النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
حديث إبراد الظهر
أخبرنى : أحمد بن محمد بن موسى أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا
حسين بن على بن حسين أخبرنى وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله على
رسول اللّهِ بَ ل قال: ((أمنى جبر ئيل)) فذكر نحو حديث ابن عباس بمعناه، ولم
بذكر فيه «لوقت العصر بالأمس))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح
غريب، وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح. وقال محمد : أصح شى فى
المواقيت حديث جابر عن النبى مّ الج قال: وحديث جابر فى المواقيت قد
رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله
عن النبي ◌َُّلّ نحو حديث وهب بن كيسان عن جابر عن النبى اعَلَّ.
ومن أدلتهم حديث: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر
فيح جهنم )، رواه البخارى فى (باب الابراد بالظهر) من حديث أبى هريرة
ومن حديث أبى سعيد بلفظ: ((أبردوا بالصلاة الخ)) وفيه نظر لأن الإبراد
أمر إضافى يختلف باختلاف الفصول والبلاد. راجع "العمدة" (٢ - ٥٢٥)
لتفصيل ما يستفاد من الحديث، و"الفتح" (٢ - ١٣).
ومنها حديث أبى ذر: «كنا مع النبي ◌ٍَّ فى سفر فأراد المؤذن للظهر
فقال النبى وُّل: ((أبرد ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد حتى رأينا فى
التلول الخ)) رواه "البخارى" فى (باب الابراد بالظهر فى السفر) وكذا فى الهاب
السابق بلفظ: ((فقال: أبرد أبرد)) أو قال: ((انتظر انتظر الخ))، وجه
الاستدلال به أن التلول منبطحة فى الغالب غير شاخصة فلا يظهر لها ظل إلا إذا
ذهب وقت كثير من الزوال . وفيه أن التحديد لظل التاول لا يجدى ما لم
يثبت أنه لا يرى لمثلها ظل ما لم يكن ظل الشاخص مثلين وهذا مشكل ، ثم إنه
يصلح دليلاً للتأخير عن أول الوقت كما هو مذهب أحمد وأبى حنيفة . أنظر
"العمدة" والله أعلم. نعم مساواة فى التاول كما فى "البخارى" (باب الأذان
المسافرين) فى هذا الحديث (( حتى ساوى الظل التلول)) يدل على أنه جاوز
الظل المثل فى الأشياء الشاخصة فإنه إذا ساوى ظل التلول التلول فلابد أن

٢٢
معارف السنن
ج - ٢
يزيد على المثل فى ما عداها وهذا ظاهر جداً، فإن لم يكن دليلاً فى ابتداء
الوقت إلى المثلين فهو دليل على زيادته على المثل بكثير، ولا سيما إذا قلنا ذلك
فى بلاد الحجاز من مكة والمدينة حيث وقعتا فى الاقليم الثانى والأفياء فيها
قصيرة جداً بالنظر إلى بلاد الاقليم الثالث وما بعدها اغتنمه . ثم رأيته فى
"فتح الملهم" عن "إعلاء السنن" قريباً من السواء والحمد لله، وراجعه للتفصيل
من (٢ - ١٩١). وانظر فى لفظ "العمدة" (٢ - ٦٦٧): وبين
مساواة الظل المثل وكون ظل كل شئ مثليه آنات عديدة اهـ . هل بربد
مساواة ظل الثل أو غير ذلك؟ وفى المقام قرينة على الأول . وقال النووى فى
"تأويله" أنه عَلّ جمع بين الظهر والعصر وقتاً. وإذن لا يصلح حجة لنا على
الشافعية كذا فى " العرف الشذى". قلت: لم أعثر على قول النووى فى مطانه
فى "شرح الصحيح" لمسلم ولا فى "شرح المهذب"، وعلى كل حال ليس فى
الحديث على ما قاله أية قرينة بل فيه ما يدل على خلافه ، أولاً : أنه صرح
فى حديث أبى ذر عند البخارى هذا: ((أذن مؤذن النبى معَّ الّ الظهر فقال:
أبرد أبرد الخ)، فالمتبادر أنه أراد الظهر فقط وإلا كان ينبغى أن يصرح بأنه
أراد الجمع فأخر الظهر. وثانياً: أنه بين دايل التأخير فى الحديث الإبراد وإن شدة
الحر من فيح جهنم وثالثاً : أنه استدل بهدا الحديث من ذهب إلى الابراد
فى وقت الظهر نفسه استحباباً كأبى حنيفة وأحمد وجمهور أهل العلم بتصريح
الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٢ - ١٣)، أو وجوباً كما حكاه القاضى
عياض ثم الحافظ ابن حجر وغيره ، أو ارشاداً كما اختاره البعض ، والامام
الشافعى أيضاً اختار الإبراد فى البلد الحار وفيما إذا كانوا يأتون المسجد مه
بعد بهذا الحديث وإن كان بالاحتجاج به لمذهبه نظر. أنطر كتاب " الأم "
له (١ - ٦٣). ورابعاً: أنه فهم الأئمة والعلماء سلفاً وخلفاً حتى البخارى
والترمذى وأصحاب الصحاح والجوامع والسنن من هذا الحديث التأخير بالظهر

٢٣
بحث تاخير الظهر
فى الوقت من غير جمع ولا سفر فإن التعليل بذلك بدل على أن المطلوب التأخير
مطلقاً وعلى ما أوله النووى يصبح كل ذلك هباءً. وبالجملة لم أر حجة النووى
فى "تأويله" لو كان تأوله والله أعلم بالصواب. ويؤبده ما أفاده الحافظ فى
الفتح" (٢ - ١٦) فى ترجمة (باب الإبراد بالظهر فى السفر) أراد بهذه
الترجمة أن الأبراد لا يختص بالحضر لكن محل ذلك ما إذا كان المسافر نازلاً ،
أما إذا كان سائراً أو على سير ففيه جمع التقديم والتأخير الخ . فهذا أيضاً صريح
فى أنه لم يكن هناك جمع أصلاً ولم يكن الحافظ أن يسكت لو كان فى المحل مغمز،
وخالف البدر الشهاب فى شئ من كلامه ، وانظر " العمدة" (٢ -٥٣٠).
نعم قال فى "الفتح" (٢ - ١٧): أو يقال قد كان ذلك فى السفر، فلعله
أخر الظهر عنى يجمعها مع المصر اهـ . قال الراقم : وفيه جميع ما قدمنا ومثل
هذا الاحتمال لا يثبت شيئاً ما لم يستند إلى دليل صريح .
ومنها : حديث تمثيل هذه الأمة بالأمم السابقة من حديث عهد الله بن
معمر موقوفاً: ((إنما يقاءكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى
غروب الشمس أوفى أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار عجزوا
فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوفي أهل الإنجيل الإنجيل فعماوا إلى صلاة العصر
ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس
فأعطينا قيراطين قيراطين فقال أهل الكتابين: أى ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين
قيراطين وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً ونحن كنا أكثر عملاً؟ قال الله: هل ظلمتكم
من أجركم من شى؟ قالوا: لا، قال هو فضلى أوتيه من أشاء)) أخرجه
البخارى (باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب) واللفظ له، ورواه محمد
فى آخر "مؤطئه" فى (باب التفسير). وانظر لشرح الحديث "العمدة" (٢ -٥٦٠)
وما بعدها و "الفتح" (٢-٣٢) وما بعدها وأخرجه البخارى أيضاً فى الاجارة وفى
فضل القرآن وفى التوحيد وغيرها وأخرجه مسلم والترمذى. وراجع أيضاً لتحقيق ما له
٣

٢٤
معارف السن
ج - ٢
وما عليه تعليق المؤرطأ للشيخ اللكنوى ناقلاً عن "بستان" الشيخ عبد العزيز الدهلوى،
فاستدل به الإمام القاضى أبو زيد الدبوسى فى "كتاب الأسرار" كما حكى
عنه البدر العينى والشهاب العقلانى ما ملخصه: أن قوله {حَلٍّ فى صدد التمثيل
يقتضى أن يكون الوقت ما بين العصر والمغرب أقل من الوقت مما بين الظهر
والعصر ومما بين الصبح والظهر حتى يتحقق الفضل لهذه الأمة فى قلة العمل
وكثرة الأجر، وإذا كان وقت الظهر انتهى إلى المثل الأول فإذن يستوى وقت
النصارى ووقت المسلمين تقريباً، فلايصح قولهم: نحن أكثر عملاً وأقل
أجراً. ويقول السرخسى فى " المبسوط" (١ - ١٤٣): وأبو حنيفة رحمه الله
استدل بالحديث المعروف ، ثم ذكره وقال : فدل أن وقت العصر أقل من
وقت الظهر ، وإنما يكون ذلك إذا امتد وقت الظهر إلى أن يبلغ الظل قامتين
اهـ . وفيه أن وقت الظهر مع انتهائه إلى المثل الأول يزيد على العصر مع ابتدائه
من أول المثل الثانى وكذا تعقبه فى " الفتح" (٢ - ٣٣). وأجاب عنه
البدر العبنى بأن أبازيد لم بدع المساواة بالتحقيق بل بالتقريب،
وإن التفاوت بين هاتين المدتين قليل جداً لا يلتفت انتهى ملخصاً بزيادة .
وأيضاً ضعف ابن حزم الأندلسى الاستدلال به فى " المحلى" (٣ - ١٧٧)
ما ملخصه: أن المثل الأول يزيد على مجموع الأمثال الباقية وهناك له شقائق
شغب وغضب على عادته المشهورة. والإمام أبو زيد تنبه له وقرر الكلام
بما لايرد عليه ما أورده. نعم الاستدلال بتأخير العصر كما استدل به محمد
فى ". ؤطئه" واضح، قال: هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل
من تعجيلها ، ألا ترى أنه جعل ما بين الظهر إلى العصر أكثر ما بين المصر
إلى المغرب ، فهذا يدل على تأخير العصر وتأخير العصر أفضل من تعجيلها ما
دامت الشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة ، وهو قول أبى حنيفة والعامة من
فقهائنا رحمهم الله تعالى اهـ. ويؤيده حديث: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) وأشار

٢٥
بحث أن الأوقات كانت متعارفة
_: باب منه :-
حدثنا: هناد حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة
قال قال رسول اللّه حَ الٍ: ((إن الصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت صلاة الظهر
حيث تزول الشمس، وآخروقها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت صلاة العصر
بالسبابة والوسطى)) فهذا يشير إلى قصر المدة. قال البدر العينى (٢ - ٥٦٢)
من "العمدة": فشبه ما بقى من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما انقضى بقدر ما
بين السهابة والوسطى من التفاوت اهـ .
قنبيه : قبل إن الوقت من العصر إلى الغروب سدس النهار عند الحنفية وربع
النهار عند الشافعية وغيرهم نظراً إلى الاختلاف بينهم فى وقت العصر المستجب.
أقول : لا يستقيم قول هذا القائل إذا لاحظنا أن المدة من الوقت المستحب
عند الحنفية للعصر أقل من سدس النهار كما لا يخفى والله أعلم بالصواب .
-: باب منه :-
الأوقات كانت مستعملة فى اللغة ، جارية فى العرف ، وفى التنزيل العزيز
وردت كلمات من الفجر، والظهيرة، والعصر، والعشاء، والإمساء ،
والإصباح، والغسق، والفاق، والبكرة، والعشى، والضحى ، والأصيل ،
والزلفة، والإسمار، والابكار وغيرها على متفاهم العرف واللغة السائرة التى
كانوا يتحاورون بها ، وقد ذكر علماء اللغة فى أسماء المواقيت أربعة وعشرين
اسماً فذكروا فى ساعات النهار: الشروق ثم البكور ثم الغدوة ثم الضحى ثم الماجرة
ثم الظهيرة ثم الرواح ثم العصر ثم القصر ثم الأصيل ثم العشى ثم الغروب.
وذكروا فى ساعات الليل: الشفق ثم الغسق ثم العتمة ثم السدفة ثم الفحمة ثم
الزلة ثم الزلفة ثم البهرة ثم السحر ثم الفجر ثم الصبح ثم الصباح كما ذكره
( ٢ - ٤)

٢٦
معارف السني
ج - ٢
حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب
حين تغرب الشمس، وإن آخر وقها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء
الثعالبى وغيره ، وذكر الإسكافى فى " مبادى اللغة " جملة منها غير مرتبة ،
وشعر العرب طافح بهذه الكلمات، وفى لفظ حديث "الترمذى": ((وإن أول
وقت العصر حين يدخل وقتها)، يشير إلى أن الأوقات كانت متعارفة بينهم .
ومن أجل هذا الشريعة قد تحيل عليها بأسمائها من غير كشفها ، فإذن
كل ما جاء فى الأحاديث والروايات تقريب وإحالة على العرف وليس تحديداً
حقيقياً فليتنهه .
قوله : وإن أول وقت العشاء الآخرة حين بغيب الأفق . ظاهر هذا
اللفظ أى " يغيب الأفق" يؤيد الإمام أبا حنيفة فإن غيبوبة الأفق تكون بغيبوبة
الشفق . وقال الخليل بن أحمد - شيخ سيبويه -: راعيت البياض بمكة فما
ذهب إلا بعد نصف الليل . حكاه السرخسى فى " مبسوطه" (١ - ١٤٥ )
وقال أيضاً: وقيل لا يدخل الهياض فى ليالى الصيف أصلاً بل يتفرق فى الأفق
ثم يجتمع عند الصبح، فلدفع الحرج جعلنا الشفق الحمرة اهـ. قال الشيخ:
إن الغوارب أربعة كما أن الطوالع أربعة فكما يطلع أولاً البياض فى الأفق
ثم ينشر البياض ثم تطلع الحمرة ثم تطلع الشمس فكذلك تغرب الشمس ثم
تغيب الحمرة ثم يغيب البياض المعترض ثم بياض مستطيل شبه الصبح الكاذب
وبدله فالبياض الذى يتمادى إلى نصف الليل أو نحوه هو هذا البياض المستطيل
شبه صبح الكاذب وليس البياض الذى يبقى بعد مغيب الحمرة مدة قصيرة ،
وهو الذى عناه أبو حنيفة وأتباعه فاشتبه الأمر على الخليل . ومما يجب التنبه
له : أن الوقت بعد طلوع الصبح الصادق إلى طلوع الشمس مثل الوقت بين
غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأبيض فى ذلك اليوم .

٢٧
تحقيق آخر وقت العشاء
الآخرة حين يغيب الأفق ، وإن آخروقتها حين ينتصف الليل .
قوله : وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل . تأخير العشاء إلى ثلث الليل
مستحب عندنا ، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم ؟
وحكى عن ابن مسعود وابن عباس إلى ما قبل ثلث الليل، وهو مذهب إسحاق
والليث ، وبه قال الشافعى فى كتبه الجديدة .. وفى الإملاء والقديم تقديمها ،
وصححه النووى انتهى ملخصاً من "العمدة" (٢ - ٥٣٥). وقال فى
(٢ - ٥٧٣): وقال عياض: وبالثلث قال مالك والشافعى فى قول ،
وبنصف قال أصحاب الرأى وأصحاب الحديث والشافعى فى قول وابن حبيب
من أصحابنا ، وقيل وقتها إلى طلوع الفجر وهو قول داؤد وهذا عند مالك
وقت الضرورة . قلت: مذهب أبى حنيفة التأخير أفضل إلا فى ليالى
الصيف ، وفى شرح "الهداية": تأخيرها إلى نصف الليل مباح، وقيل
تأخيرها بعد الثلث مكروه وفى " القنية": تأخيرها على النصف مكروه
كراهة تحريم اهـ. وقال السرخسى فى " المبسوط": فأما آخر وقت العشاء
فقد مال فى الكتاب إلى نصف الليل ، والمراد بيان وقت إباحة التأخير ، وأما
وقت الإدراك فيمتد إلى طلوع الفجر الثانى حتى إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبى
قبل طلوع الفجر فعليه صلاة العشاء ١هـ، وإلى نصف الليل مباح، وبعده
مكروه تحريماً أو تنزيهاً ، واختار الثانى الطحاوى والمحقق ابن أمبر حاج، وحكى
ابن عابدين (١-٣٤١) عن "الحلية" عى " خزانة الأكمل" استحباب التأخير إلى
النصف، وقال : إنه الأوجه دليلاً الأحاديث الصحيحة وساقها وقال : اختاره
أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌َلّم والتابعين وغيرهم كما ذكره الترمذى اهـ.
قال الراقم: ذكر الترمذى مطلق التأخير وأورده فى حديث تأخير العشاء إلى ثلث
الليل أو نصفه، فأراد التأخير إلى ثلث الليل أو نصفه لا إلى النصف على التعيين ،
ولذا نسب البدر العينى إلى الترمذى قوله هذا فى التأخير إلى الثلث ، ولفظ

٢٨
معارف السلع
ج - ٢
وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حبن تطلع الشمس .
[قال] وفى الباب عن عبد الله بن عمرو.
الترمذى يشملها معاً لا إلى واحد بعينه، فما حكاها عن النز مذى فى الكل مسامحة،
والأمر ما قلنا والله أعلم .
قوله : وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر. ذكر علماء الهيئة الرياضية
أن الصبح الكاذب يطلع حين كان انحطاط الشمس ثمانى عشرة درجة ، والصادق
حين كان خمس عشرة درجة . قال الشيخ على الداغستانى : إن التفاوت بين
الفجرين وكذا بين الشفقين الأحمر والأبيض إنما هو بثلاث درج اهـ. حكاه
ابن عابدين الشامى فى " شرح الدر المختار" وقد ذكر صاحب " التصريح"
فى الفصل الخامس وشارح الملخص "الصغمينى" فى الباب الثالث من المقالة
الثانية : أنه عرف بالتجربة أن أول الصبح وآخر الشفق إنما يكون إذا كان
انحطاط الشمس - أى من الأفق - ثمانية عشر جزءً من دائرة ارتفاع
الشمس المارة بمركزها الخ. وإذا قسمنا ٣٦٠ جزءً على ٢٤ ساعة علمنا أن
الشمس تقطع فى خمس الساعة الواحدة - أى اثنى عشرة دقيقة - ثلاثة أجزاء فكان
الزمان الفاصل بين الفجربنى ١٢ دقيقة . ويرد عليه الشيخ ابن حجر الهيتمى
المكى الشافعى فى " تحفة المحتاج" بأن الصبح قد بتقدم وقد يتأخر، وكذلك
يقول الفقهاء . وحكى الشيخ الآلوسى فى تفسيره "روح المعانى" أيضاً قول
ابن حجر هذا عن " تحفة المحتاج". قال شيخنا: والحق ما قاله ابن حجر.
أقول: لم يتيسرلى مراجعة " تحفة المحتاج" لعدم وجوده عندى، ولم أعثر على
الموضع الذى حكاه فى "الروح" عنه، نعم ذكر الإمام الغزالى فى آداب المسافر
من "الإحياء"، ولفظ " الإحياء" مع شرحه " الإتحاف": وقد يستدل على
الصبح الصادق بالمنازل القمرية ، فظنوا أن الصبح يطلع قبل الشمس بأربع
منازل وهذا خطأ وهو الفجر الكاذب ، والذى ذكره المحققون : أنه يتقدم

٢٩
تحقيق الصبح الصادق والكاذب
قال أبو عيسى: (و) سمعت مجمداً يقول: حديث الأعمش عن مجاهد فى المواقيت
أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش ، وحديث محمد بن فضيل خطأ
أخطأ فيه محمد بن الفضيل .
على الشمس بمنزلتين، وهذا تقريب ولكن لا اعتماد عليه لأن بعض المنازل تطلع
معترضة منحرفة فيقصر زمان طلوعها، وبعضها منتصبة فيطول زمان طلوعها،
ويختلف ذلك فى البلاد باختلاف الأقاليم اختلافاً يطول ذكره ، نعم تصلح
المنازل لأن يعلم بها قرب وقت الصيح وبعده؛ فأما حقيقة أول الصبح فلايمكن
ضبطه بمنزلتين كما قالوا أصلاً . وعلى الجملة فإذا بقيت أربع منازل إلى
طلوع قرن الشمس بمقدار منزلة (كذا) تيقن أنه الصبح الكاذب وإذا بقى
قريب من منزلتين يتحقق طلوع الصبح الصادق ويبقى بين الصبحين قدر ثلثى
منزلة بالتقريب بشك فيه من وقت الصبح الصادق والكذب وهو مبدأ ظهور
البياض وانتشاره فى الأفق قبل اتساع عرضه اهـ . ونفوض البسط فيه إلى مهرة
الفن وأهله .
زائدة : ذكر أهل الهيئة الجديدة أنه ربما يشاهد قرص الشمس طالعاً
قبل طلوع الشمس من أفقها الحقيقى ، وأوضحوه بمثال يوضع الدرهم مثلاً
فى قعر قدح ويوضع بحيث لا يرى قعره ثم إذا ملأه بالماء يرى الدرهم من
حيث كان لا يرى قعره ، فكذلك يحتمل أن ما نراه من قرص الشمس لا يكون
شمساً ويكون هو عكسه . كذا أفاده شيخنا رحمه الله .
قوله : سمعت محمداً الخ . يريد الترمذى : أن البخارى علل رواية محمد
ابن فضيل على الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة مسنداً مرفوعاً وإنما
الصواب رواية الأعمش عن مجاهد قوله موقوفاً، وكما قال البخارى مثله يقول
أبو حاتم فى "علمه" (١ - ١٠١) هذا خطأ وهم فيه ابن فضيل برويه

٣٠
معارف السننے
ج - ٢
حدثنا: هناد حدثنا أبو أسامة عن [ أبى إسحاق] الفزارى عن الأعمش عن
مجاهد قال: كان يقال إن الصلاة أولاً وآخراً، فذكر نحو حديث محمد بن فضيل
عن الأعمش نحوه بمعناه .
-: باب منه :-
حدثنا أحمد بن منيع والحسن بن الصباح البزار وأحمد بن محمد بن موسى، المعنى
أصحاب الأعمش عن مجاهد قوله اهـ. ومثله قال ابن معين كما حكاه البيهقي فى
" سنته الكبرى" غير أن أحمد فى "مسنده" (١ - ٢٣٢) وابن حزم فى
"المحلى" (٣ - ١٦٨) والدار قطنى (ص - ٩٧) والبيهقى فى " سننه"
(١ - ٣٧٥) رواه عن ابن فضيل مرفوعاً كما هو عند الترمذى فيحكى
الزيلعى (١ - ٢٣١) أنه قال ابن الجوزى فى "التحقيق": وابن فضيل ثقة
يجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلاً ، وسمعه من أبى صالح مسنداً
اهـ. وقال ابن القطان: ولا يبعد أن يكون عند الأعمش فى هذا ظريقان:
إحداها مرسلة ، والأخرى مرفوعة، والذى رفعه صدوق من أهل
العلم وثقه ابن معين وهو محمد بن فضيل اهـ. ويقول الحافظ فى
"تخريج الرافعى" (ص - ٦٤): ورواه الحاكم من طريق أخرى عن محمد
ابن عهاد بى جعفر أنه سمع أبا هريرة وقال صحيح الإسناد اه. قال الراقم:
فتلخص أنه لم يوجد دليل قوى للتعليل غير روايته موقوفاً على مجاهد ومذا
القدر لا يكفى لتعليل الرفع، وأن الرفع زيادة ، وزيادة الثقات مقبولة ، وعلى
الأخص إذا تعدد الإسناد، و هنا کذلك، وان فضيل من رجال الهخارى وغيره
من أصحاب الأمهات الست والله أعلم .
-: باب منه :-

٣١
بيان أحاديث فى الموقيت
واحد، قالوا: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن سفيان [الثورى] هن علقمة بن مرثد
عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: أتى النبيِ مَّ رجل فسأله عن مواقيت الصلاة
قوله: رجل، قال الزرقانى فى "شرح الموطأ" (١ - ١٨): ولم
أقف على اسم الرجل وكان ذلك فى سفر. قال الراقم : هنا فى السؤال
عن المواقيت أحاديث ، منها : حديث بريدة بن الحصيب الأسلمى حديث
الباب أخرجه "مسلم" و"النسائى" و" ابن ماجه" أيضاً، وفيه السؤال عن
المواقيت كلها ، ومنها : حديث أبى موسى الأشعرى عند " مسلم" و " النسائى"
و "أبى داؤد" وفيه السؤال كذلك عن المواقيت كلها. ومنها: حديث البراء بن
عازب عند أبي يعلى الموصلى فى "زوائد الهيشمى" (١-٣٠٤) وفيه كذلك سأله
عن المواقيت . ومنها: حديث جابر بن عبد الله عند "الدارقطنى." والطبرانى فى
"زوائد الهيثمى" (١ - ٣٠٤) وفيه السؤال عن وقت الصلاة . ومنها :
حديث أنس بن مالك عند البيهقى فى " سننه» ( ١ - ٣٧٧) وفيه السؤال عن
وقت صلاة الفجر. ومنها : حديث عطاء بن يسار مرسلاً عند مالك فى
"مؤطئه" وهو موصول من حديث أنس المذكور، ومن حديث ابن عمر
عند الطبرانى فى " الزوائد" (١ - ٣١٧) وفيه ابن لهيعة ، ومن حديث
زبدين جارية (فى " الزوائد" حارثة وهو خطأ) عند أبي يعلى والطبرانى
فى "الزوائد" ومن حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جارية عند الطبرانى فى
"الكبير" كما هو فى "الزوائد"؛ وفى هذه الأحاديث الخمسة كلها سؤال عن
وقت الفجر خاصة، ولين فيها أمر بلال بالأذان إلافى حديث أنس عند
البيهقى وهو عند البزار فى "الزوائد" وليس فيه أمر بلال بالأذان ، وأما
الأحاديث الأول ففی جميعها أمر بلال پالأذان، ووقع فى حديث زيد بن جارية
كما فى "الزوائد" و"تنوير الحوالك" و"الزرقانى على المؤطأ" أن صلانه
حيث طلع الفجر كان بقاع نمرة بالجحفة ، والتى أخرها كان بذى طرى . فقال
السيوطى : فيحتمل أن يكون قصة واحدة ويحتمل تعدد القصة . وبالجملة فهذا

٣٢
معارف السني
ج - ٢
فقال: أقم معنا إن شاء الله، فأمر بلالاً" فأقام حين طلع الفجر ثم أمره فأقام حين
زالت الشمس فصلى الظهر ثم أمره فأقام فصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة
صريح فى كون الواقعة فى السفر، وبذلك تمسك السیوطی والز رقانى فى حديث
" الموطأ". ثم إن الأحاديث السابقة التى أشرنا إليها يتبادر منها كون الواقعة
فى المدينة، ثم هى واحدة أو متعددة كل يحتمل، وحديث " المؤطأ" إن كان
مختصراً منها فيكون فى المدينة، وإن كان فيها قضية أخرى كما هو المتبادر فيكون
قصة السفر والله أعلم ؛ غير أن فى حديث زيد بن جارية انقطاع كما ذكره
الهيثمى . وعند شيخنا الواقعة واقعة المدينة دون السفر كما هو المتبادر من لفظ
الحديث. قال: وقد صرح به البيهقى أيضاً فى بعض عباراته . أقول: لم
أقف على عبارة صريحة البيهقى هذه فى " سننه" ، نعم أخرج حديث أنس
وفيه أمر بلال بالأذان وسؤال عن الفجر خاصة ، ثم قال : وفى معناه حديث
بريدة بن الحصيب، ثم رأيت فى " نصب الرأية" حكاه على البيهقى فى
"المعرفة" وافظه: والأشبه أن يكون قصة المسألة عن المواقيت فى المدينة
وقصة إمامة جبريل عليه السلام بمكة الخ (١ - ٢٣٠).
قوله: والشمس بيضاء مرتفعة استدل به الشافعية وغيرهم لتعجيل
العصر، والإمام الطحاوى فى "شرح الآثار" (١ - ١١٣) (باب صلاة العصر
هل تعجل أو تؤخر) استدل بمثله طويلاً فى حديث أنس وأبى أروى وغيرهما للتأخير
فكأنه تعبير التأخير بهذا اللفظ ، وفى حديث أنس عند أحمد فى "مسنده" بسند صحيح
((كان النبى ◌َ لّ يصلى العصر والشمس بيضاء محلقة)) رواه أحمد من طريق
عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن ربعى عن أبى الأبيض عن أنس كذا
فى "ترتيب المسند" (٢ - ٢٥٦) ورواه الطحاوى من طريق الطيالسى
عن شعبة عن منصور الح وعزاه الهيثمى فى "زوائده" (١ - ٣٠٨) البزار
وأبى يعلى، وقال: رجاله ثقات، وليس فيه " والشمس بيضاء محلقة" والتحليق:

٣٣
تحقيق وقت آخر المغرب
ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس، ثم أمره العشاء فأقام حيث غاب
الشفق، ثم أمره من الغدفور بالفجر، ثم أمره بالظهر فأبرد وأنعم أن يبرد، ثم
أمره بالعصر فأقام والشمس آخروقتها فوق ما كانت، ثم أمره فأخر المغرب إلى
قبيل أن يغيب الشفق، ثم أمره بالعشاء فأقام حين ذهب ثلث الليل، ثم قال: أين
الارتفاع، ومنه حلق الطائر فى جو السماء، ويأتى أدلة التأخير.
قوله : حين غاب الشفق ، تقدم أن الشفق فى اللغة ما يكون بين الأخر
القانى والأبيض الناصع، وقد تقدم البحث مفصلاً فى حديث ابن عباس فى مفتح
المواقيت فراجعه، وورد فى بعض ألفاظ الحديث: (حين بسود الأفق))
رواه أبو داؤد فی " سننه » فى المواقيت من حديث أبى مسعود الأنصاری فی
إمامة جبريل، وعزاه الزبلعى إلى "صحيح ابن حبان" أيضاً فيفيد الإمام أباحنيفة،
والقول القديم الشافعى أن المغرب وقتاً واحداً قدر خمس ركعات بطهارة ،
وستر العورة ، وأذان، وإقامة حكاه الزعفرانى عن الشافعى، وهو أثبت
أصحاب القديم عن الشافعى ، وحكى أبو ثور عنه فى القديم أن لها وقتين يمتد
ثانيها إلى مغيب الشفق، وقيل فى القديم إن لها وقتين ، وفى الجديد إن لها وقتاً
واحداً، وصمح الفول بالوقتبق من الشافعية ابن خزيمة والخطابى والبيهقى
والغزالى والرؤيانى واليغرى وابن الصلاح وغيرهم الأحاديث صيحة فى الباب
دلت على أن لها وقتين. هذا ملخص ما فصله النووى فى " شرح المهذب"
(٣ - ٢٩ و٣٠)، وحكى البدر العينى عن ابن المنذر فى " العمدة "
(٢ - ٥٦٦) القول بالوقت الواحد عن مالك والشافعى والأوزاعى، وحكى
على طاؤس : أنه لا تفوت المغرب والعشاء حتى الفجر، وكذلك حكى عن مالك
والشافعى، ومذهب أحمد وأبى حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يمتد إلى مغيب الشفق .
ثم اختلفوا فى الشفق فذهب مالك فى رواية ، والأوزاعى فى رواية ، وابن
( ٢ - ٥)

٣
معارف السنن
ج - ٢
السائل عن مواقيت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا، فقال: مواقيت الصلاة كما بين
هذين . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح . (قال ) : وقد رواه
شعبة عن علقمة بن مرثد أيضاً .
المبارك وأبو ثور وزفر والمبرد والفراء كما قال أبو حنيفة أنه الأبيض، وكذا جمع
من الصحابة كما تقدم بيانه . ثم إن الوقت الواحد عندهم يقدر بقدر الوضوء
وستر عورة، أذان وإقامة وخمس ركعات كما فى "نهاية المحتاج" الشهاب
الرملى (١ - ٢٧١) وغيره من كتب الشافعية. وعند الشافعى : إن أطال
القراءة فى المغر.، حتى غاب الشفق وخرج الوقت صحت صلانه إن كان شرع
فيها فى الوقت بل يجوز عندهم - كما هو فى كتبهم - إخراج كل صلاة بإطالة
القراءة عن وقتها، وبعضهم خص هذا بالمغرب دون سائر الأوقات، وبعضهم عمم
الحكم فيها جمعاء. وقول ثان فى عدم جوازه فى المغرب أيضاً . انظر تفصيله فى
"نهاية المحتاج شرح المنهاج" (١ - ٢٧٢) و"شرح المهذب" (٣-٦٢)
وفى "الدر المختار" (ص - ٣٤٢) على هامش ابن عابدين، وحكاه فى "البحر
الرائق" (١ - ٢٤٧) مع دايله عن " غاية البيان" من كتب فقهائنا الحنفية
أنه: لو شرع فى العصر قبل التغير فمده إليه لا يكره . قال شيخنا: ووجهوه
بأن الاحتراز عن الكراهة مع الإقبال على الصلاة متعذر فجعل عفواً، وفى هذا
العذر والتوجيه بعد، غير أن فخر الإسلام البزدوى ذكرها فى "أصوله"، فلها
أصل فى المذهب لا يمكن إسقاطها لكنه ينبغى أن يستدل له بدليل آخر أو يزاد
قبد آخر فى هذا التوجيه فإن حديث: ((لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)
متوائز؛ كذا فى "العرف الشذى" وفى القلب منه شئ والفرق بين قولهم "مع خروج
الوقت" وبين قولنا "يدخول الاصفرار" واضح، والوقت باق إلى المغرب، وقد
جوزوا عصر يومه فى الاصفرار وعدم فساده بغروب الشمس فى أثنائه فليتأمل
فى وجوه الفرق والله أعلم بالصواب.

٣٥
بحث الاختلاف فى وقت الفجر المستحب
( باب ما جاء فى التغليس بالفجر)
دقنا : قتيبة ع مالك بن أنس قال وحدثنا الأنصاری حدثنا معن حدثنا
مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: ((إن كان رسول الله عَليه
ليصلى الصبح فينصرف النساء .
-: باب ما جاء فى التغليس بالقجر :-
التغليس: التبكير فى الغلس، والغلس - بفتحتين -: ظلمة آخر الليل إذا اختاطئ
بضوء الصباح. كذا فى "النهاية" (٣ - ١٨٧) وفى "الصباح" فلس فى الصلاة
صلاها بغلس اه . وأجمعوا على أن وقت الفجر هو طلوع الفجر الذى يحرم به
الطعام والشراب للصائم ، واختلفوا فى آخره ، فالجمهور إلى أنه أول طلوع
جرم الشمس وهو مشهور مذهب مالك، وروى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم
أنه الإسفار الأعلى، وعن الأصطخرى: من صلاها بعد الإسغار الشديد
يكون قاضياً لا مؤدياً وإن لم تطلع الشمس، كذا فى "العمارة" (٢ - ٥٨٥)
ملخصاً .
ثم إنه ذهب مالك والشافعى وأحمد إلى أن التغليس بالفجر مستحب بداية
ونهاية . وذهب أبو حنيفة وسفيان الثورى وأبو يوسف إلى أن الإسفار به
أفضل فى البداية والنهاية . وقال محمد بن الحسن بالتغليس فى الهداية والإسفار
فى النهاية، واختاره أبو جعفر الطحاوى. قال شيخنا: وكنت زعمت من لفظ
"کتاب الحجج» لمحمد أن ما قاله هومذهب أئمتنا الثلاثة ثم علمت من کتب أركان
النقل فى المذهب أن ما ذكره هو مذههه فقط ، والقول الأول مروى عن
أبى بكر، وعمر، وعثمان ، وابن مسعود، وأبى موسى، وابن الزبير ، وأنس،
وأبى هريرة ، وابن عبد العزيز كذا فى "المغنى" و"شرح المهذب". والقول
الثانى مذهب ابن مسعود، وإبراهيم النخعى، وسائر أصحاب الرأى كما قاله

٣٦
معارف السنن
ج - ٢
قال الأنصارى : فيمر النساء متنففات بمروطهن ما يعر فن من الغلس )).
وقال قتيهة: "متلفعات".
النووى وابن قدامة، وحكاه فى "فتح القدير" عن أئمتنا الثلاثة، وجعله فى "البحر
الرائق " ظاهر الرواية ، وكذلك جعل الطحاوى القول الثالث مذهب الثلاثة ،
ونظر فيه ابن الهام. انظر "فتح القدير" (١ - ١٥٧)، وعن الطحاوى
فى "البدائع" و "الفتح" و "البحر": إن كان من عزمه تطويل القرآءة
فالأفضل أن يبدأ بالتغليس بها ويختم بالإسفار ، وإن لم يكن من عزمه تطويل
القرآءة فالإسفار أفضل من التغليس اهـ.
قوله : بمروطهن ، المروط جمع مرط بالكسر كساء من صوف أو خز
بؤ نزر به . قال امرؤ القيس :
خرجت بها تمشى تجروراءنا
على أثرینا ذبل مرط مرحل
قوله : متلفعات. من التلفع وهو شد اللفاع وهو ما يغطى الوجه ويتلحف
به، كذا فى "العمدة" (٢ - ٥٨٦) وفى " النهاية" (٤ - ٦٥) واللفاع
ثوب يجلل به الجسد كساء كان أو غيره ، وتلفع بالثوب إذا اشتمل به اهـ .
كما قال البحترى (١ ) :
يا عارضاً متلفعاً ببروده
يختال بين بروقه ورعوده
قال النووى فى شرحه لهذا الحديث : ما يعرفن أنساء هن أم رجال .
قاله فى "شرح مسلم" وغيره حاكياً عن الداؤدى واختاره، ومراده أنه
لا يظهر الرائى إلا الأشباح خاصة كما قاله البدر العينى . وقال العينى : وقيل
لايعرف أعيانها فلا يفرق بين فاطمة وعائشة . وقال النووى : فيه نظر لأن
(١) وهو مطلع قصيدة فليحترى يمدح بها عبيد الله بن بهبى. وانظر القصيدة
فى الديوان المطبوع ٦٥٨ .

٣٧
تحقيق وجه التغليس فى صلاة الفجر
(قال). وفى الباب عن ابن عمر وأنس وقيلة بات مخرمة. قال أبو عيسى: حديث
عائشة حديث حسن صحيح. (وقد رواه الزهرى عن عروة عن عائشة نحوه). وهو
الذى اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ منهم: أبو بكر وعمر
ومن بعدهم من التابعين. وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق: يستحبون التغليس
بصلاة الفجر .
المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فلا يبقى فى الكلام فائدة ، ورد بأن المعرفة إنما
تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأول لعبر بنفى العلم، ومثله قال الحافظ
ابن حجر، وقال أيضاً : وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه
نظر لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى فى الغالب واو كان بدنها مغطى، ورد
عليه العينى فراجبه . قال الراقم : ولو لوحظ أن المسجد كان من العريش
منخفض السقف ضيقاً ظهر أنه لا استبعاد فى عدم معرفة الأعيان مع وجود
الإسفار فى خارج المسجد أو محمن المسجد، فلا يبعد أن يكون الغلس فى داخل
المسجد لاخارج المسجد. قال شيخنا: وما قاله النووى بعيد جداً. ونقول إن
المعرفة حال التلفف والتلفع مشكلة عند طلوع الشمس أيضاً فلم يكن من أجل
الفلس، ولفظ: "من الفلس" وقع فى رواية ابن ماجه فى " سكنه" (ص -
٤٩) «تعنی من الغلس) فکان صرحاً فى أنه مدرج من الراوى وليس بمر فوع،
وكذلك فى "الطحاوى" بسند صحيح (ص - ١٠٤) ما يدل على أنه مدرج
من الراوى، أخرج الطحاوى حديث عائشة أولاً من طريق الزهرى عن عروة
عن عائشة وفيه: «ثم يرجعن إلى أهلهن وما يعرفهني أحد))، ثم أخرجه من
طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة مثله ، وقال الطحاوى : غيرٍ
أنه قال: ((وما يعرف بعضهى بعضاً من الغلس))، وفى طريق آخر زاد:
(وما يعرفن من الغلس)) فيتبادر أنه زيادة من أحد الرواة والله أعلم.
قوله: منهم أبو بكر وعمر الخ. قال شيخنا: لا يصح الاستدلال القائلين

٣٨
معارف السنن
ج - ٢
بالتغايس بهذا، فإن فيه إجمالاً ما لم يثبت الختم منهم فى التغليس كما هو مذهبهم،
وفى "شرح الآثار" الطحاوى من أنس قال: ((صلى بنا أبو بكر صلاة
الصبح فقراً بسورة "آل عمران" فقالوا: قد كادت الشمس تطلع فقال : لو
طلعت لم تجدنا غافلين)). قال شيخنا: وإسناده صحيح. قال الراقم : رواه
الطحاوى عن سلمان بن شعيب غير منسوب ، وفى شيوخ الطحاوى سليمان
ابن شعيب اثنان أحدهما: سلمان بن شعيب بن سلمان الكلبى المصرى، وحكى
البدر العين فى " المغافى" عن " اللباب": فى " تهذيب الأنساب" أنه ثقة .
والثانى: سلمان بن شعيب الكيانى المصرى، فحكى الحافظ ابن حجر فى "لسان
الميزان " أنه وثقه العقيلى كما فى "كشف الأستار" (ص - ٤٣). وبالجملة
أيها كان فهو ثقة، والإسناد لا ينزل عن الحسن، وكذلك فى "شرح الآثار"
له عن السائب بن يزيد قال: ((صليت خلف عمر الصبح فتمرأ فيها بالبقرة
فلما انصرفوا استشرفوا الشمس فقالوا طلعت فقال لو طلعك لم تجدنا غافلين))،
وفى سنده محمد بع بوسف القرشى يروى عن السائب بن زيد، ويروى عنه
ابن جريج، من رجال "النسائى" و" ابن ماجه" من السادسة. انظر * نهذيب
التهذيب" (٩ - ٥٣٧) و (٩ - ٥٣٥). وعلى كل حال الإسناد صحيح.
فائدة : يجزء الفجر عندنا ثلاثة أجزاء الأول لأداء السنة، والثانى لأداء
المكتوبة، والثالث لإعادة الصلاة إن ظهر الفساد فيها، قاله أرباب الفتاوى ،
كذا قاله شيخنا، ولم أره صريحاً فى جملة المستوفز غير أنه مفاد كلماتهم جميعاً،
ولكن فى سنة الفجر قولان: قيل فيها بالإسفار مثل الفرض، وقيل فيها بالنغليس
فى أول الوقت كما دلت عليه الأحاديث. انظر " الكهيرى" و"البحر" و"ابن
عابدين" من ( باب الوتر والنوافل) .
تنبيه: ذكر ابن عابدين فى "شرح الدر" (١ - ٣٤٠) عن شراح

٣٩
ما جاء فى الإسفار بالفجر
-: باب ما جاء فى الاسفار بالفجر :-
حدثنا : هناد حدثنا عبدة (هو ابن سليمان) عن محمد بن إسحاق عن عاصم
ابن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال : سمعت رسول
الله عَلٍ يقول: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)).
" الهداية" عن مبسوطى شمس الأئمة وفخر الإسلام : أنهم ذكروا فى (باب
التيمم) أن أداء الصلاة فى أول الوقت أفضل إلا إذا تضمن التأخير فضيلة
لا تحصل بدونه كتكثير الجماعة، وعلى هذا فالتغليس بالفجر والتعجيل بالظهر
أفضل عندنا أيضاً إذا اجتمع الناس . وذكر صاحب " العناية " فى التيمم فى
(١ - ٩٤) على هامش "الفتح" فى شرح قوله: "ويستحب لعادم الماء وهو
يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت" قبل: هذه المسألة تدل على أن الصلاة
فى أول الوقت أفضل عندنا أيضاً إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه
كتكثير الجماعة والصلاة بأكمل الطهارتين . ورد بأن هذا ليس مذهباً لأصحابنا
الخ، فذكره صاحب "العناية" وأبهم القائل ورده ، وكذلك حكى ابن
عابدين رده عن صاحب " غاية البيان" بأن أنمتنا صرحوا باستحباب تأخير
بعض الصلاة بلا شتراط جماعة ، وإن ما ذكروه فى التيمم مفهوم، والصريح
مقدم عليه اهـ . وكذلك حكاه ابن عابدين فى التجمم (١ - ٢٢٩) مع النقض
والإبرام، وانظر البحث فى "البحر الرائق" (١ - ١٥٥) من التيمم مع
حاشيته لابن عابدين فقد انتصر ابن نجيم لصاحب " غاية البيان " وابن عابدين
مخالفه هذا والله ولى التوفيق .
-: باب ما جاء فى الإسفار الفجر :-
أسفر بالفجر صلاها فى إسفار. قال المجد فى "القاموس": وسفر الصبح يسفر
أضاء وأشرق كأسفر اهـ . بريد بعضهم أنه إذا اشترك سفر وأسفر فى أصل المعنى

ج - ٢
معارف السنن
(قال): وقد روى شعبة والثورى هذا الحديث عن محمد بن إسحاق .
(قال): ورواه محمد بن عجلان أيضاً عن عاصم بن عمر بن قتادة .
(قال) : وفى الباب عن أبى برزة الأسلمى وجابر وبلال .
قال أبو عيسى: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح ، وقد رأى
غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ◌ََّلِ والتابعين الإسفار بصلاة الفجر.
وبه يقول سفيان الثورى. وقال الشافعى وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار أن
يضح الفجر فلا يشك فيه .
فز يادة اللفظ تدل على ز باده المعنى، فلذلك يجب أن یکون فی المزيد إشراق و
تنوير أزيد من المجرد. قال الراقم: ولم أقف على قائله ، وهذا الباب لهيان
مذهب العراقيين كما كان الباب قبله لمذهب الحجازبين ، وقد تقدم بيان
مذهب الفريقين .
قوله : معنى الإسفار أن يضح الفجر فلايشك الخ . بالضاد المعجمة كما هو
قد النسخ الصحيحة المطبوعة، ووضح من باب "ضرب" معناه بان وظهر،
كما فى "القاموس" وغيره. قال الشيخ ابن الهام: وتأويله - بأن المراد تبين
الفجر حتى لا يكون شك فى طلوعه - ليس بشئى إذ ما لم يتمين لا يحكم بجواز
الصلاة فضلاً عن إصابة الأجر المفاد بقوله: " فإنه أعظم الأجر". وفى
بعض رواياته ما ينفيه، وهو رواية الطحاوى: ((أسفروا بالفجر فكذا أسفرتم
فهو أعظم للأجر)) أو قال ((لأجوركم)) انتهى ملخصاً من " الفتح" (١ -
١٥٧). وأوضح له فى " الزبلعى" (١ - ٢٣٨) وورد عند ابن
حبان فى صحيحه" بلفظ: ((أسفروا بصلاة الصبح فكلما أصبحتم بالصبح فإنه أعظم
لأجوركم)) أخرجه الزبلعى عنه (١ - ٢٣٥)، وبهذا اللفظ أخرجه الطحاوى
أيضاً (١ - ١٠٦) وكذا أخرجه بلفظ: ((نوروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)).