النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
بحث ودم المستحاضة لوقت كل صلاة
٠٠٠
...
منه رفعه لا وقفه، ولا حجة فى تعليقها حيث ذكر أئمة ثقات ، ومن ذكر
حجة على من لم يذكر .
والشافعى يستدل له باللفظ المذكور فى حديث فاطمة " توضئى لكل صلاة"
لكن النووى زعمه ضعيفاً فى "شرح المهذب" (٢ - ٥٣٥) وينتحى نحواً
آخر فى الاستدلال فيقول: وإذا بطل الاستدلال به تعين الاحتجاج بغيره ،
فيقال: مقتضى الدليل وجوب الطهارة من كل خارج من الفرج خالفنا ذلك فى
الفريضة الواحدة للضرورة وبقى ما عداها على مقتضاه ، وتستبيح ما شاءت من
النوافل بتلك الطهارة لأن فى إلزام الوضوء لكل نافلة صعوبة ومشقة انتهى
ما خصاً ، فكأنه لم يقم عنده دليل من السنة .
وحجة أبى حنيفة وأحمد كذلك اللفظة المذكورة فى الحديث ووردت
بلفظ "تتوضأ عند كل صلاة" عند أحمد ، وأبى داؤد ، وعند الترمذى فى الباب
الذى بعد هذا ، وفى رواية أبى معاوية : "وتوضئى لكل صلاة حتى يجئى ذلك
الوقت" رواه بهذا اللفظ فى "الشرح الكبير" على "المقنع" (١ - ٣٦٠) و
هزاد إلى أحمد وأبى داؤد؛ وروى بلفظ: "المستحاضة تنوضاً أوقت كل صلاة"
من طريق الإمام أبى حنيفة ، يقول البدر العينى فى "البداية" ( ١ - ٤١٦)
(كنز فى حاشية التخريج): قال بعضهم هذا غريب يعنى بلفظ "لوقت كل
صلاة اقت؛ ليس كذلك بل روى هذا الحديث بهذه اللفظة فى بعض ألفاظ حديث
فاضلة بنت أبى حبيش: " توضئى لوقت كل صلاة" ذكره ابن قدامة فى
"المغني" (١ - ٣٧٩) وروى الإمام أو حقيقة هكذا: "المسددة تتوضأ
لوقت كل صلاة" ذكره السرخسى فى " المبسوط"، حمدى أبو عبد الله
ابن بطة باسناده عن حمنة بنت جحش: "أنه عليه السلام أمرها أن تغتسل لوقت
كل صلاة" ، والغسل يغنى عن الوضوء فبطل الاشتراط لكل صلاة . ويقول

٤٢٢
معارف السنن
٠٠٠
...
٠٠٠
...
...
ابن الهام فى "الفتح" (١ - ١٢٥): وأما حديث "المستحاضة تتوضأ لوقت
كل صلاة" فذكر سيط ابن الجوزى أن الإمام أبا حنيفة رضى الله عنه رواه
اهـ. وفى "شرح مختصر الطحاوى": روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن
أبيه عن عائشة أن النبى ◌َ الٍ قال لفاطمة بنت أبى حبيش: "وتوضئ لوقت كل
صلاة". وذكر محمد فى" الأصل» معضلاً. وقال ابن قدامة فى "المغنى": وروى
فىبعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبى حبيش "وتوضئی لوقت كل صلاة" ولاشك
أن هذا محكم بالنسبة إلى كل صلاة لأنه لا يحتمل غيره بخلاف الأول فإن لفظ
الصلاة شاع استعمالها فى لسان الشرع والعرف فى وقتها، فمن الأول قوله حَا﴾
"أيما رجل أدركته الصلاة فليصل" ومن الثانى " آتيك لصلاة الظهر" أى لوقتها،
وهو مما لا يحصى كثرة فوجب حمله على المحكم، وقد رجح أيضاً بأنه متروك الظاهر
بالإجماع . للإجماع على أنه لم يرد حقيقة كل صلاة لجواز النفل مع الفرض
بوضوء واحد انتهى كلام ابن الهام وهو بديع ممتع . ويقول الماردينى فى
" الجوهر التقى" (١ - ٩٦): ثم إنه يلزم على قياس الشافعى أن لا تختص
المستحاضة بفرض واحد كالوضوء مما يخرج من أحد السبيلين ، فإن قال : الفرق بين
حدث المستحاضة بعد الفرض موجود قائم. قلنا : فوجب أن لا تصلى بعد ذلك
نافلة ، وفى كون الشافعى لم تجوز لها أن تصلى فريضتين بطهارة واحدة دليل
على أنه عمل بحديث "المستحاضة تقوضاً لكل صلاة" لا بالقياس كما ذكر أى البيهقى
وتبعه النووى وغيره وضعفوا لأجله حديثاً صحيحاً ثابتاً . ثم إنه مخصص
العموم وجوز من النوافل ماشاءت وجعل التقدير لكل صلاة فرض ، فكما
أضمر ذلك فلخصمه أن يضمر الوقت ويقول : التقدير لوقت كل صلاة لقوله
عليه السلام: إن للصلاة أولاً وآخراً، وأينما أدركتنى الصلاة تيممت، وذلك
لأن ذهاب الوقت عهد مبطلاً للطهارة كذهاب مدة المسح، والخروج من الصلاة
لم يعهد مبطلاً للطهارة . وكذا الحديث يعم الفريضة والنافلة وكذا القياس الذى

٤٢٣
المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة
٠٠٠
...
...
....
...
ذكره الشافعى. فعلم: أنه لم يطرد القياس انتهى كلام المارديني وهو كلام
متين رصين. ويقول الطحاوى فى "شرح الآثار" (١ - ٦٤): رأيناهم قد
أجمعوا أنها إذا توضأت فى وقت الصلاة فلم تصل حتى خرج الوقت فأرادت
أن تصلى بذلك الوضوء ليس لها ذلك حتى تتوضأ وضوءً جديداً، ورأيناها
لوتوضأت فى وقت صلاة فصلت ثم أرادت أن تتطوع بذلك الوضوء كان لها ذلك
ما دامت فى الوقت، فدل ما ذكرنا أن الذى ينقض تطهرها هو خروج الوقت
وحجة أخرى : إنا قدرأينا
وإن وضوعها يوجهه الوقت لا الصلاة
الطهارة تنتقض بأحداث منها الغائط والبول ، وطهارات تنتقض بخروج أوقات
وهى الطهارة بالمسح على الخفين ينقضها خروج وقت المسافر وخروج وقت
المقيم ، وهذه الطهارات المتفق عليها لم نجد فيما ينقضها صلاة إنما ينقضها
حدث أو خروج وقت، وقد ثبت أن طهارة المستحاضة ينقضها الحدث وغير
الحدث، فقال قوم هذا الذى هو غير الحدث هو خروج الوقت، وقال آخرون:
هو فراغ من صلاة ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثاً فى شتى غير ذلك، وقد
وجدنا خروج الوقت حدثاً فى غيره فأولى الأشياء أن نرجع فى هذا الحدث
المختلف فيه فنجعله كالحدث الذى قد أجمع عليه ووجد له أصل ولا تجعله كما لم
يجمع عليه ولم نجد له أصلاً انتهى كلامه ببعض الاختصار وهو كلام دقيق
ملؤه فقه وعلم .
فعلم من هذا الذى التقطناه من كلام جهابذة الفن من غرر النقول : أن
مذهب الحنفية أقوى من مذهب غيرهم فى مسألة وضوء المستحاضة أثراً ونظراً
وهو مذهب أبى حنيفة و أبی یوسف و محمد وز فر وأحمد، ولا ندری کیف یجعل
ابن حجر فى "الفتح" (١ - ٢٨١) مذهب الشافعى مذهب الجمهور ، وقد
تقدم أن أحمد وأبا حنيفة قالوا بالوضوء لوقت كل صلاة ، وأن مالكاً لم يقل
بالوجوب أصلاً بل استحبه وهو مذهب عروة بن الزبير وعكرمة وربيعة

٤٢٤
معارف السنن
وبه يقول سفيان الثورى ومالك وابن المبارك والشافعى أن المستحاضة إذا
جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة .
وداؤد ، وأن الثورى وأبا ثور ذهبا إلى اشتراط الوضوء لكل صلاة فريضة
كانت أو نافلة، فكيف يكون ما ذهب إليه الشافعى مذهب الجمهور فلمتنبه هذا
والله ولى التوفيق. ثم إنه تبقى طهارة المستحاضة ومن فى حكمها من أصحاب
الأعذار فى الوقت إذا لم يحدث حدثاً آخر ، أما إذا أحدث حدثاً آخر فلا تبقى
كما فى "البحر الرائق" (١ - ٢١٥). ودل حديث الباب على أن الغسل
على المستحاضة لا يجب إلا مرة عند انقطاع دم الحيض ، ثم تتوضأ لكل صلاة
وجوباً أو استحباباً لصلاة أو لوقت صلاة على اختلاف بين الأئمة ، وبهذا قال
جمهور السلف والخلف، وهو مروى عن على وابن مسعود وابن عباس وعائشة
رضى الله عنهم ، وبه قال عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو حنيفة
ومالك والشافعى وأحمد. وروى عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح
رضى الله عنهم الغسل لكل صلاة . وروى عن عائشة الغسل كل يوم ، وعن
ابن المسيب والحسن الغسل من صلاة الظهر إلى الظهر دائماً كما فى "شرح
المهذب» (٢ - ٥٣٦ ).
له : وبه يقول سفيان الثورى الخ. قال الراقم: وفيه إعمال والقدر المشترك
فى أقرالهم يوجد غير أن تفصيلها كما قدمنا من كتب المذاهب المحققة، فاثلاثة
قالوا بالوجوب لكل صلاة، ومالك قال بالاستحباب لكل صلاة ، ثم أبو حنيفة
وأحمد لوقت كل صلاة ، والشافعى اصلاة مكتوبة مؤداة أو مقضية
مع جواز النوافل بتلك الطهارة ، وسفيان لا يجوز النوافل بها بل تقتصر على
صلاة مكتوبة فقط. وهذا اختلاف بين، ولذا فبهذا على أن قول ابن حجر فى
أن مذهب الشافعى مذهب الجمهور ليس كما ينبغى والله أعلم .

٤٢٥
ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة
( باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)
حدثنا : قتيبة نا شريك عن أبى اليقظان عن عدى بن ثابت عن أبيه عن
جده عن النبى وجَّ الج أنه قال فى المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها التى كانت
تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلى .
حدثنا: على بن حجر أنا شريك نحوه بمعناه. قال أبو عيسى : هذا
حديث قد تفرد به شريك عن أبى اليقظان، وسألت محمداً عن هذا الحديث فقلت:
عدى بن ثابت عن أبيه عن جده جد عدى ما أسمه ؟ فلم يعرف محمد اسمه .
وذکرت محمد قول يحيى بن معين أن اسمه دینار فلم يعبأبه . وقال أحمد وإسماق
فى المستحاضة: إن اغتسلت لكل صلاة هو أحوط لها، وإن توضأت لكل صلاة
أجزأها ، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل أجزأها .
-: باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة :-
قوله : شريك ، هو شريك بن عبد الله النخعى قاضى الكوفة من رجال
مسلم فى "الصحيح" .
قوله : أبو اليقظان ، اسمه عثمان بن عمير (مصغراً) بن قيس الكوفى وهو
ضعيف عندهم حتى يكاد يكون ساقطاً . وفى " التقريب": ضعيف واختلط
وكان يدلس ويغلو فى التشيع. وجد عدى بن ثابت غير معروف، والأقوال فى
تعيينه مضطربة، انظر ذلك فى الجزء الثانى من "تهذيب التهذيب" فى ترجمة ثابت
الأنصارى . والحديث ضعفه أبو داؤد أيضاً كما أشار إليه الترمذى بقوله : هذا
حديث قد تفرد به شربك عن أبى اليقظان. فقال أبو داؤد فى "سلنه": حديث
عدى بن ثابت والأعمش عن حبيب وأيوب وأبى العلاء كلها لا يصح منها شى اهـ.
( م - ٥٤ )

٤٢٦
معارف السنن
(باب فى المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد)
حدثنا: محمد بن بشار نا أبو عامر العقدى نا زهير بن محمد عن عبد الله
ابن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه
حمنة ابنة جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت النبي حَ؟
أستفتيه وأخبره فوجدته فى بيت أختى زينب بنت جحش فقلت : يا رسول
فلا يثبت بمثله حكم شرعى ، وقد تقدم أن الجمهور لا يجب عليها عندهم
إلاغسل واحد عند انقطاع دم الحيض . ثم الظاهر أنها معتادة كما أسلفنا ذلك،
ويمكن أن تكون مميزة عند القائلين بالتمييز ، وحكمها الاغتسال مرة عند انتهاء
الأيام ثم الوضوء للصلاة على الاختلاف المذكور ، والترمذى ترجم الباب
"بالوضوء لكل صلاة" فكأنه رأى أنها تغتسل مرة ثم تتوضأ لكل صلاة ، فكأن
الحديث ليس نصاً فى الغسل كل مرة ، وإذن لايضر المسألة ضعف الحديث فإنها
ثبتت بروايات أخرى غيره أيضاً . وكذلك الطحاوى فى "شرح الآثار"
استدل بحديث الباب للاغتسال مرة ثم الوضوء لكل صلاة ، فقوله: "عند كل
صلاة" ظرف لقوله "تتوضأ" لا علاقة له بقوله "تغتسل" لا كما جعله الشوكانى
ظرفاً لهما معاً والله أعلم .
-: باب فى المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد :-
قوله : همنة ابنة جحش : - بفتح الجاء المهملة - هى أخت زينب بنت
جحش أم المؤمنين رضى الله عنها وأخت أم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف وهى
زوجة طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرة بالجنة، فكانت بنت جحش الثلاث
كلهن مستحاضات، وأشهرهن أم حبيبة غير أن أم المؤمنين زينب استحيضت
وقتاً ولم تكن استحاضتها دائمة مثل أختها كما قاله البلقينى شيخ الحافظ ابن
حجر. هذا ملخص " الفتح" (١ - ٢٨٣).

٤٢٧
حديث المستحاضة التى تجمع بين الصلاتين بغسل
الله إنى أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما تأمرنى فيها فقد منعتنى الصيام
والصلاة؟ قال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، قالت : هو أكثر من ذلك،
قال : فتلجمى ، قالت: هو أكثر من ذلك ، قال : فاتخذى ثوباً، قالت :
هو أكثر من ذلك إنما أتج ثجاً، فقال النبى معَله: سآمرك بأمرين أيهما صنعت أجزا
عنك فإن قويت عليها فأنت أعلم .
قوله : فقد منعتنى الصيام والصلاة، ظنت تعدية حكم الحيض إلى
الاستحاضة لاستمرار الدم .
قوله الكرسف ، بضم الكاف وإسكان الراء وضم السين المهملة هو القطن
بنعته ◌َّل$ لتحتشى به ليمنع خروج الدم.
قوله : فتلجمى : أى إجعلى موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم ،
تشبيهاً بوضع اللجام فى فم الدابة كما فى "النهاية" (٤ - ٥٣). والتلجم هو
شد الحجام كما قاله الطبى فى "شرح المشكاة".
قوله: فاتخذى ثوباً، بربد مَّ ل أن تجعل ثوباً تحت الجام مبالغة فى
الاحتياط من خروج الدم، وهذا هو المتبادر من سياق الكلام، أو يقال أراد ◌َالاول
أن تتخذ ثوباً مخصوصاً للصلاة فتلبسه عند الصلاة ، وهذا الثانى قاله شيخنا .
قوله : أنيج ثجاً ، الثج: شدة السيلان لازم ومتعد والمشهور الثانى، فإذن
كلمة أنج مجهول وهو الأبلغ .
قوله : سآمرك بأمرين، اختلفت آراء العلماء فى تعيين الأمرين والذى ذكره
الشافعى فى " الأم" يأتى فى الباب اللاحق أن الأمر الأول هو الغسل مرة بعد
الاستنقاء ثم الوضوء لكل صلاة، والأمر الثانى هو الجمع بين صلافى الظهر
والعصر بغسل ، والجمع بين صلافى المغرب والعشاء بغسل ، وغسل الفجر،
وتبعه كثير من الشارحين. وقال بعضهم: الأمر الأول هو الغسل لكل صلاة ،

٤٢٨
معارف السنن
فقال: إنما هى ركضة من الشيطان فتحيضى ستة أيام أو سبعة أيام فى
وإليه يشير كلام أبى داؤد فى "سننه" فى (باب المستحاضة تغتسل لكل صلاة)
قال أبو داود فى حديث ابن عقيل الأمران جميعاً قال: إن قويت فاغتسلى
لكل صلاة وإلا فاجمعى كما قال القاسم فى حديثه اهـ. واختاره فى "المرقات" و
"المعات" وغيرهما، وإليه يشير كلام ابن قدامة فى "المغنى" (١ - ٣٤٢)
حيث يقول : وأما أمر أم حبيبة بالغسل لكل صلاة فإنما هو ندب كأمره لحمئة
فى هذا الخبر الخ ، وإليه بشير كلام الإمام الطحاوى فى " مشكل الآثار"
انظر "المعتصر" (١ - ١٣). وعلى كل حال الغسل لكل صلاة ورد فى
أحاديث غير هذا صريحاً فإن كان هو غير صريح فيه فقد صرح فى غيره و
سیأتی بيانه .
قوله : ركضة. الركض؛ الضرب بالرجل، وأريد به الإفساد، ومعناه كما
قال الخطابى فى "معالم السنن" (١- ٩٠): إن الشيطان وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس
عليها فى أمر دينها . واختار القاضى أبوبكر فى "العارضة" حملها على الحقيقة
لعدم امتناعها عقلاً .
قوله : فتحيضى . تجيضت المرأة إذا قعدت أيام حيضها تنتظر انقطاعه،
أراد : عدى نفسك حائضاً وافعلى ما تفعل الحائض كما فى " النهاية "
(١ - ٣١٠) .
قوله : ستة أيام أو سبعة أيام ، الترديد للتنويع اعتباراً للعرف الظاهر و
الأمر الغالب من أحوال النساء، فردها إلى اجتهادها ورأيها فيما يغلب على ظنها
أنه أقرب إلى عادة نسائها فى مثل سنها ومن نساء إقليمها ، ويدل عليه قوله
فيما بعد: "كما تخيض النساء وكما يطهرن" وقيل: للتخيير، وقيل: للشك من
الراوى، وكلاهما مرجوح بلى احتمال فحسب. هذا ملخص ما قاله الخطائى .
وابن الأثير الجزرى، وابن قدامة .
1

٤٢٩
حديث المستحاضة وشرح كلماته
علم الله ثم اغتسلى فإذا رأيت أنك قد ظهرت واستنفأت فصلى أربعة وعشرين
ليلة أو ثلاثة وعشرين ليلسة وأيامها وصومى وصلى فإن ذلك يجزئك وكذلك
فافعلى كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، فإن تمويت على
أن تؤخرى الظهر وتعجلى العصر ثم تغتسلين حتى تطهرين وتصلين الظهر والعصر
جميعاً ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين
فافعلى وتغتسلين مع الصبح وتصلين وكذلك فافعلى وصومى إن قويت على
ذلك، فقال رسول اللّه عَّ له: وهو أعجب الأمرين إلى.
قوله : واستنقات، الاستنقاء مبالغة فى تنقية البدن ، والرواية بالهمزة دون
الياء إلا فى رواية عند "الدار قطنى". وأصل اللغة بالياء، وقد يهمز ما ليس
بمهموز كما قاله القراء ، حكاه الجوهرى فى "صاحه" فى مادة "ر ث ی" كما
فى بعض حواشى " الترمذى".
قوله : هو أعجب الأمرين إلى، إشارة إلى الأمر الثانى وهو الاغتسال ثلاث
مرات كل يوم لخمس صلوات، فإن كان الأمر الأول الغسل لكل صلاة فهذا
أعجب نظراً إلى الرفق والسهولة بحالها وإن كان الأمر الأول الوضوء لكل صلاة
فكون الثانى أعجب ظاهر. وهذه الجملة وقعت مرفوعة من قوله عَل هنا. وقال
أبو داؤد فى ( باب إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة ) روى هذا الحديث عمرو بن
ثابت عن ابن عقيل ولم يجعل قوله " وهذا أعجب الأمرين إلى " من كلام النبى
عَلّ بل جعله كلام حمنة. قال أبو داؤد: كان عمرو بن ثابت رافضياً وذكر.
عن يحيى بن معين اهـ.
: محمل حديث الباب *
اختلف العلماء فى محمل حديث الباب فيقول الطحاوى فى " مشكل الآثار"
٢٩ انظر " المعتصر" (١ - ١٣) ما ملخصه: أن هذا الحكم إنما يكون عند نسيانها
أبامها التى كانت تحيض فيها فأمرت بالتحرى بكمن شك فى صلاته ولم يعلم كم

٤٣٠
معارف السنن
....
...
٠٠٠
صلى، فكان عليها أن تغتسل لوقت كل صلاة حتى تخرج عن العهدة بيقين فلما
عجزت عن ذلك جعل لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد بتأخير الأولى منها
إلى وقت الآخرة ، وتغتسل للصبح غسلاً واحداً الخ . ويقول الخطابى فى "معالم
السنن" (١ - ٨٨): هى امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام ولا هى مميزة لدمها
وقد استمر بها الدم حتى غلبها فرد رسول اللّه عَ لَ أمرها إلى العرف الظاهر
والأمر الغالب من أحوال النساء كما حمل أمرها فى تحيضها كل شهر مرة واحدة
على الغالب من عاداتهن ......... وفيه وجه آخر: وذلك يحتمل أن تكون هذه
المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة ، إلا أنها قد نسيتها فلاندرى
أيتها كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد ، وتبنى أمرها على ما تيقنته من أحد
العددين ، ومن ذهب إلى هذا استدل بقوله فى علم اللّه أى فيما علم الله من أمرك
من ستة أو سبعة انتهى مختصراً. ويقول ابن قدامة فى "المغني" (١ - ٣٤١):
وهو بظاهره يثبت الحكم فى حق الناسية لأن النبي ◌َّاه لم يستفصلها هل هى
مبتدأة أو ناسية ، ولو افترق الجال لاستفصل وسأل ، واحتمال أن تكون
ناسية أكثر فإن حمنة امرأة كبيرة، كذلك قال أحمد، ولم يسألها النبى وَلّ عن
تمييزها لأنه قد جرى من كلامها من تكثير الدم وصفته ما أغنى عن
السؤال عنه ، ولم يسأل هل لها عادة فيردها إليها لاستغنائه عن ذلك لعلمه
إياه إذ كان مشتهراً . وقد أمر به أختها فلم يبق إلا أن تكون ناسية انتهى .
وكذلك بقول ابن رشد فى " البداية": ومنهم من رآى أنها إن لم تكن
من أهل التمييز ولا تعرف موضع أيامها من الشهر وتعرف عددها أولا تعرف
عددها أنها تتحرى على حديث حمنة بنت جحش الخ . وكذلك جعله الترمذى
فى حق المتحيرة فيما حكاه عن أحمد وإسحاق . والحافظ أبو بكر البيهقى ساق
حديث حمنة بنت جحش فى " سلنه الكبرى" (١ - ٣٣٨) فى (باب المبتدأة
لا تميز بين الدمين) فهى عنده مبتدأة غير مميزة ، وأيضاً قال : وحديث ابن

٤٣١
محمل حديث المستحاضة المأمورة بالجمع بين الصلاتين
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. ورواه عبيد الله بن عمرو
عقيل يحتمل أن يكون فى المعتادة إلا أنها شكت فأمرها إن كان ستاً أن يتركها ستاً
وإن كان سبعاً أن يتركها سبعاً، والمبتدأة ترجع إلى أقل الحيض ويحتمل أن يكون فى
المهتدأة ترجع إلى الأغلب من حيض النساء والله أعلم انتهى كلامه كما فى "السنن
الكبرى" (١ - ٣٤٠). وقال الحافظ علاء الدين الماردينى فى " الجوهر
النّفى" (١ - ٣٤٠) فى " ذيل السنن الكبرى": ورجح ــ أى البيهقى -
فى كتاب "المعرفة" وفى "الخلافيات" كونها معتادة انتهى ملخصاً . فتلخص
أن حديث حمنة محمول على المتحيرة كما قاله أحمد والطحاوى وإسحاق وابن
قدامة والخطابى فى وجه وابن رشد، أو يحمل على المبتدأة كما هو عند الخطائى
فى وجه وكما هو عند البيهقى أو يحمل على المعتادة كما رجحه البيهقى فى " المعرفة"
و "الخلافيات" وهذا الذى اختاره شيخنا إمام العصر كما فى "العرف الشذى"،
ولفظ "العرف الشذى": ويمكن حمله على المعتادة ويتمشى على هذا فإنه سهل.
وقال رحمه الله: كما تحيض النساء ........ لمبقات حيضهن الخ يتبادر منه أنها
كانت معتادة. قال الراقم: وإليه جنح المارديني فى " الجوهر النقي " .
قوله: حديث حسن صحيح . حكم عليه الترمذى بالصحة وحكاه كذلك
عن أحمد والبخارى، وما نقله عن البخارى فلفظه فى نسخة الشيخ عابد السندى
كذا فى طبعة الحلبى "حسن صحيح" وحكى أبوداؤد عن أحمد يقول: وسمعت
أحمد يقول: "حديث ابن عقيل فى نفسى منه شئ". وهذا الحديث قد ضعفه بعضهم
بابن عقيل وهوقد تفرد به وهو مختلف فى الاحتجاج به حتى قال ابن منده: حديث
جمنة لايصح عندهم من وجه من الوجوه لأنه من رواية ابن عقيل وقد أجمعوا
على ترك حديثه، واستنكر هذا منه الشيخ علاء الدين الماردينى والشيخ تقى الدين
ابن دقيق العيد فإن أحمد وإسحاق والحميدى كانوا يحتجون بحديثه ، وحسنه أو
صححه البخارى، وكذلك الترمذى صححه وحسنه، وكذلك صحيح الترمذى

٤٣٢
معارف السنن
الرفى وابن جريج وشريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابراهيم بن محمد
حديثاً آخر فى الفرائض وحسنه من روايته، فلا حجة لمن تكلم فيه بل هو
أوثق من تكلم فيه كما قاله أبو عمر ابن عبد البر ، وقد أول ابن حجر كلام
ابن منده بأن مراده بذلك من خرج الصحيح وهو كذلك . وبالجملة الحديث
لا ينحط عن مرتبة الحس بحال والله أعلم. هذا ملخص " الجوهر النقي "
و " الدراية " وغيرهما .
*
بحث و إشكال
يرد هنا إشكال وهو أن خروج الوقت ناقض للطهارة فى (باب الاستحاضة)
ولم يأمرها فَّخالٍ بالوضوء بين الصلاتين، فهل ذلك خصوصية لمثل هذه المستحاضة
وینجبر بالغسل عدم التوضئ أو هو مراد ؟ وإن لم یذ کر اكتفاء بذكره حديث
أسماء بنت عميس عند أبى داؤد فى فاطمة بنت أبى حبيش وفيه : " فلتغتسل للظهز
والعصر غسلاً واحداً وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً وتغتسل للفجر غسلاً
واحداً وتوضأ فيما بين ذلك"، أو ترك ذكر ذلك اختصاراً فى الحديث فاعله
ذ کرها فهو فى حكم المسكوت عنه وإلى كل منها ذهب ذاهب، ومدار كل ذلك على
أن الجمع جمع صورى لا حقيقى ، والطحاوى فى "مشكل الآثار" نها مسلكاً
آخر يدل على جمع التأخير الحقيقى دون الصورى فقال ما ملخصه بلفظ صاحب
"المعتصر" (١): وإنما أمرت أن تصليها فى وقت الآخرة منهما دون الأولى المعنيين
الأول : أنها لو صلت فى وقت الأولى منهما لصلت الآخرة قبل وقتها ،
والثانى: أنها إذا صلت بالغسل عند دخول الآخرة فقد صلتها بطهارة محققة
إلى آخر الوقت اهـ . والذى تحقق عند إمام العصر شيخنا فى جوابه ما أفاده مع
توطئته بمقدمة قبله، قال: قد ثبت عندى من استقراء الأحاديث وجمع الروايات
(١) وهو الحافظ أبو المحاسن جمال الدين يوسف الدمشقى الملطى المتوفى سنة
٨٠٣ - هـ.

٤٣٣
حديث المستحاضة ومحمله
ابن طلحة عن عمه عمران عن أمه حمنة إلا أن ابن جريج يقول : عمر بن طلحة ،
والصحيح عمران بن طلحة .
وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن، وهكذا قال أحمد
ابن حنبل: هو حديث حسن صحيح. وقال أحمد وإسحاق فى المستحاضة: إذا كانت
تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره فإقباله أن يكون أسود وإدباره أن يتغير إلى
الصفرة. فالحكم فيها على حديث فاطمة بنت أبى حبيش، وإن كانت المستحاضة لها
أيام معروفة قبل أن تستحاض فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل ونتوضأ
لكل صلاة وتصلى ، وإذا استمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة ولم تعرف
الحيض بإقبال الدم وإدباره فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش .
المروية عن أبى حنيفة ( يأتى تفصيل تلك الروايات فى محله فى باب المواقيت ) :
أن المثل الأول بعد زوال الشمس خاص بالظهر ، والمثل الثالث وما بعده إلى
الغروب خاص بالعصر ، وأما المثل الثانى فوقت مشترك بين الظهر والعصر
لأصحاب الأعذار . وبتعبير آخر: المثل الأول من بعد الزوال وقت الاختيار ،
والمثل الثانى وقت الضرورة للظهر ، وكذلك وقت المغرب الوقت بعد الغروب
إلى الشفق الأحمر هو وقت الاختيار للمغرب، وإلى الشفق الأبيض وقت الضرورة
للمعذورين. فعلى ضوء من ذلك يستساغ أن يقال أن المستحاضة لتغتسل فى المثل
الثانى فتصلى الظهر ثم العصر كلتيهما فى المثل الثانى، فيصدق أنها صلت الظهر فى
وقته فإنه خرج وقت الاختيار المختص بالظهر لا وقت الضرورة، وكذلك تغتسل
لصلانى المغرب والعشاء بعد الشفق الأحمر فتصلى العشاء الأولى والآخرة فى الشفق
الأبيض، وإذن لا حاجة إلى التوضئى بين الصلانين؛ لأنه لم يصدق خروج الوقت
هناك فى حقها . وقد جوز ابن نجيم فى "الأشباه والنظائر" تأخير المغرب إلى الشفق
الأبيض للمسافر، وإذا استسيغ تأخيره للمسافر فأولى أن يستساغ للمعذورين .
( م - ٥٥ )

٤٣٤
معارف السنن
وقال الشافعى: المستحاضة إذا استمر بها الدم فى أول ما رأت قدامت على
ذلك فإنها تدع الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يوماً ، فإذا طهرت فى خمسة
عشر يوماً أو قبل ذلك فإنها أيام حيض فإذا رأت الدم أكثر من خمسة عشر
يوماً فإنها تقضى صلاة أربعة عشر يوماً ثم تدع الصلاة بعد ذلك أقل ما يحيض
النساء وهو يوم وليلة. قال أبو عيسى: فاختلف أهل العلم فى أقل الحيض وأكثره،
قوله : وقال الشافعى الخ ، هذا الذى ذكره حكم المبتدأة فى مذهبه كما
هو مصرح فى كتب مذهبه انظر "شرح المهذب» (٢ - ٤٠١). وقد أخطأ
بعض الشارحين فى نقل مذهبه . وعند أبى حنيفة ترد إلى عشرة أيام . وعند أحمد
إلى سبع فى رواية، وإلى يوم وليلة فى رواية . وعند مالك إلى خمسة عشر يوماً
فى رواية، ومثل روايتى أحمد فى روايتين عنه كما فى "شرح المهذب" (٢ -
٤٠٢ ).
قوله : فاختلف أهل العلم فى أقل الحيض وأكثره . قال العلماء: لم يصح
فى تحديد مدة الحيض أقله وأكثره حديث مرفوع لأحد من المذاهب. قد تقدم
البيان الشافى فى ذلك فى أول الباب . وانظر الأقوال المروبة فى ذلك بالتفصيل
فى "شرح المهذب" (٢ - ٣٨٠) وما بعدها وكل ما احتج به فأكثر.
مناكير، انظر تصديق ذلك فى "تخريج الزيلعي" (١ - ١٩١) وما بعدها.
وأحسن حالاً فى أدلة الحنفية أثر أنس بن مالك موقوفاً: قرء المرأة ثلاث ،
أربع، خمس ، ست ، سبع، ثمان ، تسع، عشر، انظر "تخريج الز بلعى"
(١ - ١٩٢) " والمغنى" لابن قدامة (١ - ٣٢٦) و " شرح المهذب "
(٢ - ٣٨٢) وهو من طريق الجلد بن أيوب وقد ضعفوه، ويرد عليهم الحافظ
الماردينى فى " الجوهر النقى" فيقول : قلت : روى هذا الحديث عن الجلد
جماعة من الأئمة منهم سفيان الثورى وعمل به ، وإسماعيل بن علية وحماد بن

٤٣٥
بحث أكثر الحيض وأقله
فقال بعض أهل العلم: أقل الحيض ثلاث وأكثره عشرة، وهو قول سفيان الثورى
وأهل الكوفة، وبه يأخذ ابن المبارك، وروى عنه خلاف هذا، وقال بعض أهل
العلم منهم عطاء بن أبي رباح: أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر، وهو قول
الأوزاعى ومالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى عبيدة .
زيد، وهشام بن حسان، وسعيد بن أبى عروبة وغيرهم، وقال ابن عدى: لم أجد
الجلد حديثاً منكراً جداً . وقد جاء لروايته هذه متابعات وشواهد منها: ما أخرجه
" الدار قطنى" من حديث الربيع بن صبيح عمن سمع أنساً يقول : لا يكون
الحيض أكثر من عشرة ، والربيع هذا عن ابن معين أنه ثقة ، وقال ابن حنبل:
لا بأس به رجل صالح ، وقال شعبة : هو من سادات المسلمين ، وقال ابن
عدى : له أحاديث صالحة مستقيمة ولم أر له حديثاً منكراً ، وأرجو أنه لا
بأس به . وأخرج "الدار قطنى" عن عثمان بن أبى العاص أنه قال : الحائض
إذا جاوزت عشرة أيام فهى بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلى . قال البيهقى :
هذا الأثر لا بأس بإسناده انتهى كلام الماردينى مختصراً. فهده ثلاثة آثار فى
الباب صالحة للاحتجاج من غير نكير ، والمقدرات الشرعية مما لا تدرك
بالرأى، فالموقوف فيها حكمه الرفع كما يقوله ابن الهام . وبالجملة فله أصل
فى الشرع بخلاف قولهم : أكثره خمسة عشر يوماً ، لم نعلم فيه حديثاً حسناً
ولا ضعيفاً انظر "فتح ابن الهام" (١ - ١١٢) و "العمدة" (٢ - ١٣٩).
ولالشافعى أثر عطاء الذى رواه الترمذى وغيره. ويصح فى الجملة أن يتمسك
الحنفية لأقل الحيض بما رواه الترمذى فى الجزء الثانى ( باب ماجاء فى استكمال
الإيمان ) فى حديث أبى هريرة "فتمكث إحدا كن الثلاث أو الأربع لا تصلى"
غير أن للخصم فيه مجال التأويل . وقد استدل الإمام الحافظ أبوبكر الرازى
الجصاص تلميذ الشيخ أبى الحسن الكرخى بلفظ: "قدر الأيام التى كنت تحيضين
فيها" فى حديث فاطمة بنت أبى حبيش عند البخارى فى "صحيحه" من طريق

٤٣٦
معارف السنن
(باب ما جاء فى المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة)
حدثنا : قتيبة ثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت :
استفتت أم حبيبة ابنة جحش رسول اللّه ◌َ الم فقالت: إنى أستحاض فلا أطهر
أحمد بن رجاء عن أبى أسامة (باب إذا حاضت فى الشهر ثلاث حيض) فاستنبط
منه أن مدة أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، لأن أقل ما يطلق عليه لفظ
أيام ثلاثة وأكثره عشرة ، فأما ما دون ثلاثة فإنما يقال يومان ويوم ، وأما
فوق عشرة فإنما يقال أحد عشر يوماً وهكذا إلى العشرين. وفى الاستدلال بذلك
نظر حكاه فى " فتح البارى" (١ - ٢٨١) وحكاه العينى فى " العمدة "
(٢ - ١٤١) عن " شرح مختصر الطحاوى" لأبى بكر الرازى. وكذلك
الإمام الطحاوى فى "مشكل الآثار" قد استدل لأقل الحيض بحديث أم سلمة:
"لتنظر عدة الليالى والأيام" على أنه ليال وأيام وهو ثلاثة أيام لا أقل منها، و.
كذلك استدل له بحديث أبى هريرة : "تمكث إحداكن الثلاث أو الأربع "
وقال: ولا نعلم شيئاً روى عن رسول اللّه فَلٍ فى مقدار قليل الحيض غير ما
ذكرنا، فوجب القول به وترك خلافه اه انظر "المعتصر". فالطحاوى سبق
أبابكر الجصاص فى الاستدلال به لقليل الحيض فقط .
ثم لا بد أن يحد الفقهاء الأمر فى ذلك للاحتياج فى مسائل العدة والطلاق
وما أشبه ذلك، وذلك فى غاية من الأهمية وإلاأصبح الأمر فوضى، وأشكل على
العامة أمر دينهم .
-: باب ما جاء فى المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة :-
قوله : أم حبيبة ، هى أخت زينب أم المؤمنين وهى مشهورة بكنيتها.
وقال الواقدى والحربى : إسمها حبيبة ، وكنيتها أم حبيب بغير هاء ، ورجحه
الدار قطنى، والمشهور فى الروايات الصحيحة: بإثبات الهاء ، وكانت زوج

٤٣٧
بحث المستحاضة تتوضأ لكل صلاة
أفادع الصلاة ؟ فقال : لا إنما ذلك عرق فاغتسلى ثم صلى. فكانت تغتسل لكل
عبدالرحمن بن عوف كما فى رواية لمسلم من طريق عمروبن الحارث، وفى "المؤطأ"
لمالك من طريق هشام : زينب بنت جحش التى كانت تحت عبد الرحمن بن
عوف، فقيل: وهم وقيل: صواب. واسمها زينب، وكنيتها أم حبيبة، وكذلك
اسم أختها أم المؤمنين زينب غير أن اسمها كانت "برة" فغيرها النبى عَلَّ
فأم المؤمنين اشتهرت باسمها، وأختها اشتهرت بكنيتها فأمن اللبس . وكل منها
استحيضت كأختها حمنة بنت جحش وهى المشهورة كما تقدم من "العمدة"
ملخصاً (٢ - ١٤٣ ).
قوله : فكانت تغتسل الخ . وفى رواية لمسلم " فأمرها أن تغتسل ونصلى "
فيحتمل الاغتسال لكل صلاة ويحتمل الاغتسال فى الجملة ، واختار الليث بن
سعد هذا الثانى كما حكاه الترمذى، وكذلك قال سفيان بن عيينة والشافعى كما
حكاه النووى فى " شرح المهذب". وعند أبى داؤد رواية تدل على الأول:
قال حدثنا هناد بن السرى عن عبدة عن ابن إسحاق عن الزهرى عن عروة عن
عائشة: "أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فى عهد رسول بّلجل فأمرها
بالغسل لكل صلاة " وابن اسحاق تابعه سليمان بن کثیر عند أبى دائرد . فبالجملة
الأمر بالاغتسال ثبت مرفوعاً، ولو قيل أنه فعلته هى، فيقول الحافظ ابن حجر
فلعلها فهمت طلب ذلك منها بقرينة ، فلهذا كانت تغتسل لكل صلاة، وكذلك
ثبت عند أبى داؤد من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة فى هذه القصة:
فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة . هذا ملخص "العمدة" و"الفتح" من ( باب
عرق الاستحاضة). فما يقوله الشوكانى فى "نيل الأوطار" (١ - ٣٠٣) من فقد
الدليل الصحيح لاثبات الغسل لكل صلاة وإنه تكليف شاق لا يكاد يقوم بما دونه
فى المشقة إلاخاص العباد فكيف بالنساء الناقصات! لاحجة فيما يقوله، نعم مذهب
الجمهور: أن أمر الاغتسال عند كل صلاة لغير المتحيرة أمر ندب واستحباب.

٤٣٨
مغارف السنن
صلاة. قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول اللّه عَ لّه أمر
وأما المتحيرة فيجب الإغتسال لها عند كل صلاة فى صور عندنا وعند
الشافعية، ويقول الطحاوى فى "شرح الآثار": حديث أم حبيبة منسوخ بحديث
فاطمة بنت أبى حبيش أو يكون أمرها بذلك علاجاً لها لأنها تقلص الدم فى
الرحم فلا يسيل واختاره ، ويحمل الأمر بالاغتسال عند كل صلاة لغير أم حبيباً
على أنها مستحاضة متحيرة قد خفيت عليها أيامها ودمها مستمر لا ينقطع فاختلاف
الحكم لاختلاف المحل . هذا ملخص ما ذكر فى (باب الاستحاضة). وكيف ينكر
الشوكانى ثبوت الغسل عند كل صلاة. وقد صح فى قصة سهلة بنت سهيل
من حديث محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن قاسم عن أبيه عن عائشة قالت :
إن سهلة بنت سهيل استحيضت فأتت النبى ميّزة فأمرها أن تغتسل عند كل
صلاة ، فلم جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد ،
والمغرب والعشاء بغسل ، وتغتسل للصبح. رواه أبو داؤد والطحاوى وتابع
ابن اسواق ابن عبلة عند أبى داؤد. وقد روى الطحاوى فى " شرح الآثار"
(١ - ٦٠) ما ملخصه: إن امرأة من أهل الكوفة استحيضت وكانت
استحيضت من سلتين فاستفتت علياً ، فأمر بالغسل عند كل صلاة ، ثم استفتت
ابن عباس فقال: اللهم لا أعلم القول إلا ما قال على رضى الله عنه ، فقيل له:
إن الكوفة أرض باردة وإنه يشق عليها الغسل لكل صلاة ، فقال : لوشاء الله
لابتلاها بما هو أشد منه ، والظاهر أنها كانت متحيرة . وكذلك بنكر الشوكانى
مسألة المتحيرة ويقول : والأحاديث قد قضت بعدم وجودها أنظر " نيل
الأوطار" (١-٣٣٩). وأنت تعلم أن جهابذة الفن مثل أحمد بن حاول واسحاق
والخطانى والبيهقى وابن قدامة وغيرهم قد أثبتوها واحتجرا بروايات، وهولاء
جهابذة الفن وقول مثلهم هو القدوة فى الباب. علا أن من أمعن النظر فى الأحاديث
لابد بأن يقول بثبوت المتحيرة . وإنما جاء الاختلاف فى الحكم فى المستحاضات

٤٣٩
المستحاضة وأصنافها
أم حبيبة أن تغتسل عند کلی صلاة ولکنه شئی فعلته هی. قال أبوعيسى: ویروی
هذا الحديث عن الزهرى عن عمرة عن عائشة قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش.
وقد قال بعض أهل العلم: المستحاضة تغتسل عند كل صلاة . وروى الأوزاعى
عن الزهرى عن عروة وعمرة عن عائشة .
لأجل الاختلاف فى الاستحاضة فقد صح الأمر بالغسل لكل صلاة وبالغسل
ثلاث مرات فى اليوم ومرة فى كل يوم ومرة فى كل شهر كذا أفاده الطحاوى
فى " مشكل الآثار" راجع "المعتصر" (ص - ١٤) وقريب منه ما ذكره فى
"شرح الآثار" (١ - ٦٤) والله أعلم بالصواب.
قوله : ویروی هذا الحدیث الخ. هكذا رواه أحمد فى « مسنده » (٦-
١٨٧) والشافعى فى "الأم" (١ - ٥٣) ومسلم فى " صحيحه" من طريق
إبراهيم بن سعد عن الزهرى . ورواه النسائى من طريق سفيان عن الزهرى عن
عمرة عن عائشة .
قوله : وروى الأوزاعى الخ. رواه الدارمى وابن ماجه من طريق
الأوزاعى ، والنسائى من طريق النعمان والأوزاعى وأبى معبد ورواه البخارى
فى (باب عرق المستحاضة) من طريق ابن أبي ذئب ومسلم وأبو داؤد
والنسائى من طريق عمرو بن الحارث هؤلاء كلهم عن عروة وعمرة كلاهما
عن عائشة . وبالجملة فليس هذا اضطراب يقدح فى الحديث ولا اختلاف بين
الرواة، فالزهرى سمعه من عروة وعمرة وكلاهما عن عائشة ، فكان مرة برويه
عنهما ومرة يكتفى بأحدهما والكل صحيح .
فائدة: المستحاضات التى أمرن بالغسل ثلاث مرات: ١- سهلة بنت سهيل
عند أنی داؤد وغيره. ٢- فاطمة بنت أبى حبيش فى حديث أسماء بنت عميس عند
أبى داؤد والطحاوى. ٣ - زينب بنت جحش عند الطحاوى. ٤ - امرأة مبهمة فى

٤٤٠
معارف السنن
...
...
..
...
٠٠٠
٠٠٠
حديث عائشة عند الطحاوى وأبى دائد، فیحتمل أن تكون إحداهن أو غيرهن،
واختلاف الحكم فى مستحاضة معينة يمكن أن يكون لأجل اختلاف أحوالها ،
فتارة يكون معتادة ، ويحتمل أن تصير متحيرة تارةً أخرى وبذلك ينحل ما
أشكل عليهم فى هذا الباب وتكلفوا التأويل .
فائدة أخرى : الأمر بالاغتسال عند كل صلاة لأم حبيبة . فعند
الطحاوى - إن صح مرفوعاً - إما منسوخ بأديث الاغتسال ثلاث مرات وهو
منسوخ بأحاديث الاغتسال مرة عند إدبار الحيض ثم الوضوء عند كل صلاة ،
وإما هو مبنى على المصلحة والحكمة نقلص الدم فهو تدبير وحيلة لتقليل الدماء
وليس تشريعاً وإيجاباً من الشارع . وقال : يحتمل أن تكون ممن استمر بها
الدم ولا ينقطع ولا تعرف أيامها فيكون ذلك حكمها، وهذا صريح كلام
الطحاوى فى " شرح الآثار" فا حكى عنه الحافظ ابن حجر فى "الفتح" القول
بالنسخ فقط فغير مرضى، والجمهور جعل الأمر بالاغتسال لكل صلاة إما رأياً
من أم حبيبة بظن أنها مأمورة به، أو اختاره من نفسها ظناً لندبه أو الأمر المرفوع
للندب.
فائدة أخرى: المستحاضة المأمورة بالغسل لكل صلاة : هى أم حبيبة
كما هو فى رواية تقدم بيانها . ويحدثنا الدارمى فى " مسنده " عن محمد بن
اسماق عن الزهرى عن القاسم أنها كانت بادية بنت غيلان الثقفية ، وعن
عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة إنما هى سهلة بنت سهيل .
ثم يحدثنا الدارمى فى "مسنده" (ص - ١٠٧) المطبوع فى الهند سنة
١٢٩٣ هـ: فيقول أخبرنا أحمد بن خالد ثنا محمد عن سعيد بن ابراهيم قال:
إنما جاء اختلافهم أنهن ثلاثتهن عند عبد الرحمن بن عوف فقال بعضهم :