النص المفهرس

صفحات 1-20

بسم الله الرحمن الرَّحَة
-: أبواب الصلاة :-
-: أبواب الصلاة :-
أى هذه أبواب الصلاة على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أو أبواب الصلاة
هذه على عكس ما تقدم ؛ ويجوز أن ينصب على تقدير خذ. ولما فرغ عن أبواب
الطهارة التى كانت من جملة شروط الصلاة شرع فى بيان الصلاة التى هى المشروطة،
ولذا أخرها عن الشرط لأن الشرط يسبق المشروط . والصلاة : قبل أصلها فى
اللغة الدعاء ، قال تعالى: " وصل عليهم" أى أدع لهم ، وفى الحديث فى
إجابة الدعوة : "وإن كان صائماً فليصل" أى فليدع لهم بالخير والبركة.
وقال الأعشى - بصف راهباً -:
طوراً محموداً وطوراً «ؤاراً
يراوح من صارات المليك * *
والمراوحة الانتقال من حالة إلى حالة أخرى ومعناه أن الراهب ينتقل فى
العبادة من حالة إلى حالة فتارةً بسجد وتارةً يجار جزاراً.
وأيضاً قال الأعشى - بصف الخمر -:
وصلى على دنها وارتسم
* *
*
و قابلها الريح فی دنها
قسمى بها هذه الأفعال المشهورة لاشتمالها على الدعاء ، وهو قول جماهير
أهل العربية والفقهاء وغيرهم ، وهل سبيله النقل حتى تكون الصلاة حقيقة

٢
معارف السنن
ج - ٢
وسـ
عن رسول الله
صَلىالله
بسم الله الرحمن الرحيم
صَلى الله
باب ما جاء فى مواقيت الصلاة عن النبى
شرعية فى هذه الأفعال مجازاً لغوباً فى الدعاء؟ لأن النقل فى اللغات كالنسخ فى
الأحكام ، أو يقال استعمال اللفظ فى المنقول إليه مجاز راجح وفى المنقول عنه
حقيقة مرجوحة، فيه خلاف بين أهل الأصول . وقال ابن فارس: ويقال إن الصلاة
من صليت العود بالنار إذا لينته وكذلك المصلى يلين بالخشوع . وقبل مشتقة
من "المصلى" وهو الفرس الثانى فى خيل الحلبة، والأول المجلى وهو السابق، ثم
المصلى، ثم المسلى، ثم التالى، ثم العاطف الخ . وسميت بذلك العبادة المخصوصة لأنها
ثانية لشهادة التوحيد كالمصلى يكون تابعاً للمجلى ويكون رأسه عند صاوى السابق.
وقال شيخنا : لأن المقتدى فيها يكون تابعاً الإمام ، وهذا الوجه يختص
بالمقتدى ، وبصلاة الجماعة ، أللهم إلا أن يقال بالتعميم بعد أصل الوضع .
وقيل لأن المصلى قال وتابع فعل النبى عَّ، وقيل: من الصاوين عرقان
عن يمين الذنب وشماله ، أو العظمان الناتيان عند العجيزة ، فالمصلى يحرك صلويه
فى الركوع والسجود. وقيل: هى التعظيم، وقيل هى الرحمة ، وقيل هى
الإقبال على المشى، والوجه فى الكل ظاهر، والأول أولى. هذا ملخص
"العمدة" (٢ - ١٩٥) و "المصباح المنير" (١ - ٤١٨) و"فقه اللغة"
لابن فارس ( ص - ٤٦) و "شرح النووي على مسلم" وغيرها بزيادة من
الراقم الفقير إلى الله تعالى .
قوله: عن رسول اللّه حَالّ، فى كلمة "عن" إشارة إلى أن الأحاديث
المروية فى الكتاب مرفوعة مسندة إليه وجَا} .
-: باب ما جاء فى مواقيت الصلاة عن النبى عَلَّ} :-
وَسَاءُ

٣
ج - ٢
معارف السنن
حدثنا: هناد بن السرى نا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث
ابن عياش بن أبى ربيعة عن حكيم بن حكيم وهو ابن عباد بن حنيف أخبر نى نافع من
جبير بن مطعم قال أخبرنى ابن عباس أن النبى ◌َل قال: أمنى جبر ئيل (عليه السلام)
المواقيت : جمع ميقات ، قبل الوقت والميقات واحد وهو المقدار من
الدهر، وقيل : الوقت مطلق والميفات وقت قدر فيه عمل من الأعمال، وربما
يستعمل فى المكان أيضاً، والتوقيت تحديد الوقت ووقته كوفته . انتهى ملخصاً
من "القاموس، وشرحه والتفصيل فى "العمدة" ( ٢ - ٥٠٤).
قوله : أمنى جبرئيل. استدل به بعض من الشافعية بصحة اقتداء
المفترض خلف المتنفل بأن جبر ئيل كان معلماً متنفلاً والنبى محل الإ كان مفترضاً ،
وذلك مذهب الشافعى ورواية عن أحمد . ومذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد
عدم صحة اقتداء المفترض خلف المتنفل . ويأتى تفصيل المسألة بأدلتها فى موضعها
من حديث معاذ إن شاء الله تعالى. وهكذا ذكر المذاهب النووى فى "المجموع"
(٣ - ٢٤٩) والبدر العينى فى "العمدة" (٢ - ٧٧٣) و "فتح القدير "
( ١ - ٢٦٣ ).
وأجاب عنه القاضى أبوبكر ابن العربى المالكى فى "العارضة" (١ - ٢٥٨)
ما ملخصه: أن ذلك دعوى لادليل عليه، وكان جبر ئيل مأموراً بالإمامة وكما خص
بالإمامة جاز أن يخص بالفريضة، ويؤيده ما فى حديث مالك رضى الله عنه من قول
جبريل: بهذا أمرت - برفع التاء ونصبها - والرفع ثابت صحيح ، فكان جبر ئيل
مأموراً صراحةً فتكون صلاة مفترض خلف مفترض اهـ ملخصاً مختصراً. ويصح
أن يجاب أن هذه واقعة حال متقدمة لا عموم لها . قال الراقم : قال أبو الفتح
ابن سيد الناس اليعمرى فى "شرح الترمذى" فيما حكى عنه الشوكانى: ووقائع
الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيه من الإجمال اهـ.

٤
معارف السنن
ج - ٢
عند البيت مرتين . فصلى الظهر فى الأولى منها .
فالوقائع الجزئية لا تصلح أن تكون نظاماً عاماً فى الشريعة . ويدور بالبال :
أن إمامة جبريل للنبى عَّ كان مثالياً فى عالم المثال لم يكن أمراً مشاهداً محسوساً
للصحابة فى عالم الشهادة، وإنما كان رسول اللّه عَلَّ إماماً للصحابة فى عالم
الحس، والناس اقتدوا بالنبى معَّ الجَ فكانت إمامة جبريل أمراً مثالياً تكوينياً
فى الحقيقة وإن أفادت تشريعاً من ناحية التعليم ، فمثل هذا لا يكون حجة فى
نظام التشريع العام للأمة ، نعم فى الموضوع دلائل للفريقين بأتى بيانها
والله سبحانه وتعالى أعلم .
قوله : عند البيت . فى رواية الإمام الشافعى: "عند باب البيت "
حكاه الزرقانى وابن حجر فى "التلخيص"، وكذا رواه الطحاوى فى
"المشكل"، والبيهقى فى "الكبرى" حيث أن الباب فى شرق البيت فلا يمكن
الاستقبال إلى القدس إلا إذا كان الباب جنوبياً .
قوله : مرتين ، أى فى يومين كما هو صريح فى الرواية فعبر بالخمس
المرات فى يوم بمرة ، وفى هذا التعليم العملى ما لا يخفى من الأهمية ، وكذلك
علم الوضوء جبريل عملاً كما هو عند "ابن ماجه" كما تقدم بيانه . وانظر
للتفصيل " الروض الأنف" (١ - ١٦٢).
قوله : فصلى الظهر، كانت فريضة الصلوات الخمس ليلة الإسراء ،
ونزول جبريل لتعليم الأوقات كان صبيحة الليلة التى فرضت فيها الصلاة كما
قاله محمد بن اسحاق فى سيرته، حكاه أيضاً فى "الفتح" (٢ - ٣)
و "العمدة" (٢ - ٥٠٧). قال السهيلى فى " الروض الأنف" (١-١٦٣):
أهل الصحيح متفقون على أن هذه القصة - أى إمامة جبريل - كانت فى
الغد من ليلة الإسراء، وذلك بعد ما نبئى بخمسة أعوام الح . وقال عبد الرزاق

٥
ج - ٢
معارف السنن
عن ابن جريج قال قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح النبى حدّ ◌ُلٍّ من الليلة
التى أُسرى به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت
الأولى - أى صلاة الظهر - فأمر فصيح بأصحابه: "الصلاة جامعة" فاجتمعوا
فصلى به جبريل وصلى النبى عَر ◌َّجُل بالناس فذكر الحديث: حكاه فى "الفتح".
وقال ابن عبد البر: لم يختلف أن جبريل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال
فعلم النبى عَ الجَّ الصلاة ومواقيتها وهيئتها اهـ. حكاه الزرقانى على " المؤطأ "
(١ - ١٣). قال الحافظ ابن حجر: وفى هذا رد على من زعم أن بيان
الأوقات إنما وقع بعد الهجرة ، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل وبعدها
ببيان النبى ◌َّ اهـ. قال السيوطى: وهو صريح حديث ابن عباس " أُمنى
جبريل عند البيت الخ". ثم إنه قيل -- فى توجيه نزوله فى الظهردون صلاة
الفجر مع فرضية الخمس معاً - : أنه نام عند صلاة الصبح فلم ينزل جبريل .
وهذا خطأ واختلط على هذا القائل واقعة نزول جبريل بواقعة ليلة التعريس ،
وعبر بعض الرواة عن ليلة التعريس بليلة الإسراء فزاد الأمر غمة. ثم إن القائل
هو العراقى كما فى "البحر" (١ - ٢٤٤) وكما فى "زهر الربى" قبيل الأذان
وقد تعقبه السيوطى أيضاً فراجعه .
قال شيخنا: والوجه عندى: أن رسول اللّه ◌َ الٍ كان يصلى الفجر
والعصر قبل فرضية الخمس فلم تكن أهمية فى الابتداء بتعليم الفجر . وقد
ذهب بعضهم إلى فرضية الفجر والعصر قبل الإسراء، وقد دلت عدة من آيات
التنزيل على هاتين الصلاتين . قال السهيلى فى " الروض الأنف" (١ - ١٦٢)
وذكر المزنى أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة
قبل طلوعها ، ويشهد لهذا القول قوله سبحانه ( وسبح محمد ربك بالعشى
والإبكار). وقال يحي بن سلام مثله اهـ. وحكى البدر العينى عن أبى اسماق
الحربى ويحمي بن سلام كذلك فى (٢ - ٢١١) وحكاه ابن حجر فى "الفتح"

1
1.
معارف السنن
ج - ٢
عن الحربى فقط . وصرحا بفرضيتها عنده.
تنبيه : لا يبعد أن يكون لفظ المزنى فى " الروض الأنف" تصحيفاً للحربى
والله أعلم. وذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا
ما وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وذكر الشافعى عن بعض أهل
العلم أن صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقوله تعالى: (فاقرعوا ما تيسر
منه ) فصار الفرض قيام بعض الليل ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس اهـ .
واستنكر محمد بن نصر المروزى ذلك وقال : الآية تدل على أن قوله تعالى:
( فاترعوا ما تيسر منه) إنما نزلت بالمدينة لقوله تعالى: ( وآخرون يقاتلون
فى سبيل اللّه) والقتال إنما وقع بالمدينة، والإسراء كان بمكة قبل ذلك اهـ.
وما استدل به غير واضح لأن قوله تعالى: (علم أن سيكون) ظاهر فى
استقبال. قاله الحافظ فى "الفتح" (١ - ٣٩٣). وهذه جملة الأقوال فى
ذلك. وفى "صحيح البخارى" (١ - ١٠٦) (باب الجهر بقراءة الفجر) و
(٢ - ٧٣٢) من " سورة الجن"، ومسلم (١ - ١٨٤) (باب الجهر
بقراءة الصبح) من حديث ابن عباس قال: " انطلق النبي ◌َ لّ فى طائفة من
أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ......... وفيه : وهو يصلى بأصحابه صلاة
الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له" ودل ذلك على أنه جهر فيها بالقراءة، وقد
قالوا بأنه فعَّالّ كان يصليها قبل الإسراء ولكنهم اختلفوا فى افتراضها ،
فالأكثر إلى عدم افتراضها، واختار بعض افتراضهما . قال شيخنا: إذا اتحد
كيفية أدائها قبل الإسراء وبعده فإذن يشكل وجه الفرق بين الفرضية
وعدمها ، فالأولى أن يقال بفرضيتها. قال: وبه أقطع. قال الراقم :
اختلفوا فى تاريخ هذه الواقعة فقبل كانت ذلك فى ذى القعدة سنة عشر من
البعث. كما فى "العمدة" (٩ - ٢٤١) وإن الإسراء قبل الهجرة بسلتين أثر
ثلاث فتكون القضية بعد الإسراء ، وقيل : الواقعة فى ابتداء المبعث وكان

٧
ج - ٢
معارف السنن
يصلى هاتين قبل الإسراء قطعاً كما هو مفاد ما قاله فى "العمدة" (٣-٩٣).
وبقول القسطلانى: والذى تظاهرت أن ذلك أول المبعث ........ وأن مجئى
الجن لاستماع القرآن قبل خروجه بَ ل إلى الطائف بسفتين، ولا يعكر عليه
قوله أنهم رأوه يصلى بأصحابه صلاة الصبح؛ لأنه فَخل كان بصلى قبل الإسراء
صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها اهـ (٧ - ٤٠٢) ويقول النووى
فى شرح "مسلم": إن حديث ابن عباشر فى أول أمر النبوة اهـ. وقال
الحافظ عماد الدين ابن كثير فى "نفسيره" (٥ - ١٤٠ و١٤١ طبعة المنار)
ما ملخصه: أنه بجٍَّ صلى فى مسجد بيت المقدس محبة المسجد ركعتين حين
عرج به إلى السماء ثم لما هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم
فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، وتظاهرت الروايات
على أنه أمهم ببيت المقدس ، ولكن فى بعضها أنه كان أول دخوله إليه ،
والظاهر أنه بعد رجوعه إليه الخ . وورد فى بعض أحاديث إمامة جبريل :
" أنانى جبريل عليه السلام حين طلع الفجر" أخرجه الدارقطنى فى " سننه "
(١ - ٩٦) فى حديث ابن عمر من طريق محبوب بن الجهم مولى حذيفة بن
اليمان وهو ضعيف وفيه من النكارة " ابتداؤه بالفجر" والصحيح خلافه. قاله
الحافظ فى "التلخيص" (ص-٦٤). ويقول الحافظ الزيلعى فى "نصب الراية"
( ١ - ٢٢٦): ورواه ابن حبان فى "كتاب الضعفاء" وأعله بمحبوب بن
الجهم ......... وينظر لفظه فإن بقية الأحاديث صريحة فى ابتدائه بالظهر ......
ويشهد للأكثر ما رواه الطبرانى من حديث أبى هريرة وأبى سعيد قالا: "أول
صلاة فرضت على النبي ◌ٍَّ صلاة الظهر". وسكت عليه اه ملخصاً . ولعله
اختلط على الراوى حديث تعليم جبريل الإمامة للنبى معَةٍ وحديث تعليمه حَلّ
رجلاً سأله بالمدينة وتعليمه السائل كان من صلاة الصبح كما سيأتى فى "الترمذى"
و رواه "
" مسلم
٢

٨
معارف السن
ج - ٢
حين كان الفى مثل الشراك ثم صلى العصر حين كان
قوله: حين كان الفتى: الفى ظل الشمس بعد الزوال . قال بعض الغير
المقلدين من أهل الهند أن استثناء فى الزوال من المثل أو المثابن - كما هو فى
كتب الحنفية - لا أصل له فى الشريعة . ولم يدر هذا المسكين أنه لو كان
المدار على المثل فقط من غير أن يستثنى منه فى الزوال لزم أن يصلى الظهر
بل العصر أحياناً كذلك حين الظهيرة قبل الزوال فى البلاد التى يكون فى
الزوال فيها مثل قامة الرجل أو أكثر. قال الراقم: ويدل على الاستثناء لفظ
حديث جابر عند "النسائى": "فصلى الظهر حين زالت الشمس وكان الفتى قدر
الشرك ، ثم صلى العصر حين كان الفتى قدر الشراك وظل الرجل"، فهذا الفى
قدر الشراك زائد على المثل وهو الذى قاله السادة الحنفية ، ومن أجل هذا
يقيد لفظ "الترمذى" فى حديث ابن عباس: ( حين كان كل شيءّ مثل ظله))
باسٹناء فى الزوال کما صرح به رواية النسائی فی حدیث جابر ، ثم إن زوال
الشمس أول وقت الظهر. ويقول الحافظ فى "الفتح" (٢ - ١٧): وهذا
هو الذى استقر عليه الإجماع ، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة أنه
جوز صلاة الظهر قبل الزوال، وعن أحمد واسحاق مثله فى الجمعة اهـ. ومثله
فى "العمدة" (٢ - ٥٣٢) و"المبسوط" (١ - ١٤٢).
قوله : مثل الشراك، أى قدر شراك الفعل . قال الحطائى فى "المعالم"
(١ - ١٢٢): ليس قدر الشراك هذا على معنى التحديد ولكن الزوال لا يستبين
إلا بأقل ما يرى من الفئى، وأقله فيما يقدر هو ما بلغ الشراك أو نحوه. وليس
هذا المقدار مما يتبين به الزوال فى جميع البلدان ، إنما يتبين ذلك فى مثل مكة
من البلدان التى ينتقل فيها الظل، فإذا كان أطول يوم فى السنة واستوت
الشمس فوق الكعية لم ير اشئ من جوانبها ظل. وكل بلد يكون أقرب إلى

تحقيق وقت الظهر
كل شئ مثل ظله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ثم صلى
وسط الأرض كان الظل فيه أقصر ، وما كان من البلدان أبعد من واسطة
الأرض وأقرب إلى طرفيها كان الظل فيه أطول اهـ.
قوله : كل شئ مثل ظله. ذهب جمهور الأئمة إلى أن وقت الظهر ينتهى إلى
المثل الأول . حكاه العينى فى "العمدة" (٢ - ٥٤٠) عن مالك والشافعى
وأحمد والثورى وإضاق وأبى يوسف ومحمد وهى رواية الحسن بن زياد عن
أبى حنيفة .
وأما مذهب أبى حنيفة فلم يذكر آخر وقته الذى به ينتهى فى "المبسوط»
لمحمد بن الحسن نصاً ، وكذا قال شمس الأئمة السرخسى فى "المبسوط" (١ -
١٤٢) وأبوبكر الكاسانى فى "البدائع" (١ - ١٢٢) أن محمداً لم يذكره
نصاً فى الكتاب - أى "المبسوط" . قال شيخنا: وكذلك لم أره فى كيب
الإمام محمد الموضوعة لنقل ظاهر المذهب من "الجامع الصغير"، و"الجامع
الكبير"، و "المبسوط"، و"الزيادات".
ثم اختلفت الروايات عن الإمام ، فالرواية المشهورة أن وقته ينتهى إلى
المثلين، واختاره أصحاب المتون ، وجعله صاحب "النهاية" شارح "الهداية"
ظاهر الرواية، وجمعه فى "البدائع" و"المحيط" و"الينابيع"، واختاره أكثر
الشارحين . هذا ملخص ما فى "البحر" (١ - ٢٤٥) وابن عابدين (١ -
٢٣٢). وجعل ذلك فى "العناية" (١ - ١٥٢ على هامش " الفتح")
رواية محمد عن أبى حنيفة ، وكذلك صاحب "البحر" ، وجعلها شمس
الأئمة فى "مبسوطه" (١ -- ١٤٢) رواية أبى يوسف عنه والله أعلم. و
كذلك جعلها فى "الكفاية" ظاهر الرواية، وفى جعله ظاهر الرواية نظر لما
تقدم .
(٢ - ٢ )

١٠
معارف السنن
ج - ٢
والرواية الثانية : إنه ينتهى إلى المثل الأول وبعده وقت العصر مثل
مذهب الجمهور ، وهو رواية الحسن بن زياد عن الإمام كما فى عامة
كتبنا كما فى "البحر الرائق" و"العناية" و" عمدة القارى" (٢ - ٥٤٠)
وجعلها السرخسى فى " مبسوطه" (١ - ١٤٢) رواية محمد عن الإمام.
ولفظ المبسوط:، اختلفوا فى آخر وقت الظهر، فعندهما إذا صارظل كل شئ
مثله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر ، وهو رواية محمد عن أبى حنيفة
١هـ. وقريب منه ما فى " البدائع": روى محمد عنه إذا صار ظل كل شى
مثله سوى فى الزوال ، والمذكور فى " الأصل": ولا يدخل وقت العصر
حتى يصبر الظل قامتين الخ .
والذى يخطر ببالى أن لفظ "البدائع" خطأ الناسخ، فقوله: " مثله"
صوابه " مثليه"، وقوله: "والمذكور" فالذى يقتضيه عبارة "البحر" أن
صوابه "وهو المذكور" حيث قال صاحب " البحر" قال فى " البدائع":
أنها المذكورة فى " الأصل"، ويحتمل أن يكون الخطأ فى نقل " البحر"
ويكون " والمذكور فى الأصل"مبتدأ " ولا يدخل الخ" خبراً له، وأيضاً
إن فى "البدائع" حكى بعده رواية الحسن: ((إذا صار ظل كل شى مثله))
وهذا يدل على أنه غير ما حكاه عن محمد ولا يصح ذلك إلا بأن يكون كما
صححتِ، وكذا قال : والصحيح رواية محمد، ولذا نقله صاحب " البحر"
وابن عابدين تصحيح "البدائع" لرواية محمد المثلين. وكذلك فى لفظ "المبسوط"
عندى سهو من المؤلف أو وقع حذف فى العبارة من الناسخ، ولى على ذلك
شواهد ولا يتسع المحل لبيانه، وكل من أطال تفكيره فى عبارات فقهائنا بتضح
له ذلك، ويالبت لوتيسرلى "المبسوط" للإمام محمد لا طمئن القلب على أمر.
والرواية الثالثة : أنه إذا صار ظل كل شئى مثله خرج وقت
الظهر ولم يدخل وقت العصر حتى بصير ظل كل شئى مثليه ، وعلى هذا

١١
اختلاف الروايات عن أبى حنيفة فى وقت الظهر
يكون بين الظهر والعصر وقت مهمل ( كما بين الظهر والفجر) وروى هذه
أسد بن عمرو عنه. كذا فى " البدائع" (١ - ١٢٢) و " العناية" على
هامش " الفتح" (١ - ١٥٢) و " فتح القدير" (١ - ١٥٣) و" العمدة"
(٢ - ٥٤٢). وقال فى " العناية": قال الكرخى: وهذه أعجب الروايات
إلى لموافقتها لظاهر الأخبار. وعزاه السرخسى فى " المبسوط" (١ - ١٤٢)
إلى الحسن بن زياد، وكذا فى "الكفاية" (١ - ٨٥). ومن أجل هذا
قال المشائخ : ينبغى أن لا يصلى العصر حتى يبلغ المثلين، ولا الظهر مؤخراً
إلى انتهاء المثل ليخرج من الخلاف فيها بيقين. أفاده ابن الهام وابن نجيم
و غيرها .
والرواية الرابعة : أنه إذا صار الظل أقل من قامتين بخرج وقت الظهر،
ولا يدخل وقت العصر حتى يصير قامتين . رواه المعلى عن أبى يوسف عن
أبى حنيفة، وصححها الكرخى. حكاه البدر العينى فى "عمدة القارى" (٢ -
٥٤٢) وهذه الرواية تثبت زيادة نفاها غيرها وأفتى صاحب "الدر المختار"
برواية الحسن بن زياد حاكياً عن " الفيض" وقال الطحاوى: وبه نأخذ
وفى "غرر الأذكار" وهو المأخوذ، وفى " البرهان" وهو الأظهر. كذا
حكاه صاحب "الدر المختار". ورده ابن عابدين (١ - ٣٣٣). وصاحب
"البحر" (١ - ٣٤٥).
قال شيخنا : والحق ما قاله صاحب "الدر المختار" فإن المثل الثانى
وقت الضرورة الظهر. وحكى الشيخ السيد أحمد زينى دحلان الشافعى
فى رسالة له عن " الفتاوى الظهيرية" (١) و"خزانة المفتين" (٢)
(١) هى تأليف ظهير الدين أبى بكر محمد بن أحمد البخارى الحنفى المتوفى
سنه ٦١٩ هـ. وانتخب منها وخصها الحافظ البدر العينى وسماه " المسائل
البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية ". كذا فى "كشف الظنون" (٢-١٦٨).
(٢) " خزانة المفتين" تأليف الإمام الشيخ حسين بن محمد السمعانى الحنفى

١٢
معارف السفن
ج - ٢
رجوع أبى حنيفة إلى المثل" الأول. وكلا الكتابين من المعتبرات،
ولا يلتبس " خزانة المفتين" " بخزانة الروايات" فإن " خزانة الروايات"
غير معتبر. وذكر الشيخ اللكنوى كذلك فى شرح " الموطأ»: قد ذكر بجمع
من الفقهاء رجوعه إلى المثل اهـ .
ثم إنه ذكر محمد فى "مؤطئه" ( ص ـ ٣٣) و" مبسوطه " أنه قال
أبو حنيفة : لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثليه اهـ . وقال: فأما
فى قولها فإنا نقول : إذا زاد الظل على المثل وزيادة من حين زالت الشمس
فقد دخل وقت العصر اهـ. قال الشيخ: وعبارته تشير فيما أرى أن وقت
الظهر بنتهى قبل انتهاء المثلين حيث لم بذكر آخر وقت الظهر والله أعلم .
وهذه الروايات عن الإمام أبى حنيفة عبارات تحتاج إلى التفصيل ، كان
شيخنا رحمه اللّه يقول: ومن دأبى أنه إذا تعارضت روايات عن الإمام
فأذهب فيها أولاً إلى التطبيق والتوفيق بينهما مها أمكن كما ذهبوا إلى التطبيق
فى النصوص المتعارضة من الشارع، وعلى دأبه ذلك مشى هنا، وقد أوضحت
خصائصه وأدابه فى "نفحة العنبر" فلتراجع فقال: والذى تلخص عندى فى
تطبيقها : أن المثل الأول مختص بالظهر، والثالث بالعصر، والثانى مشترك بيتها
لأصحاب الأعذار فهو وقت لها لكنه ليس وقت الاختيار ، والقول باشتراك
الوقت مروى عن بعض السلف كما قاله الطحاوى فى " شرح معانى الآثار"
(١ - ٩٦) (باب الجمع بين الصلاتين). قال أبو جعفر. فذهب قوم
إلى أن الظهر والعصر وقتها واحد ....... وكذلك المغرب والعشاء فى قولهم
وقتها واحد ، ولا يفوت إحداهما حتى يخرج وقت الأخرى منها اهـ . وقال
من علماء القرن الثامن، وأما "خزانة الروايات" فهى تأليف القاضى حك
الهندى الكجرائى. كذا ذكره صاحب "الكشف" ولم يؤرخ وفاته. وفى
" زمة الخواطر" (٤ - ٨٢): مات فى حدود سنة عشرين وتسعمائة .

١٣
بحث اشتراك الوقت بين الظهر والعصر
ابن قدامة فى " المغنى" (١ - ٣٨٦): وقال عطاء: لا تفريط الظهر حتى
تدخل الشمس صفرة . وقال طاؤس: وقت الظهر والعصر إلى الليل. وحكى
عن مالك: وقت الاختيار - أى الظهر - إلى أن يصبر ظل كل شى مثله،
ووقت الأداء إلى أن يبقى من غروب الشمس قدر ما يؤدى فيه العصر لأن
النبى ◌َُّلَّ جمع بين الظهر والعصر فى الحضر. وقال فى (١ - ٣٨٨):
وحكى عن ربيعة أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس، وقال إسحاق :
آخر وقت الظهر أول وقت العصر يشتركان فى قدر الصلاة فاو أن رجلين
يصليان معاً أحدها بصلى الظهر والآخر العصر حين صار ظل كل شئ مثله
كان كل واحد مصلياً لها فى وقتها . وحكى ذلك عن ابن المبارك لقول النبى
حَ لي فى حديث ابن عباس: ((صلى بى الظهر لوقت العصر بالأمس)) اهـ.
وقال البدر العينى فى "العمدة" (٢ - ٥٤٢) وقال ابن راهويه والمزنى
وأبو ثور والطبرانى (وامل الصحيح الطبرى كا فى " المجموع" النووى) : إذا
صار ظل كل شئى مثله دخل وقت العصر ويبقى وقت الظهر قدر ما يصل
أربع ركعات، ثم يتمحض الوقت للعصر، وبه قال مالك اهـ. فالحاصل أنه ثبت
القول بالاشتراك عن هؤلاء الأعلام عطاء ، وطاؤس ، وربيعة من التابعين ،
ومالك ، وإسحاق وابن المبارك ، وأبى ثور والطبرى من الأئمة تماماً أو فى
الجملة ، وعلم من ذلك أن عند مالك فى آخر الظهر روايتين والمشهور هذا
القول بالاشتراك قدر أربع ركعات ، وهو الذى ذكر ابن رشد فى "قواعده"
وكذلك عن مالك رواية أنه يمتد الظهر إلى غروب الشمس . حكاه النووى
فى " المجموع" (٣ - ٢١).
وبالجملة ثبت عن مالك ، والشافعى، وأحمد القول بالاشتراك حيث
قالوا : إذا طهرت المستحاضة فى آخر العصر يلزمها قضاء الظهر والعصر جميعاً
وكذلك إذا طهرت فى آخر العشاء بلزمها قضاء المغرب والعشاء . فلزمهم

١٤
معارف السنن
ج - ٢
العشاء حين غاب الشفق . ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم .
القول باشتراك الوقت بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وإلا فكيف
يلزم وجوب قضاء الصلانين . انظر تفصيل المسألة فى "بداية المجتهد" (١ -
٧٧ و٧٨) من ( أوقات الضرورة ).
قوله : حين غاب الشفق . ذهب الجمهور إلى أن الشفق هنا هو الأخر،
وذهب أبو حنيفة إلى أنه الأبيض . وقال بعضهم : إن الشفق لغة هو الحمرة،
وقال الفراء هو البياض، وللعلماء فى تأييد كل جهة كلام . وقال شيخنا :
إن الشفق فى الأصل رقة الحمرة فيكون أمراً بين البياض والحمرة . وتفصيل
المسألة : أنه وقع الاختلاف بين الصحابة ومن بعدهم فى تعيين الشفق المراد
هنا ، فقيل : البياض وهو المروى عن أبى بكر الصديق ومعاذ بن جبل و
عائشة وأبى هريرة وابن عباس - فى رواية - وأنس وابن الزبير وأبى بن
كعب، وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة والأوزاعى والشافعى - فى
القدیم ۔۔ ومالك - فی رواية - وابن المبارك وزفر وأبو ثور والمزنى وابن
المنذر والخطائ، واختاره المبرد والقراء وثعلب وأبو عمرو من أئمة اللغة ،
وكذا أبو العباس أحمد بن يحيى وأنشد لأبى النجم فى ذلك :
بين سماطى شفق مهول
حتی إذا الليل جلاء المجتلى
يريد الصبح ويؤبده حديث أبى هريرة رواه الترمذى من طريق محمد بن
فضيل وفيه: ((فإن آخروقتها حين يغيب الأفق)) وغيبوبته بسقوط البياض
الذى يعقب الحمرة وإلا كان بادياً .
وأيضاً إذا تعارضت الأخبار لم ينقض الوقت بالشك فالترجيح للبياض
وفيه الاحتياط حتى يخرج عن العهدة بيقين .
وقيل : الشفق هنا الحمرة ، روى ذلك على ابن عمر ، وابن عباس ،

١٥
تحقيق معنى الشفق وبيان المذاهب فيه
وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شئى مثله لوقت العصر بالأمس
ثم صلى العصر حين كان ظل كل شى مثليه ثم صلى المغرب اوقته الأول ثم
وشداد بن أوس ، وعبادة بن الصامت ، وهو قول مكحول ، وطاؤس ،
ومالك ، وسفيان الثورى، وابن أبى ليلى، وأبى يوسف، ومحمد ، والشافعى،
وأحمد، وإسحاق ، وداؤد وهو رواية أسد بن عمرو عن أبى حنيفة، وحكى
ذلك عن الفراء كما قاله الخطائى .
وصح عن ابن عمر موقوفاً: الشفق هو الحمرة . رواه مالك وغيره ،
ومجمع وقفه البيهقى ثم النووى ، ومن المشائخ من الحنفية من اختار الفتوى على
رواية أسد بن عمرو، ورده ابن الهام وقال : لا تساعده رواية ولا دراية ،
ومنهم من يحكى رجوع أبى حنيفة إليه ولم يصح. وقال بعضهم : اسم الحمرة
والبياض معاً إلا أنه بطلق فى أحمر ليس بقان وأبيض ليس بناصع ، وإنما يعلم
المراد منه بالأدلة لا بنفس اللفظ ، كالقرأ الذى يقع اسمه على الطهر والحيض
معاً ، وكسائر نظائره من الأسماء المشتركة . حكاه الخطابى فى "المعالم" وهو
الذى اختاره الشيخ رحمه الله. فهذا ملخص ما أفاده الخطابى فى "المعلم"
(١ - ١٢٥) وابن الحرام فى " الفتح (١ - ١٥٥) والبابر ئى فى " العناية "
والعينى فى " العمدة" (٢ - ٥٦٦) وغيرهم من الأعلام .
قوله : حين كان ظل كل شى مثله لوقت العصر بالأمس .
ظاهر هذا اللفظ يخالف مذهب من قال بانتهاء وقت الظهر إلى المثل من الشافعى
وأحمد وأبى يوسف ومحمد وغيرهم ، فإنه على ظاهره يدل على أنه صلى الظهر
فى اليوم الثانى بعد أن انتهى المثل الأول فأخذوا بتأولون فيه ، ويوافق مذهب
أبى حنيفة وكذلك مذهب مالك المشهور من أن وقت الظهر إلى المثل وقدر
أربع ركعات بعده من غير تأويل ، والشارحون زعمونه مخالفاً للإمام أبى حليفة
مع أنه لا يوافقهم ما لم يتأولوا فيه ، وكذلك فهمه البدر العينى، واحتج به

١٦
معارف السنن
ج - ٢
صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض
ثم التفت إلى جبرئيل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك .
لأبى حليفة. أنظر "العمدة" (٢ - ٥٤٠). والذى تأولوا فيه أن المراد
بالمثل ما يكون قريباً من المثل كما فعله الزرقانى وغيره فليس هذا إلا تأويل
ظاهر لت حيح المذهب لا يخفى على المصير .
قوله : هذا وخ الأنبياء من قبلك . قال الشيخ: قيل إن هذه الصلوات
الخمس من خصائص هذه الأمة فكيف ورد : هذا وقت الأنبياء من قبلك ؟
قلت : إن الصلوات الخمس كلها جميعاً من خصائص هذه الأمة وإلا فهى فى
شرائع الأنبياء ثابتة متفرقة ، ويدل عليه ما رواه الطحاوى فى "شرح الآثار"
( باب الصلاة الوسطى أى الصاو ) (١ - ١٠٤): حدثنى القاسم بن
جعفر قال سمعت بحر بن الحكم الكبسانى يقول سمعت أبا عبد الرحمن عبد الله بن
محمد بن عائشة يقول: إن آدم عليه السلام لما تيب عليه عند الفجر صلى ركعتين
فصارت الصبح. وفدى إسماق (١) عند الظهر فصلى إبراهيم عليه السلام أربعاً
فصارت الظهر . وبعث عزير فقيل له: كم لبثت ؟ فقال : يوماً فرأى الشمس
فقال: أو بعض يوم فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وقد قيل غفر لعزيير
عليه السلام وغفز لداؤد عليه السلام عند المغرب فقام فصلى أربع ركعات
فجهد فى الثالثة فصارت المغرب ثلاثاً ، وأول من صلى العشاء الآخرة
(١) اختلف الصحابة ومن بعدهم فى تعيين الذبيح هل هو إسماعيل أو
إسحاق، وأظنب ابن تيمية ثم صاحباه ابن القيم وابن كثير فى ترجيح الفول
بأنه إسماعيل . انظر " زاد المعاد" من الأوائل، وسياق سورة " الصافات"
يؤيده تأييداً مؤزراً . وراجع فوائد شيخنا العثمانى على التنزيل من سورة
"الصافات". و کان إمام العصر شيخنا بمیل إلی کونھا ذہیحین کلیها ، والبحث
أفرد بالتأليف، وراجع "روح المعاني" (٢٣ - ١١٣).

١٧
بحث أن الصاوات الخمس بمجموعها من خصائص هذه الأمة
نهينا فَ اء اه. قال شيخنا: ولم أجد حديث " شرح الآثار" هذا
إلا فى "شرح مسند الشافعى" لابن الأثير الجزرى، ولعل الشيخ يشير إلى ما قال
القاضى أبوبكر ابن العربى فى "العارضة": قوله "هذا وقت الأنبياء من قبلك"
يفتقر إلى بيان المراد فإن ظاهره يوهم أنها كانت مشروعة لمن قبله من الأنبياء
فهل الأمر كذلك أم لا؟ ثم أجاب بأن هذا وقت المشروع لك بعنى الوقت
الموسع والمحدود بطرفين الأول والآخر ومثله وقت الأنبياء من قبلك أى
كانت صلاتهم واسعة الوقت وذات طرفين مثل هذا ، وهذه الصلوات على
هذا الميقات لهذه الأمة خاصة ، وغيرهم بشاركهم فى بعضها انتهى مختصراً.
ومثله قال ابن سيد الناس اليعمرى كما فى الحاشية . ويقول الحافظ ابن حجر:
هذا وقه الأنبياء باعتبار التوزيع عليهم بالنسبة لغير العشاء ، إذ مجموع هذه
الخمس من خصوصياتنا ، وأما بالنسبة إليهم فكان ما عدا العشاء مفرقاً فيهم،
وفى حديث معاذ بن جبل عند أبى داؤد وابن أبى شيبة: ((اعتموا بهذه الصلاة
فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم))، وحكى القارى عن
الطيب ورجحه: أن العشاء كانت الرسل تصليها نافلة لهم ولم تكتب على أممهم
كالتهجد الخ. وإذن لاتبقى حاجة إلى استثناء العشاء كما فعله الحافظ. قال الراقم:
وهذا أولى مما تكلفه ابن العربى وغيره ، غير أنه يحتاج إلى إثبات صلاة الأنبياء
العشاء نافلة بالرواية الصحيحة، والروايات تؤيد ما قاله الحافظ والله أعلم . ثم
إنه لم يتيسرلى " شرح المسند" الجزرى ولم أقف عليه غير أنه حكى فى "نهاية
المحتاج" (١ - ٢٦٧) للشيخ الرملى، وكذا فى "السيرة الحلبية" من الإسراء
من شرح "المسند" الرافعى: أن الصبح صلاة آدم والظهر لداؤد والعصر لسليمان
والمغرب ليعقوب والعشاء ليونس، وأورد فيه خبراً أه. وتعقهه الشبراملسى
بأن الأصح : أن العشاء من خصوصياتنا وذكر الظهر لإبراهيم والمغرب لعيسى
(٢ - ٣)

١٨
معارف السفن
ج - ٢
والوقت فيما بين هذين الوقتين .
ركعتين عن نفسه وركعة عن أمه والله أعلم. وذكر صاحب "العناية" منا
العصر ليونس عليه السلام ، ورواية الطحاوى أصح من هذه الأقوال كلها
والله أعلم بالصواب .
قوله: والوقت فيما بين هذين الوقتين. ظاهره لا يستقيم على مذهب لأنه قد
صلى فى اليومين فى أوقاتهما لا أن الوقت ما بينها، وصلى فى اليومين فى غير
وقتها فتأوله الشافعية بالوقت المستحب . قال الراقم : وإذن كيف قالوا
باستحباب التعجيل فى الظهر والعصر والفجر ؟ فهما قولان متنافيان ، وقيل :
إن المراد من الوقتين هو الظهر والعصر مثلاً فى اليوم الأول ، وفيه أنه أمر
يختص بها وليس عاماً فى سائر الأوقات ولا يستقيم عمومه، وأيضاً لو كان
هذا مراداً لم يفتقر إلى إمامة جبريل فى يومين، حكى القارى من ابن الملك :
أى هذا الوقت المقتصد الذى لا إفراط فيه تعجيلاً ولا تفريط فيه تأخيراً ،
وحكى عن الطيبى : أن المراد : وقت الاختيار لا الجواز، وإليه أشار شيخنا
بتأول الشافعية ، وقال اليعمرى : هذين وما بينهما ، فتبين بفعله الوقتان الذان
صلى فيها وبين ما لم يصل فيها، حكاه فى " القول المحمود".
قال الشيخ : والذى عندى من محط الفائدة فى حديث الباب : إذا عجل
الظهر فيعجل العصر وإذا أخر الظهر أخر العصر حتى يكون الفصل بينها على
سواء ، وبعد تعيين الغرض هذا نقول : يراد من الوقت بين الوقتين الوقت
المختار والمندوب. وما يتوهم من الإيراد على الحنفية فى استحباب تأخير
العصر فلايرد حيث قالوا بأداء العصر بعد انقضاء المثل الثانى قبل انتهاء المثل
الثالث ، وكذلك المتبادر من الحديث أنه صلى العصر فى المرة الثانية بعد انتهاء
المثلين . وعلى كل حال الحديث أوفق بمذهب الإمام أبى حنيفة من غير تأويل
فلا يلتفت إلى صخب ولا يفتقر إلى نصب .

١٩
مخريج حديث جبريل فى المواقيت
قال أبوعيسى: وفى الباب عن أبى هريرة وبريدة وأبى موسى وأبى مسعود
الأنصارى وأبى سعيد وجابر وعمرو بن حزم والبراء وأنس .
فائدة : قال الشيخ : "المبسوط" يطلق على كتاب "المبسوط" الإمام
محمد بن الحسن الشيبانى، وكذلك يطلق على شرحه للإمام السرخسى، وكذلك
على سائر شروحه وهى عديدة ، ويمتاز كل من الآخر بالعزو إلى مؤلفه
فيقال " مبسوط السرخسى، و "مبسوط محمد"، وكذلك " الجامع الصغير"
للإمام محمد ربما يطلق على شروحه ، وله شروح تكاد تبلغ خمسين شرحاً (١)
-: حديث جبريل ومذهب الحنفية :-
حديث إمامة جبريل مروى عن خمسة من أصحاب التى حدّ اج: جابر بن
عبد الله وابن عهاس أخرجها الترمذى، وأبى هريرة عند النسائى، وابن عمر
عند الدار قطنى بسند حسن ، وأنس عند الدارقطنى، وفى سنده رجل متكلم
فيه، وأخرج عنه ابن السكن فى " صباحه" فيكون من رواة الحسان. أفاده
الشيخ رحمه الله. قال الراقم: ورواه جماعة من الصحابة غيرهم منهم أبو مسعود
رواه ابن راهويه فى " مسنده" والبيهقى فى " المعرفة" والطبرانى فى
(١) "المبسوط" كتاب جليل للإمام محمد الشيبانى، والإمام الشافعى
استحسنه فحفظه، وأسلم حكم من أهل الكتاب بمطالعته وقال: هذا كتاب
محمدكم الأصغر فكيف كتاب محمدكم الأكبر ! وانظر " المبسوط" وشروحه
"كشف الظنون" (٢ - ٣٧٢ و٣٧٣). وأما " الجامع الصغير" فله كذلك،
وانظر ما يتعلق به تاليفاً وشرحاً فى "الكشف" (١ - ٣٧٧) وهو مطبوع
بالهند مع تعليقات للشيخ اللكنوى ولم يطبع إلى الآن "المبسوط" ونسمع من
أعوام أن "شخت" الألمانى من أساتذة الجامعة المصرية بالقاهرة بريد طبعه
ويجتهد فى استنساخ نسخ متفرقة ولم يظهر بعد منه شئى، ثم وصل إلينا كتاب
البيوع والسلم منه مطبوعاً فى القاهرة بعناية الأستاذ شماته ، سم الأصل. ولله
الأمر من قبل ومن بعد .

٢٠
معارف السنن
ج - ٢
"معجمه" وأصله فى " الصحيحين" من غير تفصيل، وعمروبن حزم عند
عبد الرزاق فى " المصنف" وابن راهويه فى " مسنده"، وأبو سعيد الخدرى
عند أحمد فى "مسنده" والطحاوى فى " شرح الآثار". أنظر للتفصيل
"الزيلعى" (١ - ٢٢١) وما بعدها . وأشار الترمذى إلى حديث بريدة
وأبي موسى والبراء أيضاً لكن حديث بريدة وأبى موسى كلاهما عند مسلم وفيه
سؤال الرجل عن وقت الصلاة ، فصار اثنى عشر حديثاً فى الباب. وحديث
ابن عباس صححه الترمذى، ورواه ابن حبان فى " صحيحه»، وابن خزيمة،
والحاكم وصححه، وسمحه ابن عبد البر والقاضى أبو بكر ابن العربى، وفى اسناده
عبد الرحمن بن الحارث مختلف فيه لكنه توبع كما فى "التلخيص" و"نصب
الرأية" . وحديث جابر أيضاً حديث صحيح، رواه ابن حبان فى "صحيحه"،
والحاكم وصححه، ورواه أحمد، والنسائى، وابن راهويه ، وجعله ابن القطان
مرسلاً، وقال ابن دقيق العيد : يكون مرسل الصحابى وهو غير ضار، أفاده
الزيلعى. وحديث ابن عمر عند الدارقطنى وإسناده حسن كما أفاده فى
"التلخيص" (ص - ٦٤) ولكن فيه عنعنة ابن اسحاق، وله طريق آخر
عند الدار قطنى ضعيف. وحديث أنس رواه الدارقطنى فى " سننه" (١ -
٩٧) عن قتادة عن أنس مرفوعاً وفيه " محمد بن سعيد بن حدار"، قال ابن
القطان وهو مجهول ، وإليه أشار شيخنا، وكذا رواه عن الحسن مرسلاً .
وقال عبد الحق فى "أحكامه": إن مرسل الجسم أصبح، حكاه الزباعى.
وراجع لتفصيل بعض الأطراف " نصب الرأية" و"التلخيص" . ثم إنه قد
علمت مما تقدم أن حديث جبريل لا يستقيم على مذهب القائلين بالمثل إلا بالتأويل
وهو أقرب إلى أبى حنيفة منه إليهم، وأدلة الحنفية استوفاها صاحب "البحر"
فى رسالته : "إزالة العشا عن وقتى الظهر والعشا" والرسالة مطبوعة بقازان
ولم تتيسر لى الآن حتى أراجعها .