النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
تحقيق وجه الترجيع فى أذان أبى محدورة
عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة)) . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن
تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله تخفض بها صوتك ثم
ترفع صوتك بها)). فجعله من سنة الأذان، وهو كذلك فى " صحيح ابن حبان"
و " مسند أحمد" ولكنه معارض بما أخرجه الطبرانى عن أبى محدورة وليس فيه
ترجيع اهـ. قال الراقم: وأحسن من هذه الأقوال وأبلغ منه فى المقصود ما
أفاده ابن قدامة فى "المغنى" (١ - ٤٢١): ويحتمل أن النبى ◌َلّ إنما أمر
أما محذورة بذكر الشهادتين سراً ليحصل له الإخلاص بها فإن الإخلاص فى
الإسرار بها أبلغ من قولها إعلاناً للإعلام ، وخص أبا محذورة بذلك لأنه لم يكن
مقرأ بها حينئذ، فإن فى الخبر أنه كان مستهزاً بحكى أذان مؤذن النبى ◌َا} ،
فسمع النبى عَ ل﴾ صوته فدعاه فأمره بالأذان. قال: ولا شئى عندى أبغض
من النبي ◌َّلَمٍ ولا مما يأمرنى به، فقصد النبى عَلُ نطقه بالشهادتين سراً ليسلم
بذلك ولا يوجد هذا فى غيره، ودليل هذا الاحتمال كون النبى معٍَّ لم بأمر به
بلالاً ولا غيره ممن كان مسلماً ثابت الإسلام، انتهى كلامه . قال الراقم
النورى : وما أشار إليه من الخبر فأخرجه الدارقطنى فى " سنته" وفيه قصة
طويلة وٍفى آخره: (( ثم دعانى حين قضيت التأذين وأعطانى صرة فيها شئ من
فضة ثم وضع يده على ناصية أبى محذورة ثم أمرها على وجهه ثم أمر بين ثدييه
ثم على كبده حتى بلغت بده سرة أبى محذورة ثم قال رسول اللّه عَ لّ: بارك
الله فيك وبارك عليك، فقلت يا رسول الله: مرفى بالتأذين بمكة؟ فقال: قد
أمرتك، وذهب كل شئ كان لرسول الله عَ لٍّ من كراهيته وعاد ذلك كله محبة
للنبىِ وَالٍ)) وهذه القصة تؤيد ما أفاده ابن قدامة، وأيضاً فليس فيه الأمر بالترجيع
حين جعله مؤذناً بل كان ذلك حين يافى كلمات الأذان ، فلعل أبا محذورة أبقاه
تذ كاراً لتلك البركة التى حصلت له بذلك ، والتذاذاً بإعادتها ، فجرى سنة فى.
أذانه وفىأذان ولده بعده وهكذا حتى شاعت فيما شاعتمنالبلاد، فلا ببعد أن يكون

١٨٢
معارف السنن
ج - ٢
صحيح . وأبو محذورة اسمه سمرة بن معير . وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا
فى الأذان . وقد روى عن أبى محذورة أنه كان يفرد الإقامة .
وجه التعامل به هذا لا غير ، ويؤيده ما روى أبوداؤد فى "سننه": فكان
أبو محذورة لا يجز ناصيته ولا يفرقها لأن النبي ◌َّلج مسح عليها اهـ.فإذا كان
استمر على عدم جزناصيته تبركاً وتيمناً فماظنك بكامتى الشهادة بالترجيع ، و
قد حصل له ما حصل من نورها وحلاوتها . وتقرير الوجه هكذا أرى أنه
ألصق بالواقعة وأعلق بالقلب والله أعلم بالصواب. وقال ابن الجوزى فى "التحقيق"
- على ما حكاه الزيلعى -: حديث عبد الله بن زيد أصل فى التأذين وليس فيه
ترجيع ، فدل على أن الترجيع غير مسلون ، وأيضاً حكى فى موضع آخر :
وأيضاً فأذن أبى محذورة عليه أهل مكة ، وما ذهبنا إليه عمل أهل المدينة والعمل
على المتأخر من الأمور اهـ. قال الراقم: فالحاصل أن الترجيع كان فى أذان
أبى محمدورة غير أن كل فريق اختاروا ما اختاروا بوجوه الترجيح . فقال
النووى فى "المجموع" (١ - ٩٣): وهو - أى حديث أبى محذورة -
مقدم على حديث عبد الله بن زيد لأوجه : أحدها: أنه متأخر . والثانى : أن
فيه زيادة وزيادة الثقة مقبولة. والثالث: أن النبى ◌ّ الجٍ لقنه إياه. والرابع:
عمل أهل الحرمين بالترجيع اهـ. ويقول الحنفية والحنابلة: عدم الترجيع مقدم
على الترجيع لوجوه : الأول : أن حديث عبد الله أصل فى التأذين ، وأذان
الملك النازل من السماء كان من غير ترجيع . الثانى : أذان بلال لم يكنى فيه
ترجيع وهو مؤذن رسول اللّه عَ لَه بإطباق أهل الإسلام سفراً وحضراً إلى أن
توفى مٍَّ ومؤذن أبى بكر الصديق إلى أن توفى من غير ترجيع. الثالث:
أنه المتأخر إذا أقره النبي ◌َُّّ حين رجع إلى المدينة بعد ما لقن أبا محذورة الأذان
بمكة الرابع : أنه جرى تعامل أهل المدينة بحديث عبد الله فى عهد النبوة وفى
شهد الصديق ، ولم يدر متى حدث الترجيع فى أهل المدينة . الخامس : أن رواية

١٨٣
بحث إفراد الاقامة وتشتيتها
-: باب ما جاء فى افراد الاقامة :-
حدثنا قلبية نا عبد الوهاب الثقفى ويزبد بن زريع عن خالد الحذاء من أبى
عدم الترجيع أ کثر وأصح إسناداً . السادس: أن حديث أبى محذو رةروى مختلفاً،
فروى بعدم الترجيع عند الطبرانى، ولم يقع اختلاف فى حديث بلال ولا حديث
عهد الله بن زيد. السابع: أن ما عدا الشهادة لا ترجيع فيه بالإجماع، واختلفوا
فيهما فالقياس على ما أجمعوا أولى . الثامن: أن الترجيع يحتمل محامل قوية كما
سلفت وعنده هذه المحامل أنى يقوى به الاستدلال . وأما الإقامة عندنا فتصدى
الشافعية إلى نفى التثنية فى إقامة بلال ، كما يقول حامل لوائهم فى ذلك البيهقى فى
"سلنه الكبرى" وعنه فى " شرح المهذب"، غير أن الثفى ما هو بممكن فإن
التثنية فى الإقامة ثابتة من غير ريب كما حققه الطحاوى فى "شرح معانى الآثار"
(١ - ٨٠) وأسنده عن الأسود وسويد بن غفلة عن بلال أنه كان يؤذن مثنى
ويقيم مثنى ، وأسند حديث ابن أبى ليلى من طرق فى تثنية الإقامة وإلقاءها على
بلال . وكذلك حققه الزبلعى فى "نصب الرأية" (١ - ٢٦٦ و٢٦٧) وفى
" شرح معاني الآثار" (١ - ٨١): إن بلالاً اختلف فيما أمر به من ذلك،
ثم ثبت هو من بعد على التثنية فى الإقامة بتواثر الآثار فى ذلك. فعلم أن
ذلك هو ما أمر به اهـ. وقال ابن الهام فى " الفتح" (١ - ١٦٩): وقد
قال الطحاوى: تواترت الآثار عن بلال أنه كان يثنى الإقامة حتى مات .
وهن إبراهيم النخعى كانت الإقامة مثل الأذان حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها
واحدة واحدة للسرعة إذا خرجوا ، يعنى بنى أمية، كما قال أبو الفرج ابن الجوزى!
كان الأذان والإقامة مثنى مثنى ، فلما قام بنو أمية أفردوا الإقامة اهـ.
-: باب ما جاء فى إفراد الإقامة :-
هذا الباب الحجازيين كما أن الباب اللاحق للعراقيين .
١٣

١٨٤
معارف السن
ج ٠ ٢
قلابة عن أنس بن مالك قال: ((أمر بلال
قوله: أمر بلال. ((أمر)). هكذا وقع فى معظم الروايات على البناء للمفعول
كما أفاده الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٦٥) وهل هذه الصيغة تقتضى الرفع عند المحدثين
والأصوایین؟ فيه خلاف مشهور، ورجح الكرمانى ثم العسقلانى هنا رفعه، انظر
"العمدة" (٢-٦١٩) و"الفتح" (٢ -٦٥) وفى رواية روح بن عطاء عن خالد عى
أبى قلابة عن أنس وفيها: ((فأمر بلالاً)) - بالنصب -. قال الحافظ: وهو بين
فی سیاقه، قال: وأصرح من ذلك رواية الكسائى وغيره عن قتيبة عن عبد الوهاب
بلفظ: ((إن التى ◌َّ ليٍ أمر بلالاً الخ)) وقال فى "التلخيص": ورواه النسائي
وابن حبان والحاكم ولفظهم: (( إن رسول الله ێآگ أمر بلالاً الخ ، ولکنے فی
" كتاب العلل" لابن أبى حاتم ( ١ - ١٩٤): مثل أبو زرعة عن حديث
رواه عثمان بن أبى صالح المصرى عن أبى لهيعة ( كذا فى الأصل والصحيح ابن
لهيعة) عن عقيل على الزهرى عن أنس بن مالك: ((أن رسول اللّهِ حَلّ أمر بلالاً.
أن يشفع الأذان ويؤثر الإقامة )) . قال أبو زرعة هذا حديث منكر. وفى "نصب
الرأية" فى هذا الحديث قال الشيخ فى "الإمام": والصحيح من مذهب الفقهاء
والأصوليين أن قول الراوى : "أمر" أو " أمرنا" ملحق بالمسند لكنه ورد
بصيغة الرفع كما روى قتيبة عن عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس:
((أن النبي ◌َّ لّ أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويؤثر الإقامة)) إلا أن ابن أبى حاتم
ذكر عن أبى زرعة أنه قال: هذا حديث منكراهـ. ويقول البدر العينى: و
يحتمل أن يكون الآمر فيها غير الرسول مح له ، ثم رد كلام ابن حجر بقوله :
فله : روى البيهقى فى " سلته الكبير" من حديث ابن المبارك عن يونس عن
الزهرى عن سعيد عن عبد الله بن زيد بن عهد ربه، وأبو عوانة فى "صحيحه"
من حديث الشعبى عنه ولفظه: ((أذن مثنى وأقام مثنى)). وحديث أبى محذورة عند
الترمذى صحيحاً: ((علمه الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى))، وحديث أبى جحيفة:

١٨٥
بحث تثنية الأذان وإفراد الإقامة
أن يشفع الأذان ويؤثر الإقامة)). وفى الباب عن ابن عمر. قال أبو عيسى :
(أن بلالاً رضى الله عنه كان يؤذن مثنى مثنى ويقيم مثنى مثنى الخ)) فعارض حديث
روح بن عطاء بما ذكره كما ترى . قال الراقم : ويعارض أيضاً بما ذكره
الحافظ فى "التلخيص" (ص - ٧٤): وروى الحاكم والبيهقى فى الخلافيات
والطحاوى من رواية سويد بن غفلة: (أن بلالاً كان بثنى الأذان والإقامة)» وادعى
الحاكم فيه الانقطاع؛ ولكن فى رواية الطحاوى: ((سمعت بلالاً الخ)) وبما ذكره
أيضاً : وروى عهد الرزاق والدار قطنى والطحاوى من حديث الأسود بن زبد
((أن بلالاً كان يثنى الأذان ويثنى الإقامة وكان يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير)) اهـ .
ويعارض كذلك بما تقدم من حديث ابن أبى ليلى من طرق صحيحة متصلة .
قوله : أن يشفع الأذان . استدل به المالكية على تثنية " الله أكبر " فى
الأول ، وعن أبى يوسف مثله كما فى "البدائع". ونقول: التربيع هنا بمنزلة
التثنية عندنا أيضاً لأدائها فى نفسين لا أربع . هذا فى صورة التطبيق حيث صح
الربع فی حدیث أبى محذورة عند الشافعی وأبى داود والنسائى وابن ماجه وابن
حبان، وجاء فى بعض طرقه كون الأذان تسع عشرة كامة، وبالتربيع والترجيع
يتم ذلك العدد، وكذلك صح التربيع فى حديث عبد الله بن زيد من عدة
طرق ، انظر "نصب الرأية" و"التلخيص" فدل ذلك على أن التربيع فى التكهير
الأول ثبت صحيح بلاريب، فإن لم يوفق بين الروايات تعين المصير إلى ما هو
أصرح فى الباب وما لا يحتمل تأويلاً .
قوله: ويؤثر الإقامة . أمر بإيتار الإقامة ، واحتج به الجمهور فى إفراد
ألفاظها ، وأجاب الحنفية بأن الغرض إيتار صوتها بأن يحدر فيها قاله المحقق ابن
الحمام وغيره ، وقال : يجب الحمل على هذا المعنى ليوافق مارويناه من النص
( ٢ - ٢٤ )

١٨٦
معارف السنن
ج - ٢
حديث أنس حديث حسن صحيح ، وهو قول بعض أهل العلم من أصحاب النبى
حَلّ والتابعين. وبه يقول مالك والشافعى وأحمد وإسحاق.
الغير المحتمل ، كيف ؟ وقد قال الطحاوى : تواترت الآثار عن بلال أنه كان
يثنى الإقامة حتى ماث الخ، وكذلك الشافعية وغيرهم مضطرون إلى التأويل فى
إيتار ألفاظها؛ فإن التكهير مثنى مثنى عندهم، فأجابوا بأن التثنية فى تكبير الإقامة
بالنسبة إلى الأذان إفراد كما فى" فتح البارى» (١ - ٦٨) ولفظ النووى فى
"شرح المهذب" (٣ - ٩٣): فالجواب أنه وتر بالنسبة إلى تكبير الأذان
فإن التكبير فى أول الأذان أربع كلمات ، ولأن السنة فى تكبيرات الأذان
الأربع أن يأتى بها فى نفسین کل تگهیر تین فی نفس، وفىالإقامة یأتیپالتگییر تین
فى نفس فصارت وتراً بهذا الاعتبار والله أعلم، انتهى لفظه ، وهذا قريب مما
قاله الحنفية بل أبعدوا فى التأويل عنهم فإنهم ذهبوا إلى التجوزفى إيتار التكبيرات
واختاروا الحقيقة فى سائر الكلمات فكأنهم جمعوا بين الحقيقة والمجاز بلفظ
واحد كما هو مذهبهم فى قواعد الأصول، فاضطروا إليه لتصحيح المذهب. و
أما الحنفية فتأولوها على منهاج واحد توفيقاً بين الروايات، ولما ثبت من توارث
التثنية فى إقامة بلال ، فانظر أيهم أهدى إلى الحقيقة ، ولکنه يخالفهم ما
ورد من الاستثناء فى رواية " الصحيحين» من طريق أيوب عن أبى قلابة
عن أنس فى "البخارى" فى ( باب الأذان مثنى ) وفى " مسلم" (باب الأمر
بشفع الأذان وإيتار الإقامة): ((إلا الإقامة)) ولم يتوجهوا إليه. قال الشيخ :
الاستثناء بقوله: ((إلا الإقامة)) ليس من قوله: ((ويؤثر الإقامة)) بل الغرض
بيان أن الإقامة مثل الأذان مع بيان اختلاف كيفية الأداء (إلا الإقامة)) أى ما
عدا لفظ وقد قامت الصلاة)) فإنه زيادة على ذلك. وقال شيخنا العثمانى فى" فتح
الملهم" (٢ - ٤): والأظهر ما قاله شارح " النقابة": أن الأمر بإيتار
الإقامة من باب الاختصار فى بعض الأحوال تعليماً للجواز، ولا يستمر سلة بدليل
۔۔۔

تحقيق إقامة بلال من الشفع والإيتار وبيان بقية كيفيات الأذان ١٨٧
-: باب ما جاء فى أن الاقامة مثنى مثنى :--
حدثنا أبو سعيد الأشج نا عقبة بن خالد عن ابن أبي ليلى عن عمروبن مرة
ما ذكرنا سابقاً من إقامة بلال رضى الله عنه اهـ. وكان شيخنا المحمود قدس
الله روحه قد أفصح بهذا الجواب فى دروس الترمذى ثم رأيته فى شرح "النقاية"
ولله الحمد اهـ . وادعى ابن مندة والأصيلى بأن الاستثناء ليس من الحديث بل
مدرج من قول أيوب ، وهذا بؤبد الحنفية ، ونظر فيه الحافظ فى " الفتح "
پأن رواية عبد الرزاق وسیاقه بدل على رفعه، وكأن الحافظ يستدل على الاحتمال
ولم يقم عليه حجة قوية عنده، انظر "الفتح" (٢ - ٦٧ و ٦٨).
تنبيه: وثبت فى رواية عن ابن عمر "الله أكبر" ثلاثاً فى " مصنف ابن
أبى شيبة ". قال الشيخ: وكنت أزعم أنه سهو الناسخ حتى رأيت مثله فى
"مؤطأ محمد" (ص - ٨٦) فى ( باب الأذان والتثويب) عن مالك عن نافع
عن ابن عمر: ((أنه كان يكبر فى النداء ثلاثاً ويتشهد ثلاثاً الخ)). قال الراقم :
وهو كذلك فى " المحلى" لابن حزم (٣ - ١٥٥) قال: روى معمر عي
أبوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر: ((الأذان ثلاثاً ثلاثاً)). ورواه البيهفى
فى "الكبرى" (١ - ٤٢٤) فى (باب ما روى فى حى على العمل) مع
طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ رواية محمد
إلا أنه قال : ويشهد. وأغرب منه ما تقدم من أذان البصريين بتربيع التكبير
وتثليث الشهادتين والحبعلتين كما ذكره ابن رشد، ولعله من "استذ كار" الحافظ
أبى عمر فإنه صرح بأنه نقل المذاهب منه فلعل هناك أصلاً لكل ذلك ، ولكن
لا يخلو عن الغرابة روايةً وتعاملاً.
- باب ما جاء فى أن الإقامة مثنى مثنى :-
هذا الباب للعراقيين كما كان الأول الحجازيين ، وأجاب الحجازيون عنه

١٨٨
معارف السنن
ج - ٢
عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عبد الله بن زيد قال: ((كان أذان رسول الله
◌َ ل شفعاً شفعاً فى الأذان والإقامة)). قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زيد
رواه وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى: «أن
عبد الله بن زيد رأى الأذان فى المنام)). وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبدالرحمن
ابن أبى ليلى قال: ثنا أصحاب رسول اللّه عَلّ أن عبد الله بن زيد رأى الأذان
فى المنام. وهذا أصح من حديث ابن أبى ليلى، وعبد الرحمن بن أبى ليلى لم يسمع
من عبد الله بن زيد .
بأن هذا الحديث معلول بالانقطاع والاضطراب ، ثم بالمعارضة بحديث أنس
فى " الصحيحين" انظر " السنن الكبرى" اللهبهفى (١ - ٤٢١) و"شرح
المهذهب" (٣ - ٩٥) وما بعدها، ولكن قال البيانى ( ١ - ٤١٨): وفى
صحة التثنية فى كلمات الإقامة سوى التكبير وكلمتى الإقامة نظر ففى اختلاف
الروايات ما يوهم أن يكون الأمر بالتثنية عاد إلى كلمتى الإقامة الخ . ورده
الماردينى فى "الجوهر النقي" بأنه بدل على بطلان هذا التأويل عد كلمات الإقامة
سبع عشرة كامة ، وأيضاً روح بن عهادة فى روايته عن ابن جريج عد
الكلمات كلها مثناة ، وكذا حجاج عن ابن جريج فيما رواه النسائى، وحسنه
الحازمى ، فكيف تعود التثنية إلى كلمتى الإقامة فقط مع هذا التصريح اهـ .
قوله: وعبد الرحمن بن أبى ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد، أجاب عنه
الزيلعى فقال فى "نصب الرأية" (١ - ٢٦٧): وقال المنذرى فى "مختصره"
قول ابن أبى ليلى: ((حدثنا أصحابنا)) إن أراد الصحابة فهو قد سمع جماعة من الصحابة
فيكون الحديث مسنداً وإلا فهو مرسل اهـ. قلت: أراد به الصحابة ، صرح بذلك
ابن أبى شيبة فى " مصنفه" فقال حدثنا وكيع ثما الأعمش عن عمرو بن مرة عن
عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد حّله أن عهد الله بن زيد
الأنصارى جاء إلى النبي ◌َّ له فقال: ((يارسول اللّه رأيت فى المنام كأن رجلاً قام

١٨٩
نحقیق حديث عبد الله بن زيد فى التأذين بأنه موصول
قال بعض أهل العلم: الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى . وبه يقول سفيان
الثورى وابن المبارك وأهل الكوفة .
وعليه بردان أخضران فقام على حائط فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى)) انتهى .
قال فى " الإمام": وهذا رجال الصحيح، وهو متصل على مذهب الجماعة
فى عدالة الصحابة، وإن جهالة أسمائهم لا تضر، انتهى ما أفاده الزيلعى. قال
الدار قطنى فى " الهيوع" ( ص - ٥١٠ ): عبد الله بن زيد بن عبد ربه توفى
فى خلافة عثمان الخ، كما قاله شيخنا. وحكى الحافظ فى " الإصابة" (٢ -
٣١٢): عن محمد بن عبد الله بن زيد: مات أبى سنة اثنتين وثلاثين وهو
ابن أربع وستين وصلى عليه عثمان اهـ. وعبد الرحمن أدرك عهد عمر ، ورأى
مائة وعشرين صحابياً. وقال الحافظ فى "التهذيب" (٦ - ٢٦٠): ولد
لست بقين من خلافة عمر ، وروى على أبيه وعمر وعثمان وعلى .
وعبد الله بن زيد بن عبد ربه ولم يسمع منه الخ. قلت : لا مانع من السماع إذ
سنه حين توفى عبد الله بن زيد نجو ثمانية أعوام، وهو سن يتحمل السماع، على
أن الإمام علاء الدين المارديني قال: ولد ابن أبى ليلى سنة سبع عشرة ، ويقول
الحافظ أبو عمر فى " الاستيعاب" فى ترجمة عبد الله بن زيد هذا: وروى عنه
سعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبى ليلى وابنه محمد بن عبد الله بن زيد اهـ.
والمتبادر منه أنه يروى عنه سماعاً. وقال البدر العينى فى " العمدة" ( ٣ -
١٢٨): عبد الرحمن بن أبى ليلى الأنصارى الكوفى كان أصحابه يعظموله ، كان
أمیراً أدرك مائة وعشرين محابیاً . قال عبد الملك بن عمير : رأیت ابن أبىليلى
فى حلقة فيها نفر من الصحابة يستمعون لحديثه وینصتون له اهـ. وفى
" التهذيب" مثله، وزاد " فيهم البراء" . ماث رحمه الله غريقاً بنهر البصرة
شهيداً سنة ثلاث وثمانين . وعلى هذا فلا يبقى إذن ريب فى صحة السماع ، ولو
فرضنا أنه روى عن عبد الله بن زيد بواسطة أحد من الصحابة ولم يسمع منه

٩
معارف السنى
ج - ٢
يغير واسطة فيكون مرسلاً عن الصحابة وهو فى حكم المسند مقبول اتفاقاً .
وبالجملة لا يخلو إما أن تكون روايته مسندة من غيروسيط كما هو الأقرب
إلى الصواب، أو تكون مرسلة بواسطة الصحابة، وهى مسندة حكماً، والله ولى
التوفيق ، وبالجملة زالت علة الانقطاع من غير شك، وقد جاءت الأجوبة عن
البقية فى التفصيل الذى سقناه فى ما سبق .
وأبو ليلى اسمه : بلال ، وقيل : يسار صحابى .
تنبيه : حكى البيهقى فى " الكبرى" (١ - ٤١٩) والنووى فى " المجموع"
(٣ - ٩٧) رواية الزعفرانى فى القديم عن الشافعى ما نصه: الرواية فى
الأذان تكلف لأنه خمص مرات فى اليوم والليلة فى المسجدين - بعنى مسجدى
مكة والمدينة - على رؤس المهاجرين والأنصار، ومؤذفو مكة آل أبي محفورة،
وقد أذن أبو محذورة الذى محله﴾ وعلمه الأذان ثم ولده بمكة ، وأذن آل سعد
القرظ منذ زمن رسول الله عَلَةٍ وأبى بكر رضى الله عنه، كلهم بحكى الأذان
والإقامة والتثريب وقت الفجر كما ذكرنا ، فإن جاز أن يكون هذا غلطاً من
جماعتهم والناس بحضرتهم ، ويأتينا من طرف الأرض من يعلمنا ذلك، جاز له
أن يسألنا عن عرفة ومنى ثم يخالفنا ولو خالفنا فى المواقيت لكان أجوز له من
مخالفتنا فى هذا الأمر الظاهر المعمول به، انتهى كلام الشافعى رحمه الله. قال
الراقم عفا الله عنه: باليت لو كان قائل هذا الكلام غير الإمام الشافعى، فإن
فى كل قطعة من المقال ممالاً للبحث واسعاً، وأستغرب من مثل الإمام دأبه فى
الرد بهذه اللهجة التى فيها جفوة وقسوة، ونظراً إلى جلالة قدره أتلكأ عن جواب
كلمة كلمة بيد أن الكلام غير مستساغ، وأرى أنه أحس الإمام نوع قوة فى الروايات
فى الجانب الآخر أو معارضة بينها بحيث لا يمكن انصرامها أو ترجيح مذهبه
بالرواية فقط، فحاول أن يتمسك بالتعامل الحادث فى عصره ، وهو على على
من أن الحرمين قد تداولتها دول وحكومات ، واستخلفتها إمارات وولايات

١٩١.
بقية جواب عن كلام الشافعى فى الترجيع
من عهد رسول اللّه عَلَّ إلى عهده فكم وكم غيرت أمور وأمور وحدات
ظروف وأحوال ، فأنى يستقيم التمسك والحال هذه على تعامل ماض فى
عهده ؟! فأقول مقتنعاً بإشارات فى الباب: قال أبو محمد ابن حزم فى "المحلى"
(٣ - ١٥٣ وما بعدها): الأذان منقول نقل الكافة بمكة والمدينة وبالكوفة؛
لأنه لم يمر بأهل الإسلام - مذ نزل الأذان على رسول اللّه عَجلّل إلى يوم مات
أنس بن مالك آخر من شاهد رسول اللّه عَّ وصحبه - يوم إلا وهم يؤذنون
فيه فى كل مسجد من مساجدهم خمس مرات فأكثر ، فمثل هذا لا يجوز أن
يلسى ولا أن بحرف ـ إلى أن قال -: وكذلك فتحت الكوفة ونزل بها طوائف من
الصحابة رضى الله عنهم ، وتداولها عمال عمر بن الخطاب وعمال عثمان رضى الله
عنها كأبى موسى الأشعرى وابن مسعود وعمار والمغيرة وسعد بن أبى وقاص
ولم تزل الصحابة الحارجون عن الكوفة يؤذنون فى كل يوم .... خمس مرات
إلى أن بنوها وسكنوها ، فمن الباطل المحال أن يحال الأذان بحضرة من ذكرنا،
ويخفى ذلك على عمر وعثمان أو يعلمه أحدهما فيقره ولا ينكره ثم سكن الكوفة
على بن أبى طالب إلى أن مات ونفذ العمال من قبله إلى مكة والمدينة، ثم الحسن ابته
رضى الله عنه إلى أن سلم الأمر لمعاوية رحمه الله، فمن المحال أن يغير الأذان،
ولا ينكر تغيره على والحسن، ولو جاز ذلك على على لجاز مثله على أبى بكر
وعمر وعثمان وحاشا لهم من هذا، فما يظن بهم ولا بأحد منهم مسلم أصلاً ...
. .. فصح يقيناً أن الأذان أهل مكة من ذلك ما لأذان أهل المدينة سواء بسواء ،
وأن الأذان أهل الكوفة من ذلك ما لأذان أهل مكة وأذان أهل المدينة ولا فرق. فإن
قالوا : لم يغير ذلك الصحابة لكى غير بعدهم . قلنا: إن جاز ذلك على التابعين بمكة
والكوفة فهو على التابعين بالمدينة أجوز، ٠) كان فى المدينة فى التابعين كعلقمة،
والأسود، وسويد بن غفلة، والرحيل ( كذا فى الأصل ويحتمل أنه ابن
: شراحيل وهو الشعبى) ومسروق ونباتة وسليمان بن ربيعة وغيرهم، فكل هؤلاء

١٩٢
معارف السنن
ج - ٢
أنى فى حياة عمر بن الخطاب آه. وقال فى (٣ - ١٥١): سويد بن غفلة
من أكبر التابعين قدم بعد موت النبي ◌َّمُ بخمس ليال أو نحوها، وأدرك
جميع الصحابة الباقين بعد موته عليه السلام اهـ. قلت: وفى " التهذيب" (٤
- ٢٧٨): وقدم المدينة حين نفضت الأبدى من دفن رسول الله فَ الج وهذا
أصح اهـ. قلت: وهذا الذى روى عند الطحاوى وغيره: «سمعت بلالاً يؤذن
مثنى ويقيم مثنى)). وبالجملة ما قاله ابن حزم قول وسط فى الباب، ومثله حكى
أبو عمر عن أحمد بن حنبل ، وابن راهويه، وداؤد، ومحمد بن جرير
إجازة القول بكل ما روى وحماوه على الإباحية والتخيير . كما تقدم ، وحكاه
علاء الدين فى " الجوهر" أبسط منه، ولقائل أن يقول فى مزية مذهب الكوفيين
فى ذلك حيث روى عبد الرزاق عن الثورى عن فطر عن مجاهد ذكر له الإقامة
مرة مرة فقال : هذا شئ استخفته الأمراء الإقامة مرتين مرتين . وقال ابن
أبى شيبة: حدثنا وكيع نا فطر فذكره ، ورواه الطحاوى بإسناده عن مجاهد
فذكر بمعناه كما فى " الجوهر النقي"، وروى البيهنى فى الخلافيات بإسناده
عن إبراهيم النخعى : أول من نقص الإقامة معاوية بن أبى سفيان . - وهو
بالصاد المهملة لا بالضاد المعجمة كما توهمه الحاكم واقتدى به البيهقى الأثر مجاهد -
أفاده الحافظ المارديني. قلت: ولفظ الطحاوى عن إبراهيم النخعى: ((كانت
الإقامة مثل الأذان حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة واحدة للسرعة إذا
خرجوا يعنى بنى أمية ، كما قال أبو الفرج ابن الجوزى : كان الأذان والإقامة
مثنى مثنى فلما قام بنو أمية أفردوا الإقامة كما فى "فتح القدير" وأضف إلى
ذلك ما الكوفة من المنزلة السامية والمزية بعد عهد الخلفاء الراشدين فى العلم و
الفقه والدين؛ حتى أصبحت الكوفة فى عهد الأموية طول أيام الجور معقل أهل
الدين بفر إليها المضطهدون؛ كما أشار إليه الشيخ محمد زاهد الكوثرى فى تقدمة
" نصب الرأية؟، فلا يبعد أن تهفى سنة الأذان بصفتها محفوظة هناك، وأن
١

١٩٣
بحث وتحقيق فى الأذان بالترجيع وعدمه
تصيبها سلطة أمراء الجور فيدخله تغير فى بعض الصفات . لسك أقول : إن
ذلك التغير غير معهود فى الشرع أصلاً، وإنهم قاموا بتشريع جديد، وإن القوم
أكرهوا بذلك وأصبحوا لا قبل لهم بدفعه، ولكنما أقول: لعل كان هناك سعة
فى الأمر من ثبوت التخفيف والاختصار فى الإقامة أحياناً لعذر أو بياناً لجواز،
فاختاروه تخفيفاً للمؤنة وتيسيراً للأمر، لا أنهم أحدثوا أمراً لم يعهد فى الشرع،
وسك القوم فى شتى البلاد على رغمهم . وبالجملة فأبو حنيفة وسفيان الثورى
ومن اختار مسلكهم لم يكونوا فى عمية من أمر الحرمين ومهى تعامل أهلها فى
مصرهم ، بل يكاد يكون ذلك ممتنعاً لأن وفود جميع أهل الأرض يردون مكة
كل سنة فما كان ليخفى ذلك أصلاً على الناس كما يقوله ابن حزم فى " محلاه "
(٣ - ١٥٦). وأبو حنيفة نفسه حج خمساً وخمسين حجة، وأقام بمكة سنين
عديدة فى آخر عهد الأموية كما لا يخفى، فهل يخفى على مثله تعامل أهل الحجاز،
وكان موسم الحج ملتقى لجهابذة الأمة ينفق فيه سوق المناظرات العلمية
والدينية بحثاً عن الحقائق الدينية، وتحقيقاً للأحكام الخلافية ، وكشفاً للغوامض
الفقهية والحديثية ، فى المحال عادة أن يكون تعامل أهل مكة على الإفراد فى
الإقامة، ويخفى على أبى حنيفة، فلا يكون تعامل حضر الإمام الشافعى على الإفراد
حجة ما لم يثبت أن هذا التعامل متوارث من عهد رسول اللّهِ بَلٍ إلى عهد
الشافعى . ويرى أن الشافعية أنفسهم لم يروا العمل على تشدد إمامهم فى هذا
الباب ، فإن كلمات الشافعى تدل على أنه لا يرى العمل بالأذان من غير ترجيع،
ولا بتثنية الإقامة، ولم يوافقه أتباعه على ذلك ، انظر كتاب " الأم" (١ -
٧٣)، وأرى أن هذا القول عن الإمام خامل فيهم أو كأنه خامل على رغم
ذكر البيهقى والنووى إياه ، ولم يذكره الشافعى فى "الأم" ولا المزنى فى
" مختصره" وذكره البيهقى ولم يسنده، وتابعه النووى، والتمس القارئ أن يقرأ
( ٢ - ٢٥ )

١٩٤
معارف السنن
ج ٠ ٢
-: باب ماجاء فى الترسل فى الآذان :-
حدثنا أحمد بن الحسن نا المعلى بن أسدنا عبد المنعم - وهو صاحب السقاء -
ناجي بن مسلم عن الحسن وعطاء عن جابر أن رسول الله عَ ل قال لبلال:
ثانياً ما أفاده الإمام الشافعى أمام هذه الأمور، ثم يحاكم بما يمليه نصفته والله الموفق .
تنبيه آخر: الشيخ المباركفورى إبرادات على عبارات من " بذل
المجهود" و"العرف الشذى"، وفيما بثنا من أطراف البحث ما يكفى الرده
ولظهور عدم نصفته فيما يدعى ، وأخيراً حكى عن "العرف الشذى" الاعتراف
بثبوت الترجيع فى أذان أبى محدورة وعدم كراهته عند الحنفية ، وترجيح عدمه
لأن أذان بلال لم یکن فيه تر جيع ، ثم عقهه بقوله : فحاصل الكلام أنه ليس
لإنكار سنية الترجيع فى الأذان إلا التقليد أو قلة الاطلاع اهـ. قال الراقم حفا
الله عنه: هذا كلام لا يقوله من يدرى ما يقول، فإن الشيخ رحمه الله يستدل بعدم
سنية الترجيع الأذان بلال سفراً وحضراً لصلوات رسول اللّه ◌َاجٍ ، واستمر
بلال بين يديه على عدم الترجيع، فلوكان الترجيع سنة مقصودة فى التأذين كيف
لم يأمره قَ الٍ وقد رجع عى سفره الذى علم فيه أبا محذورة الأذان وفيه الترجيع.
ولم يغير أذان بلال ، فلعل هناك كانت مصلحة خاصة فى الترجيع ، وهذا الذى
استدل به الإمام أحمد وغيره منے أئمة الدین علی ترجع أذان بلال ، وقد فرغنا
من البحث فيه فلا حاجة بنا إلى الإعادة . وأى شئ هو أبداه فى اطلاعه حتى
يدعى قلة الاطلاع لغيره ؟ ولله در القائل :
. وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
یقولون أقوالاً ولا يعلمونها
-: باب ما جاء فى الترسل فى الأذان :-

١٩٥
بيان أن السنة فى الأذان الترسل وفى الإقامة الحدر
((يا بلال إذا أذنت فترسل فى أذانك وإذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك
قدر ما يفرغ الآكل من أكله ، والشارب مع شربه ،
قوله: فترسل. الترسل هو التأنى، أى تأن ولا تعجل، يقال: ترسل
فى كلامه ومشيه إذا لم يعجل، هو والترتيل سواء، قاله فى "النهاية" (٢
- (٨٥). والسنة فى الأذان الترسل والترفق لأنه يكون لإسماع جميع المصلين،
وعنده يحصل الإعلام ، قاله القاضى أبوبكر فى "العارضة" (١ - ٣١٣).
قوله: فاحدر. الحدر هو الإسراع ، يقال : حدر فى قراءته أى
أسرع ، وهو من الحدور ضد الصعود ، يتعدى ولا يتغدى ، كذا فى
" النهاية" . وحدد الفقهاء الترسل فى الأذان : بأن يفصل بين كل كلمتين
من كلماته ، أى يسكت ويقطع نفسه. ولكن جعلوا التكبير تين من الأربع بمنزلة
كلمة ، فيستحب نطقها فى نفس كما تقدم. وحددوا الحدر فى الإقامة بأن
لا يفصل .
والسنة المتوارثة فى الأذان الترمل، وفى الإقامة الحدر حتى يكره الأذان
بترك الترسل، والإقامة بترك الحدر، كما أفاده المحقق ابن الهمام وغيره . قال
فى "العارضة": يسرع فى الإقامة لأنها افتتاح الصلاة وتقدمتها لإعلام من
حضر فى المصلى آهـ .
قوله : قدر ما يفرغ الآكل الخ . اتفق العلماء من سائر المذاهب على أن
يتوقف بين الأذان والإقامة ما عدا المغرب ، وقدر هذا التوقف علماؤنا بمقدار
أربع ركعات بقرأ فى كل ركعة نحو عشر آيات ، وروى الحسن عن أبى حنيفة:
المكث بعد أذان الفجر نحو عشرين آبة ثم بثوب ثم يمكث كذلك ثم يقيم ، كما
فى " البجر". وقال فى " تنوير الأبصار" وشرحه "الدر المختار": ويجلس
بينها بمقدار ما يحضر الملازمون مراعياً لوقت الندب اهـ وقال فى " البحر":

١٩٦
معارف السمن
ج-٢
والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولاتقوموا حتى ترونى)).
حدثنا عبد بن حميد نا يونس بن محمد عن عبد المنعم نحوه. قال أبو عيسى:
حديث جابر هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، من حديث عبد المنعم
وهو إسناد مجهول .
وقالوا : يلبغى للمؤذن مراعاة الجماعة فإن رآهم اجتمعوا أقام وإلا انتظرهم ،
قال: ولعله - والله أعلم - أنه لم يذكر فى ظاهر الرواية مقداره لهذا لأنه
خير منضبط اهـ. وأما فى المغرب فلا يسن الجلوس بل السكوت مقدار ثلاث
آيات قصار أو آية طويلة أو مقدار ثلاث خطوات عند أبى حنيفة ، كما فى " البحر"
وكذا عند مالك، كما فى " المجموع" . وقال أبو يوسف ومحمد: يفصل
مجلسة خفيفة قدر جلوس الخطيب بين الخطبتين ، وهى مقدار أن تتمكن
مقعدته من الأرض بحيث يستقر كل عضو منه فى موضعه ، كما فى "البحر"
وهو مذهب الشافعى وأحمد غير أنها أطلقا مقدار هذا المكث إما بالجلسة أو بالسكوت
كما فى "المجموع"، والاختلاف فى الأفضلية لا غير ، ويكره الوصل إجماعاً
فى سائر الصلوات، انظر للتفصيل "البحر الرائق" (١ - ٢٦٠ و ٢٦١)
و"المجموع" (٣ - ١٢١).
قوله : والمعتصر . هو الذى يحتاج إلى الغائط ليتأهب للصلاة قبل دخول
وقتها ، وهو من العصر ( بسكون الصاد ) أو العصر (بفتح الصاد ) وهو الملجأ
والمستخفى، قاله فى " النهاية" (٣ - ١١٥).
قوله: وهو إسناد مجهول. عبد المنعم هذا ضعفه الدارقطنى، وقال
أبو حاتم : منكر الحديث جداً لا يجوز الاحتجاج به، وشيخه يحيى بن مسلم
متروك الحديث، ورواه الحاكم من طريق عمرو بن فائد الاسوارى عن يحيى بن
مسلم وهو طريق آخر لم يقف عليه الترمذى ولذا قال : لا نعرفه إلا من

١٩٧
بحث الترتيل فى الأذان وكيفية إدخال الإصبع فى الأذان
(باب ما جاء فى ادخال الاصبع الأذن عند الاذان)
حدثنا محمود بن غيلان نا عبد الرزاق نا سفيان الثورى عن عون بن أبى
هذا الوجه ، كما لم يعرفه الحاكم من طريق الترمذى ، وعمرو بن فائد متروك ،
وأخرجه ابن عدى عن يحيى بن مسلم به، وقال فيه: ((فاحدم )) بحاء مهملة
و ذال معجمة مكسورة . وروى الدار قطنى من حديث سويدبن غفلة عن على قال :
(( كان رسول اللّهِ عَّ لي يأمرنا أن نرتل الأذان وتحذف الإقامة)). وفيه عمرو
ابن شمر وهو متروك، وقال البيهقى: روى بإسناد آخر من الحسن وعطاء
عن أبي هريرة ثم ساقه وقال: الإسناد الأول ۔۔أی طریق جابر- أشهر. وروى
الدار قطنى نحوه موقوفاً من حديث عمر ، وليس فى إسناده إلا أبو الزبير مؤذن
بيت المقدس، وهو تابعى قديم مشهور، ولفظه: ((إذا أذنت فترسل وإذا
أقمت فاحذم)). وروى الطبرانى فى " الأوسط" عن سعيد بن علقمة من حديث
على: ((كان رسول اللّه عَ لّ بأمر بلالاً أن يرتل الأذان ويحدر فى الإقامة)).
هذا كله ملخص من "تخريج الحافظ الزيلعي" و "تلخيص الحافظ العسقلانى".
وتنقح من هذا كله أن الحديث ورد مرفوعاً من حديث جابر من طرق ضعيفة
ومن حديث أبى هريرة عند البيهقى ومن حديث على عند الطبرانى والدار قطنى.
وروى موقوفاً عن عمر عند الدار قطنى فينجبر الضعف فيه بتعدد الطرق ، و
تعدد المخارج ، وتعدد الروايات . وعلى الوهر والضعف فى الأسانيد : إن
التعامل المتوارث بموجهه حجة لتصحيح الأحاديث فى الباب ، فإن كان الإسناد
4 مجهولا فالتعامل به معلوم، وكفى بذلك دليلاً والله أعلم بالصواب.
-: باب ما جاء فى إدخال الإصبع الأذه عند الأذان :-
دل الحديث على إدخال الإصيعين فى الأذلين وذلك ليرتفع الصوت .
قال فى " البحر" (١ - ٢٦٠): وإنما كان ذلك أبلغ فى الإعلام لأن

١٩٨
معارف السننَ
ج - ٢.
جحيفة عن أبيهقال: «رأيت بلالاً يؤذن وبدور ويتبع فاه ههنا وههنا وإصبعاه
الصوت يبدأ من مخارج النفس فإذا سد أذنيه اجتمع النفس فى الفم فخرج الصوت
حالياً من غير ضرورة ، وفيه فائدة أخرى وهى أنه ربما لم يسمع انسان صوته
لصمم أو بعد أو غيره) فيستدل بإصبعيه على أذانه. ولا يستحب وضع الإصبعين
فى الأذن فى الإقامة لأن الإقامة أخفض من الأذان اهـ . وورد الأمر مصرحاً
يجعل الإصبعين فى الأذنين ناطقاً بتعليله نصاً فى حديث سعد المؤذن عند ابن ماجه
والحاكم والطبرانى وابن عدى وغيرهم: ((إن رسول اللّه عَ لّ أمر بلالاً أن
يجعل إصبعيه فى أذنيه، وقال: إنه أرفع لصوتك)) انظر " نصب الراية "
(١ - ٢٧٨)، ولكن فيه ضعف كما فى " فتح البارى" '.
ثم الأذان فى حديث الباب كان فى رجوعه من منی ونزوله بالأبطح ،
ولفظ "صحيح مسلم": ((قال: أتيت النبيِ نَ الر بمكة وهو بالأبطح فى
قية له حمراء من أدم الخ)، ولفظ "النسائى" فى " سننه" فى (باب اتخاذ القباب
الحمر ) (٢ - ٣٠٢): عن أبى جحيفة قال: "كنا مع النبي ◌َلّ بالبطحاء
وهو فى قبة حمراء وعنده أناس يسير فجاءه بلال الخ)) قال الشيخ أبو الحسن
السندى: أى يريد السير إلى المدينة اهـ. فكان عّ لّي فرغ من الحج ويريد الرجوع
إلى المدينة وكان نزوله فى محصب مكة، وأيضاً بدل عليه لفظ "مسلم" (١ -
١٩٦): ((فصلى الظهر ركعتين ..... ثم صلى العصر ركعتين ثم لم يزل
بصلى ركعتين حتى يرجع إلى المدينة)) ثم إن المخصب من حدود مكة فى أعلى
مكة وهو الكداء وهى المعلاة وهى البطحاء وهى الحجون فى قول الشاعر :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
خطوب اليالى والجدود العواثر
ب-لی نحے کنا أهلها فأبادنا
وشعر الإمام الشافعى يوصى إلى أنه من حدود منى كما فى قوله :
واهتف بقاطن خيفها والنامض
با راكباً قف بالمحصب من منى

١٩٩
بيان كيفية الأذان من تحويل الوجه عند الحيعلتين
وفى كتب الفقه: أنه إذا أذن فى المبذنة يخرج فاه يميناً وشمالاً ولا بحول
صدره عن القبلة، وفى " الكنز" من كتبنا: وياتفت يميناً وشمالاً بالصلاة
والفلاح ويستدير فى صومعته . قال فى " البحر": وقيد بالالتفات لأنه لا محمول
قدميه .
وإن لم يتم الإعلام بتحويل وجهه مع ثبات قدميه فإنه
يستدير فى المبذنة ليحصل التمام آهـ . وفى "تنوير الأبصار" وشرحه: ويستدير
فى المنارة لو متسعة ويخرج رأسه منها اهـ. وهذا يشير إلى تحويل الوجه
والصدر فى الاستدارة ، نعم يقبل برجهه وصدره عند الحيعلتين . وقال
النووى فى "شرح مسلم": فيه يسن للمؤذن الالتفات فى الحيعلتين يميناً وشمالاً
برأسه وعنقه. وقال أصحابنا : ولا يحول قدميه وصدره عن القبلة، وإنما يلوى
رأسه وعنقه الخ ، وكذلك مذهب أحمد والثورى ، ولا يلتفت عند مالك إلا أن
يريد الإسماع، انظر "العمدة" (٢ - ٦٦٩). وأما فى الإقامة فقال بالتحويل
يميناً وشمالاً كما فى "الغنية"، وفى " السراج الوهاج": لا يحول كما فى " البحر".
تنبيه: ورد فى حديث الباب فى الترمذى: ((يؤذن وبدور)) وكذلك
فى "سنن ابن ماجه" ((فأذن فاستدار فى أذانه)، ويخالفه لفظ أبى داؤه :
« لوی عنقه بمیناً وشمالاً ولم یستدر ، وأنکر البيهقى ژهوت الاستدارة فى حديث
صحيح، ورده الحافظ ابن دقيق العيد فى "الإمام"، انظر " نصب الرأية" (١ -
٢٧٦ و ٢٧٧ )، وكذا رده الحافظ علاء الدين الماردينى فى " الجوهر النقي"
والبدر العينى فى "العمدة" ( ٢ - ٦٦٩) فراجعها للتفصيل.
تنبيه آخر: وقع هنا فى رواية الباب: ((ويتيع فاه ههنا وههنا )، من
الإتباع أى يدير فاه يميناً وشمالاً. ووقع فى رواية وكيع عن الثورى عند أحمد
ومسلم: ((فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا). فاللفظ الأول هو حال المؤذن والثانى
هوحال الناظر أبى جحيفة، وفى رواية أبى عوانة فى "صحيحه": ((فجعل يتتبع
بفوه يميناً وشمالاً)، وفى رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيلى: ((يتتبع بعياه )).
١٢
٠

٢٠٠
معارف السفن
ج - ٢
فى أذنيه و رسول الله پلل﴾ فی قبة له حمراء، أراه قال : مے أدم فخرج بلال
هيئ يديه بالعنزة فركزها بالبطحاء فصلى إليها رسول اللّه عَخليل يمر بين يديه
الكلب والحمار، وعليه حلة حمراء كأنى أنظر إلى بريق ساقيه. قال سفيان نراه.
وهذا يؤيد الأول ، فقال البدر والشهاب : والحاصل أن بلالاً كان يتتبع
بفيه الناحيتين، وكان أبو جحيفة ينظر إليه . فكل منهما منتبع باعتبار انتهى كلامها.
قوله : فى قمة. أى خيمة. قال فى " النهاية". والقبة من الخيام بيك
صغير مستدير وهو من بيوت العرب اهـ .
قوله : من أدم : - بالدال المهملة المفتوحة - اسم جمع للأديم وهو
المجلد أو الأحمر منه أو المدبوخ ، كذا فى " القاموس".
قوله : بالعنزة ، العنزة - بالعين المهملة والفون والزاء المعجمة المفتوحتان -
عصاً فى أسفلها حديدة ، قاله النووى .
قوله . فركزها ، أى غرزها .
قوله : بالبطحاء : أى بطحاء مكة، وهو موضع خارج مكة فى شرق
الكعبة، ويقال له: الأبطح، والمحصب، وهو الذى كان عَّ لم ينزل بها عند
الرجوع على منى. وصلى فيها صلوات، ومكث بها، وبنى مسجد فى ذلك المقام الذى
نزل فيه فعَّالّ، ويسمى الآن "مسجد الإجابة" وهو واقع فى سفح الجبل ،
وفى المحصب نفسه بنى الملك ابن سعود قصره الملكى ، وهذا هو خيف بنى كنانة ،
وفيها تقاسمت قريش ضد رسول اللّه عَّ له وأعوانه.
قوله : حلة حمراء . الحلة : ثوبان إزار ورداء من جنس واحد ، كذا
فى "النهاية". وقال الخطابى: الحلة ثوبان إزار ورداء ولا تكون حلة إلا
وهى جديدة تجل من عليها فتليس اهـ. حكاه السيوطى فى ""لخبص النهاية "