتر له ما قد صلى)) فإنه على اللغة، وأما قوله : ((كان يوتر بثلاث)) فإنه على معهودية الشريعة وبناء الكلام على ما عهد. وكان من منصب علماء الأصول أن ينبهوا على هذه القاعدة ولكنهم تركوها و نيه عليها الزمخشرى فى "المفصل" وكذلك أشار إليها فى تفسيره " الكشاف" فى قوله تعالى: (وهزى إليك بيجذع النخلة ) فقال: افعلى بها الهز، قال السيد الآلوسى فى " روح المعانى" (١٦ - ٨٤ ): ثم الفعل هنا نزل منزلة اللازم كما فى قول ذي الرمة : فإن تعتذر بالمحل من ذى ضروعها * إلى الضيف يجرح فى عراقيبها نصلى فلذا عدى بالباء أى افعلى الخز اهـ . قال الراقم: ومنح لى أن النكتة فى تعديتها بالياء فى الآية أن هز الجذع لعظمها وثبوتها كان غير مقدور لها لضعفها فلم يمكنها هزها حقيقة فأمرها اللّه سبحانه أن يفعل بها فعل الهز اختياراً لمباشرة الأسباب ما هو المقدور منها لا أن فعلها مؤثر فى إسقاط الرطب فكان سقوط الرطب كرامة لها من الله سبحانه وتعالى لا أن هزها كان يكن لها عادة ، ويعجبنى قول القائل : ألم تر أن الله أوحى لمريم وهزى إليك الجذع بساقط الرطب ولوشاء أحنى الجذع من غير هذه إليها ولكن كل شئ له سبب ٣٨٩ بحث ركنية الفاتحة وعدم ركنيتها وبيان التعدية بالماء قال الشيخ: وكذلك أشار إليه سيبويه فى كتابه فى ( باب افتراق فعلت وأفعلت ) (٢ - ٢٣٥): فقبرته دفنته وأقبرته جعلت له قبراً آهـ. قال الراقم: فالحاصل أن المتعدى فى المجرد إذا عدى بالباء أو الهمزة لا بد أن يفترق معناه مما كان عليه قبل هذا وساق له سيبويه أمثلة وهذا الذى عناه الشيخ هنا . قال الشيخ : ومن ذلك أقول: الباء فى قوله: أتتنى صحيفة فلان فقرأت بها للتعدية على خلاف ما قاله ابن هشام فى "المغنى" حيث قال: وإنه يقال قرأت بالسور على هذا المعنى - أى التبرك ـ ولا يقال: وإنه قرأ بكتابك لفوات معنى التبرك فيه اهـ. ويقول الطيبى فى " شرح المشكاة" فى شرح قوله: ((لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) أى لم يبدأ القراءة بها ١ هـ. و هذا وإن كان يفيدنا فى وجوب ضم السورة غير أنى لم يعجبنى تضمين البداءة وتقديرها فى كلامه . ثم إنه روى عن مالك أيضاً رواية وجوب ضم السورة مع الفاتحة كما فى "الهداية" ( ١ - ٩٧). وفى " فصل الخطاب " ( ص - ١٧ ): ووجوب السورة قول عند المالكية والحقبلة. وقال فى "الأم» (١ - ٨٩): وهو قد يجدبل أن يكون الفرض على من أحسن القراءة قراءة أم القرآن وآية وأكثر ه. وهو ينافى جزم الشوافع بعده باستحباب السورة فإنه تردد فيه آهـ. وإن قيل: قد تواتر العمل على قراءة الفاتحة فى الصلاة و التواتر قطعى فتكون قراءة الفاتحة فرضاً ركناً فى الصلاة . نقول : إنه جرى التوافر فى العمل بها لا كونها ركناً فى الصلاة، وقد ثبت التواتر العملى فى كثير من المستحبات فكما لم تصر تلك المستحبات بالتواتر عملاً قطعية كذلك لا تصير قراءة الفاتحة قطعية . قال الراقم : قد يظن أن مذهب الحنفية فى وجوب الفاتحة دون رکئيتها كما هو عند الجمهور وفى وجوب السورة دون استحبابها كما هو عند الشافعية ٣٩٠ معارف السنى ج - ٢ وغيرهم ليس له عدة من الدليل أو أن مسلك الأخيرين أوضح محجة وأقوى حجة وإنى قد تصفحه له الأوراق وأجلت قداح البحث فى نواحيها فلم أر لهذا الظن وجهة من الحق عند من أمعن نظره فى خبايا المسألة وزواياها بالانصاف دون الاعتساف ، ورأيت أن المصيبة نشأت فى الحقيقة لأجل الغفلة عن تنقيح المذهب الحنفى والتعامى عن منشأ الخلاف، وأرى أن أذكر أولاً كلمات من كلام محقق الحنفية الشيخ ابن الهام لتحقيق منشأ الخلاف ثم أتبعه بعدة ذلك من كلام إمام العصر شيخنا رحمه الله. قال المحقق فى "الفتح" (١ - ٢٠٦): واعلم أن الشافعية يثبتون ركنية الفاتحة على معنى الوجوب عندنا ؛ فإنهم لا يقولون بوجوبها قطعاً بل ظناً غير أنهم لا يخصون الفرضية والركنية بالقطعى فلهم أن يقولوا بموجب الوجه المذكور وإن جوزنا الزيادة بخبر الواحد لكنها ليسه بلازمة هنا ؛ فإنا إنما قلنا بركنيتها وافتراضها بالمعنى الذى سميتموه وجوباً فلا زيادة ، وإنما محل الخلاف فى التحقيق أن ما تركه مفسد وهوالر كن لا يكون إلا بقاطع أولا ؟ فقالوا : لا ؛ لأن الصلاة مجمل مشكل فكل خبر بين أمراً ولم يقم دليل على أن مقتضاه ليس من نفس الحقيقة يوجب الركنية . وقلنا : بل يلزم فى كل ما أصله قطعى ؛ وذلك لأن العبادة ليست سوى جملة الأركان فإذا كانت قطعية بازم فى كل الأركان قطعيتها ؛ لأنها ليست إلا إياها مع الآخر بخلاف ما أصله ظنى فإن ثبوت أركانه التى هى هو يكون بظنى بلا إشكال. ولأن الوجوب لما لم يقطع به فالفساد بتركه مظنون ، والصحة القائمة بالشروع الصحيح قطعية فلا يزول اليقين إلا بمثله . وإلا أبطل الظنى القطعى اهـ . وإليك الآن ملتقطات وملخصات من كلام شيخنا فى " فصل الخطاب": قوله تعالى: ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن) ذهب بعضهم إلى أن المراد بقوله تعالى هى الفاتحة لا غير جموداً منه أنها هى الواجهة لا غير وليس ٣٩١ بحث حكم الفاتحة وضم السورة بشئ ، أمامن حيث الحديث فكما علمت شمائله وتكرمه - أى فى شرح قوله فصاعداً وسنعرج عليه فى مبحث الفاتحة خلف الإمام - وأما من حيث القرآن فأيضاً كما سيتضح من بعد وذهب بعضهم إلى أن المراد ما فوق الفاتحة ويلزمه أن يكون واجهاً. والوجه أن الله تعالى أراد مجموع ما يقرأ كله وأطلق عليه ما تيسر باعتبار الطول لا باعتبار تخييره فى أى سورة واو غير الفاتحة ؛ فإن الآية نزلت فى تخفيف صلاة الليل ولا يحتاج حينئذ إلى بيان ما يتعين للوجوب فما فوقه فجاءت الآية كما ترى لا لبيان أن الواجب أى سورة لكنها أمرت بالقراءة وايجادها فكل ما عينته الشريعة وهى الفاتحة فصاعداً فهو تحت هذه الآية وكله واجب ، ثم ملك بعد هذا فى الأحاديث مسالك: إما الأمر بها وهو قوله: ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت ، وإما الأمر بالفاتحة عيناً و ترك ما بقى على شاكلة القرآن فى اللفظ أو ما يقوم مقامه وهو قوله فيالج: ((أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)». فهذا تعيين للفاتحة وابقاء للباقى على لفظ القرآن ، فما احتاج إلى تعيينه باسمه عينه وإلا أبقاه وأحاله على أصله فى القرآن . وما يقوم مقامه هو قوله: "فما زاد" فما فوق ذلك وقوله "فصاعداً". فقوله: "وما تيسر" إحالة للباقى بعد الفاتحة على القرآن وادراج تحته وسائر الألفاظ بدله . وهذه الاحالة كما فى ألفاظ حديث المسيئى: "فتوضأً كما أمرك الله". وأما الأمر بالسورة كما فى قصة معاذ، وأمره بسورتين من أوسط المفصل بالنظر إلى أن الفاتحة معلومة . وأما الأمر بقرآن بالنظر إلى من ليس عنده غير شئ من القرآن وهو ما فى حديث مسئ الصلاة من طريق رفاعة: ((فإن كان معك قرآن فاقراً وإلا فأحمد اللّه وكبره وهلله)). وقال فى " المرقاة" (١ - ٥٣٦): أن الأولى أن يحمل على أول الأمر الذى كان بناءه على المساهلة والتيسير ونحره فى ... "اعلام الموفقين". وإذا تبينك هذا الصنيع لم تتمار فى وجوب السورة . وهذا بذلك ثانياً : أن المراد فى الحديث المجموع فى الايجاب والمجموع فى ٢٩ ٣٩٢ معارف السنى ج - ٢ النفى ..... وعن عبادة مرفوعاً: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وآيتين معها ، كما فى "الزوائد" و" تخريج الهداية"، وفيه الحسن بن يحيى الخشنى من رجال " التهذيب" ضعفه بعضهم ورثقه آخرون . ولم أر لهم فى نفى وجوب السورة إلا ما فى " الفتح" من حديث ابن عباس عند ابن خزيمة: ((إن النبي ◌َُّ﴾ قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب)). وسكت عليه الحافظ ، وفيه حنظلة السدوسى قال : هو نفسه فى " التقريب": ضعيف من السابعة . وفى " التاريخ الصغير": قال يحيى القطان: حنظلة السدوسى رأيته وتركته على محمد وكان اختلط . وفى "الميزان": عبد الملك بن خطاب بن عبيد اللّه ابن أبى بكرة الثقفى مقل جداً تفرد من حنظلة السدوسى بهذا عن عكرمة عن ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ صلى صلاة لم يقرأ فيها إلا بالفاتحة، غمزه ابن القطان بهذا الخبر، وحنظلة لين .... وإنما ذكر فى الحديث "وما تيسر" ونحوه لأنه لو قال: "وسورة" لدل على وجوبها بتمامها. ولا يريبنك فى وجوب السورة الفاء فى بعض ما مر لأنه فى سياق النفى . و سياق الاثبات لم يخل عما فوق الفاتحة . ثم إن الأحاديث جعلت الصلاة عند عدم قراءة الفاتحة خداجاً لا منفية وهو حديث أبى هريرة عند مسلم وغيره و عن عائشة عند ابن أبى شيبة وأحمد وغيرها قالت: سمعت رسول اللّه عَ} يقول: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج)). وعن عبد الله ابن عمرو عند أحمد وفى جزء القراءة وكتاب القراءة وعند ابن ماجه . ومتى نفيت الصلاة فهو باعتبار انتفاء الفاتحة فما فوقها كما فى الأحاديث المارة، وأرى أن هذا يطرد فيما هو على رسم الصحيح أو الحسن وكفى بها عن الضعاف وأرى أن هذا ليس اتفاقاً أو جزافاً بل حكاية عن الواقع وعن الحقيقة . فالصلاة بترك الفاتحة خداج ، وبترك الفاتحة فما فوقها منفية، أى إذا خلت عن القراءة رأساً . ومن ههنا يعلم أن قوله : ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً)) حلى ٣٩٣ بحث نقصان الصلاة بنقصان بعض أجزائها للانتفاء رأساً والإشارات إذا سقطت على مسقط دلك على أنه المقصد فهذه [منازل من تهوى رويدك فانزل] ثم اعلم أن الحديث شهه الصلاة بترك الفاتحة باعتبار حكمها بشئء ناقص الحلقة حساً فلا يتأتى أن يقال : أن المراد أنها ناقصة حساً وإن كانت باطلة حكماً ، وإن التمام باعتمار الأجزاء كما أن الكمال باعتبار الأوصاف على ما ذكره فى "الاتقان" من القواعد المهمة، أو أن التام هو الجزء الأخير. وفى حديث مسيئ الصلاة قال: ((إنه لا يتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله ويثنى عليه)) الحديث فذكر أركاناً وغيرها عند أبى داؤد والنسائى وذكر أنها لا تم بدون ما ذكر، وقال فى آخره عند النسائى: ((فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته)). وعند الترمذى: ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصه من ذلك شيئاً انتقص من صلاتك))، قال : وهذا كان أهون عليهم من الأولى : أنه من انتقص من ذلك شيئاً انتقص من صلاته ولم تذهب كلها اهـ . وهذا هو النقصان باعتبار الحكم بخلاف نحو ما عند أبى داؤد عن أبى سعيد الخدرى أن رسول اللّهِ بَلٍ قال: ((إذا صلى أحدكم فلم بدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو قاعد، فإنه باعتبار الحس إذ نقصان الركعات يعلم بالحس بخلاف حكم الصلاة عند ترك الفاتحة فليس أمراً حسياً ويحتاج فيه إلى بيان الحكم لا الحس بخلاف صان الركعات فإنه يذكر كما وقع ويعلم حكم السجود، فالمقصود فى كلا الموضعين بيان الحكم ، وقد ذكر النقصان فى حديث الخداج فى موضع الحكم، وفى حديث السهو فى موضع صورة المسألة. ومثله فى التعبير حديث أبى هريرة عند الدار قطنى وقواه فى " الفتح" (٣ - ٨٤ ) هذا ولا يخفى أن الحقائق الحسية لا تبطل بذهاب جزء كانسان مخدج البد ، فلو كان حاذى فى الحديث بتلك الحقائق وأراد نقصانها حساً لم يدل أيضاً على بطلانها إلا بضم ( م - ٥٠ ) ٣٩٤٠ معارف السنن ج - ٢ مقدمة هى : أن ناقصة الجزء من الحقائق الشرعية حساً باطلة حكماً . ولم يحكم الشارع فى هذا الحديث بتلك المقدمة . وإنما جعلها ناقصة كالحسيات فالحكم بالبطلان خلاف الحديث ، وإنما يخرج منه وجرب الفاتحة ، واثبات مرتبة الواجب وهو مراد أصابنا وقوله : غير تمام من قولهم : ولدته أمه لتمام بكسر ويفتح لا من التمام بالمعنى الشائع. والحاصل أنه كيف كان المراد بالحديث اعتبار حال الصلاة حساً أو اعتباره حكماً ليس فيه الحكم إلا بالنقصان . انتهى كلام الشيخ وهو كلام فى غابة من الدقة والنفاسة يقدره من عنى بهذه الأبحاث الدقيقة وعسى أن يقبله كل من أنصف من أرباب المذاهب وتلخص من ذلك أمور : منها : أن قوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) وإن نزل لتخفيف صلاة الليل لأجل ما كانونا يقاسون شدة فى أدائها بتطويلها ، لكنه بعمومه لا يجاب مطلق القراءة فى الصلاة حيث لا وجوب خارجها وليس لايجاب الفاتحة خاصة أو سورة خاصة أو كليهما فإن ذلك كان معلوماً لهم بالضرورة ، ثم قوله: (فاقرءوا ما تيسر منه) يؤكد العموم المذكور ، ولعله مكرره كيلا يتوهم التخصيص بما نزل فيه وقد أشار إليه البدر العينى . منها : أن قوله فى الحديث " وما تيسر" على شاكلة ما فى القرآن وبمعناه "فما زاد" "فما فوق ذلك" و"أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" "فصاعداً" و"آيتين أو أكثر" فكل ذلك إشارة إلى قراءة شئ من القرآن ما عدا الفاتحة ولم يقل : وسورة لئلا يتوهم ايجاب سورة بتمامها . منها : أن الأحاديث تؤكد القول بوجوب الفاتحة وشيء من القرآن ما عداها جميعاً لا الفرق بينهما حتى تكون الفاتحة واحهة دون " فما زاد". فإنه لا فرق بين سياقها فى مساق واحد . ٣٩٥ بحث حكم الفاتحة فى الصلاة وتحقيقها منها: أن من تأول قوله : " وما تيسر" " وما زاد" بالتخبير فى قراءة ما بعد الفاتحة فقد أبعد عن مغزى النصوص ومحطها ومسقط إشارتها . منها : أن الشريعة حيمًا أرادت حكم ما ينفى الصلاة رأساً فذكرت ترك الفاتحة وما عداها جميعاً حيثما أرادت حكم ما ينقصها ويجعلها خداجاً فصدهه ينفى الفاتحة فقط دون الفاتحة وما بعدها معاً . منها : أنه ورد فى بعض الأحاديث عدم التمام بترك ما هو غير الأركان اتفاقاً فكذلك غير بعيد أن يذكر عدم التمام بترك الفاتحة، فلا يلزم من ذلك ر کنیتھا ولا بطلان الصلاة حكماً بتركها . . ثم إنه تبين من هذا أن تأويل لا صلاة بلفى الكمال غير صحيح ، وإن الصحيح هو نفى الصحة والاجزاء كما قاله الشافعية ، ولكنه ينفى الفاتحة وما عداها من القرآن أى القراءة مطلقاً لا الفاتحة خاصة ، فإن الزيادة قد مسحت فى روايات وطرق كما سيتضح فى مبحث الفاتحة مخلف الإمام إن شاء الله تعالى. وقد اتضح أنه لا حجة الخصم فى إثبات ركنية الفاتحة بالحديث المذكور بعد تسليم أن خبر الواحد مما يثبت الركنية حيث لا يبقى فى الحديث محل لصحة الاحتجاج بالفاتحة فقط بل الحديث يشمل ما عداها أيضاً بالطريق المذكور ، فيكون أمر التنزيل العزيز: ( فاقرءوا ما تيسر) واخبار الحديث ينفى الصلاة بترك القراءة - بعد تسابم أنه إخبار وليس بانشاء معنى - متطابقان جداً، وهذا الطريق يكاد يكون مبتكراً فى إثبات غرض الحنفية فإن المشهور أنه خبر الواحد وأنه ظنى والزيادة على القاطع بمثله غير جائز ، فتكون الفاتحة واجبة لا فريضة ، أو إنه انشاء بمعنى لا تصلوا إلا بفاتحة الكتاب . وعلى الأسلوب الذى قرره الشيخ غنى عن ذلك كله ، فلو سلمنا أنه خبر مستفيض ، أو سلمنا أن الآحاد تثهت بها الركنية، أو سلمنا أن الآية مجملة والحديث فسرها - وإن كان القول ٣٩٩ معارف السن ج - ٢ -: باب ما جاء فى التأمين :- حدثنا بندارنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى قالانا سفيان عن سلمة بالإجمال فى الآية ركيك من جهة قواعد أصول الفقه، وكذلك من حيث الواقع - فإن أمر الفاتحة والسورة كان أمراً متعارفاً بينهم فهعد تسليم كل ذلك استدلالهم لا يسمن ولا يغنى من جوع ما لم يثبت أن منشأ الحديث هو نفى الصلاة بنفى الفاتحة فقط . وإذا ثبت الزيادة من ثقة فيخرج الحديث من موضوع المأموم ، ويختص بالمنفرد والإمام ويصح حكمه بنفى الصلاة حين انتفت القراءة فيكون حجة الحنفية لاعليهم ، فمن حق المقام أن تتمسك به الحنفية ، وعليهم أن يأتوا ببرهان على أسقاط الزيادة فانعكس الأمر وانقلب الموضوع، وهذا الذى عناه الشيخ بتقريره وتحريره وتفصيله وتفسيره فذقه فمن لم يذق لم يدر والله الموفق . ويؤيده ما فى " المدونة" (١ - ٧١) عن عمر بن الخطاب يقول: ((لا تجزئ صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ معها.)). وعنه أنه قال: ((لا صلاة إلا بقراءة)) اهـ. وورد مرفوعاً من رواية أبى هريرة بهذا اللفظ فى " مسند أحمد" أنظر " فتح الربانى" (٣ - ٢١٧) ومن أجل ذلك قال أحمد - كما عند الترمذى بعد ٤١ باباً - (لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)): إذا كان وحده. ومثله عن سفيان عند أبى داؤد فى "سننه" فاتفق أبو حنيفة والثورى وأحمد على أن الحديث فى حق المنفرد والإمام دون المأموم . وأرجو أن يكون هذا القدر كافياً هنا . إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . -: باب ما جاء فى التأمين :- التأمين مصدر من باب التفعيل ، أمن الرجل قال آمين ، وآمين بالمد والتخفيف فى جميع الروايات وعند جميع القراء كذلك ، وعن حمزة والكسائى بالإمالة فيها . وفيها القصر والقصر مع التشديد والمد مع التشديد ثلاث لغات ٣٩٧ بيان المذاهب فى التأمين ابن كهبل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر قال: ((سمعت النبي ◌َال قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين وقال: آمين ومد بها صوته )). شاذة، ومعناه: يا اللّه استجب دعاءنا، وقيل فليكن كذلك، والتفصيل فى " العمدة" (٣ - ١٠٦). ثم ههنا خلافيتان: الأولى: أن التأمين هل هو للمقتدى والإمام كليها فى الجهرية أم المقتدى فقط؟ فذهب الجمهور أى أبو حنيفة والشافعى وأحمد ومالك فى رواية إلى الأول ، وذهب مالك فى رواية ابن القاسم وأبو حنيفة فى رواية الحسن إلى الثانى كما فى " الموطأ" محمد (ص - ١٠٥) حيث قال: فأما أبو حنيفة فقال: يؤمن من خلف الإمام ولا يؤمن الإمام. وروى محمد فى الآثار" ( ص - ١٦) عن أبى حنيفة عى حماد عن إبراهيم: أربع يخافك بون الإمام سبحانك اللهم وبحمدك، والتعوذ مه الشيطان، وبسم الله الرحمن الرحيم ، وآمين ، وهذا الذى أخذه عامة أصحاب المتون ، والثانية : فهل مجهر بها من يؤمن أم فيها؟ الثانى قول أبى حنيفة والکرفیین وأحد قول مالك، والأول قول الشافعی فیالقديم و قول أحمد وإسماق، وقال الشافعى فى الجديد : يجهز بها الإمام ويخفيها المأموم ، ومن القاضى حسين : القديم والجديد بعكس ذلك وهو غير صحيح عندهم ، والمختار قوله القديم . قال الحافظ ابن حجر : وعليه الفتوى، وقال الرافعى : أصح القولين الجهر ، هذا ملخص ما فى "العمدة" و"الفتح" وغيرهما. ثم من الغربب ما يقوله الحافظ فى " الفتح" من أن جهر الإمام بها قول الجمهور. قال الشيخ : ولم أجد التصريح بالجهر عنى المالكية، بل صرح فى " المدونة" بالاخفاء (١ - ٧٣). قال مالك: ويخفى من خلف الإمام آمين اهـ . ويقول الشيخ أحمد الدردير فى " أقرب المسالك": وندب الاسرار لكل مصل طلب منه اهـ. فعلم من هذا الاخفاء بها قول واحد عندهم كالحنفية وهو المذكور فى رسالة ابن أبى زبد" كما فى " السعاية " ( ٢ - ١٧٢). وقد ذهب السلف ٣٩٨ معارف السنن ج - ٢ وفى الواب عن على وأبى هريرة . قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن. وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي عَلَّ و إلى القولين غير أن أكثر الصحابة والتابعين على الاخفاء كما ذكره صاحب "الجوهر النقي" (١ - ١٣٢)، وذكر أن عمر وعلياً لم يكونا يجهر ان بآمين. وقال الطبرى: وروى ذلك عن ابن مسعود .... قال : والصواب أن الخبرين بالجهر بها والمخافة صحيحان ، وعمل بكل من فعليه جماعة من العلماء، وإن كنت مختاراً خفض الصوت بها إذا كان أكثر الصحابة والتابعين على ذلك انتهى . فكان الاخفاء هو السنة والجهر جائز غير سنة. وذكر ابن تيمية و ابن القيم أن الاختلاف فيه اختلاف فى الماح ورجحا الجهر فى بعض المواضع ، فالخلاف هين ليس بشديد. قال ابن القيم فى " الهدى": وهذا - أى الجهر - للتعليم أيضاً جهر الإمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذی لا یعنف فيه من فعله ولا من تر که اهـ . قوله : وفى الباب الخ . حديث على أخرجه "ابن ماجه" فی ر ہاب الجهر يآمين ) (ص - ٦٢): من طريق سلمة بن كهيل على حجية بن عدى على على قال: ((سمعت رسول اللّهِ حَلّ: إذا قال: ولا الضالين قال: آمين)). وأخرجه الحاكم ، وحديث أبى هريرة أخرجه الدارقطنى فى " سنته" ( ص - ١٢٨) وقال: اسناده حسن، وأخرجه فى " العلل" وأهله، وأخرجه الحاكم (١ - ٢٢٣) وقال: على شرط الشيخين. قال الزيلعى: وليس كما قال. قال الراقم: وكلاهما أخرجه من طريق اسحاق بن إبراهيم الزبيدى وهو إن وثقه بعضهم ولكن يقول النسائى : ليس بثقة ، وقال أبو داؤد : ليس بشئ. وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائى، كذا فى " الميزان"، وفى "التقريب": صدوق بهم كثيراً، وأطلق عليه محمد بن عوف أنه يكذب اهـ . فهل مثل هذا يكون على شرط الشيخين ؟! ورواه أبو داؤذ وابن ماجه ٣٩٩ بحث اخفاء التأمين والجهر 4 التابعين ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها . وبه قال: ((كان رسول اللّه عَ الجل إذا تلا: وغير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين حتى يسمع من يلبه "من الصف الأول)) وزاد ابن ماجه: ((فيرتج بها المسجد)، وكلاهما أخرج من طريق بشر بن رافع. قال الزيلعى: وبشر ابن رافع ضعفه البخارى والترمذى والنسائى وأحمد وابن معين وابن حبان . وقال ابن القطان: ضعيف ويروى هذا الحديث عن أبى عبد الله ابن عم أبى هريرة، وأبو عبد الله هذا لا يعرف له حال ، ولا روى عنه غير بشر، والحديث لا يصح من أجله اهـ . ورواه النسائى فى " سنته" (١ - ١٤٤) فى (باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم) من حديث نعيم بن المجمر قال: ((صليت وراء أبى هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين فقال الناس: آمين .... وفيه إذا سلم قال : والذى نفسى بيده إنى لأشبهكم صلاة برسول اللّه عَلخل)) وسباق هذا الحديث بدل على أنه حديث آخر غير ما أخرجه أبوداؤد وابن ماجه والدار قطنى والحاكم ، و ليس عند النسائى فى الهاب غير هذا، وقد تقدم ما فيه فى (باب الجهر بالتسمية) من العلل القادحة مع صحة اسناده . وفى الباب أيضاً حديث أم الحصين: « أنها صلك خلف رسول الله حَ لّ فلما قال: ولا الضالين قال: آمين فسمعته وهى فى صف النساء)) أخرجه الزبلعى (١ - ٣٧١) عن مسند اسحاق ابن راهويه من طريق اسماعيل ابن مسلم المكى، والهيثمى فى "الزوائد" (٢ - ١١٤) عن الطبرانى فى " الكبير" قال: وفيه اسماعيل بن مسلم المكى وهو ضعيف اهـ. وقال الحافظ فى "التقريب": ضعيف الحديث آه. فهذا ما عندهم فى الباب وانكشف حاله عند أولى الألهاب ٤٠٠ معارف السنى ج - ٢ يقول الشافعى وأحمد وإسماق . وروى شعبة هذا الحديث عن سلمة بن كهبل قال الشيخ : وحديث الهاب لم يخرجه الشيخان لاختلاف شعبة وسفيان . ورجح المحدثون حديث سفيان وقالوا: وهم فيه شعبة فى مواضع ، الأول : أنه-قال عن حجر أبى العنيس وإنما هو ابن العنبس ويكنى أبا السكن. الثانى: أنه زاد بيع حجر ووائل علقمة بن وائل . الثالث : أنه قال : وخفض بها صوته وإنما هو مد بها صوله قال الراقم : هذه الثلاثة ذكرها الترمذى فى "جامعه" وذكر الترمذى له علة رابعة فى " علله الكبير" كما حكاها "الزيلعي" (١ - ٣٧٠) فقال: سألت محمد بن اسماعيل هل سمع علقمة من أبيه؟ فقال: إنه ولد بعد موت أبيه لستة أشهر انتهى. وذكر ابن عبد الهادى له علة خامسة فى "التنقيح" حكاه البدر العينى فى "العمدة" (٣ - ١١١) بأنه قد روى شعبة خلافه عند البيهقى فى " سنته" وفيه: ((قال آمين رافعاً صوته)). وقال البيهقى" "المعرفة": استاد هذه الرواية صحيح. ومثله فى "نصب الرأية" (١ - ٣٦٩) وذكروا أيضاً أن شعبة متفرد، وسفيان قد تابعه محمد بن سلمة بن كهبل وغيره من سلمة، وذكروا أيضاً أن الترجيح الثورى إذا اختلف هو وشعبة لقول شعبة : سفيان أحفظ منى امـ كما ذكره الذهبى وغيره . فهذه عندهم وجوه مرجحة لرواية الثورى على رواية شعبة . وقد أجاب الحنفية عنها : أما عن الأول : فهو أن أبا العنيسن وابن العنبس كلاهما واحد الجد والحفید کلاما عنیس وقد سماء سفیان عند أبى دائد فى " سنته " فی ( ہاب التأمين وراء الإمام ) (١ - ١٣٤) وقد صرح ابن حبان فى كتاب الثقات على كونها واحداً كما حكاه "الزيلغى" (١ - ٣٧٠) وكذلك هو منصوص فى رواية "الدار قطنى" (ص - ١٢٨) عن وكيع والمحاربى قالا حدثنا سفيان عن سلمة بن كهبل عن حجر أبى العنيس وهو ابن العنبس عى وائل بن