النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ حسبت عمار فى التيمم ومعناه منهم على وعمار وابن عباس وغير واحد من التابعين منهم الشعبى وعطاء أصابتنى جذابة وإنى تمعكت فى التراب فقال : إضرب فضرب بيده الأرض فمسح وجهه ثم ضرب يديه فمسح بها إلى المرفقين " هذا لفظ الدارقطنى. ولفظ الطحاوى: " أتاه رجل ... وفيه أصرت حماراً الخ". فيحتمل أن يقال: أن ضمير المفعول فى لفظ " أتاه" وكذا المنصوب فى "جاء" مرجعه النبي ◌َّ، فإذن يكون مرفوعاً كلفظ عثمان عن عزرة . وبالجملة هذا اللفظ محتمل الرفع والوقف ، واللفظ الأول صريح فى الرفع فإذا كان الحديث واحداً ويكون من مخرج واحد فأولى أن يحمل هذا اللفظ على ذلك اللفظ ليتطابق اللفظان . وأعل من أوقفه رجح لفظ أبى نعيم وكان يتبادر منه الوقف ، ولو اختاروا هذا الذى ذكره الشيخ رحمه الله فيكاد ينفصم النزاع فى الرفع والوقف. ورجع العينى الرفع وأشار إلى ثبوته من وجهين فكان الوقف من وجه والرفع من وجهين . تنبيه : هذا هو توضيح ما أفاده فى "العرف الشذى" ولم يفهمه الشيخ المباركفورى صاحب "تحفة الأحوذي " فقال معترضاً ما ملخصه : أن كون المرجع فى ضمير المنصوب هو اللى حَّ باطل جداً فإنه لم يذكر فى الرواية النبى ◌َ ◌ّاهـ. والغرض ما ذكرنا، وما اعترضه دليل على أنه لم يذق الفرق بين الخطاب وبين الكتاب . وأمثال هذه الأمور تراعى فى التأليف لا فى الحوار وإنما الأحاديث كلها على مجرى الحوار والحديث دون التأليف ، وكذلك ذهب عليه أن "العرف الشذى" من إلقاء الشيخ عند الدرمى لا بقصد الاستملاء وليس هناك تأليف بل ولا إلاء متعارف فى أهل العلم ، ثم إنه جمع من بعض أصحابه فى غير أون الدرس على سبيل المذكرة الخاصة، فربما يقصر الفهم أو يقصر القلم والكل ظاهر. وكأنه تغافل عن ذلك كله فسامحه الله فى أمثال ( م - ٦٢ ) ٤٨٢ معارف السنن ومكحول قالوا : التيمم ضربة للوجه والکفین، وبه يقول أحمد وإسحاق . وقال هذه المؤاخذات والملاحظات ورحم الله من أنصف. وقوله : "قوله وكما قال العينى ليس بصحيح فإنه لم يقل به " غفلة شديدة فإن العينى قد مصح رواية جابر المرفوع، وقال: ولا يلتفت إلى قول من بمنع صحته. أنظر (٢ - ١٧٣ ) طبع الآستانة ، وقول العينى : "وأخرجه الطحاوى وابن أبى شيبة موقوفاً " أورده تأييداً لصحة الرفع لا غير . وحوالة العينى عن الشيخ للغرض المذكور. وأما تصوير الشيخ للتطبيق بين المرفوع والموقوف فالشيخ أبو عذرته فلاحجة فيه على من لم يذقه ومن لم يذق لم يدر مثل سائر. ولصحة رفع الضريتين شواهد موقوفة صحيحة عن على ، والحسن ، وابن المسيب ، وإبراهيم عند الطحاوى وغيره. وكذلك له شاهد حسن من حديث عمار عند البزار أخرجه الزيلعى قال . كنت فى القوم حين نزلت الرخصة فأمرنا فضربنا واحدة للوجه ثم ضربة أخرى لليدين والمرفقين . وقال الحافظ فى "الدراية" (ص ـ ٢٦) أخرجه البزار بإسناد حسن ولكن أخرجه أبوداؤد فقال : إلى المناكب ، وذكر أبوداؤد علته والاختلاف فيه ، وسكت عليه فى "التلخيص" (ص - ٥٦) ولم يذكره يجرح فكأنه رأى فيه مساغاً للسكوت ، وما ذكر صاحب "التحفة" من أن فى "العرف الشذى" نقل تحسين الحافظ ابن حجر ولم ينقل ما ذكره من تعقبه بالإختلاف فيه عند أبى داؤد فكلام على غير صنيع الفن ، فإن قول الحافظ لوكان حجة كان فى باب الرجال من الجرح والتعديل، وسكوته فى "التلخيص " دليل على أن الاختلاف غير قادح عنده فى تحسين الحديث وإلا فيقال لما ذكره الزيلغى فعقبه بذلك ولما ذكر هو نفسه فى تأبيد أحاديث الرافعى سكت عليه . وهذا صنيع غيره أحسن عند أهل الفضل والله ولى التوفيق والإنصاف . قال الراقم : قال أبوداؤد بعد روايته : قال ابن شهاب فى حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس اهـ. يريد: بلفظ "المناكب" وأنت تعلم أنه أخذ به الزهرى نفسه فكأنه . ٤٨٣ تحقيق حديث الضربتين وقفاً ورفعاً بعض أهل العلم منهم ابن عمر وجابر وإبراهيم والحسن : التيهم ضربة الوجه وضربة لليدين إلى المرفقين . قال: لم يأخذ به أحد غيرى ، وإذن لا يبعد أن يقال أنه لما ورد بلفظ المرفقين وقد أخذ به جماعة فلا بد أن يرجح على المناكب ، فيكون لفظ البزار أقرب إلى القبول ، وكأن أباداؤد رد لفظ المناكب بعدم ذهاب أحد إليه فتعين المرفقان وفيه الزيادة على الكفين والعمل بالزائد أولى أو متعين ، واليدين على إطلاقه يشمل كل جزء فلاحجة فيه وإنما الحجة فى الخصوص والتفسير. ثم الزائد أوثق فى الاحتجاج ولذا يقول الحافظ ابن عبد البر: لما اختلف الآثار فى كيفية التيمم وتعارضت كان الواجب فى ذلك الرجوع إلى ظاهر الكتاب وهو بدل على ضربتين ضربة ثلوجه وضربة لليدين إلى المرفقين قياساً على الوضوء وإتباعاً لفعل ابن عمر فإنه لا يدفع علمه بكتاب الله ولو ثبت شئ عنده عن النبى معَ﴾ فى ذلك لوجب الوقوف عنده الخ. حكاه العراقى فى "شرح التقريب" (٢- ١٠١) فإذن قول ابن حجر فى "الفتح" "وما عداهما ضعيف" ليس على ما ينبغى ؛ فإن الصحيح والحسن فى الباب كلاهما يوجد ، ونفسه صرح بتحسين اسناد البزار ، وكذا قوله : "أو مختلف فى رفعه ووقفه" لا يصح ذكره فى مقام اختلاف الثقتين فى الرفع والوقف وليس الإختلاف فى مثل ذلك من ثقتين اضطراباً فادحاً فى الصحة ولم يجعل مثل ذلك الإختلاف قادحاً فى حديث القلتين مع أن أبا داؤد قد صرح فى "سننه" - وهو يعلم ذلك - بأن حماد بن زيد وقفه عن عاصم. وكذا قوله: "وراوى الحديث أعرف ؟راده" فيه أنه لم يقبله من جانب الحنفية لما قالوا بمثل فى حديث أبى هريرة فى ولوغ الكلب بأن فتواه بالتثليث وافق رواية التثليث وما حكاه من فتواه بالسبع فرد عليه البدر العينى بأنه لم يثبت. وعلى كل حال لا حجة فيما جزء به، نعم أو قال أن طريق عمار وأبى الجهيم أصح وأثبت كما عبر به ابن عبد البر لكان صحيحاً و ٤٨٤ معارف السنن ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ الأصحية لا ينافى صحة طريق آخر وحديث آخر ، فإذا صح حديث فالترجيح و الاختيار من باب اختيارات الفقهاء فى وضع الاجتهاد لا حجة عليهم لأحد بعد صحة الحديث . هذا ما خطر بالقلب وعسى أن لا يده من أنصف . ثم أمر الضربتين قد صح عن عمار من غير طريق فذكره أبوداؤد من طريق يونس ومعمر وابن اسماق عن الزهرى، ومعمر أو ثق من روى عن الزهری کما قاله ابن معين أو من أوثق من روى عنه كما قاله ابن معين أيضاً حكاه فى "التهذيب". وكذلك رواه ابن أبي ذئب عند البيهقى فى "السنن الكبرى" (١ - ٢٠٨) وصالح بن كيسان عند "الطحاوى" (١ - ٦٦) كلاهما عن الزهرى فهؤلاء الخمسة الحفاظ كلهم يروى عن الزهرى فى حديث عمار ضربتين ، و محمد بن اسحاق متقرون بالغير هنا فلا يضر . ولذا يقول الحافظ ابن عبد البر: وكل ما يروى فى هذا عن عمار فضطرب مختلف فيه ولكن الأكثرين على وجوب دخول المرفقين فى التيمم إلى أن قال : ما حكاه من قبل وأيضاً قال لما قال الله عز وجل فى آية الوضوء "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" وأجمعوا أن ذلك ليس فى غسنة واحدة، وأن غسل الوجه غير غسل اليدين فلذلك يجب أن تكون الضربة فى القيمم للوجه غير الضربة لليدين قياساً إلا أن يصح عن النبي وَثِّ خلاف ذلك فيسلم له قال: وكذلك البلوغ إلى المرفقين قياساً على الوضوء إن لم يثبت خلافه عن النبى مَّ اهـ. حكاه العراقى فى "شرح التقريب". قال الراقم : إذا صح أمر الضريتين فى حديث واحد يكفى لوجوب العمل لأن الضربة الواحدة لا ينفى الضربة الأخرى مع أن أكثر الروايات ساكتة عن لفظ الواحدة، ومفهوم العدد لا حجة فيه عند القائلين بالمفهوم أيضاً فتعين الأخذ بالزائد كما قلنا فى المرفقين فالاحتياط فى الضريتين، وكذلك الاحتياط فى مسح الوجه ومسح البدين إلى المرفقين خروجاً عن الخلاف كما قاله البيهقى فى "السنن الكبرى" (١ - ٢١٢). وبالجملة إذا اختلفت الروايات بعد اشتراكها فى ٤٨٥ بحث دقيق فى معنى حديث عمار ٠٠. ... ... ... نفس الصحة فالعمل بما كان أشبه بالقرآن وبما كان أشبه بالقيامن أولى ؛ فإن البدل من الشنى إنما يكون مثله كما قائه الشافعى. حكاه "البيهقى" (١ - ٢١١) وهنا وجه آخر دقيق لترجيح رواية المرفقين على الكفين أفاده شيخنا رحمه الله. ودعامته ما ذكره الطحاوى فى " شرح الآثار" (١ - ٦٦) وما أشار إليه الإمام الشافعى فى كتاب "الأم" وحكاه البيهقى فى " سننه الكبرى" (١ - ٢١١) وقد أوضحت، إيضاحاً وهو وجه دقيق لا بد أن يضطر إلى قبوله من أمعن نظره فى الروايات ومن عنى بالتطبيق فى الأخبار المختلفة ، وإنى قد أطلت تفكيرى فى ذلك وعنيت بالبحث عنه منذ زمان الأخذ والتحصيل فأوضحت ما أدانى إليه البحث والكشف والله الموفق وهو أن يقال : أن حديث عمار فى الكفين لا حجة فيه حيث تبين بعد البحث أن لعمار واقعتين : واقعة نزول آية التيمم فى سفر حين فقد عائشة عقدها ، وهل هو فى غزوة المربسيع وهى غزوة بني المصطلق، أو غزوة ذات الرقاع بعد قصة الإفك، أو كانت قصة الإفك فى ذات الرقاع وفقدان العقد فى المريسيع، أو كان سقوط عقدها .. بن فى هاتين الغزوتين كما جزم به محمد بن حبيب الأخبارى مع اختلاف بين أهل السير فى أن أيتها كانت أولاً غير أن لفظ أسيد بن الحضير فى "الصحيح": " ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر" ولفظ حديث عائشة عند "الطبرانى": لما كان من أمر عقدى ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول اللّه عَلٍ فى غزوة أخرى فسقط أيضاً عقدى حتى حبس الناس على التماسه، فقال لى أبو بكر: يا بنية فى كل سفرة تكونين عناءً وبلاءً على الناس، فأنزل الله عز وجل الرخصة فى التيمم الخ . كل ذلك يدل على أن نزول الآية فى التيمم بعد وقعة الإفك ، كما بدل الحديث الثانى على ضياع العقد مرتين فكانت ضياع العقد أولاً سبب نزول سورة النور وثانياً سبب نزول التيمم، فنزلت آية المائدة إلى قوله تعالى "فتيمموا صعيداً طيباً" وسميت "بآية التيمم" فى بعض الروابات؛ لأن الوضوء ٤٨٩ معارف السنن ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ كان تشريعه بالسنة قبل نزول آية المائدة بنحو ثمانى عشرة عاماً فعرفوا من الآية الرخصة فى التيمم دون تحقق كيفيته فتيمموا على اختلاف بينهم ، فمنهم: من تيمم إلى الرسغين ومنهم من تيمم إلى المرفقين أو نصف الساعد أو المنكبين فبلغ الأمر إلى رسول اللّه عَل فنزلت: "فامسحوا بوجوهكم و أيديكم منه" كما يقول الإمام الطحاوى فى "شرح الآثار" (١ - ٦٦ ): فقد يحتمل أن تكون الآية لما أنزلت لم تنزل بتمامها ، وإنما أزل منها "فتيمموا صعيداً طيباً" ولم يبين لهم كيف يتيممون ، فكان ذلك عندهم على كل ما فعلوا من التيمم لا وقت فى ذلك وقتاً ولا عضواً مقصوداً به إليه بعينه حتى زات بعد ذلك : "مامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه" واستدل بذلك على ما رواه من من طريق عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة عن عائشة وفيه فمنهم من تيمم إلى الكف ومنهم من تيمم إلى المنكب وبعضهم على جسده فبلغ ذلك رسول اللّه فَّ فانزلت آية التيمم . قال: ففى هذا الحديث ما يدل أيضاً على أن نزول آية التيمم كان بعد ما تيمموا هذا التيمم المختلف .... فعلمنا أنهم لم يفعلوا ذلك إلا وقد تقدم عندهم أصل التيمم ، وعلمنا بقولها : "فأنزل الله آية التيمم" أن الذى نزل بعد فعلهم هو صفة التيمم الخ. ورواية العبادلة أى ابن وهب وابن المبارك وعبد الله بن مسلمة القعنى وعبد الله بن يزيد المقرى عن ابن لهيعة مقبولة كما صرح به الذهبى فى "الميزان" (٢ _ ٦٧) وابن حجر فى "التهذيب" (٥ - ٣٧٨) عن عبد الغنى الأزدى والساجى وغيرهما ولم يذكر ابن حجر فيهم ابن مسلمة ، وليس الغرض الخصر بل التمثيل كما هو ظاهر "الميزان"؛ لأن سماعهم عنه قديم قبل احتراق كتبه وهو صحيح الكتاب ومن كتب عنه قديماً فسماعه عنه صحيح كما قال أحمد كما فى "الخلاصة" الخزرجى، وهذا الذى قاله الطحاوى احتمالاً يتيقن بعد البحث والتنقيب فإنه لو كانت صفة التيمم معلومة لهم فلا وجه للاختلاف فعلم أنهم ٤٨٧ بقية بحث فى حديث عمار ٠٠٠ اجتهدوا فيه فاختلفوا. وفى هذه الواقعة علمت صفة التيمم من الحدث الأصغر، وما وقع فى رواية "فصلوا بغير طهور" عند الطبرانى فى "الكبير" وعند مسلم من طريق أبي أسامة "فصلوا بغير وضوء" وكذا فى البخارى فى التفسير "فصلوا وهم على غير وضوء" فالراجح عندى أن يكون الصحيح لفظ "مسلم" و "البخارى" ورواية "الطبرانى" بالمعنى، فالتيمم هو غير الوضوء . ويحتمل أن الشريعة لم تعتبره لعدم تحقق صفته عندهم فكان كالعدم قاله البدر العبنى (٢ - ١٦٣) والاحتمال الأول للراقم ولم أره لغيرى وهو عندى أحسن من احتمال البدر العينى ، وبالجملة هذه واقعة، وأما الواقعة الأخرى لعمار كما أخرجها البخارى فى ( باب المتيمم هل ينفخ فيها ) وفى (باب التيمم الوجه والكفين) فى (باب التيمم ضربة ) و (باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض الخ) فكان عمر وعمار فى سفر وفى رواية فى الصحيح فى "سرية" وفى رواية أبى داؤد فى "إبل". فأجنبا فتمعك عمار فى التراب ولم يصل عمر فلما أتى عمار النبي ◌َ ◌ّ ذكر له ذلك فقال: إنما يكفيك هكذا وضرب بيديه إلى الأرض الخ. فهذه القصة تدل على أنه كان علم تشريع التيمم وصفته لكنه من الحدث الأصغر دون الأكبر فقاس صفة التيمم من الحدث الأكبر على الاغتال فتمعك وتمرغ فى التراب استيعاباً لجلده بالمسح فقوله ح له إذن: "إنما يكفيك هكذا" المتبادر منه تعليم صورة الضرب والمسح إحالة على المعهود الذى كان بعلمه من قبل فليس المراد جميعما يحصل به التيمم بل إشارة منه محل إلى استواء كيفية التيمم من الحدث الأصغر والأكبر جميعاً، وقد أوجب الله سبحانه غسل اليدين إلى المرفقين فى الوضوء ثم قال فى التيمم: "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم" فالظاهر أن اليد المطلقة ههنا هى المقيدة فى الوضوء من أول الآية فلا يترك هذا الصريح إلا بدليل صريح. ذكر هذا الجواب البدر العينى أيضاً (١ - ١٧٢ و ٢ - ١٩٤) وتفصيل أطرافه من الراقم على ضوء ما أفاده إمام العصر رحمه ٤٨٨ معارف السنن ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... ٠٠٠ الله، ولكن فيه إشكال من حيث أن عماراً كان يفى بعد النبى حَله بذلك كما تقدم حكايته فى كلام الحافظ ابن حجر والله أعلم، ويحتمل أن يقال: أن العبرة فيما روى لا فى فيما رآى، كما قالوا ذلك فى غير واحد من المواضع. فإذن لا يبقى حجة فى المسح إلى الكفين ولا فى الضربة الواحدة، وأول من نبه على تعدد الوافعتين لعمار الإمام الطحاوى فى "شرح الآثار" وكذلك نجد إشارة إليه فى كلام الإمام الشافعى حيث ذكر أن رواية عمار حديث المسح إلى المر فقين قبل رواية المسح إلى الكفين. قال ابن عبد البر كما حكاه العراق فى "شرح التقريب" (٢ - ١٠١): وحديث عمار فى الضربتين كان فى هذه القصة حين نزول آية التيمم وقد رواه عبد الرحمن بن أبيزى عن أبيه عن عمار قال: سألت رسول الله حَلّ معن التيمم فأمر فى ضربة واحدة فى الوجه والكفين. قال ابن عبد البر: وسؤاله كان بعد ذلك ، واستدل على ذلك بقصة عمار فى تمعكه فى التراب حين أجنب وقول النبي ◌َّخِيُّ: كان يكفيك التيمم ضربة الوجه واليدين الخ . وبالجملة إذا نعدد الواقعة ولابد أن يقال به نظراً إلى التطبيق بين الروايات فلاحجة لأحد فى رواية الكفين والرسغين حيث يحتمل الإحالة على الصفة المعلومة له من قبل غير أنه لم يتحقق بعد مع التتبع البالغ تاريخ واقعة عمار وعمر . وعلى كل حال فى المقام ما يدل على تأخرها من نزول آية التيمم وهذا القدر يكفى . فتلخص أن مسح الذراعين ثبت فى حديث عمار باسناد جيد بشواهده، وثبت فى حديث جابر مرفوعاً وموقوفاً بإسناد صحيح كما قاله الحاكم والذهبى، وثبت فى حديث أبى الجهيم عند الدار قطنى وغيره وهو وقع مفسراً لحديثه فى "الصحيحين" وله شاهد من حديث ابن عمر. عند البيهقى وغيره ، وقد صح من ابن عمر المسح إلى المرفقين أوله وفعله. وفى الباب آثار قوية غير ما ذكر . ثم إن مسح الذراعين موافق لظاهر القرآن وموافق القياس وأحوط كما حكاه البيهنى ثم النووى عن الشافعى ، ويقول الخطابى: الاقتصار على الكفين ٤٨٩ بقية البحث السابق ووجه تكرير آية التيمم ٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ... أصح فى الرواية ووجوب الذراعين أشبه بالأصول وأصح فى القياس . ومثله قال ابن عبد البر كما سلف نقله، والزائد حجة على الناقص والمفسر يقضى على المبهم المجمل ، والمفهوم لا حجة فيه عند أحد عند وجود المنطوق ، فضلاً عن كوذ. دليلاً ضعيفاً عند الجمهور مطلقاً. والقياس أثبت شيئاً لم ينفه النص فيكون مقبولاً لا محالة ، وليس فى مقابلة النص حتى يكون فاسد الإعتبار كما قيل. بل غير مستبعد أن يقال أن أحاديث المرفقين تصلح معارضة لأحاديث الكفين فيقبل منها ما اعتضده القياس الصحيح وما أبدته الروايات والآثار الموقوفة . هذا ما تيسر والله أعلم بالصواب. فائدة: (١) اختلف العلماء و مواقع نزول آية المائدة وآية النساء، و كذلك اختلف الروايات وأيضاً أقلق تكرار آبنى التيمم مع اشتمال كل منها على ما يشتمل عليه الآخر وليس هناك فرق إلا بكلمة " منه" فى المائدة. وإ يعهد التكرار فى "القرآن" ق باب الأحكام كما عهد فى باب الإعتبار والموعظة والتذكير ، والفرق بين البابين واضح جلى ، فتذكر ما تحقق بكلام ملخص : أن الآيتين مدنيتان بالاتفاق كما فى "تفسير القرطي" (٥ - ٢١٦ ) والتى نزلت فى قصة فقد العقد هى آية المائدة كما صرح به فى "صحيح البخارى " (٢ - ٦٦٣) كتاب التفسير من المائدة فى رواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: سقطت قلادة .... إلى أن قالت : فنزلت " ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " الآية. وذكر كذلك أبوبكر الحميدى فى "جمعه" فى حديث عمرو بن الحارث (١) مأخد القائدة هذه كلام الشيخ فى " مشكلات القرآن" بتوضيحات وزيادات من الراقم . ( م - ٦٢ ) ٤٩٠ معارف السنن ... هذا وفيه: فنزلت "ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة" الآية إلى قوله "لعلكم تشكرون » كما فى "عمدة القارى" (٢ - ١٥٥). وكذلك أشار البخارى إلى ذلك فى كتاب التيمم حيث تلاآية المائدة فى مبدئه ، وظاهر أنهم احتاجوا إلى الوضوء ولم يكونوا على ماء فكان نصاً فى جواز التيمم عن الحدث الأصغر فهو وإن كان محتوياً على حكم التيمم من الحدث الأكبر كذلك، بيد أنه لم يكن مسوقاً له . ثم قوله تعالى فى سورة النساء : "وإن كنتم مرضى أو على سفر" إلى آخر الآية نزل فى عبد الرحمن بن عوف حين أصابته جنابة وهو جريح فرخص له فى التيمم ثم صارت الآية عامة فى جميع الناس كما فى " أحكام القرطبى" (٥ - ٢١٤) وكذلك أسند ابن جرير فى "تفسيره" (٥ - ٦٨) (سورة النساء) عن إبرهيم النخعى: نال أصحاب رسول اللّه عَ لّ جراحة ففشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى النبى عَل﴾ فنزلت "وإن كنتم مرضى" الآية. وبالجملة آية المائدة لها موقعها فى شأن نزولها وآية النساء لها موقعها وإن آية المائدة أسبق نزولا من آية النساء عند أكثر المفسرين. ثم إن آية النساء مسبوقة فى التلاوة بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " إلى قوله " حتى تغتسلوا" . فإذن لولم يتكرر نزول آية التيمم بعده لأوهم نسخ حكم التيمم وتشريعه للجنب وماشاكله حيث أوجب الاغتسال للمجنب ، وعموده يقتضى وجوبه فى سائر الأحوال فاقتضت الداعية القوية تكرار نزولها دفعاً لذلك الوهم، ونظير ذلك قوله : " فمن كان منكم مريضاً أو على سفر " قد تقرر فى آية الصيام حيث كان يتوهم نسخه بقوله : " فمن شهد منكم الشهر فليصمه" فأعيد نزوله لهذه النكتة لأن المعهود فى عهد نزول الوجى المتاو أن اللاحق كان ينسخ السابق وإن النسخ كان مستمراً لتغير الظروف وتجدد الحوائج والدواعى بين حين وآخر ، وأن المصلحة فى وقت غير مصلحة فى وقت آخر ، فكانوا يأخذون بالآخر فالآخر والأحدث فالأحدث أمراً . ووجه آخر: أن نزول الشّى فى حين ٤٩١ وجه نزول آيتى التيمم والفرق بينها ٠٠٠ ... ٠٠٠ ... ٠٠٠ يحتاج إليه له أهميته الخاصة، وله وقع فى القلوب وتأثير فى النفوس كما هو ملحوظ فى تنزيله نجماً نجماً على مكث وترتيل حسب المصالح بطبيعة الحال فلابد أن تنزل فى حين أصبح القوم فى حاجة شديدة إليه لتسكن إليه نفوسهم وتقع بجذر قلوبهم ، وتقابل هذه الرخصة وهذه النعمة والمنة بكل تقدير وتحسين والمجاب . وأيضاً وجه آخر : أنه لما كان التطيب والتطهر بالصعيد أمراً غير مألوف فى الطبائع حيث كان من خصائص هذه الأمة لم يسبق له عهد فى الشرائع السابقة كما قال عَ لَه " جعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً" وعلى الأخص كان مستبعداً فى القياس من الحدث الأكبر نسبة إلى الحدث الأصغر فاقتضت الحال تكرار إنزالها ازاحة لهذا الاستبعاد وتثبيتاً له فى القلوب كما قالوا فى تكرر قوله تعالى " فولوا وجوهكم شطره" فى أحد الوجوه. (١) وأما الفروق بين الآيتين: فليعلم أن نفس تشريع الوضوء كان بالسنة قبل نزول تشريعه فى الوحى المتلو بما يقرب من نحو عشرين سنة فأعيد تشريعه: فى التنزيل لكى لا يخلو عن بيان المهمات وجمعاً لأنواع الطهور فى موضع واحد ولم يثبت صلاة بغير طهور كما حققه العلماء. قال ابن عبد البر: فرض الوضوء والغسل كان واجباً عليهم قبل ذلك معلوماً عندهم . قال : وإنما نزلت ليكون فرضها المتقدم متلواً فى التنزيل ، قال : وفى قوله: " وليسوا على ماء وليس معهم ماء" دليل على أن الوضوء قد كان لازماً لهم قبل نزول آية الوضوء وإنهم لم يكونوا يصلون إلا بوضوء قبل نزول الآية ......... ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء كما هو معلوم عند جميع أهل السير أن النبى محمدليه منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم، وهذا ما (١) الوجه الثانى والثالث من زوائد فكرى وخواطر قلى أثناء كتابة هذه السطور ٤٩٢ معارف السنن ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... ... ٠٠٠ لا يجهله عالم ولا بدفعه إلا معاند. قال: وفى قوله: فنزلت آية التيمم ولم يقل آية الوضوء ما يبين أن الذى طرأ لهم من العلم فى ذلك الوقت حكم التيمم لاحكم الوضوء اهـ. وفى "مسند الحارث بن أبى أسامة" من طريق ابن لهيعة من حديث زيد بن ثابت أن رسول اللّه حَلٍّ فى أول ما أوحى إليه أتاه جبريل عليه السلام فعلمه الوضوء فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، والحديث عند "ابن ماجه" دون قوله: "فى أول ما أو حی إليه". كذا فى " شرح التقريب" (٢ - ٩٨ و٩٩) ملخصاً . فآية المائدة فيها تشريع الوضوء والغسل والتيمم وليس فيها النهى عن أداء الصلاة حالة الحدث كما هو فى آبة النساء، فامتازت آبة المائدة بالوضوء كما امتازت الآية الثانية بالنهى عن الصلاة محدثاً . وإن آية المائدة ليست صريحة فى الغسل صراحة آية النساء فيه لأن قوله : " وإن كنتم جنباً فاطهروا" ليس منحصراً فى الغسل باعتبار ظاهر مفهومه اللغوى وآية النساء صريحة بالنص فى الاغتسال ، فكان من الفائدة أن آبة النساء قد سدت ثلمة إلحاد وتأويل فاسد فى آية المائدة، فإذن لم يبق مساغ فى المقام لتأويل فاسد بأن التطهر ليس بلازم أن يكون هو الاغتسال فوقع قوله "حتى تغتسلوا" فى آية النساء مفسراً لقواه "فاطهروا" فى المائدة. ويقول الراقم: والتنزيل العزيز يعتنى التصريح والايضاح فى المهات الدينية التى عليها مدار الشرع ويرسل الكلام على عواهنه ويذكره مبهماً إذا لم يرد التحريج والتضييق أو كان فى المقام ما يغنى عن الايضاح، وما وقع من الابهام فى بعض الأركان و الدعائم فكافأه الله سبحانه وتعالى بالتواتر عن النبى حَ﴾ قولاً أو تعاملاً حتى لا يبفى مجال للريب فمن الالحاد أن يغمض البصر عن المتواترات الشرعية الثابتة بالوحى الغير المتلو تشبئاً بظاهر القرآن وتظاهراً بالتمسك على ما أثبته القرآن. فالشريعة : الكتاب والسنة ، بل السنة مبدأ التشريع الإسلامى، فالقرآن المجيد يتكفل بيان المهات بإيضاح وإذا أبهم فالسنة مكافئة بالبيان الواضح. وهذه ٤٩٣ ألفاظ حديث عمار ومنشأ تعدد روايات النزول وبه يقول سفيان الثورى ومالك وابن المبارك والشافعى، وقد روى هذا الوجه عن عمار فى التيمم أنه قال : الوجه والكفين من غير وجه ، وقد . وی عن عمار أنه قال. تيممنا مع النبى عَ لّ إلى المناكب والآباط. فضعف بعض أهل العلم حديث عمار عن النبى عَلّ فى التيمم الوجه والكفين لما روى عنه حديث المناكب والآباط. قال اسماق بن ابراهيم: حديث عمار فى التيمم الوجه والكفين هو قاعدة مهمة فى التشريع وربط القرآن بالسنة وأرجو الله سبحانه أن يوفقنى لبيان أن السنة النبوية من أصل أصيل التشريع الإسلامى فى ما أردناه فى مقدمة هذه الكتاب . تنبيه : ربما يقلق الباحث اختلاف الروابات فى شأن النزول وقد وقع فى آية النساء والمائدة هاتين، والأمر المنقح ما أثبتناه غير أنه ليكن أمام الباحث أن رب واقعة تدخل تحت حكم آية دون أن تنزل فيها خاصة ويكون نزولها فى واقعة أخرى ، ومع هذا فيقع التعبير فى كلام الصحابة زلت فى كذا وإنما يكون نزولها فى غيرها غير أنها تدخل فى عمومها فيقع التعبير كذلك لأجلها، وقدنبه عليه صاحب "الاتقان فى علوم القرآن" وغير واحد من المحققين . قوله: وبه يقول سفيان الثورى. ومثله مذهب إمامنا أبى حنيفة وقد تقدم، والمصنف فلم يذكر مذهب الإمام أبى حنيفة فإنه لم يبلغ إليه بالسند. أفاده الشيخ . قوله : اسحاق بن ابراهيم هو اسحاق بن ابراهيم بن مخلد الحنظلى المعروف باسحاق بن راهويه وقيل لابراهيم راهويه لأنه ولد فى طريق مكة فقالت المراوزة باللغة الفارسية راهوبه . كما فى حاشية "الخلاصة" للخزرجى (ص - ١٣) وهو الإمام الفقيه الحافظ العلم. قال الإمام أحمد: لا أعلم لإسحاق نظيراً أملى أحد عشر ألف حديث من حفظه ثم قرأما فى كتابه فما زاد ولا نقص ، وله مسند معروف أملاه كله من حفظه، توفى سنة ٢٣٨ - « كما فى "الخلاصة". بـ ٤٩٤ معارف السنن حديث صحيح. وحديث عمار تيممنا مع النبى عَّ إلى المنكب والآباط ليس بمخالف لحديث الوجه والكفين لأن عماراً لم يذكر أن النبى خَيْثّ أمرهم بذلك وإنما قال فعلنا كذا وكذا فلما سأل النبى أمره بالوجه والكفين . والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي ◌َّ فى التيمم أنه قال : الوجه والكفين ، ففى هذا دلالة على أنه انتهى إلى ما علمه النبى حَالَم . ثنا يحيى بن موسى نا سعيد بن سلمان نا هشيم عن محمد بن خالد القرشى عن داؤد بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن التيمم فقال : إن اللّه قال فى كتابه حين ذكر الوضوء " فاغسلوا وجوهكم قوله : أمره ، حديث عمار فى الوجه والكفين حديث فعلى قطعاً كما هو فى الصحيح وقد تقدم لفظه ، ووقع التسامح هنا فى التعبير عنه بالحديث القولى فلمتنهه . أفاده الشيخ رحمه الله . قوله : عن ابن عباس ، بريد ابن عباس رضى الله عنه كما قاله القاضى أبوبكر ابن العربى: إن الله حدد الوضوء إلى المرفقين فوقفنا عند تحديده وأطلق القول فى البدين - أى فى التيمم - فحملناه على ظاهر مطلق اسم اليد وهو الكفان كما فعلنا فى السرقة فأخذ من اطلاق البدين فى التيعم ما أخذ من اطلاقهما فى آبة السرقة فكان هذا المطلق نظير ذلك المطلق لا كما قيل أنه قاس العبادة على العقوبة بل قاس إطلاقاً على إطلاق . وعلى كل حال هو قياس من حبر الأمة . وللقائلين بوجوب المسح إلى المرفقين أيضاً قياس للتيمم على الوضوء وكلاها من نوع التطهر وكان البدل ينبغى أن يكون أشبه بالمبدل منه وقد حدد الله فى المبدل منه وسكت عنه فى البدل كفاية بذكره فى المبدل منه وغنى عن إعادته . ولذا قال الإمام الشافعى: وإن هذا أشبه بالقرآن وأشبه بالقياس فإن البدل من الشئ إنما يكون مثله. حكاه البيهقى فى "سننه" (١ - ٢١١) ومثله قال الحافظ ابن عبد البر وغيره. ويمكن أن يلخص الفرق بين القياسين والملحظين ٤٩٥ وجه المسح إلى المرفقين فى التيمم والإختلاف فى معنى الصعيد وأيديكم إلى المرافق " وقال فى القيمم " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ". وقال: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" فكانت السنة فى القطع الكفين إنما هو الوجه والكفين يعنى النيمم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. بأن حبر الأمة قد قاس اللفظ على اللفظ والآخرون قاسرا المعنى على المعنى فراعوا جهة المعنى ورجحوه على جهة اللفظ فإن كان استنباطه دقيقاً فهذا أيضاً لا بخار عن دقة وربما يكون أشبه وأدق ملححظاً، وهذا التعبير فى الفرق من زوائدى ولم أعثر على كلام من عبر الفرق بهذا اللفظ، وأرجو أن يكون له موقعاً فى القاب. ولفظ " العرف الشذى": هذا قياس ابن عباس ولنا أيضاً قياس بأن التيمم أقرب إلى الوضوء من السرقة فألحقناه بالوضوء اهـ. فغيرت لفظه وتعبيره إلى ما تراه ولله الحمد. ولفظ الإمام السرخسى فى "المبوط" (١- ١٠٧) هكذا: ومن قال التيمم إلى الرسغ استدل بآية السرقة قال الله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" ثم كان القطع من الرسغ، ولكنا نقول ذاك عقوبة وفى العقوبات لا يؤخذ إلا باليقين ، والتيمم عبادة وفى العبارات يؤخذ بالاحتياط اهـ. وهذا المنهاج من الاستدلال متين . ثم فى باب التيمم من المسائل الخلافية اختلافهم فى الصعيد لجواز التبهم : فقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعى والثورى وابن جرير : هو وجه الأرض ، وقالوا : الصعيد كل ما صعد على وجه الأرض من تراب، وحجر، ورمل ، وجهاة ، ونورة ، وزرنيخ ، وجص ، ورخام . واحتجوا بقوله تعالى : "فتصبح صعيداً زلقاً" وبقوله تعالى: "وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً" وهى الأرض الغليظة التى لا تنبت شيئاً. وذهب الشافعى وأبو يوسف وأحمد وإسحاق إلى أنسه التراب فقط دون سائر أجزاء الأرض . كذا فى " شرح التقريب العراقى (٢ - ٩٩ و ١٠٠). وحديث: " جعلت لى الأرض مسجداً وطهوراً" يؤيد الفريق الأول ٤٩٦ معارف السنئ ( باب ما جاء فى الرجل بقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً ) حدثنا: أبو سعيد الأشج نا حفص بن غياث وعقبة بن خالد قالانا الأعمش وابن أبى ليلى عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن على قال : كان رسول اللّه ◌َخَلَّ يقرئا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً. قال أبو عيسى: ولفظ " جعلت تربتها لنا طهوراً" يؤيد الفريق الثانى، ولكن الأول أصح استناداً . وفى الباب مسائل خلافية غير ذلك محلها كتب الفقه والفروع . -: باب ما جاء فى الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً :- حديث الباب صححه "الترمذى" وكذلك صححه الحاكم فى " المستدرك" ووافقه الذهبي فى " تلخيصه" وكذلك صححه " ابن السكن" و"عبد الحق" و "البغوى" كما تقدم بيانه فى (باب ما جاء فى الجنب والحائض لا يقرءان القرآن) وقد أخرجه أحمد وأصحاب السنن ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم، والبزار، والدار قطنى، والبيهقى بألفاظ مختلفة كما فى " التلخيص » (ص - ٥١). وقال ابن خزيمة: هذا الحديث ثلث رأس مالى . وقد ضعفه الشافعى بعبد الله بن سلمة ، وقال : أهل الحديث لا يثبتونه . و کذلك أحمد كان يوهن هذا الحديث. وكذلك الدار قطنى والبيهقى . هذا ملخص ما فى " التلخيص" ويكاد يكون الحق والصواب فى قول من صحح ؛ فإن العجلى ويعقوب بن شيبة وثقاه بل قال يعقوب بن شيبة : ثقة يعد فى الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة. كذا فى "التهذيب" (٥ - ٢٤٢). وله متابع عند أحمد : أبو الفريف عبيد الله بن خليفة المرادى رواه عن على فى حديث طويل وفيه : هكذا رأيت رسول اللّه عَ لّمُ توضاً ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هذا لمن ليس بجنب فأما الجنب فلا ولا آية. أنظر ".ترتيب المسند". ٢١ - ١٢١). مسائل من التيمم وشرح حديث: ويذكر الله على كل أحيانه ٤٩٧ حديث على حديث حسن صحيح وبه قال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى عَ لٍّ وأ،و الغريف وثقه ابن حيان كما فى "الخلاصة" فلا ينزل عن الحسن فيكفى للمتابعة . والحديث حجة للجمهور ، وخافهم البخارى وابن المنذر والطبرى، واستدلوا بحديث عائشة: " كان يذكر الله على كل أحيانه" ولا حجة لهم فى هذا العموم، وقد تقدم بيان المسألة مع أدلتها (ص ـ ٢٤١) من هذا الجزء. والمراد من الذكر فى حديث عائشة الذكر فى الأحوال المتواردة لا الأحوال المتشابهة، والغرض أنه عَلّه لم يكن محتجزاً عن الذكر فى هذه الأحوال كلها، وحمله على الذكر مستمراً فى شائر الأحوال أو حمل الذكر على القلبى مستبعد . وقد تقدم الكلام فيه فى (باب ما يقول إذا خرج من الخلاء) فراجعه للتفصيل . قال الشيخ فى آخر هذا الهاب فى "العرف الشذى" ما توضيحه: إن التنزيل لم يتعرض لأمثال هذه الجزئيات ، لأن منصب القرآن والحديث تمهيد الأبواب والإشارة إلى المهمات وقلم يتعرضان لذكر الجزئيات، والكمال إنما هو فى وضع الأبواب والأصول دون ذكر الجزئيات الفقهية ، وإنما هو منصب فقهاء الأمة وذلك هو الذى يقتضيه العقل السليم دفعاً للحرج عن الأمة . فائدة : ذكر فى بعض كتب فقهائنا الحنفية أنه يجوز التيمم مع وجود الماء لما ليس الظهور شرطاً فى فعله وحله كدخول المسجد للمحدث ، وكذا للنوم ، أو لقراءة القرآن عن ظهر القلب ، أو الدفن ، أو لزيارة قبر وغيرها ما يزيد على العشرة ، واختاره صاحب " البحر الرائق" ويؤيده ما ذكره العلامة أبو بكر البخارى فى " شرعة الإسلام" ثم شارحوها، واختاره صاحب "الدر المختار" وناقشه ابن عابدين الشامى ولم يقبله . والحديث يؤيد ما اختاره صاحب "البحر" حيث صح تيممه ◌َّ فى الحضر فى المدينة لرد السلام فى حديث أبى الجهيم وغيره فهو الصحيح الراجح ، وكل تيمم للعبادة ( م - ٦٣ ) ٤٩٨ معارف السّن والتابعين قالوا : يقرأ الرجل القرآن على غير وضوء ولا يقرأ فى المصحف إلا وهو طاهر . وبه يقول سفيان الثورى والشافعى وأحمد واسحاق . ( باب ما جاء فى البول بصيب الارض ) حدثنا: ابن أبى عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومى قالا نا سفيان بن عيينة الغير المقصودة لا يجوز به الصلاة عند عامة المشائخ . أنظر للتفصيل " البحر" (١ - ١٥٠ و١٥١) و"الدر المختار" مع شرحه "رد المحتار" (١-٢٢٥) و "العمدة" (١ - ٨٨٤). والله ولى التوفيق . قوله : ولا يقرأ فى المصحف. الطهارة لمس المصحف شرط عند الإمام أبى حنيفة والشافعى وأحمد ، وليس بشرط عند مالك . والتفصيل فى محله من كتب التفسير والفقه ، وقد صح " لا يمس القرآن إلا طاهر" مرفوعاً من حديث عمرو بن حزم عند ابن حبان والحاكم وغيرها، ومن حديث ابن عمر عند الحاكم وغيره ، وثبت من حديث عثمان وثوبان وحكيم بن حزام ، فهذه خمسة أحاديث مرفوعة تؤيد مذهب الجمهور وانظر تخاريجها وألفاظها فى "تخريج الزيلعي" من كتاب الحيض . -: باب ما جاء فى البول يصيب الأرض :- البول أو النجاسة الرطبة مثله إذا أصابت أرضاً فسبيل تطهيرها عند الإمام أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد : إما الجفاف بالشمس أو الريح وغيرهما، أو غسلها بالماء إذا كانت رخوة حتى ينجذب فيها الماء ويتخللها كما تخللها النجاسة ولا يحتاج إلى حفرها، إلا إذا كانت صلبة فتحفر ، وإذا كانت مخصصة وما شاكلها فيصب عليها الماء ويدلك ثم ينشف بالخرقة وغيرها حتى لا يبقى أثرها . هذا ملخص " البحر الرائق". (١ - ٢٢٦). وقال مالك والشافعى وأحمد: لا تطهر إلا بالماء، ثم فرق الشافعية والحنابلة ٤٩٩ بحث بول أعرابى فى المسجد وتحقيق اسمه عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: دخل أعرابى المسجد والنبى بين ورود الماء على النجاسة و ورود النجاسة على الماء فإذا غمر الماء النجاسة وذهب لونها وريحها وإن كانت الغسالة باقية طهرت. هذا ملخص ما فى "المغنى" لابن قدامة (١ - ٧٤١) وما بعدها و "فتح البارى" (١ - ٢٢٥ و٢٢٦) وغيرهما . قوله : أعرابى، نسبة إلى الأعراب ولاواحد له من لفظه وهم سكان البادية عرباً كانوا أو عجماً. والعربى نسبة إلى العرب وهو كل من سكن جزيرة العرب. كذا فى "العمدة" (١ - ٢٢٢ و ٨٨٢) و "الفتح" (١ - ٢٢٤). واختلف فى اسمه فحكى أبو بكر التاريخى عن عبد الله بن نافع المدنى أنه : الأقرع بن حابس ، وعن أبى الحسين بن فارس أنه : عيينة بن حصن . وأخرج أبو موسى المدينى هذا الحديث فى الصحابة من طريق محمد بن عمرو ابن عطاء عن سليمان بن يسار، قال : اطلع ذو الخويصرة اليمانى وكان رجلاً جافياً فذكره تاماً بمعناه؛ وهو مرسل وفى إسناده مبهم . ووقع فى "جمع مسند ابن اسحاق" لأبى زرعة الدمشقي بهذا السند لكن قال فى أوله: اطلع ذو الخويصرة التميمى وكان جافياً ؛ والتميمى: هو حرقوص بن زهير الذى صار بعد ذلك من رؤس الخوارج وهو المقتول بالنهروان ، وذكره ابن الأثير فى الصحابة ، وأخرج فيه حديث أبى سعيد عند البخارى : قال " بينا رسول اللّه ◌ُعَلٍ يقسم ذات يوم قسماً فقال ذو الخويصرة - رجل من بني تميم -: يا رسول اللّه اعدل، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل". وذكر بعض من جمع المعجزات أن النبى معَّ ل؟ قال: لا يدخل النار أحد شهد الحديبية إلا واحداً فكان هو حرقوص بن زهير. هذا ملخص ما فى "العمدة" (١ - ٨٨٣) و "الفتح" (١ - ٢٢٥) و " الإصابة" (١ - ٣٢٠ و ٤٨٥). والحاصل: أن ذا الحويصرة لقب به اثنان: أحدهما اليمانى وهو القائل : ٥٠٠ معارف السنن جالس فصلى فلا فرغ قال: اللهم ارحمنى ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً . فالتفت علـ "ألهم ارحمنى وارحم محمداً الخ" وهو السائل عن الساعة فقال: " يا محمد متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها، قال: لا والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من كبير صلاة ولا صيامٍ إلا أنى أحب الله ورسوله، فقال : إنك مع من أحببت" رواه " الدارقطنى" وفيه المعلى وهو مجهول، وهو : البائل فى المسجد ، ولذا قال بعض الفضلاء: فهو القائل والسائل والبائل. حكاه السيوطى فى "تنوير الجوالك" (١ - ٨٤) واختلفوا فى اسمه على ما تقدم. والثانى : . التميمى واسحمه حرقوص بن زهير السعدى وما وقع فى "مسند ابن اسحاق" من ذكر النميمى فى حديث البائل فلعله وهم . قال شيخنا : لو صح تفسير الأعرابى ذلك بذى الحوبصرة اليمانى فتسميته بالأقرع بن حابس المجاشعى أو عيينة بن حصن بن بدر الفزارى يشكل، وكلاهما تميمى من أهل نجد . وأيضاً إن عيينة لم يزل معدوداً فى أهل جفاء حتى ارتد وآمن بطلبحة، وأخذ أسيراً فجعل الصبيان يقولون له وهو يساق إلى أبى بكر : ويحك يا عدو الله ارتدت بعد إيمانك فيقول : والله ما كنت آمنت ، ثم اسلم فى الظاهر ولم يزل جافياً أحمق كما ذكره السهيلى فى "الروض الأنف" (٢ - ٣١٠). وأينساً سياق ابن هشام فى "السيرة" فى صدد ذكر سبايا هوازن؛ إعطاء النبى فَقُلّ المؤلفة القلوب، وذكر الأفرع وابن حصن فيمن أعطاهم ثم ذكر الخويصرة - رجل من تميم - بجنبها يدل دلالة على أن واحداً منها لم يلقب بذلك. ويظهر أن ابن حجر لم يتحقق عنده أمر يطمئن إليه ولذا عقب كلامه فى "الفتح" بعد نقل ما حكيناه : "والعلم عند الله تعالى". وأما ذو الخوبصرة التميمى : فالمحقق أنه حرقوص بن زهير السعدى من سعد تميم ، وذكره السهيلى فى "الروض الأنف" عن الواقدى (٢ - ٣١١)، وهو المعترض على قسمة النبى عَرّ، وهو رأس الخوارج، وفيه