النص المفهرس

صفحات 161-180

١
بيان جمع التقديم والتأخير والاختلاف فيه
-: باب ما جاء فى الجمع بين الصلاتين :-
حدثنا هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس قال: ((جمع رسول اللّه عَ لَه بين الظهر والعصر،
بعدها. ثم إن ما يؤيد مذهب إمامنا أبى حليفة ويرد قول غيره من الحجازيين
تأخيره صلاة العصر فى غزوة الخندق كما فى "الصحيحين"، وعلى الأخص
فى رواية مسلم، وكذلك عمله ◌َّ الج فى قصة ليلة التعريس، تقدم تخريج الروايتين
فى ( باب ما جاء فى الرجل تفوته الصلوات بأيتهن يهدأ) ما مضى فيسنة ٧٤
_: باب ما جاء فى الجمع بين الصلاتين : -* (١٥
أرزقة؛ الجمع بين الصلاتين - أى أداء الصلاتين - الظهر والعصر أو المغرب والعشاء
فى وقت أحدهما تقديماً أو تأخيراً خلافية بين الأربعة ، فاتفق الثلاثة على جوازها
مع اختلاف بينهم فى سبب الجواز من سفر أو مطر أو مرض ، وأنكره
أبو حنيفة مطلقاً أى تقديماً وتأخيراً، وبعذر أو بغير عذر ما عدا صلاتي: الظهر
والعصر بعرفات جمع تقديم، وما عدا صلاتين: المغرب والعشاء مجمع (المزدلفة)
جمع تأخير ، وأنكر البخارى جمع التقديم كما يدل عليه صنيعه فى " صحيحه"
فقال: (باب تأخير الظهر إلى العصر) وأخرج فيه حديث ابن عباس: (صلى
بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر والمغرب والعشاء)) . ومعاوم من عادته أنه
يشير فى تراجمه إلى ما يختاره، وكذا راجه فى أبواب السفر ترمى إلى ذلك
الغرض، وانظر " الفتح" (٢ - ٤٨٠) و"العمدة" (٣ - ٥٧٣ , ٥٧٤).
ونقل الحاكم فى "علوم الحديث" (ص - ١٢٠) عن البخارى يقول:
قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبث عى الليث بن سعد حديث إربد بن أبى
حبيب عن أبى الطفيل ؟ فقال: كتبته مع خالد المدائنى قال البخارى : وكان
(م - ٢١)
ابابا شبالونة.

١٦٢
معارف السفن
ج - ٢
وبيئ المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر)). قال: فقيل لابن عباس :
ما أراد بذلك ؟ قال : أراد أن لا تحرج أمته . وفى الباب عن أبى هريرة .
خالد المدائنى يدخل الأحاديث على الشيوخ اهـ. والحاكم قد قال بعد كلام
طويل : فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون اه. وروى
عن أبى داؤد كما قال الشوكانى فى "النيل": قال أبوداؤد: هذا - أى حديث معاذ-
حديث منكر وليس فى جمع التقديم حديث قائم اهـ. وقال أبو داؤد فى "سنته" فى
النسخة التى بأيدينا (١ - ١٧٩) (باب الجمع بين الصلاتين): لم يرو هذا الحديث
إلا قتيبة وحده اهـ. انظر للتفصيل كلام البدر والشهاب فى " العمدة" (٣ -
٥٦٩ ) و "الفتح" (٢ - ٤٨٠). ثم لجمع التقديم عندهم كما ذكره النووى
وغيره شروط : منها: أن ينوى الجمع قبل فراغه من الصلاة الأولى . ومنها:
أن لا يفرق بينها ولا يتطوع بينهما. ومنها : الترتيب. ويشترط لجمع التأخير
أن ينويه فى وقت الأولى ، ويكون قبل ضيق وقتها بحيث يبقى من الوقت ما
يسع تلك الصلاة فأكثر. وذكر فى "العمدة" (٢ - ٥٣٧ و ٥٣٨) و(٥ - ٥٦٦)
تفصيل المذاهب، ويأتى مزيد البحث عنها فى أبواب التقصير من هذا الكتاب.
وبالجملة قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز الجمع الحقيقى وقتاً فيما عدا عرفة
والمزدلفة، وجميع ما ورد فى الروايات المثبتة للجمع فيراد به الجمع الفعلى دون
الحقيقى الوقتى بأن يصلى صلاة فى آخر وقتها والأخرى فى أول وقتها ، والتعبير
بالجمع فعلاً أولى من التعبير بالجمع الصورى فإنه يوهم الناظر القاصر فى الخطأ
والوهم . والتعبير بالجمع الفعلى وقع فى " المبسوط" (١ - ١٤٧) ثم "البدائع"
(١ - ١٢٦ و ١٢٧) ثم " العمدة" ( ٢ - ٥٣٦) و" البحر الرائق" (١
- ٢٥٤ ). قال شيخنا: وكذلك عبر به فى "البرهان شرح مواهب الرحمن"
للشيخ إبراهيم الطرابلسى (المتوفى سنة ٩٢٢ هـ) وهو كتاب جيد يستدل لمذهب الإمام
بأحاديث صحيحة، وأجاب النووى عن حديث الباب فى "شرح مسلم" (١-٢٤٦)

١٣
تحقيق الجمع بين الصلاتين
قال أبوعيسى : حديث ابن عباس قدروى عنه من غير وجه ، رواه جابر :
زيد وسعيد بن جبير وعبد الله بن شقيق العقيلى .
حاكياً عن القاضى حسين والخطابى والمتولى والرؤيانى من الشافعية بحمله بعذر
المرض أو نحوه فى معناه من الأعذار، ولكن مذهب الشافعى والأكثرين موا
الشافعية أنه لا يجوز للمريض كما صرح به النووى. قال الشيخ رحمه الله: كيف
يستقيم هذا الجواب، ويرده لفظ الحديث: ((من غير خوف ولا مطر)) كما هو عند
مسلم ، وكيف ؟ وهل مرض القوم كله جميعاً؟! قال الراقم: ومن خصه
بالسفر كمالك وبعض الشافعية يرده ما عن ابن عباس عند مسلم: ((بالمدينة من غير
خوف ولا سفر))، ومن خصه بالعذر من مرض أو مطر كأحمد برده تعليل ابن
عباس: ((أراد أن لا يحرج أمته))، وكل ما قيل فى تأويله وحمله بالجمع الراقى
الحقيقى فمر دود لا يخلو عن تكلف كما اعترف به الحافظ فى " الفتح" (٢ -
١٩). ثم حكى عن بعض القدماء كابن سيرين وأشهب من المالكية والقفال والشاشى
الكبير من الشافعية وجماعة من أصحاب الحديث ، واختاره ابن المنذر من الشافعية
كما فى النووى و"فتح البارى" و"العمدة" وغيرها: جواز الجمع فى الحضر
الحاجة لمن لا يتخذه عادة . قال شيخنا : كل هذا تكلف والصحيح الذى يعتمد
أن يقال : كان هو الجمع فعلاً لا وقتاً، واعترف به الحافظ ابن حجر فى
"الفتح" (٢ - ١٩) قال: واستحسنه القرطبى، ورجحه قبله إمام الحرمين،
وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطجاوى، وراجع "العمدة" (٣ -
٥٦٥ إلى ٥٦٩) لتفصيل المسألة بما لها وما عليها . وكذلك فهمه أبو الشعثاء جابر
ابن زيد تلميذ ابن عباس كما هو عند مسلم فى "صحيحه" (١ - ٢٤٦) وفيه :
«قلت: يا أبا الشعثاء - وهو راوى الحديث عن ابن عباس ــ أظنه أخر الظهر
وجل العصر، وأخر المغرب ومجمل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك)). قال الراقم:
وکذلك قواه ابن سيد الناس العمرى وقال : و راوى الحديث أدرى بالمراد من

١٦٤
معارف السفن
ج - ٢
وقد روي عن ابن عباس عن النبى عَكله غير هذا ...
غيره كما فى " الفتح" (٢ - ٢٠) ورواية أبى الشعثاء هذه رواها البخارى
أيضاً كما فى "الفتح" ولينظر فيه. وفى "سنن النسائي" ( ١ - ٩٨) (باب
الوقت الذى يجمع فيه المقيم ) ، عن ابن عباسى نفسه - وهو راوى حديث
الباب -: ((أخر الظهر ومجمل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء)) ....
قوله: وقد روى عن ابن عباس عن النبى عَ لٍ غير هذا. لعله بشير
إلى ما عن ابن عباس عند " مسلم" ( ١ - ٢٤٦) ما بدل على أنها واقعة
السفر حيث قال ابن عباس: ((إن رسول اللّه عَلل جمع بين الصلاة فى سفرة
سافرها فى غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر الخ )، ويحتمل أن يربد الترمذى
بذلك ما حدثه بعده عن ابن عباس. ويؤيد كون الواقعة فى السفر حديث معاذ
ابن جبل عند "مسلم" و"النسائى" و"أبى داؤد"، وكذلك ما رواه عهد الله
ابن شقيق عند مسلم قال: ((خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غزيت
الشمس الخ)، فلعها أيضاً واقعة السفر ، ويحتمل أن يكون بالبصرة كما فى رواية
عند النسائى من طريق عمرو بن هرم عن أبى الشعثاء: ((أن ابن عباس صلى بالبصرة
الأولى والمصر ليس بينها شئ الخ)) انظر " فتح البارى" (٢ - ٢٠ ,
٤٨٠). وبدل حديث الباب على أنها واقعة المدينة لا السفر، وألفاظ
الحديثين متقاربة بل متحدة ، فلا ندرى وجه ذلك هل هو من اختلاط
الرواة أو غيره من تعدد القصتين ، ولم يتوجه إليه أحد من المحدثين ، وقد
تنبه له المحقق الشاه ولى الله الدهلوى فى "شرح تراجم البخارى" فى (باب تأخير
الظهر إلى العصر ) فقال: ليعلم أن ما وقع فى الحديث من قوله: وصل
بالمدينة)، وهم من الراوى؛ لأنه روى أن ذلك كان فى تبوك ، وقال الراوى فى
بيان تلك القصة: أنه قَ جمع من غير سفر - أى من غير سير - ؟
لأنهم كانوا نازلين ، فروى الآخرون هذا الحديث بالمعنى فهو من قول

بقية تحقيق الجمع بين الصلاتين
حدثنا أبو سلمة بحبى بن خلف المصرى نا المعتمر بن سلمان عن أبيه عن
الراوى: ((أى فى حضر)) وعبروا عن ذلك بقوله: ((بالمدينة)) وإلا كان
ذلك فى سفر فاحفظ. ولا يرد عليه ما وقع عن ابن عباس في التعليل من دفع
التحريج لأن عدم التحريج يحصل فى السفر أيضاً، ولكن يرد عليه أنه كيف
صدر من الرواة الثقات مثل هذا الوهم الفاحش ؟ وعلى مثله يرتقع الأمان و
الثقة عن الرواة ، ثم كيف خفى ذلك على الصحابة؟ ! انتهى ملخصاً . قال
الراقم : كل هذه التكلفات يضطر إليها المرأ إذا كان الجمع بين الصلاتين جمعاً.
لهما فى وقت أحدهما، وعلى ما اختاره الحنفية وكثير من المحققين من غيرهم
يحتمل صحة كلتا الروايتين ، وليس فيه إذن أى بعده وغاية ما يلزم أنه ترك ما
هو الأولى فى أداء الصلاة فى التعجيل فى بعض والتأخير المعمول 4 فى بعض،
وإنما يجب الحمل على الجمع فعلاً فقط لأن قوله تعالى: (إن الصلاة كان
المؤمنين كتاباً موقوناً) وقوله: ( حافظوا على الصلوات ) وحديث ابن مسعود
حبر القادسية فى "الصحيحين": ((ما صلى رسول اللّه عَ له صلاة لغير ميقائها إلا
صلاتين الخ )، نصوص صريحة ، وتكاد تكون قطعية فى الدلالة كما أن الآيتين
قطعيتان فى الثبوت، وهو تشريع عام لا يقاومها أخبار أحاد تحتمل تأويلاً )
ثم أنها وقائع جزئية، وفى مثل هذا يجب المصير إلى قواعد الشريعة والأصول
الواضحة ، وقد أجمعوا على أن تأخير الصلاة من غير عذر نسيان أو ثوم ونحوه)
لا يجوز، وإن ذلك معصية ، ودل على ذلك روايات وآيات، وكذلك إخضاع
الأئمة الأربعة أنه لا يجوز الجمع من غير عذر. وما أولؤه من الصرائح بالعذر.
فلا يحتمله اللفظ والنص، فيجب المصير إلى ما قاله الحنفية فى الباب، وهو
قول فصل فى الموضوع، وبذلك يقع كل حديث فى موقعه، ويعأنى العمل بكل
نص من غير تأويل ، وإلى عدم جواز الجمع ذهب ابن مسعود ، وسعد بن أبى
وقاص ، وابن عمر، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومكحول ، وعمرو بن
أ
1
أَ
١
أ
İ

ج - ٢
معارف السنن
قال: «من جمع بين
صَلالله
حنش عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى :
الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر)). قال أبوعيسى:
وحلش هذا هو أبوعلى الرحبى وهو حنش بن قيس وهو ضعيف عند أهل
الحديث ، ضعفه أحمد وغيره . والعمل على هذا عند أهل العلم : أن لا يجمع
بين الصلاتين إلا فى السفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم. من التابعين فى
الجمع بين الصلاتين للمريض. وبه يقول أحمد وإسحاق . وقال بعض أهل
دينار، والأسود وأصحابه، وعمر بن عبد العزيز، وسالم، والليث، والثورى،
كما فى "العمدة" (٣ - ٥٦٧) والله الموفق.
قوله : من جمع بين الصلاتين من غير عذر الخ . هذا الحديث لوصح
لا يقوم به حجة على الحجازيين القائلين بجواز الجمع لأنهم تأولوا الجمع
بالعذر ، وصح هذا موقوفاً على عمر بن الخطاب رضى الله عنه قاله الشيخ ،
ولم أجده ، وفى " العمدة" (٣ - ٥٦٧ ) عن أبى موسى الأشعرى موقوفاً
مثله عن ابن أبى شيبة .
قوله: وحنش . ( بفتحتين) حنش هذا هو: حسين بن قيس ضعيف ،
وممح الحاكم حديثه غير أن تصحيح الحاكم لا يعتمد عليه كما لا يعتمد على
تضعيف ابن الجوزى ما لم يوافقها غيرها من المحدثين ، وكذلك حسن ابن
كثير فى " تفسيره " رواية حنش بن قيس إلا أنه كذلك متساهل فى الرواة ،
وعنش آخر هو ابن ربيعة يروى عن على ثقة، انظر لحنش بن قيس "التهذيب".
(٢ - ٣٦٤)، ولا بن ربيعة (٣ - ٥٨)، وهناك غيرها.
قوله : وبه بقول أحمد وإسحاق . وحكاه النووى عن طائفة من الشافعية
أيضاً كالقاضى حسين، والخطائ، والمتولى، والرؤيانى، ولعل الإمام الترمذى
لم يعتمد على هذه الرواية ، ولذا قال فى " العلل الصغرى" الملحق بآخر الكتاب
المطبوع بالهند (١ - ٢٣٥) فى أول ( كتاب العلل): جميع ما فى هذا الكتاب

١٦٧
بقية أحاديث الجمع بين الصلاتين
العلم: يجمع بين الصلاتين فى المطر. وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق، ولم ير
الشافعى للمريض أن يجمع بين الصلاتين .
من الحديث فهو معمول به ، وقد أخذ به بعض أهل العلم ، ما خلا حديثين:
حديث ابن عباس: ((إن النبي ◌َّ ◌َه جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، و
المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر» وحديث: ((إذا شرب
الحمر فاجلدوه ، فإن عاد فی الرابعة فاقتلوه الخ ، ثم إنه حكاه النووى، ورد
قوله فى الأول، ثم ذكر من قال به . قال الراقم: يحتمل أنه أراد به أنه لم يأخذ
به أحد من الصحابة وكبار التابعين، أو لم يصح عنده الإسناد إليه ، أو لم يقل
به أحد من غير تأويل ، وكل من عمل به متأول فى معناه بتقييده بالمرض أو
السفر ونحوه ، أو يقال لم يعلمه الترمذى ، ومن علم حجة على من لم يعلم
والله أعلم . ونقول : عملنا بكلا الحديثين ، فقلنا فى حديث الجمع : أنه جمع
فعلى ، وذلك جاز، وقلنا فى حديث قتل شارب الخمر فى المرة الرابعة :
أنه يجوز القتل عندنا تعزيراً كما يجوز عندنا قتل المبتدع تعزيراً. أفاده الشيخ
فى ( الحدود ) وهو فى " العرف الشذى" (ص - ٤٧٢). والحاصل أن
الحديث إذا كان مهحاً إسناداً وإن لم يأخذ به أحد من الأمة ، وأمكن حمله على
ما أخذه البعض حمل عليه ـ وليس الغرض أن الحديث تابع لأقوال الناس بل
الاجماع على تركه من الأدلة على أنه منسوخ أو مأول، وبالأخص إذا كان
هناك فى الباب أقوى منه فليس فى مثل ذلك ترك النص وأخذ بالرأى بل
استناد إلى ما هو معروف فى الدين ثابت باليقين أجمع عليه أئمة المسلمين ، و
إذا أخذ به بعض كان ذلك دليلاً معنوياً على ثبوت الحديث وصحته ، ثم إذا لم
يعمل به آخر فهو إما لمعارضته بآخر ، أو نسخه ، أو تأويله ، أو لأمر آخر
بين تفصيله فى محله ، وعلى كل حال هو شئ آخر فاحفظه .
قوله: ولم ير الشافعى للمريض. وهذا صحيح فإنه حَ الٍ لم يكن مريض
١٢
أ
أ

١٦٨
معارف السين
ج - ٢
( باب ما جاء فى بدأ الاذان )
حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى نا أبى نا محمد بن إسحاق عن محمد
وإليه بشير لفظ الحديث: ((من غير خوف ولا مطر ». هب أنه كان مريضاً
وإنه جمع لأجل المرض فهل من اقتدى به كانوا كلهم مرضى ، فإن الظاهر أنه
عَ للّ جمع بأصحابه، وقد صرح بذلك ابن عباس فى روايته قاله الحافظ، فهذا
الاحتمال مما لا. مساغ له فى المقام ، ولا يصح أن يقبله عاقل .
- باب ما جاء فى بدأ الأذان :-
الأذان فى اللغة: الإعلام ، قال الله تعالى: ( وأذان من الله ورسوله )
اسم مصدر من أذن تأذيناً . وفى الشريعة : إعلام مخصوص بألفاظ مخصوصة
فى أوقات مخصوصة. قال القرطبى وغيره : الأذان على قلة ألفاظه مشتمل
على مسائل العقيدة ، لأنه بدأ بالأكبرية وهى تتضمن وجود اللّه وكماله ، ثم
ثنى بالتوحيد ونفى الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد عَّ الج ، ثم دعا إلى الطاعة
المخصوصة - أى الصلاة - عقيب الشهادة بالرسالة ، لأنها لا تعرف إلا من
جهة الرسول ، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد،
ثم أعاد توكيداً. ويحصل من الإذان الاعلام بدخول الوقت والدعاء إلى الجماعة،
وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة فى اختيار القول له دون الفعل سهولة القول،
وتيسره لكل أحد فى كل زمان ومكان، انتهى من "العمدة" (٢ - ٦١٧)
و " الفتح" (٢ - ٦٢)، ومثله تقريباً عن القاضى عياض فى " شرح
المهذب» (٢ - ٧٥ ).
ثم إن بدأ الأذان كان بالمدينة كما هو فى حديث ابن عمر فى " الصحيحين
وأخرجه الترمذى وقد أشار إليه البخارى فى ترجمة (باب بدأ الأذان ) بإيراد
آيتين: ١ - (وإذا ناديتم إلى الصلاة). ٢ - (وإذا نودى للصلاة من يوم

١٦٩
تحقيق أن الأاذن ثبت مالاً بنص الكتاب
ابن إبراهيم التيمى عن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه قال: (ولما أصبحنا
أتينا رسول الله بَّ الج فأخبرته بالرؤيا فقال: إن هذه لرؤيا حق فقم مع بلال
الجمعة )، وكلتا الآبتين مدنية، انظر شرحى الصحيح للتفصيل، وأبداً فى
الآیتین دایل على ثبوت الأذان بنص الكتاب کما يقوله الز مخشرى وإن كان مبدأ
تشريعه بالرؤيا، ثم توكيده بشهادة ذوق النبى حضّر له بقوله: ((إنها ارزيا حق
إن شاء الله تعالى فقم مع بلال فألقها عليه)) فكان العمل بأمر النبىمحمد كلٍ لا برؤبا
حسابى فقط، ثم تلاه الوحى المتلو فى التنزيل بتقريره وتصديقه، فآن منتهى
التشريع إلى وحى متلو فى ضمن سياقه لأصل آخر، وهكذا شأن القرآن لا يخلو
عن مهمات الأمور وشعائر الدين نصاً أو إشارة أو دلالة كما أوضحنا ذلك من
قبل. وروى عن ابن عباس: (( أن فرض الأذن نزل مع هذه الآبة - أى
(إذا نودي للصلاة) -)) أخرجه أبو الشيخ . ثم إن فرضية الجمعة فى السنة
الأولى على الراجح، وقيل : فى الثنية، كما فى " العمدة" و"الفتح". ثم
ما یروی من رؤبا أبی کر وغیرہ الأذان فلم بصح . ووردت أحاديث تدل
على أن الأذن شرع بمكة قبل الهجرة فى لية الإسراء ، ولا يصح شئ من هذه
الأحاديث ، كذا فى "الفتح" (٢ - ٦٣). قال: وقد جزم ابن المنذر
بأنه عَّ له كان يصلى بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة
وإلى أن وقع التشاور فى ذلك على ما فى حديث عبد الله بن عمر ثم عبد الله بن
زبد انتهى . والأذان عندنا سنة مؤكدة ، وقال بعضهم بالوجوب ، ولعل
مأخذه قول محمد : لو اجتمع أهل بلد على تركه قانلناهم عليه اهـ. وهذا لا
بدل على الوجوب، وهكذا فى " البحر الرائق" (١ - ٢٥٥). واختار
ابن الهام وجوبه، انظر" فتح القدير" (١ - ١٦٧)، ورده صاحب "البحر"،
انظر تفصيل المذاهب فى حكم الأذان فى " العمدة" (٢ - ١٢٠) .. وقد
( ٢ - ٢٢ )

١٧٠
معارف السين
ج - ٢
فإنه أندى وأمد صوتاً منك فألق عليه ما قيل لك وأيناد بذلك. قال: فلما سمع
عمر بن الخطاب نداء بلال بالصلاة خرج إلى رسول اللّه عَ ل وهو يجر إزاره
وهو يقول : يا رسول اللّه والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذى قال.
قال: فقال رسول الله عَل ◌َّ: فلله الحمد فذلك أثبت)). وفى الباب عن ابن
حمر. قال أبوعيسى: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح. وقد روى
هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتم من هذا الحديث وأطول
روى مثله عنه فى أهل بلد اجتمعوا على ترك الختان . قال شيخنا : ثم مدار
القتال عندى أنهم تركوا ما هو من شعائر الإسلام، وإن البون بين القتل والقتال
لبعيد. ومن ههنا ظهر ضعف ما احتج به النووى فى شرح مسلم" (١ - ٦١)
(باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة) على قتل تارك الصلاة بحديث:
((أمرت أن أقاتل الناس الخ)) من رواية جابر، وابن عمر، وأبى هريرة
فى الصحاح ؛ فإن المذكور فى الحديث هو القتال لا الفعل .
قوله: أندى وأمد الخ. الأندى : من حسن صوته كما فى " القاموس" ،
وفى " النهاية": أرفع وأعلى صوتاً، وقيل: أحسن وأعذب، وقيل: أبعد اهـ
(٤ - ١٤٣) والأمد: الأبعد فالعطف إما للتفسير أو التغيير، واجتماع الكلمتين
يؤيد الثانى ، والاكتفاء بالأولى فى بعض الروايات يؤيد الأول والله أعلم .
قوله: خرج إلى رسول الله علم وهو يجر إزاره. دل هذا اللفظ على
أنه خرج عمر إذ سمع الأذان فى الحال . وورد فى بعض الروايات ما بدل على
أنه کتمه عشرين يوماً ثم أخبر به النبی پێ} رواه أبوداؤد من حديث أبي عمير
ابن أنس عن عمومته من الأنصار وفيه: «وكان عمر قدرآه قبل ذلك فكتما
عشرين يوماً الخ)، وسنده صحيح إلى أبي عمير كما فى "الفتح" (٢ - ٦٦)،
وأما أبو عمير فمختلف فيه، وثقه ابن سعد، وذكره ابن حيان فى الثقات،

١٧١
أحاديث التدابير الموصلة إلى تشريع الأذان
وذكر فيه قصة الأذان مشى مثنى والإقامة مرة مرة، وعبد الله بن زبد هو ابن
عهد ربه ويقال ابن عبد رب. ولا نعرف له عن النبى عَّ الج شيئاً يصح إلا هذا
الحديث الواحد فى الأذان . وعبد الله بن زيد بن عاصم المازنى له أحاديث
عن النبي ◌َّ الّ وهو عم عباد بن تميم.
حدثنا أبو بكر بن أبى النضرنا الحجاج بن محمد قال: قال ابن جريج أنا
نافع عن ابن عمر قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحبنون
الصلوات وليس ينادى بها أحد فتكلموا يوماً فى ذلك فقال بعضهم : اتخذوا.
فاقوساً مثل فاقوس النصارى . وقال بعضهم : انخذوا قرناً مثل قرن اليهود .
قال: فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً ينادى بالصلاة. قال: فقال رسول
الله عَّ: يا بلال قم فناد بالصلاة.
ومح حديثه ابن المنذر وابن حزم وغير مما كما فی کی " التهذيب" وغيره وجعل
ابن عهد البر طرق حديث عبد الله بن زيد حساناً، وهذا الطريق من أحسنها كما فى
"العمدة" و"الفتح". والحافظ ابن حجر والحافظ البدر العينى فيه كلام طويل فى
"الفتح" (٢ -٦٦) و"العمدة" (٢ - ٦٢١) وما بعدها، وسيأتى ملخصه.
قوله با بلال قم فناد بالصلاة . اختلفوا فى أن هذا النداء هل هو الأذان
المعروف، أو نداء غيره، واختار ابن حجر الثانى، والعينى الأول، ولها
كلام مطنب فى تأييد آراءها، وما اختاره الحافظ ابن حجر هو المختار عند
شيخنا لما دلت عليه روايتان قويتان مرسلتان ، الأولى : لسعيد بن المسيب ،
أخرجها ابن سعد فى " الطبقات" كما فى " الفتح" (٢ - ٦٦). والأخرى:
عند عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع بن جبير فى قصة صبيحة ليلة الإسراء
فى الظهر: ((فصيح بأصحابه: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصلى به جبريل الخ))
كما فى "الفتح" (٢ - ٣). ولفظ الشيخ فى ما كتبه على "آثار السنن"

١٧٢
معارف السنن
ج - ٢
قال أبوعيسى هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر .
بعد ذكر أثر ابن المسيب، وكذلك فى إمامة جبريل، راجع "الفتح" (٢ -
٣)، وراجع " الكنز" (٤ - ٢٦٤)، و "الإنعاف» (٣ - ٣٩٤)،
و "السعاية" (٢ - ٦)، ولعله الرشيد الكازرونى شارح "المصابيح"
كما فى "الوفاء" (١ - ٣٨٨)، ولعله المراد بقوله تعالى: (إذا نودى
للصلاة من يوم الجمعة ) فإن الظاهر تقدم الآية على مشروعية الأذان انتهى
كلامه. فتحقق أن اللفظ الذى ينادى به بلال الصلاة قوله: ((الصلاة جامعة)
فكان ذلك قبل تشريع الأذان المعروف . وعلى الأول نحتاج حديث ابن عمر
إلى تقدير فى العبارة وهو خلاف ظاهر السياق كما ذكر ذلك القرطبى احتمالاً
كما فى " الفتح" حيث قال: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه،
وصدقه النبىِ عَكُلّ بادر عمر فقال.
فالفاء هى الفصيحة ، فالتقدير :
فافترقوا فرآى عبد اللّه بن زيد فجاء إلى النبى عَ لُّ فنص عليه فصدقه فقال
عمر اهـ، ومثله فى " العمدة".
تنبيه : تقدم كلام ابن حجر والعينى ما ملخصه : أن ابن حجر يدعى
أن الظاهر أنه وقعت المشاورة فى الإعلام للصلاة ، وعقيب المشاورة بادر عمر
فأشار إلى إرسال رجل بنادى " بالصلاة جامعة"، ثم. أرى عبد الله بن زيد
الأذان فى الرؤيا فقصها عليه عَ ل ولم يكن عمر حاضراً فى هذا المجلس نجرى
العمل به ووقع الأمر فسمع عمر الأذان فى بيته فخرج وأخبر بما رآه مثله قبل
عشرين يوماً اهـ. وما اختاره الحافظ فى النداء الأول هو مختار القاضى عياض
والنووى ، ومال العينى إلى ما ذكره القرطبى، وقد فكرت فيه طويلاً ولم
أحد شيئاً بطمئن به القلب أمام الروايات فإن فى حديث " أبى داؤد" الذى
هو أحسن طرقه عند أبى عمر: ((فقال: ما منعك أن تخبرنا ؟ فقال: سبقى
عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه عَلَ﴾ : يا بلال قم فانظر ما

١٧٣
أحادیث تشریع الأذان و حدیث رؤیا عبد الله بن ز بد
يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله، فأذر بلال)). فهذا يدل على أن الأذان
إنما جرى العمل به بعد ما أخبر به عمر، وأن عمر قد كان حاضراً حين قص
عبد الله بن زيد رؤياه، ولكن كيف يتصور سبق عبد الله بن زيد لو كان أخبر
هو فى ذلك المجلس أيضاً؟ وحديث عبد الله بن زيد عند الترمذى وحديث
ابن عمر عند البخارى كلاما يدل على أنه جرى العمل بالأذان قبل أن يخبر
عمر ، وأنه أخبر به بعد ما سمع الأذان، وأنه علم برؤيا عبد الله بعد ذلك ،
ولكن كيف يصح إذن قوله: (سبقنى فاستحييت)) فإن هذا القول يدل على أنه
علم برؤيا عبد الله بن زيد قبل هذا . وبالجملة العقدة كما هى لا تنحل بما أفاده
البدر والشهاب ، ونظراً إلى توفيق الألفاظ الواردة فى الهاب يدور بالبال ، و
يكاد يطمئن به القلب أن يقال: وقعت المشاورة وعقيبها وقع العزم على نداء
( الصلاة جامعة)) ثم أرى عمر الأذان فى المنام فنسى أو تأخر لأمر عن أن
يقصه على رسول الله عَّ لهم، ثم أرى عبد الله بن زيد فقص على رسول الله
ح اليه وكان عمر حاضراً فتذكر رؤياه ولكنه لم يخبربها فى هذا المجلس استحياء
حيث سبقه عبد الله بن زيد، وظهرت منقيته، ثم لما سمع الأذان وهو فى
بيته خرج بجر إزاره، ووقع فى قلبه أن يخبر الآن رسول الله عَ ليه برؤياه، فأخبره
بأنه رآى مثله قبل عشرين يوماً، فقال رسول الله عَّخالجمع: ولا. الحمد، ثم
قال له : ما منعك أن تخبرنا قبل هذا؟ قال: سبقنى عبد الله بن زيد بقص رؤياه
عليك فاستحييت من إظهار رؤياى فى ذلك المجلس - وهكذا القلوب اللطيفة
تستحي من إبداء شركتها فى مزية أصبحت مخصوصة بآجر - فيكون الحديث
من قبيل ذكر كل ما لم يذكره الآخر، والزاحت الدلجة التى لم تنقشع بتنوير
المدر والشهاب. وإذن جملة: ((وكان عمر بن الخطاب قدرآه قبل ذلك الخ))
فی حدیث" أبی دائژد " فى سباق قصة عبد الله بن زيد و قعت معتر ضة ، وليس
الغرض هنا بيان ترتيب الواقعة ، وإنما الغرض التنبيه برؤيا عمر ، ويكون قوله

١٧٤
معارف السنن
ج - ٢
باب ما جاء فى الترجيع فى الاذان
حدثنا بشر بن معاذ ثنا إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبى ممذورة
فى حديث " أبى اؤد": ((يابلال قم الخ)) مرتبطاً بقوله: ((فأرانى الأذان))
فى سياق قصة عبد الله بن زيد فيكون تشريع الأذان على حديث عبد الله بن
زيد، وكثيراً ما نرى أر الرواة يذكرون طرفاً من الكلام فى رواياتهم إما
لعدم نحفاء الواقعة عليهم أو لعدم عنايتهم بالبحث، وياتيس الأمر على من بعدهم
لهعد عهدهم فیحدث تزاحم فى الروايات، فھم فی رواياتهم لم يكونوا كالمؤرخين
بصدد ترتيب الوقائع إلا نادراً، ويعترض رواياتهم من لم يعرف دأبهم ولم
يضع الأمور مواقعها ، ولله الأمر من قبل ومن بعد. وهذا الذى قلنا نظراً
إلى الروايات الصحيحة فى الباب ، وفى بعض الروابات بعض أشياء يزاحم
ذلك، ولكنه لا تقاوم تلك الروايات التى جعلنا مدار الحل عليها والله أعلم .
تنبيه آخر : حديث عبد الله بن زيد عند الترمذى فى الباب من رواية
محمد بن إسحاق بالعنعنة ، ولكنه صرح بالتحديث عن محمد بن إبراهيم التيمى
عند أبى دؤد وابن ماجه وأحمد وغيرهم فانزاحت شبهة التدليس .
-: باب ما جاء فى الترجيع فى الأذان :-
الترجيع هنا : إعادة الشهادتين مرتين بصوت عال بعد النطق بها بصوت
منخفض ، وقد اختلف فيه الأئمة ؛ فقال أبو حنيفة وأحمد بعدمه ، وإليه ذهب
الثورى . وقال به مالك والشافعى، وعن أحمد جواز الأمرين. قال فى "المغنى"
(١ - ٤٢١): وهذا من الإختلاف المياح، فإن رجع فلا بأس ، نص عليه
أحمد وكذلك قال إسحاق اهـ. وحكى الحرق والأثرم عن أحمد أنه لا يرجع.
قال الشيخ: واختاره الحنابلة كما فى "التحقيق" لابن الجوزى. أقول : وذلك
لأجل رواية الحرفى فى"مختصره" كما فى "المغنى" و"المجموع" (٣ -٩٣٠).

١٧٥
بيان دلائل عدم الترحيع فى الأذان
قال: أخبرنى أبى وجدى جميعاً عن أبى محذورة: ((أن رسول الله حَ ال أقعده
واستدل أبو حليفة بأذان بلال ، وهو خال عنه كما ثبت ذلك بأسانيد مصحيحة.
وكذلك أذان الملك النازل من السماء . قال ابن الجوزى فى "التحقيق": حديث
عبد الله بن زيد هو أصل التأذين وليس فيه الترجيع ؛ فدل على أن الترجع غير
مسنون اهـ. حكاه "الزبلمى" (١ - ٢٦٢) ثم إن حديث عبد الله بن زيد مخرج
فى "سنن أبى داؤد" و"ابن ماجه" من طريق محمد بن إسحق بالسماع من محمد
ابن إبراهيم التيمى، ورواه ابن حبان وابن خزيمة فى " صبحيهما " وقال محمد
ابن يجبى الذهلى: ئيس فى أخبار عبد الله بن زيد فى فضل الأذان خبر أصح
من هذا ، وصححه البخارى كما فى "العلل" للترمذى، ورواه ابن الجارود فى
"المنتقى"، وكذلك رواه أحمد فى "مسنده" وزاد فى آخره: ((ثم أمر بالتأذين
وكان بلال يؤذن بذلك الخ)) انظر " الزيلعى" (١ - ٢٥٩). وبالجملة فحديث
عبد الله بن زيد بجميع طرقه ليس فيه الترجيع كما قاله ابن الهمام . وفيه حديث
ابن عمر عند أبى داؤد وابن حهان وابن خزيمة: ((إنما كان الأذان على عهد رسول
اللّهِ عَّ له مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة)). قال ابن الجوزى: إسناده صحيح
کما ی " فتح القدير» (١ - ١٦٨) ، وأعلی إسناد حديث عبد الله بن زيد ما
يستدل به لأنى حليفة هو ما رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه": فقال :
حدثنا وكيع نا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال :
حدثنا أصحاب محمد عَل:((أن عبد الله بن زيد الأنصارى جاء إلى النبى وال}
فقال : يا رسول الله رأيت فى المنام كأن رجلاً قام وعليه بردان أخضران
فقام على حائط فأذن مثنى مثنى وأقم مثنى مثنى ، امـ قال ـ أى ابن دقيق
العيد - فى "الإمام": وهذا رجال الصحيح كذا فى "الزبلعى" (١ -
٢٦٧ )، وقال ابن حزم فى " المحلى»: وهذا إسناد فى غاية الصحة فى إسناد
الكوفيون اد. انظر " الزواعى" مع حاشيته.

١٧٦
معارف السنن
ج - ٢
وأافى عليه الأذان حرفاً حرفاً، قال إبراهيم: مثل أذاننا، قال بشر: فقلت له: أحد
واستدل القائلون بالترجيع بأذان أبى محذورة وفيه الترجيع ، وأما إقامة
أبى محذورة فورد فيها التثنية من طرق صيحة ، وورد فى إقامة بلال : الإفراد
والتثنية كلاهما. وأما الروايات التى لم تصح فهى مختلفة فثبت عدم الترجع فى
أذان أبى محذورة عند الطبرانى ، وثبت إيتار الإقامة فى حديثه عند الحازمى ،
كما فى "تخريج الزبلعى". وكذا عند البيهقى والدارقطنى وغيرهم، ثم كلمات
الأذان : تسع عشرة كلمة عند الشافعى بتربيع التكبير فى أوله وتر جيع الشهادتين،
وسبع عشرة كلمة عند مالك بالترجيع من غير تربيع، وروى مثله عن أبى
يوسف فى " الدر اختار" أى فى تثنية التكبير فى أول الأذان، فيكون الأذان
عنده ثلاث عشرة كلمة وهي رواية محمد والحسن أيضاً كما فى "رد المحتار"
(١ - ٣٥٨). وخمس عشرة كلمة عند أبى حنيفة وأحمد على ما هو المختار عند
الحنابلة على رواية الخرق كما تقدم .
فائدة : سمى ابن رشد فى " قواعده" الأول: أذان المكيين، والثانى:
أذان المدنيين، والثالث: أذان الكوفيين ، وزاد أذاناً رابعاً ، وهو : أذان
البصريين ، بتربيع التكبير الأول وتثليث الشهادتين والحبعلتين ، يبدأ بالشهادة
حتى يصل إلى " حى على الفلاح" ثم يعيد الكلمات الأربع مرة ثانية وثالثة،
قال : وبه قال الحسن البصرى وابن سيرين، فهى أيضاً تسع عشرة كلمة"
ولكن بهذا التفصيل . وأما كلمات الإقامة فسبع عشرة عند أبى حنيفة بزيادة
تثنية الإقامة، وعشر عند مالك بإفراد "قد قامت الصلاة"، وإحدى عشرة عند
الشافعى وأحمد كما فى "المغنى"، وعند الشافعية أقوال أخر: عشرة، وتبع، و
ثمان ، وتثنية إقامة إن رجع فى الأذان كما فى " شرح المهذب" .
ثم المأثور: الوقف على أواخر الكلمات. وقد ورد: ((الأذان جزم)) من
قول إبراهيم النخعى موقوفاً كما بأتى عند الترمذى وهو الصحيح ، وما روى عنه

١٧٧
تحقيق أن المأثور فى كلمات الأذان الوقف فى أواخرها
على فوصف الأذان بالترجيع . قال أبوعيسى : حديث أبى محمدورة فى الأذان
مرفوعاً فلم يثبت، راجع للتفصيل "رد المحتار" (١ - ٣٥٨ و٣٥٩) وحكى
فى "العمدة" عن أبى العباس - وهو المبرد - بأن سمع وقفاً لا اعراب فيه اهـ.
وحكى ابن عابدين على "روضة العلماء" قال ابن الأنبارى . عوام الناس يضمون
الراء فى "أكبر"، وكان المبرد يقول: الأذان سمع موقوفاً فى مقاطيعه، و
الأصل فى " أكبر" تسكين الراء، فحولت حركة ألف اسم الله إلى الراء كما
فى " آلم اللّه"، وفى "المغنى": حركة الراء فتحة وإن وصل بنية الوقف، ثم
قيل : هى حركة الساكنين ولم يكسر حفظاً لتفخيم اللّه ، وقيل : نقلت حركة
الهمزة اهـ. وعلم من هذا أن المأثور عن المبرد هو فتحة الراء فى "أكبر" الأول
من التكبيرين ، والوقف على الثانى، وبذلك يتفق القولان عنه ، ولكن لا تساعده
الرواية . قال ابن عابدين: وكل هذا خروج عن الظاهر، والصواب أن حركة
الراء قيمة إعراب ..
. إلا أنها سمعت موقوفة اه ملخصاً. والشيخ
عبد الغنى النابلسى رسالة فيه سماها " تصديق من أخبر بفتح راء الله أكبر" كما
ذكرها ابن عابدين، ثم على كل كلمة أذان وقف اصطلاحى؛ إلا أن "الله أكبر"
مرتين بمنزلة كلمة . وفى "الدر المختار" وشرحه: ويترسل فيه بسكتة وهذه
السكتة بعد كل تكبيرتين لا بينهما كما أفاده فى " الإمداد" أخذاً من الحديث
وبه صرح فى " التتارخانية" اهـ. قلت: وفى " البدائع" (١ - ١٤٧ ):
كل تكبير تين بصوت واحد عندنا فكأنها كلمة واحد فيأتى بها مرتين الخ ،
وكذا قاله النووى من الشافعية فى " شرح المهذب"، وهذا الوقف ترسل ،
وفى الإقامة الوقف على كل كلمتين ، ويسمى هذا حدراً فى الإقامة ، فإن
تُ سل أحد فى الإقامة أو حدر فى الأذان فهل بعيد ؟ والذی فی أکثر کتبنا
أنه لا يعيد الإقامة ولا الأذان، حكاه فى " البحر" (١ - ٢٥٧) من "الكافى"؛
( ٢ - ٢٣ )

١٧٨
معارف السفن
ج - ٢
حديث صحيح . وقد روى عنه من غير وجه ، وعليه العمل بمكة ، وهو قول
الشافعى .
وحكى خلافه عن "الظهيرية": بأنه بعيد الأذان لو جعله إقامة ولا يعيد الإقامة
لو جعلها أذاناً، وحكى عكسها عن "المحيط" فراجعه. ثم الإعادة إنما هى
أفضل فقط کما فى " البدائع" ، قاله ابن عابدين . وکلام قاضيخان - على ما
حكاه فى "البحر" - وإن كان سياقه فى إعادة الإقامة لكنه يفيد إعادتها لترك
السنة. وإن رجع حنفى فى الأذان فقال صاحب "البحر" (١ - ٢٥٦) :
والظاهر من عباراتهم أن الترجيع عندنا مباح فيه ليس بسنة ولا مكروه اهـ ،
وهو المعتمد . وقال صاحب " النهر": أنه خلاف الأولى على ما حكاه ابن
عابدين ، وكل من قال بالكراهة فيأول كلامه بأنه مفضول ، كما بأول كلام
صاحب " الدر المختار" فى كراهية صيام عاشوراء منفرداً بأنه مفضول وبالجملة
فالقول بكراهة الترجيع خلاف الصواب ، وكيف وقد استمر الترجيع من
عهد النبوة بمكة إلى عهد الشافعى، وكان السلف يشهدون مكة فى مواسم الحج
كل سنة ولم ينكره أحد منهم ، وهذا يدل على ما قلنا ، أفاده الشيخ . ثم
لا يخفى أن الترچیع بمعنی التطريب والتغنى بغیر کلماته، فهو مكروه عندهم من غير
خلاف كما فى " البحر" وغيره، وقد وقع التعبير من هذا المعنى بالترجيع فى
الأذان فى " المبسوط" السرخسى فكرهه فليتنبه، وقد أشار إليه ابن عابدين
أيضاً فى حاشية " البحر" .
وأما إيتار الإقامة عندنا فهل حكمه حكم الترجيع عندنا ؟ قال الشيخ رحمه
الله: فلم أر التصريح به فى كتب فقهائنا ، نعم صرح به غيرنا. قال ابن
عبد البر: ذهب أحمد وإسماق وداؤد وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف
المباح، فإن ربع التكبير الأول فى الأذان أو ثناه، أو رجع فى التشهد أو لم يرجع،
أو ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو إلا "قد قامت الصلاة" فالجميع جاز. حكاه

١٧٩
تحقيق أن الخلاف فى الأذان والإقامة اختلاف فى الترجيح
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى نا عفان نا همام عن عامر الأحول عن مكحول
الحافظ فى "الفتح" (١ - ٦٩). وكلام النووى فى " شرح المهذب" (٣
- ٩٦ و٩٧) يشير إلى عدم جواز تثنية الإقامة كما بدل كلامه على جواز عدم
الترجيع فى (١ - ٩١ و٩٢) مع كراهة. وحكى فى آخر كلامه عن محمد بن
نصر المروزى : فأرى فقهاء أصحاب الحديث قد أجمعوا على إفراد الإقامة و
اختلفوا فى الأذان بعنى إثبات الترجيع وحذفه اهـ. قال الراقم : ويعارض ما
يحكيه من الإجماع ما حكاه ابن عبد البر كما تقدم آنفاً. وبالجملة ما صرح به
أحمد وإسحاق قول وسط؛ فلا حاجة إلى تفسيح ساحة الخلاف . وادعى ابن
خزيمة تثنية الإقامة مع الترجيع فى الأذان ، وإفرادها بحذف الترجيع فى الأذان،
وادعى أنه لم يثبت خلافه فلا يجوز إفراد الإقامة بترجيع فى الأذان عنده ، وهو
تحكم ولم يرض به الشافعية. ورده البيهقى لأجل ادعائه مجمة التثنية فى الإقامة، وهذا
منه مجيب ، والله سبحانه يقول: ( ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا
اعدلوا هو أقرب للتقوى) . فرحم الله من أنصف ولم يتصف . قال
شيخنا : وبالجملة لا بد من القول بجوازه ، وفى "مواهب الرحمن" أن الإيتار
فى الإقامة لعله كان . فالحاصل : أنه لا بد من القول بثبوت الترجيع وعدمه
وإيتار الإقامة وتثنيتها، وإنما يبقى الخلاف فى الأولوية ويبحث فى الترجيح والله أعلم.
ثم إنه عبر علمائنا بأن أبا حنيفة أخذ بأذان بلال وإقامة أبى محذورة . قال
الشيخ: وأجود منه ما أفاده صاحب "الهداية" فقال فى الأذان كما أذن الملك النازل
من السماء . وقال فى الإقامة : هكذا فعل الملك النازل من السماء اهـ. قال :
وهذا تعبير فى غاية من التفاسة . وأما ما ورد فى "سنن أبى داؤد" من إيتار
الإقامة منے إقامة الملك النازل من السماء فی حدیث عبد الله بن زيد فى ( ہاب
كيف الأذان) وفيه: (ثم تقول إذا أقت الصلاة: الله أكبر الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حى على الصلاة، حى على

١٨٠
معارف السين
ج - ٢
على عهد الله بن محمبريز عن أبى محذورة: ((أن النبى عَ لّ عامه الأذان تسع
الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)) اهـ.
قال شيخنا : فيقال: إن تلك الرواية فيها اختصار من الراوى أو إحالة على
كلمات الأذان ، فإن الكلمات كانت مشتركة وحدث قبلها بالأذان ، فيحتمل أنه
حدث بها فرادى وقال اجعلها كالأذان كما وقع التعبير فى إجابة عمر الأذان
بالإفراد فى كلمات الأذان عند مسلم فى " صحيحه" ( ١ - ١٦٧ ) ( باب فضل
الأذان وهرب الشيطان عند سماعه ) وعند الكل هو اختصار ولاهد . وذلك
لأنه لم يثبت الإفراد فى الأذان لا رواية ولا تعاملاً. ثم إنهم قد تصدوا للإجابة
من الترجيع فى حديث أبى محذورة فقال الطحاوى (١ - ٧٩) ( باب الأذان
كيف هو) من "شرح معاني الآثار" ما ملخصه: أنه يحتمل أن يكون أبو محذورة
لم يمد بذلك صوته على ما أراد النبى معَّامٍ منه فقال له: ((ارجع وامدد على
صوتك)). وقال صاحب "الهداية" (١ - ٧٠) (باب الأذان ): وكان ٠!
رواه تعليماً فظنه ترجيعاً اهـ. وقال ابن الجوزى فى "التحقيق" حكاه "الزيلعي"
(١ - ٢٦٣): إن أبا محذورة كان كافراً قبل أن يسلم فلما أسلم ولقنه النبى (وَله
الأذان أعاد عليه الشهادة وكررها لتثبت عنده ويحفظها ، ويكرر على أصحابه
المشركين ؛ فإنهم كانوا ينفرون منها خلاف نفورهم من غيرها ، فلم کررها
عليه ظنها من الأذان فعده تسع عشرة كلمة اهـ . وحاصله : أنه كان حديث
عهد بالإسلام فأعاد عليه الشهادتين ليرسخ التوحيد فى قلبه وينتفع به من وراءه
من المشركين فظنه سنة عامة فى الأذان . والأحسن فى هذه الأقوال ما أفاده
ابن الجوزى فإن الحق أن الترحيع ثابت غير أن الحنفية رجحوا عدمه لأن
بلالاً استمر أذانه بين يدى رسول اللّه فَّ لهُ من غير ترجيع فيه قبل تعليمه وحَاو
أبا محذورة الأذن وبعده. قال الزيلعى: وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة فى المعنى ،
ويردها لفظ أبى داؤد: «قلت: يا رسول علمنى سنة الأذان، وفيه : ثم
أ