النص المفهرس

صفحات 121-140

بحث سماع الحسن عن سمرة - وكراهية الصلاة بعد العصر والفجر ١٢١
(باب ما جاء فى كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر)
حدثنا أحمد بن منيع ذا هشيم أخبرنا منصور - وهو ابن زاذان- عن قتادة
منه شيئاً . والثانى: أنه سمع منه كثيراً. الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة
فقط. والكلام المشيع فى تفصيل هذه المذاهب الثلاثة انظره فى " نصب الراية "
من (١ - ٨٨ إلى ٩١). وعلى كل حال مراسيله - إذا رواها عنه الثقات - صاح
عند ابن المدينى وأبى زرعة كما فى "التهذيب". والفول الأول اختاره شعبة،
وابن حبان، والبردنجى . والثانى اختاره ابن المدينى، والبخارى كما تقدم .
والثالث اختاره النسائى، والبزار ، والدار قطنى ، وعبد الحق صاحب
"الأحكام" وغيرهم. وكذلك اختلف فى سماع الحسن من على بن أبى طالب
رضى الله عنه، فيقول أبوز رعة : رأى عثمان وعلياً وما سمع منها حديثاً.
وقال الحسن: رأيت الزبير يبايع علياً كما فى "التهذيب" (٢ - ٢٦٧).
-: باب ما جاء فى كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر :-
حديث: ((لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)) ولا ((صلاة بعد العصر
حتى تغرب الشمس)، قال الطحاوى ثم ابن بطال - من القدماء -: أنه حديث
متواتر، ومن المتأخرين المناوى - كما فى " فتح الملهم" - ادعى التواتر.
قال الطحاوى (١ - ١٧٩): جاءت الآثار عن رسول الله عَ ليه متواترة
بالنهى عن الصلاة بعد الصيح وبعد العصر ، وعمل بذلك أصابه من بعده ؛ فلا
ينبغى لأحد أن يخالف ذلك. وقال البدر العينى فى "العمدة" (٢ - ٥٨٩ ):
وقال ابن بطال توافرتٍ الأحاديث عن النبي ◌َّهُ أنه نهى عن الصلاة بعد
الصبح الخ . وحكى شيخنا عن أبى عمر ابن عبد البر فى التمهيد" أنه
( م - ١٦ )

١٢٢
معارف السنع
ج - ٢
آ آء منهم
أنا أبو العالية عن ابن عباس قال: سمعت غير واحد من أصحاب النبي
عمر بن الخطاب، وكان من أحبهم إلى: ((أن رسول اللّه عَّ له نهى عن الصلاة
متواتر ، وأرى أن السيوطى أيضاً عده متواتراً فى رسالته "الأزهار المتناثرة
فى الأخبار المتواترة " .
وحديث النهى عن الصلاة عند الطلوع والغروب والاستواء حديث صحيح
أيضاً . رواه مسلم فى "صحيحه" من حديث عقبة بن عامر الجهنى، وكذا رواه
الأربعة ، وروى مالك فى معناه حديث عبد الله الصنابحى ، وقد تقدم نقله
بنصه ، وفى معناه حديث عمرو بن عبسة عند مسلم فى ( فضائل القرآن ) وعند
الطحاوى فى ( المواقيت ). فالأوقات التى نهى فيها عن الصلاة خمسة . ولفظ
"الكنز" من كتبنا هكذا : ومنع عن الصلاة وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة
عند الطلوع والاستواء والغروب إلا عصر يومه، وعن التنفل بعد صلاة الفجر
والعصر لا عن قضاء فائتة وسجدة تلاوة وصلاة جنازة آه. فأبو حنيفة جعلها نوعين:
النوع الأول: الأوقات الثلاثة: الطلوع والغروب والاستواء، فقال: لا تجوز الصلاة
فى هذه الأوقات الثلاثة ، ثم إن صلى فيها أحد فإن كانت فريضة أو كل ما
هو دين فى الذمة ووجب كاملاً بطلت . وإن كانت نافلة محت مع كراهة
التحريم. فهكذا فصل الإمام فى المسألة، وراجع " البحر الرائق" (١ -
٢٤٩) للتفصيل ، ومثله منقحاً عند ابن عابدين عن الجلبى.
والنوع الثانى: الوقت بعد الصبح والعصر. فقال أبو حنيفة : نجوز فيه
الفرائض والواجبات لعينها لا النوافل والواجهات بغيرها . والشافعى لم يفرق
بين هذه الأوقات الخمسة، فتجوز عنده فيها الفرائض وماله سيب من النوافل
مثل تحية الوضوء ، وتحية المسجد ، وصلاة الكسوف ، والاستسقاء ، ونافلة
اتخذها ورداً ، وسجدة تلاوة، وسجدة شكر، والجنازة، والفائتة ولو نافلة،
وإعادة صلاة جماعة ومتيمم ، فهذه كلها مستثنى عندهم من الكراهة ، انظر

١٢٣
بحث الصلاة فى الأوقات المكروهة
بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس )).
وفى الباب عن على ، وابن مسعود ، وأبى سعيد ، وعقبة بن عامر ،
"نهاية المحتاج" (١ - ٢٨٦) و" حاشيته" للشبراملسى، وكذا استثنى عندهم
بمكة من جهة المكان . وأما جواز السنن عند الشافعى فى هذه الأوقات فذكره
ابن رشد فى " البداية" . وكذا تجوز السنن المؤكدة عنده . وقال مالك: تجوز
الفرائض دون النوافل . وتفقه الشافعية : بأن ماله سبب ليس فى قدرة العهد
واختياره، وكأنه ساوى فلم ينه عنه، وما فى خياره وطوعه وقع النهى
عنه. وقال صاحب " الهداية" فى وجه تفقه الحنفية فى المسألة ما حاصله :
أن الوقت بعد الفجر والعصر. فى حكم المشغول بالفرض ؛ فلم تظهر الكراهة فى
حق الفرض والواجب لعينه ، فليست الكراهة لمعنى فى الوقت ، بل لما ذكر .
وقال ابن الهام فى "الفتح" (١ - ١٦٥): ثم النظر إليه يستلزم نقيض
قولهم الغيرة فى المنصوص عليه لعين النص لا لمعنى النص ؛ لأنه يستلزم معارضة
النص بالمعنى ، والنظر إلى النصوص يفيد منع القضاء تقديماً للنهى العام على
حديث التذكر اهـ. يريد أن هذا تخصيص بالرأى ابتداءً، ولم يجب عن إيراده،
وأخذ فى إثبات المسألة طريقاً آخر فقال: يكفى فى إخراج الفضاء من
الفساد العلم بأن النهى ليس لمعنى فى الوقت ، وذلك هو الموجب للفساد ، وأما
من الكراهة ففيه ما سبق اه وكأنه لم يجب عنه أصلاً حيث لم يخرجه من الكرامة.
وتعرضوا هنا الواجب لعينة والواجب لغيره تفصيلاً للمسألة. قال شيخنا :
والذى عندى على ظاهر ما يستفاد من " الهداية" من كتبنا ( ص - ٧٠ )
قبيل الأذان: أن الواجب لعينه: ما يكون مقصوداً لنفسه. والواجب لغيره:
ما يكون مقصوداً لغيره. وقال شراح " الهداية": إن الواجب لعينه : ما
يكون مأموراً به من جهة الله. والواجب لغيره: ما يكون واجباً فى الذمة من
وجهة العبد، وكذلك الخ . وهكذا يستفاد مما قرره فى " العناية" على "الهداية".

١٢٤
معارف السنن
ج - ٢
وأبى هريرة ، وابن عمر ، وسمرة بن جندب ، وسلمة بن الأكوع ، وزيد
ابن ثابت، وعبد الله بن عمرو، ومعاذ، وعفراء، والصنابحى - ولم يسمع
وفى " فتح القدير": المراد بما وجب لعينه ما لم يتعلق وجوبه بعارض بعد
أن كان نفلاً كالنذور ، وسواء كان مقصوداً بنفسه أو لغيره كمخالفة الكفار و
موافقة الأبرار فى سجدة التلاوة وقضاء حتى الميت فى صلاة الجنازة الخ (١ -
١٦٦ ) .
قال شيخنا : وأوهمهم لفظ " الهداية": وظهرت فى حق المنذور لأنه
تعلق وجوبه بسبب من جهته الخ، فأشكل عليهم ركعتا الطواف حيث جعلها من
الواجب لغيره مع أنها من الواجب لعينه على ما قالوا؛ فأجاب فى " العناية "
بما حاصله: أن ختم الطواف حاصل بفعله ، فكان كالنفل الخ . ثم إن ملخص
ما ذكروه من الفرق بين هذه الثلاثة المذكورة وهذين الوقتين : أن النهى فى
الثلاثة لمعنى فى الوقت، وهو كونه منسوباً إلى الشيطان، فيظهر فى حق
الفرائض والنوافل وغيرهما. وفى الوقتبن للشغل بالفرض التقديرى ، وشغله
بالفرض التقديرى أولى من شغله بالنفل ، فظهر المنع فى حق النوافل دون
الفرائض الحقيقى والواجب لعينه كما فى "العناية" وغيرهما. وكذلك حققه
الطحاوى فى "شرح الآثار" (١ - ٢٣٤) . وأما على ما فسر شيخنا فركعتا
الطواف من الواجب للغير - أي ختم الطواف- من غير تكلف، فيظهر الفرق بين
وكعنى الطواف وسجدة التلاوة، فالأول من الواجب لغيره والثانى من الواجب لعينه.
وقال فى "فتح القدير" و"العناية": السجدة قد نجب بتلاوة غيره إذا سمعه من
قصد ، فيتعلق بالسماع لا بالاستماع ولا بالتلاوة ، وذلك ليس فعلاً من المكلف،
ولا كذلك ركعتا الطواف. ودليل الحنفية فى النهى عن ركعتى الطواف فى
الوقتين المذكورين أثر عمر الفاروق: ((أن عمر طاف بعد صلاة الصبح فركب
حتی صلى الركعتين بذى طوى)، رواه البخارى (١ - ٢٢٠) فى (باب

١٢٥
بحث ركعتى الطواف بعد الصبح والعصر
من النبى حَلّ﴾ - وعائشة، وكعب بن مرة، وأبى أمامة، وعمرو بن عيسة،
ويعلى بن أمية ، ومعاوية . قال أبو عيسى : حديث ابن عباس عن عمر حديث
الطواف بعد الصبح والعصر) معلقاً، والطحاوى (١ - ٣٩٦) موصولاً ،
ووصله مالك كما فى " الفتح" و"العمدة"، ووصله البيهقى فى " سننه" ( ٢
- ٤٦٣)، وفى معناه أخرج الطحاوى عن ابن عمر فعله ، وكذلك عن معاذ
ابن عفراء (١ - ١٧٩) (باب الركعتين بعد العصر) ، ورواه أحمد ( ٤ -
٢١٩) والطبالسى والبيهقى، واعترف الحافظ فى الإصابة" ( ٣ - ٤٢٨ )
أنه من طريق البغوى بسند صحيح، وعزاه إلى " سنن النسائي" أيضاً (واهله
الكبرى) وفى الباب أثر عائشة. قال الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٣٩٢):
رواه ابن أبى شيبة عن محمد بن فضيل عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة أنها
قالت: ((إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف وأخر
الصلاة حتى تغيب الشمس أو حتى تطلع فصل لكل أسبوع ركعتين ، وهذا
إسناد حسن انتهى . وما ذهب إليه أبو حنيفة من كراهية ركعى الطواف بعد
الصيح والعصر هو مذهب مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصرى والثورى
وأبى يوسف ومحمد ومالك كما فى " العمدة"، ودات عليه آثار عمر ،
وعائشة، وابن عمر ، ومعاذ بن عفراء كما أشرنا إليه من قبل ، وأبدته
أحاديث العموم فى النهى عن الصلاة فى هذين الوقتين فى " الصحيحين" بما
لا تقاومه أحاديث الجواز كما أشار إليه الزيلعى فى "التخريج» (١ - ٢٥٣)
والأحاديث التى فيها استثناء ركعتى الطواف كلها ضعاف كما نجد تفصيلها فى
" نصب الراية". قال الشيخ: ولنا أيضاً حديث أم سلمة: قال لها رسول
اللّه ◌َّ: ((إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفى على بعيرك، والناس يصلون
ففعلت ذلك ولم تصل حتى خرجت)) رواه البخارى فى "صيحه" (١ -
٢٢٠) (باب من صلى ركعتى الطواف خارج المسجد ) فلم ينكر عليها

١٢٦
معارف السنن
ج - ٢
حسن صحيح. وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ◌َّالٍ ومن بعدهم: أنهم
كرهوا الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب
رسول اللّه حَ ﴾ . قال الراقم: وهذا استدلال لطيف لم أر من استدل به فى
هذه المسألة ، ولولا وجه التأخير : النهى عن الصلاة بعد الصبح فليس هناك
أى مانع عن الصلاة، ولا أى داع إلى التأخير، وتطلع الشمس فى هذه المدة
إلى عهد خروجها عن الحرم، فصلت بعد ما خرجت من الحرم وطلعت الشمس ،
فكان الحديث حجة فى المسألتين ، والبخارى أورد فى ترجمة هذا الحديث أثر
عمر أيضاً، فكما أن أثر عمر حجة فى البابين فكذلك حديث أم سلمة .
و قال الإمام الطحاوى فى " شرح معانیالآثار" ( ١ - ٢٣٤ ) فی ( باب
الرجل يدخل فى صلاة الغداة فيصلى منها ركعة ثم تطلع الشمس ) : وأما
نهى النبي ◌َّ الرجل عن الصلاة بعد العصر.
.
. وبعد الصبح .
فإن هذين الوقتين لم بنه عن الصلاة فيها للوقت ؛ وإنما نهى عن الصلاة فيها
للصلاة، وقد رأينا فى ذلك الوقت بجوز لمن لم يصل أن يصلى فيه الفريضة والصلاة
الفائتة، فلما كانت الصلاة هى الناهية وهى فريضة كانت إنما ينهى عن غير
شكلها من النوافل لا عن الفرائض اهـ . ومثله فى (١ - ٩١) فى (المواقيت)
بتعبير مختلف . وهذا هو الذى أخذه صاحب " الهداية" فلخصه تعبيراً .
وبالجملة يرد عليه ما أورد عليه ابن الحمام فى " الفتح" كما تقدم آنفاً ، وأجاب
عنه شيخنا الإمام : بأنه ليس هاك تخصيص بالرأى، بل هناك تخصيص النص
بالنص ؛ فقد جوز قضاء الوتر بعد الصبح كما فى حديث أبى سعيد الخدرى
رواه الترمذى فى ( باب ما جاء فى الرجل ينام عن الوتر أو ينسى ) وفيه :
عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، وتكلموا فيه، وأخوه عبدالله بنزبد ثقة. وأخرجه
أبو داؤد فى " سكنه" فى ( باب الدعاء بعد الوتر ) (١ - ٢١٠) بإسناد ليس
فيه عبد الرحمن بن زيد ، بل أخرجه من طريق أبى غسان عن زيد بن أسلم عى

١٢٧
بحث الوثر بعد الصبح - وتعارض الخاص والعام
الشمس . وأما الصلوات الفوائت فلا بأس أن تقضى بعد العصر وبعد الصبح .
عطاء بن يسار عن الخدرى ، ولذا صححه العراقى . وأخرجه الدارقطنى فى
"سلنه" (١ - ١٧١) ولفظه: ((إن الب ◌َلَّ قيل له: إن أحدنا يصبح
ولم يوتر قال: فليؤثر إذا أصبح)). وفى طريق آخر: ((من نام عن وتره
أو نسبه فلیصله إذا أصبح أو ذكره)) وكذا رواه التر مذى مرسلاً عن زيد بن
أسلم: ((من نام عن وتره فليصل إذا أصبح)). قال الراقم: وليس فيه
تصريح أنه بعد صلاة الصبح ؛ ومورد النزاع هذا، والله أعلم. وأيضاً قال
الشيخ : وأما مسألة التخصيص بالرأى فقد يجوز إذا كان جلياً ؛ كما قد صرح
4 الحافظ ابن دقيق العيد بل الشيخ ابن الهمام نفسه صرح بجوازه إذا كان الرأى
جلياً. وقد رأيت أنهم يخصصون أحاديث المعاملات وأحاديث الأخلاق
بالرأى من غير نكير أحد على ذلك ، نعم يتورعون عنه فى أحاديث العبادات.
وقال الشافعية فى حديث الباب : إنه عام وخصصه حديث صلاة التحية ،
قال الشيخ : وإذن تحولت المسألة إلى مسألة أخرى أصولية خلافية ، وهى
تعارض العام والخاص، فعند الشافعية يعمل بالعام فيما وراء الخاص تقدم الخاص
أو تأخر أو لم يعلم التاريخ. وعند الحنفية: إن علم التاريخ فالمتأخر ناسخ وإلا
فيقع التعارض، فيحول إلى باب التعارض. أقول: وابراجع شرح" التحرير"
لابن أمير الحاج (٣ - ٤) لتفصيل الموضوع. ثم قال الشافعية : يؤخذ
بالزائد فالزائد . قال الشيخ: وتعبيرهم هذا جيد مؤثر أقوى مما يقوله الحنفية
فى باب التعارض . قال الشيخ: والمراد من القول بالتعارض عندنا أن يعامل
فيه بمقاسمة الأصول ؛ فإنه قد كثر تخصيص النوعيات بأحكام لا تكون فى
الجنسيات . قال الشيخ: وهذا التعبير فى هذا الموضوع منى ، وإذن أصبح
تعبيرنا أجود وأقوى من تعبيرهم حيث صارت ضابطتنا أشمل من ضابطتهم ،
قال: ومقاسمة الأصول : أن يكون حكم واحد يصلح أن يندرج فى عام ،

١٢٨
معارف السنن
ج - ٢
قال على بن المدينى: قال يحب بن سعيد :
وكذا يصلح لأن يكون فرداً من أفراد الخاص ، فإدخاله فى الذى أحق به وله
مزبة معه خاصة يسمى مقاسمة الأصول . فكذلك نقول : تجرى هذه القاعدة
فيما نحن بصدده: بأن الشريعة تنهى عن الصلاة فى هذين الوقتين ؛ ثم ما كان
ديناً من الله فى الذمة من الفرائض والواجبات لعينها جاز أداءه ، وما كان
تبرعاً من الواجب لغيره أو النافلة لا يجوز أداءه. فإن شئت فقل: ما كان
من الله على ذمة المكلف يجوز أداؤه وإلا فلا يجوز. قال الشيخ: وكذلك
تفيد هذه القاعدة فيما تقدم فى حديث: ((أمراء الجور يميتون الصلاة عن وقتها))
فنقول : يعيد معهم بعد ما صلى منفرداً إذا كان الوقت متحملاً لها لا مطلقاً،
والشافعية يقولون بإعادتها مطلقاً فى الصلوات الخمس . قال الراقم : فعمل
الشافعية بالخاص هناك ثم بالعام فيما وراء الخاص . والحنفية كأنهم عينوا
لكل مصداقاً خاصاً بحيث لا يبقى تعارض هناك فى الواقع ، وإن كان ذلك فى
بادئ الرأى. وأرى أن ذلك هو الجمع والتطبيق الذى يرجعون إليه إذا لم
يكن الترجيح ممكناً فى الباب ، ثم إذا تعذر الجمع يرجعون إلى دليل آخر ،
وعلى كل حال القول : بأنها إذا تعارضا تساقطا تعبير ركيك غير جيد .
ثم قال الشيخ فى أحاديث الإعادة: إن غرض الشارع هو أداء الصلوات
فى مواقيتها ، لا أن يصلى فى الوقت مرتين كما يزعمه الشافعية، نعم وقع الإذن
بالإعادة معهم تنزيلاً على رغبتهم بعد ما سأله سائل: أصلى معهم ؟ قال :
نعم إن شئت . ويدل على ذلك لفظ أبى داؤد فى " سننه " فى ( باب إذا أخر
الإمام الصلاة عن الوقت) من حديث عبادة بن الصامت قال: ((قال رسول
اللّه عٍَّ: إنها ستكون عليكم بعدى أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها
حتى يذهب وقتها ، فصلوا الصلاة لوقتها . فقال رجل: يا رسول اللّه أصلى
معهم ؟ قال: نعم إن شئك)). وظاهر: أنه لا تكون الإعادة إلا فى ما

١٢٩
بحث سماع قتادة عن أبى العالية ثلاثة أشياء
قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبى العالية إلا ثلاثة أشياء: حديث عمر: ((أن
النبى ◌َلّ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى
تطلع الشمس)) وحديث ابن عباس عن النبى عَّ ◌ُلّ قال: ((لا ينبغى لأحد أن
يحتمله الوقت من الإعادة ، ولم يكن هناك مانع . وإذن لا يبقى لإعادة الصلوات
كلها وجه قوى ، هكذا فليفهم والله أعلم .
قوله : لم يسمع قتادة الخ. قلت : قال الحافظ: وذكر أبو داؤد فى
" السنن" ويعقوب بن أبى شيبة فى " المسند": أن قتادة سمع من أبى العالية
أربعة أحاديث .... منها الحديث فى رؤية النبي ◌َّ موسى ليلة الإسراء،
وحديث ما يقول عند الكرب ، قد صرح فيها بالسماع فصارت خمسة ؛ لكن
أحد الثلاثة المتقدمة - بربد حديث على - موقوف فصح المرفوع أربعة اهـ .
قلت : الأربعة التى ذكرها أبو داؤد فى " سلنه" فى (باب الوضوء من
النوم ): هى الثلاثة التى فى " سنن الترمذى"، والرابع حديث ابن عمر فى
الصلاة . وحديث : رؤية موسى وحديث الكرب زادها البيهقى أيضاً فى
"سننه" (١ - ١٢١) فيكون المجموع ستة، والمرفوع منها خمسة. وغرض
المؤلف : أن حديث قتادة فى الباب موصول لا شبهة فيه للانقطاع ، نعم سائر
رواياته عن أبى العالية منقطعة ما عدا هذه ، وحديث الباب منه .
قوله : لا ينبغى لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى . اختلفوا
فى شرحه فقيل: "أنا" عبارة عن كل متكلم وقائل. وقيل: أراد به عَ}
نفسه، ثم احتاجوا فيه إلى تخريج الحامل وتوجيه شرحه؛ فإن فضله عَلٍ على
جميع الأنبياء والمرسلين ثابت قطعاً ، فما ظنك بسائر البشر فهو سيد البشر وسيد
ولد آدم أجمعين وسيد الذبيين عليهم صلوات الله وسلامه، فقال البدر العينى فى
( ٢ - ١٧ )

١٣٠
معارف السنن
ج - ٢
يقول: أنا خبر من يونس بن متى)) وحديث على: (( القضاة ثلاثة)).
"العمدة" (٧ - ٤١٨): إنما قال فَر ◌َّ لما خشى على من سمع قصته أن
يقع فى نفسه تنقيص له فذكره لسد هذه الذربعة . وقد فصل الكلام فيه
فى "العمدة" (٧ - ٣٩٧).
قوله : حديث على . حديث على هذا موقوف من قوله : وليس بمر فوع
كما يقوله الحافظ فى " تهذيب التهذيب" (٨ - ٣٥٤ و ٣٥٦)، وفى
"العرف الشذى": أخرجه البيهقى فى "سننه الكبرى"، وقد بحثت عنه فى "السنن" .
فى مظانه فلم أظفر به وطال بحث عنه فى سائر أمهات الحديث ، وظفرت به بعد
برهة طويلة من الدهر تزيد على عشرين سنة فى " الإصابة" ( ٢ - ٤٥٨)
مرفوعاً على عجلان، فقال الحافظ: رواه مرفوعاً عملان مولى رسول اللّه عَل الجمل
أخرجه عبد الصمد بن سعيد فى "طبقات الحمصيين". فإذن هو موقوف على
علىّ ، وروى مرفوعاً أيضاً عن عملان والله الموفق .
تنبيه : قال الشيخ : أما ما قلنا من كراهة الصلاة - أى النفل - فى
الأوقات الثلاثة مع صحتها فاجتماع الكراهة مع الصحة غير مستبعد. وقال الشيخ
ابن الهام فى "التحرير" فى مباحث الأمر والنهى وفى "فتح القدير" من الصيام
قبيل الاعتكاف ما ملخصه : إنها يجتمعان فى المعاملات دون العبادات فإن فى
المعاملات جهتين : جهة الدنيا وجهة الدين . وأما فى العبادات ففيها جهة
واحدة وهى الأخروية فقط . قال شيخنا : يلزم على هذا إرتفاع باب الكراهة
من الصلاة . قال : ويحتمل أن يقال : إن الكراهة فى نفس الصلاة لا تجتمع .
معها ، أما الكراهة فى بعض ما يكون خارجاً من الصلاة كالوقت فتجتمع ،
فإذن يصح قوله، ولا يرد الاشكال من ارتفاع باب الكراهة بالكلية . قال : و
يفيد هذا الشافعية فيما أشكل عليهم من عدم اجتماع الصحة مع الكراهة التنزيهية

١٣١
الصلاة بعد العصر ومسألة اجتماع الصحة والكراهة
-: باب ما جاء فى الصلاة بعد العصر :-
حدثنا قتيبة نا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس قال: ((إنما صلى رسول اللّه عَّخليل الركعتين بعد العصر لأنه أتاه. مال
وهو قول عندهم .
قال الراقم : وقد حكى صاحب" العناية" عن " النهاية": أنه نقل اجتماع
الجواز مع الكراهة عن الكرخى والأسبيجانى، انظر "العناية" (١ - ١٦١) على
هامش "الفتح"، واستوعب صاحب "البحر" الكلام فيه فراجعه . ويقول ابن
الحرام: النهى الوارد يفيد كراهة التحريم ، وأول صاحب " الهداية": لا تجوز
الصلاة الخ ، إن أريد من عدم الجواز عدم الصحة - والصلاة عام - لم يصدق
فى كل صلاة، لأنه لو شرع فى نقل فى الأوقات المكروهة صح شروعه ...
وإن أريد عدم الحل كان أعم من عدم الصحة ، فلا يستفاد منه خصوص ما هو
حكم القضاء من عدم الصحة ، وهو مقصود الإفادة . والظاهر : أن مقصوده
هو المعنى الثانى؛ ولذا استدل بحديث عقبة بن عامر ، وهو إنما يفيدعدم الحل فى
جنس الصلاة دون عدم الصحة فى بعضها بخصوصه، والمفيد لها قوله عَلَا:
(إن الشمس تطلع بين قرفى شيطان الخ)) ..... فإنه أفاد كون المنع لما اتصل
بالوقت مما يستلزم فعل الأركان فيه : التشبه بعهادة الكفار ، إلى آخر ما
حققه وراجعه للتفصيل (١ - ١٦١) فقد أتينا به مختصراً بتغيير كليات
من لفظه .
-: باب ما جاء فى الصلاة بعد العصر :-
حديث عائشة فى " الصحيحين " فى الركعتين بعد العصر " البخارى "
(١ - ٨٣) (باب ما يصلى بعد العصر من الفوائت) و" مسلم" (١ -
٢٧٧) ( باب الأوقات التى نهى عن الصلاة فيها ) قالت: ((ركعتان لم يكن

١٣٢
معارف السنن
ج - ٢
فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد لهما)) . وفى الباب عن
رسول اللّه عَ لَي بدعهما سراً ولا علانية" ركعتان قبل صلاة الصبح وركعتان بعد
العصر)) - واللفظ للمخارى- بدل على مواظبته فعَّ الّه. وحديث ابن عباس فى
الباب حديث السنن ، وكذا حديث أم سلمة الذى أشار إليه فى الباب ، رواه
البخارى موصولاً فى ( باب إذا كلم وهو يصلى ) (١ - ١٦٥) وفى
(المغازى ) ومعلقاً فى ( المواقيت) ورواه "مسلم" (١ - ١٧٧ ) وفيه :
« أنانى ناس من عبد القيس بالاسلام من قومهم فشغلونى عن الركعتين اللتين بعد
الظهر فهما هاتان، فهذان الحديثان يدلان على أنه فَّ لي شغل عن الركعتين بعد
الظهر فقضاها بعد العصر ، والصريح فى عدم المداومة بل فعله مرة: هو حديث
أم سامة عند النسائى وفيه: ((صلى فى بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة))
وفى لفظ آخر عنده: ((لم أره يصليها قبل ولا بعد)). وما تأول به ابن حجر
فيها بعدم علمهما وقال : والمثبت مقدم على النافى فأقول : ولكن عارضه
حديث عائشة: عند الطبرانى، وفيه: ((لم يصلها بعد)) وفيه: أبو يحيى
القتات انظر "الزوائد" (٢ - ٢٢٣). وأيضاً المدار فى علم الواقعة
على أم سلمة رضى الله عنها دون عائشة وقد أنكرت أم سلمة على عائشة فى
وضع حديثها فى غير محله كما سيأتى مفصلاً من رواية أحمد ، فكيف يقدم
مثل هذا المثبت على النافى، فاختلف الأئمة فقال الإمام الشافعى: بجواز الركعتين
بعد العصر، وقال أبو حليفة ومالك: بعدم الجواز، ومحمل صلائه عَ لّ عند
الحنفية: أنه كان ذلك من خصائصه ◌َّلّ، واستدلوا بما فى " صحيح البخارى"
(١ - ١٦٤) (باب إذا كلم وهو يصلى الخ) وفيه: ((وقال ابن عباس:
وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنها)). ورواه فى " شرح معانى
الآثار" (١ - ١٧٩ و١٨٠) من طرق كثيرة وألفاظ متفقة المعنى من ضرب
عمر وتعزيره بالضرب من يصلى ركعتين بعد العصر، وظاهر أن هذا لا بد أن

١٣٣
تحقيق عدم جواز الصلاة بعد العصر
عائشة وأم سلمة وميمونة وأبى موسى. قال أبوعيسى حديث ابن عباس حديث
حسل .
یکون على رؤس الأشهاد وبمرأى منهم ومسمع ، ولم يتكر عليه أحد فيكون
إجماعاً كما حققه فى "العمدة" (٢ - ٥٩٠) قال: وذكر الماوردى من
الشافعية وغيره أيضاً أن ذلك من خصوصياته . وكذلك حكاه عن الخطابى وابن
عقيل قال : وقال الطبرى : فعل ذلك تنبيهاً لأمته أن نهبه كان على وجه
الكراهة لا التحريم . وقد حقق الطحاوى الخصوصية ببحث مشبع على عادته .
فيكون اجماعاً، فمن الجائز أن نقول أن ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك هو
مذهب جمهور الصحابة . ويقول أبو محمد عبد الله السمر قندى الدارمى فى كتابه
"المسند" (ص - ١٧٥) بقوله: سئل أبو محمد عن هذا الحديث فقال : أنا
أقول بحديث عمر عن النبى عَّجُلٍّ: ((لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا
بعد الفجر حتى تطلع الشمس)). وحديث الباب حجة لأبى حليفة ومالك ، ويقول
الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٢ - ٥٢) و"التلخيص" (ص - ٧١) بعد ما عزاه
إلى "صحيح ابن حبان" أيضاً: هو من رواية جرير عن عطاء وقد سمع منه بعد
اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة اهـ. وكذلك يحتج بحديث أم سلمة
عند الطحاوى فى "شرح الآثار» (١ - ١٨٠) وفيه: ((فقلت يا رسول اله:
أفقضيها إذا فاتتا؟ قال: لا)) وعزاه الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٥٢) إلى
الطحاوى وضعفه فقال : فهى رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة ، وعزاه فى
" التلخيص" إلى أحمد وسكت عليه، وترجمه بعنوان " فائدة". أقول:
حديث أم سلمة هذا رواه أحمد وابن حيان والطحاوى ، ويقول الهيشمى فى
"الزوائد» (٢ - ٢٢٤): ورجال أحمد رجال الصحيح اهـ. ورجال
أحمد: يزيد عن حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عي ام سارة،
ومن هذا الطريق برويه الطحاوى عن على بن شيبة عن يزيد بن هارون الخ ،
/

١٣٤
معارف السن
ج -
وقد روى غير واحد عن النبى ثَلّ أنه صلى بعد العصر ركعتين، و
و على بن شيبة ذکره فی رجال الطحاوى أنه نزل مصر من بغداد وحدث بها
ولم يذكره بجرح ولا تعديل . وبالجملة لو كان مغز فى رواية الطحاوى من
أجل على بن شيبة فلا مغمز فى رواية أحمد أصلاً، فى العجائب أن فى " الفتح"
يعزوه إلى الطحاوى فقط ويقول : "وفيه ما فيه" يشير إلى قوله: " فهى
رواية ضعيفة" ولم يعز إلى أحمد ولا إلى ابن حبان، ولما عزاه فى " التلخيص"
إلى أحمد سکت عليه ، ولم يصرح بالتصحيح ، ومن المتهعد جداً أن يذهل فى
"الفتح" عن رواية أحمد ، وليس من الممكن أن يضعف رجال أحمد هؤلاء
الأعلام الثقات ، ولذا سكك عليه . وبذلك يعلم قدر تحامله على الحنفية . اللهم
إلا أن يدعى ذهوله عن رواية أحمد، ومع هذا فيؤخذ بعدم التصريح على التصحيح
مع علمه بالصحة، فيزيد بن هارون ثقة متقن من رجال السنة ، وجماد بن سلمة
ثقة من رجال «مسلم» ونقم على البخارى تجاميه عن حديثه وروايته عمن دونه
فى العدالة ، راجع "الميزان" و "التهذيب"، ورجحه أحمد على حماد بن زيد
كما فى " الميزان"، وأزرق بن قيس من رجال "البخارى" بصرى ثقة ،
وذكوان هو أبو صالح السمان من رجال الستة ثقة ثبت، فلا أدرى كيف يحجم
عن تصحيحه أحد. ثم محديث شاهد من حديث عائشة عند أبى داؤد من
طريق ابن إسحاق بلفظ: ((كان يصلى بعد العصر وينهى ويواصل وينهى من
الوصال)) ويقول الحافظ فى "التلخيص" (ص - ٧١): وينظر فى عنعنة
محمد بن اسحاق . قلت: رواه أبوداؤد وسكت عليه، ورواه البيهقى فى
" الكبرى" (٢ - ٤٥٨) وسكت عليه ، بل استدل به على اختصاص
المواظبة . - أقول : بل هو دليل على مطلق الاختصاص . وبالجملة فهو
صحيح أو مما يحتج به عند البيهقى ، واستدل العلماء به فى النهى عن الوصال فإذن
لا يقل عن أن يكون شاهداً .

١٣٥ ٠
بعد المصر
ـجلايته
وَسَيْءٍ
تحقيق ركعتيه ؟
هذا خلاف ما روى عنه أنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس .
وقال الشيخ : قال بعض الناس: إن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة
فيه شئ فإن حماداً تغير حفظه. قال: وقد استقريت "كتاب مسلم" فاستخرجت
منه رواية يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة فى مواضع كثيرة - فكيف يحكم
ذلك على مثل هذا السند . ومر الشيخ جلال الدين السيوطى على حديث أم سلمة
هذا فى "الخصائص الكبرى" وصححه وقال فيه (٢ - ٢٣٩): وأخرج
أحمد وأبويعلى وابن حيان بسند صحيح عن أم سلمة الخ. فالحديث أخرجه
أحمد وابن حبان وأبويعلى والطحاوى وعزاه صاحب "ترتيب المسند؟ إلى
البيهقى برهز " هق" ولم أر فيه إلا ما فى معناه حديث عائشة فى النهى
عن الوصال والصلاة بعد العصر ، وروى عن حماد عن الأزرق عى
ذكوان عن عائشة عن أم سلمة وليس فيه تلك الزيادة. وبالجملة حديث
أم سلمة هذا فى أعلى مراتب الحسن لذاته ، والشيخ رحمه الله كان يرى
أن مسلماً يخرج حديثاً حسناً لذاته فى كتابه مع اشتراطه الصحة فى كتابه
وكان يقول : حصل لى ذلك باستقراء كتابه ، وكذلك حجتنا : حديث
رواه البخارى (١ - ٨٣) (باب لا تتحرى الصلاة قبل غروب الشمس)
مختصراً، وأحمد فى " مسنده" مطولاً على معاوية رضى الله عنه قال: ((إنّكم
لتصلون صلاة لقد صحهنا رسول اللّه عَّ لي فهما رأيناه يصليها ولقد نهى عنها يعنى
الركعتين بعد العصر)) وهذا لفظ " الصحيح"، وفى "المسند" (٦ - ٣٠٩):
((إن معاوية أرسل إلى عائشة يسألها: هل صلى النبى عَلّ بعد العصر شيئاً؟
قالت : أما عندی فلا، ولكن أم سلمة أخبر تنى أنه فعل ذلك ، فأرسل إليها
فاسألها ، فأرسل إلى أم سلمة فقالت : نعم دخل على بعد العصر فصلى سجدتين
. الخ، وكذلك فى " مسند أحمد" (٦ - ٢٢٩) من حديث
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: (( فدخلنا على مروان وعنده نفر ،
١

١٣٦
معارف السن
ج - ٢
وحديث ابن عياس أصح حيث قال : لم يعد لها .
فيهم عهد الله بن الزبير ، فذكروا الركعتين اللتين يصليها ابن الزبير بعد العصر
فقال له مروان : ممن أخذتها با ابن الزبير ؟ قال : أخبرنى بها أبو هريرة
عن عائشة، فأرسل مروان إلى عائشة: ما ركعتان يذكرها ابن الزبير أن
أبا هريرة أخبره عنك أن رسول اللّه حَلٍّ كان يصليها بعد العصر؟ فأرسلك
إليه : أخبرتنى أم سلمة ، فأرسل إلى أم سلمة : ما ركعتان زعمت عائشة
أنك أخبرتها أن رسول اللّه عَلَه كان يصليها بعد العصر؟ فقالت: يغفر الله
لعائشة! لقد وضعت أمرى على غير موضعه، صلى رسول اللّه ◌َ لي الظهر
وقد أتى بمال فقعد يقسمه حتى أتاه المؤذن بالعصر ثم انصرف إلى وكان يومى
فركع ركعتين الخ)، وفيه قالت أم سلمة: ((ما رأيته صلاهما قبل ولا بعد)).
وفى "الفتح" (٢ - ٥٢): وقد روى النسائى أن معاوية سأل ابن
الزبير عن ذلك فرد الحديث إلى أم سلمة فذكرت أم سامة قصة الركعتين
حيث شغل عنهما . وفى "الزوائد" (٢ - ٢٢٤): عن أحمد باسناد فيه
ابن لهيعة من قبيصة بن ذويب أن عائشة أخبرت آل الزبير أن رسول
اللّه عَلّ صلى عندها ركعتين بعد العصر فكانوا بصلونها، قال قبيصة :
فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة! فحق أعلم برسول اللّه ◌َ الجَهل من
. ( فذكر قصة
عائشة ، إنما كان ذلك لأن ناساً من الأعراب .
شغله مَلٍّ عنها) وفى "مسند أحمد" (٦ - ٣١١) عن يزيد بن أبى زياد
قال: سألت عبد الله بن الحارث عن الركعتين. بعد العصر فقال: كنا عند
معاوية فحدث ابن الزبير عن عائشة: أن النبى ◌َّ ◌ُلٍّ كان يصليها، فأرسل معاوية
إلى عائشة - وكنت فيهم- فسألنا فقالت: لم أسمعه من النبى حَ ل ولكن حدثتنى
. . فقالت
أم سلمة فسألتها فحدثت أم سلمة ( فذكر القصة ) .
أم سلمة: ولقد حدثتها أن رسول الله بٍَّّ نهى عنهما، قال: فأتيت معاوية

١٣٧
تحقيق أن الركعتين بعد العصر الحديث فيه مضطرب
وقد روى عن زيد بن ثابت نحو حديث ابن عباس . وقد روى عن
فأخبرته بذلك فقال ابن الزبير : أليس قد صلاها لا أزال أصليها ، فقال له
معاوية: إنك لمخالف لا تزال نحب الخلاف ما بقيت، ومثله (٦ - ٣٠٣)
و (٦ - ١٨٤). وبالجملة فإنكار معاوية ومروان على ابن الزبير، وإنكار
أم سلمة على عائشة، وهذه المحاورات والمقاولات كل ذلك بدل على أن التشريع
العام فى أداءها هو من اجتهاد عائشة ومن اجتهاد ابن الزبير بل دلت الروايات
على أن عائشة لم تصب فى اجتهادها وفى ظنها التشريع عاماً والله أعلم . وأيضاً
أصبح المدار فيها أم سلمة وعندها الخبر اليقين، [فإن القول ما قالت حذام]
والله الموفق .
وبالجملة فاضطرب حديث عائشة فى "الصحیحین" وغيرها، ولأجل هذا
رجح الترمذى حديث ابن عباس على حديث عائشة فى " الصحيحين" فقال:
وقد روى غير واحد عن النبى معَّلهُ: أنه صلى بعد العصر ركعتين ....
.... وحديث ابن عباس أصبح. ثم ما ورد فى آخره هنا زيادة قوله :
لم بعد لما" فإذن اللفظ هذا أصرح فى المقصود جداً. ومن أدلتنا ما
رواه عبد الرزاق فى " مصنفه" عن أبى سعيد: نفعل ما أمرنا، وفعل
النبى ◌ََِّّ ما أمر، كذا قاله الشيخ، وبالأسف لم أر "المصنف" ولا من
حكاه عنه مع تصفح وتفتيش ، فدل هذا على أنه يحملها على الخصوصية كما
حمله الحنفية . ويقول الشافعية : إن الخصوصية باعتبار المداومة لا فى أصل
مشروعيتها كما قال البيهقى ثم من بعده ، ولفظ البيهقى فى " الكبرى" (٢ -
٤٥٨): ففى هذا وفى بعض ما مضى إشارة إلى اختصاصه عَظالج باستدامة
هاتين الركعتين بعد وقوع القضاء الخ. وحكاه فى "الفتح" (٢ - ٥٢ )
عنه: قال البيهقى: الذى اختص به بَخلل المداومة على ذلك لا أصل القضاء
( م - ١٨ )

١٣٨
معارف السنن
ج - ٢
عائشة فى هذا الباب روايات: روى عنها: ((أن النبي ◌ُّ ◌َلٍَّ ما دخل عليها بعد
العصر إلا صلى ركعتين)). وروى عنها عن أم سلمة عن النبى عَل أنه: ((نهى من
الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس » .
اهـ. قال الراقم: وفیما سقناه من روايات أم سلمة دليل على نفس الاختصاص،
وذلك فهمته أم سلمة ، ولذا أنكرت على عائشة ، وفهم ذلك كثير من الشافعية .
كاخطائى والماوردى والسيوطى على خلاف ما بدعيه البيهقى ، وظاهر أن
الجزئيات الخاصة والأحداث لا تقاوم القواعد العامة ، والأحاديث فى النهى
بلغت التوائر - كما تقدم - وراجع " فتح الملهم" لشيخنا العثمانى (٢ - ٣٧٥).
والمسألة مختلف فيها من عهد السلف ، وقد علم ذلك من روايات أحمد فى
"مسنده"، وما ذكره الترمذى دل على أن أكثرهم على ما عليه الحنفية
والله أعلم .
قوله: وروى عنها عن أم سلمة. رواية عائشة على النبى ◌َّ ثبتت
من غير واسطة أم سلمة كما تقدم الإشارة إليه فى كلام المصنف : " وفى الباب
عن عائشة". قال شيخنا : فلعل لفظ " عن أم سلمة" غير صحيح . أقول :
ويستفاد من حواشى الطبعة الحلبية أن كلمة " عن أم سلمة" عليها كلمة الإلغاء
فى بعض النسخ أى مكتوب عليه لفظة " لا" إلا أن يشير إلى رواية عائشة عن
أم سلمة ما أخرجه أحمد فى " مسنده" من قصة معاوية وابن الزبير . لعائشة فى
الباب روايتان : الأولى : ما فى "الزوائد" ع " أوسط الطبرانى": قالت:
((فاتت رسول اللّه بجَُّلّ ركعتان قبل العصر فلما انصرف صلاها ثم لم يصلها بعد».
قال: وفيه: أبو يحيى القنات ضعفه أحمد وابن معين فى رواية ووثقه فى أخرى
اهـ. والثانية: أخرجه أبو داؤد فى " سننه": ((بصلى بعد العصر وينهى عنها
الخ ، وقد تقدم ، فكل منهما يحتمل، والأظهر هو الأولى .

١٣٩
بيان أن كراهية الصلاة بعد العصر مذهب جمهور الصحابة والتابعين
والذى اجتمع عليه أكثر أهل العلم على كراهية الصلاة بعد العصر حتى تغرب
الشمس وبعد الصبح تطلع الشمس إلا ما استثنى من ذلك مثل الصلاة بمكة
بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس بعد الطواف.
فقد روى عن النبى ◌َُّلّ رخصة فى ذلك، وقد قال به قوم من أهل العلم
من أصحاب النبي ◌ٍَّ ومن بعدهم. وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق.
وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي عَله ومن بعدهم: الصلاة بمكة
أيضاً بعد العصر وبعد الصيح . وبه يقول سفيان الثورى ومالك بن أنس وبعض
.
أهل الكوفة
قوله : إلا ما استثنى من ذلك. الاستثناء ثبت من طريق ضعيف فى
حديث أبى ذر عند الدارقطنى مرفوعاً: ((لا يصلى أحدكم بعد الصبح إلى
طلوع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة)) ، يقول ذلك
ثلاثاً. قال الزيلعى ( ١ - ٢٥٤): هو حديث ضعيف. وحكاه عن أحمد
والبيهقى وغيرهما، وحكى عنى "الإمام" أنه معلول بأربعة أشياء راجعه للتفصيل.
والظاهر أن الترمذى يشير إلى حديث جبير بن مطعم أخرجه أصحاب السنن :
أن النبى معٍَّ قال: (( يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت
وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)). واستدل به الشافعى على جواز النافلة
بمكة فى الأوقات الخمسة بدون كراهة ، ووقع فى إسناده اختلاف ، ولأجل
الاختلاف لم يخرجاه، كما قال ابن دقيق العيد، انظر للتفصيل "الزيلعي" (١ -
٢٥٣ )
ب
قوله : وأحمد . هذا خلاف ما فى كتب الحنابلة ، فقد ذكر فى " المغنى"
(١ - ٧٦٢) مذهب أحمد كأبى حنيفة، فلعل ما عند الترمذى رواية عنه ،
ونان مذهب جمهور الأئمة عدم الجواز .

١٤٠
معارف السنن
ج - ٢
-: باب ما جاء فى الصلاة قبل المغرب :--
-: باب ما جاء فى الصلاة قبل المغرب :-
الركعتان قبل المغرب : اختلف فيها الأئمة الأربعة، فلم يقل بها أبو حنيفة
ومالك، وقال أحمد بالجواز فقط، واختلف فيها قول الشافعى ، فذكر
النووى فى " شرح المهذب" (٤ - ٨ ) استحبابها، وذكر فى " شرح
مسلم " : أن الأشهر عدم الاستحباب . فإذن هو : الجواز فقط مثل مذهب
أحمد على وفق ماذكره ابن قدامة فى "المغني" (١ - ٧٧٠) وإن كان نقل
الترمذى والحافظ فى " الفتح" على خلافه، وما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك هو
مذهب كثير من الساف كما ذكره ابن الحمام فى "فتح القدير" (١ -
٣١٧) ، والحافظ فى "الفتح" بحكبه عن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة
كما سيأتى . ثم الاستحباب عند الشافعية بعد دخول وقت المغرب وقبل شروع
المؤذن فى الإقامة ، أما إذا شرع فيها فيكره كما فى " شرح المهذب". و
اختار الشيخ ابن الهام منا الجواز فقال : ثم الثابت بعد هذا هو نفى المندوبية ،
وأما ثبوت الكراهة فلا اهـ .
وحديث الباب للشافعية، وأجيب عنه بأن المراد: اللبث بين الأذان
مقدار الصلاة. ويرده ما فى "صحيح البخارى" من حديث عبد الله بن مغفل
( ص - ١٥٧) ( باب الصلاة قبل المغرب ) و ( ص - ١٠٩٥) ( باب نهى
الذى عَلٍ عن التحريم إلا ما يعرف إباحته): عن النبى ◌َّلِ قال: ((صلوا
قبل صلاة المغرب، قال فى الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخدها الناس سنة)). قال
شيخنا : وإفى استقربت وتصفحت كتب الحديث لحديث عبد الله بن مغفل :
(((بين كل أذانين صلاة)) ولحديثه: ((صاوا قبل صلاة المغرب)) هل ٠) حديثان
أم حديث واحد؟ فلم أجد فيه شيئاً من المحدثين إلا أن البخارى ( ١ - ٨٧)