النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ الذى يصيب الثوب ( باب فى المذى يصيب الثوب ) حدثنا: هنادنا عبدةً عن محمد بن اسحاق عن سعيد بن ــ عبيد هوابن السباق - عن أبيه عن سهل بن حنيف قال. كنت ألقى من المذى شدة وعناءً فكنت أكثر منه الغسل فذكرت ذلك لرسول اللّه عَ ل﴾ وسألته عنه فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء قلت: يا رسول الله كيف بما يصيب ثونى منه؟ قال: يكفيك أن أصاب الأنثيين رد المذى وكسر من غربه ، فلذلك أمره بغسلها اهـ . * الوضوء من المذى من أحكام الصلاة * ذهب عامة الفقهاء إلى أن حكم المذى حكم البول وغيره من نواقض الوضوء لأنه لا يوجب الوضوء بمجرده، وحكى الطحاوى عن قوم أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه ، ثم رد عليهم بما رواه من طريق عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن على قال: سئل النبى عَ لَهَ عن المذى فقال: فيه الوضوء وفى المنى الغسل . فعرف أن حكم المذى حكم البول وغيره من النواقض "فتح البارى" (١ - ٢٦٣ ). -: باب فى المذى يصيب الثوب :- ذهب جمهور الأئمة أبو حليفة ومالك والشافعى: إلى أن المذی نجس کالبول. وعن أحمد روايات : رواية أنه كالبول مثل مذهب الجمهور ، ورايسة أنه كامنى، ورواية أنه يكفى فيه النضح مستدلاً بحديث الباب . انظر اختلاف رواياته فى " الشرح الكبير" (١ - ٣٠٧) المطبوع بذيل " المغنى" وفى "العمدة" (١ - ٣٨) ونقل عن ابن عقيل الحنبلى أنه خرج من قول بعضهم "أن المذی من أجزاء المنی" رواية بطهارة، و رد عليه بأنه او كان كذلك اوجب الغسل عنه انتهى . وعد مالك المذى مثل البول والرجيع والمنى انظر "المدونة" ٢٩ (١ - ٢٢)، ويقول القاضى أبو بكر فى "العارضة": أجمع العلماء على أن الذى نجس اهـ ٣٨٢ معارف السنن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ولا نعرف مثل هذا إلا من حديث محمد بن اسحاق فى المذى مثل هذا ، وقد اختلف أهل العلم فى المذى يصيب الثوب فقال بعضهم: لا يجزئ إلا الغسل وهو قول الشافعى وإسحاق، وقال بعضهم : يجزئه النضح، وقال أحمد : أرجو أن يجزئه النضح بالماء . ( باب فى المنى يصيب الثوب ) ... قوله : فتتضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه. قالوا: ترى مجهولاً بمعنى الظن، ومعلوماً بمعنى تبصر، كما يقول ابن الهمام فى "الفتح" (٢ - ٩٣) فى بحث الصوم: المجهول من الرأى بمعنى الظن، والمعلوم من الرؤية بمعنى اليقين اهـ. وعلى هذا فإن كانت الروايات بضم التاء مجهولاً فيكون دليلاً لما يقوله مالك : فإن شك فلم يستيقن أصابه أو لم يصيبه قال : ينضحه بالماء ولا يغسله ، وهو الشأن وهو من أمر الناس قال: وهو طهور لكل ما شك فيه اهـ. حكاه فى "المدونة" (١ - ٢٤) واستدل الجمهور لوجوب غسل ما أصابه المذى وعدم إجزاء الرش بحديث على فى " الصحيح" وفيه "اغسل ذكرك" والحكم وإن لم يكن فى الثوب لكنه إذا كان أمر بالغسل لأجل النجاسة فالحكم يكون عاماً ، ولا يجب غسل ما لم يتبقن اصابته فلا حجة فى حديث سهيل باكتفاء الرش مطلقاً؛ فسقط ما يقوله الشوكانى فى " نيله" (١ - ٦٤): رواية الغسل فى الفرج لا فى الثوب الذى هو محل النزاع الخ . وفى " العارضة " - بعد نقل الإجماع على نجاسته ـ واختلفوا فى غسله ونضحه الخ، فذكر النضح عن أحمد مع القول بالنجاسة انظر " العارضة" (١ - ١٧٦) والله أعلم -: باب فى المنى يصيب الثوب :- ٣٨٣ المذاهب فى المنى وأدلتها ٠٫٠ ٠٠. ... ذهب الشافعى وأحمد فى أصح قوليه وإسحاق إلى : أن المنى طاهر ، وإنما يغسل الثوب منه لأجل النظافة لا النجاسة . وروى ذلك عن على ، وسعد ابن أبى وقاص، وابن عمر، وعائشة . وذهب أبو حليفة، ومالك ، والثورى، والأوزاعى، والليث، والحسن بن حى إلى أنه نجس، غير أن أبا حنيفة يقول بإجزاء الفرك فى اليابس اتباعاً للنص وهو رواية عن أحمد . وأما مالك والأوزاعى فلم يرأ العمل بالفرك ولا يجزئ عندهما إلا الغسل كحكم سائر النجاسات. وروى غسله عن عمر الفاروق ، وأنس بن مالك ، وأبى هريرة ، وسعيد بن المسيب هذا ملخص ما فى "شرح المهذب" (٢ - ٥٥٤) و" عمدة القارى» وغيرهما. استدل الفريق الأول بحديث الباب وما فى معناه بأنه لو كان نجساً لما أجزأه الفرك، ولما صلى فيه رسول اللّه حَ لهم ، وقد روى من حديث عائشة عند "مسلم" بلفظ: لقد رأيتنى أفركه من ثوب رسول الله حَال﴾ فركاً يصلى فيه . وأجاب الفريق الثانى بأنه ثبت إزالته بالغسل أو بالمسح أو بالفرك أو الحت أو الحك أو السلت فى أحاديث صحاح، فدلت على كونه نجساً ولم يثبت فى حديث عدم إزالته وإبقائه على حاله ، ولو كان طاهراً لثبت على الأقل مرة لبيان الجواز ، وذلك على نجاسته آثار كثيرة، وثبت عن كثير من التابعين إعادة الصلاة التى صليت فى الثوب الذى أصابه منى . والمجال واسع البحث والاستدلال غير أنا نأتى بأحاديث فى هذا المعنى مقتنعين بالإجمال . الأول : عن سليمان بن يسار قال : سألت عائشة عن المنى يصيب الثوب فقالت: كنت أغسله من ثوب رسول اللّه عَ ل وأثر الغسل فى ثوبه بقع الماء. رواه الشيخان. الثانى: حديث ميمونة عند الشيخين وفيه: أديت لرسول اللّه عَلى ج غسله من الجنابة ، وفيه : ثم أفرغ به على فرجه وغسله بشماله ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً الخ ، وهذا الدلك الشديد بعد غسله أمارة قوية لنجاسته ، استدل به النيموى صاحب "آثار السنن" وقرره، وللنظر فيه مجال كما لا يخفى. ٣٨٤ معارف السنن ... ... الثالث : حديث عبد الله بن عمر عند الشيخين : ذكر عمر بن الخطاب الرسول اللّه عَّالٍّ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له. سول حَ اجٍ: توضأ واغسل ذكرك ثم ثم. الرابع: حديث معاوية بن أبى سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي صَلٍّ هل كان يصلى فى الثوب الذى يجاعها فيه؟ فقالت: نعم إذا لم ير فيه أذى، رواه مالك وإسناده صحيح . الخامس : حديث عائشة عند أبى عوانة ، والطحاوى، والبزار ، والدار قطنى، والبيهقى قالت : كنت أفرك المنى من ثرب رسول اللّه عَل إذا كان يابساً وأغسله إذا كان رطباً، وإسناده صحيح. أنظر " نصب الزأية" (١ - ٢٠٩) مع تعليقاته . ومن الآثار فى الباب أثر عمر الفاروق عند ابن أبى شيبة ، وفيه : إن كان رطباً فاغسله ، وإن كان بابياً فاحككه ، وإن خفى عليك فارششه بالماء، وإسناده صحيح، أخرجه الزيلعى (١ - ٢١٠) عن ابن أبى شيبة عن حسين ين على عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبى عزة قال: سأل رجل عمر بن الخطاب الخ . فقال : إنى احتلمت على منفسة فقال الخ. قلت: حسين بن على من رواة الستة وهو حسين بن على بن الوليد الجعفى الكوفى، قال فى "التقريب": ثقة عابد. وجعفر بن برقان روى له الستة إلا البخارى، وهو صدوق يهم فى حديث الزهرى كما فى "التهذيب" و"التقريب". وخالد بن أبى عزة لم أجده فى "التهذيب" ولا فى "الميزان" ولا فى " للسان" وغيرها . وعلى كل حال فهو تابعى ، وظاهره العدانة. وأبو عزة هو يسار بن عبد كما فى "التهذيب" (١١ - ٣٧٦) أو يسار بن عبدة، وقيل ابن عبد اللّه، وقيل ابن عمرو، والأول أكثر وبه جزم البخارى ، وسماه الترمذى فى "جامعه" يسار بن عبيدة، وله صحبة قاله الحاكم أبو أحمد انظر للتفصيل "الإصابة" (٤ - ١٣٣) و(٣ - ٦٦٥) و" التهذيب" من الكنى ، ويظهر أن ابن عبدة - كما وقع فى موضع من " الإصابة" - تصحيف من الناسخ والله أعلم. والحافظ ابن حجر فى " الدراية " سكت عليه، ولو كان فيه شئ ٣٨٥ بحث نجاسة المنى وطهارته ٠٠٠ ٠٠ ... ... ٠٠٠ ما كان يمكن أن يسكت عليه فى مثل هذه المواضع ، علا أن شرطه فى " التلخيص" و"الفتح" من السكوت على حديث دليل على قوة الحديث. وأثر عائشة عند الطحاوى: " أنها قالت فى المنى إذا أصاب الثوب إذا رأيته فاغسله وإن لم تره فانضحه"، وإسناده صحيح. وأثر أبى هريرة عنده بإسناد صحيح : قال فى المنى يصيب الثوب إن رأيته فاغسله وإلا فاغسل الثوب كله . وفى معناه أثر جابر وأثر أنس كلاهما عند الطحاوى. وأثر طويل لعمر عند مالك فى "مؤطئه" وفيه: "بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر". حكينا هذه الآثار من آثار " النيموى" و " فتح الملهم" و "الزيلعي" وراجع " فتح الملهم ) (١ - ٤٥٢) و "عمدة القاري" (١ - ٩٠٧ و٩٠٨) لبعض التفاصيل . فالأدلة خمسة فى المرفوعات من أحاديث عائشة وميمونة وأم حبيبة وابن عمر ، ولعائشة حديثان. وخمسة فى الموقوفات من آثار عمر، وعائشة ، وأبى هريرة ، وجابر ، وأنس تلك عشرة كاملة . وأقوى حجة للفريق الأول حديث ابن عباس عند الدار قطنى: سئل النبي صَل ◌ّ عن المنى يصيب الثوب، قال : إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو باذخرة ، وإسناده ضعيف ورفعه وهم. انظر "آثار النيموى" و"تعليقه" (ص - ١٤). قال الراقم : ورواه أيضاً الطبرانى فى " الكبير" من غير طريق الدار قطنى، وفيه محمد بن عبيد الله العزرمى وهو مجمع على ضعفه، قاله الهيثمى فى "الزوائد" (١ - ٢٧٩) نعم قول ابن عباس كما رواه الترمذى تعليقاًوأخرجه الهيثمى فى "الز وائد" بلفظ: "قال لقد كنا نسلته: الإذخر والصوفة يعنى المنى" عن الطبرانى فى "الكبير". صحيح. قال الهيثمى: ورجاله ثقات. لكنه يحتمل أن يكون التشبيه فى الإزالة فإن المنى يشبه المخاط فى كونهما لزجين فلا يكون حجة فى الطهارة . ويحتمل أن يكون وقع السلت فى مقدار قليل بعفى مثله عند ( م - ٤٩) ٣٨٦ معارف السنن ... ... ٠٠. الحنفية ، فلا يستقيم حجة أيضاً. وعلى كل حال لا يقاوم مثل هذا الصرائح السابقة ويتطرق إليه محامل . وما يقال أن فى الشرك والسلت يبقى بعض أجزاء المنى فكيف يطهر؟ قيل يطهر الخف والفعل من أذى يصيبه بالدلك مع أن الذلك لا يقلع النجاسة قلعاً، وقد صح به الحديث من رواية أبى داؤد وغيره . وكان القياس أن لا يطهر بالفرك فى اليابس أيضاً وقد ذهب إليه ملك، لكن الإمام أبا حنيفة خالف القياس فى ذلك واتبع الخبر المروى عن عائشة وغيرها ، وكذلك قال الإمام أبو جعفر الطحاوى فى "شرح الآثار". وأصرح ما استدل به الحافظ ابن حجر فى " الفتح" (١ - ٢٣١) ما رواه ابن خزيمة عن عائشة : " كانت تسلت المنى من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلى فيه ، وتحكه من ثوبه يابساً ثم بصلى"، وأعله الحافظ الشيخ علاء الدين الماردينى فى "الجوهر النقي ". قال الراقم: حديث عائشة هذا رواه أحمد فى "مسنده" قال حدثنا معاذ بن معاذ قال أنبأنا عكرمة بن عمار عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير عن عائشة قالت: " كان رسول اللّه ◌َل﴾ يسلت المنى من ثونه بعرق الإذخر ثم يصلى فيه ، ويحته يابساً ثم يصلى فيه " أخرجه الزيلعى، وكذ رواه البيهقى فى " سننه الكبرى" من الطريق نفسها فى كتاب الصلاة (باب المنى يصيب الثوب) فأعله الماردينى بأن ابن عمار غمزه القطان وابن حنبل، وضعفه البخارى جداً، ذكره البيهقى نفسه فيما مضى، وبأن ابن عبيد لم يسمع من عائشة فيكون منقطعاً وضعيفاً. انظر "الجوهر النقي" (١ - ٢٠٢). والظاهر أن إسناد ابن خزيمة هو من هذا الطريق نفسه، لكن ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم أخرجوا لا بن عمار، واحتج به مسلم ، واستشهد به البخارى، كما قاله الماردنى (١ - ٣٦) فيرتفع هذه العلة، والثانية باقية إلا أن يقال بأن لابن عبيد عنده سماع من عائشة . وبالجملة القول بنجاسة المنى أحكم أثراً وأقوى نظراً . ومما استدل الشافعى فى "الأم" (١ - ٤٧ و ٤٩) على طهارة المنى : ٣٨٧ بحث نجاسة التى وطهارته حدثنا منادنا أبو معاوية عن الأعمش عن ابراهيم عن ١٥م بن الحارث قال: ضاف عائشة ضيف فأمرت له بملحفة صفراء فتم فيها فاحتلم إن الله عزوجل ابتدأ خلق آدم من طهارتين الماء والطين، ولم يكن الله عزوجل يخلق أنبياء من النجاسة الخ. فيقال إن المنى تتولد من الدم والدم مجس عنده؟ وأيضاً إن دم الحيض هو غذاء الجنين فى بطن الأم فكيف اختار لهم غذاء نجساً ؟ وكيف تكونت أجسادهم الطاهرة من الغذاء النجس ؟ فإن تحولوا فى الجواب لمسألة الاستحالة فكذلك يجاب بمثله. وقد صور الحافظ ابن القيم الحنبلى فى " بائع انفوائد" (٣ - ١١٩ إلى ١٢٦) مناظرة خيالية بين فقيهين فى نجاسة المنى وطهارت ، وأطال فيه كما أطال الحافظ ابن تيمية شيخه فى فتاواه ، وأساسها على مثل ما قاله الشافعى فى "الأم"، ولا أستبعد من مثل ابن القيم أمثال تلك المقاولات والمناظرات الملفقة الفكرية، ولكنى أستغرب مثل هذه المحاولات من فقيه من فقهاء الأمة كالشافعى؛ فإن أمر التكوين غير أمر التشريع، وإن البون بينهما البعيد، ويعجبنى فى ذلك قول النووى فى "شرخ المهذب" (٢ - ٥٥٤): وذكر صابنا أقية ومناسبات كثيرة غير طائلة ، ولا ترتضيها، ولانستحل الاستدلال بها، ولا نسمح بتضييع الوقت فى كتابتها اهـ. وهذا القاضى الشوكانى مع كونه ظاهرياً يقول: وفى المقام مطاولات ومقاولات، والمسألة حقيقة بذلك، ولكنه أفضى الأمر إلى تلفيق حجج واهية كالاحتجاج بتكرمة بنى آدم، ويكون الآدمى طاهراً الخ . فعلى كل حال. مجال البحث أثراً وفقهاً أوسع من أن يضطر إلى أمثال هذه المجادلات التى لا تستند إلى ركن شديد؛ ثم إن حمل الغسل على النجاسة أولى من حمله على النظافة، فإن الأول أمر معقول المعنى دون الثانى ، وهو كما تقدم فى واوغ الكلب من ابن دقيق العيد. والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. قوله : ضاف عائشة ضيف ـ أى نزل بها رجل ضيفاً. وهذا الضيف ٣٨٨ معارف السنن فاستحبى أن يرسل إليها وبها أثر الإحتلام فغمسها فى الماء ثم أرسل بها، ثقاات عائشة: لم أفسد علينا ثوبنا إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربما فركته من ثوب رسول اللّه عَ لٍ أصابعى. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من الفقهاء مثل سفيان وأحمد واسحاق قالوا فى المنفى يصيب الثوب بجزئه الفرك وإن لم يغسله، وهكذا روى عن منصور عن ابراهيم عن همام بن الحارث عن عائشة مثل رواية الأعمش، وروى أبو معشر هذا الحديث عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة، وحديث الأعمش أصح . هو همام بن الحارث راوى الخبر عن عائشة كما وقع مصرحاً عند أبى داؤد من طريق الحكم عن إبراهيم عن همام بن الحارث "أنه كان عند عائشة فاحتلم الخ"، ووقع فى رواية عند مسلم من طريق أبى معشر عن إبراهيم عن علقمة والأسود " أن رجلاً زل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه الخ" وعنده من طريق أبي الأحوص عن شبيب بن غرقد عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال: كنت نازلاً على عائشة فاحتلمت الخ ، فلعل واقعة الحولانى واقعة أخرى ، والرجل المبهم فى رواية مسلم يكون أحدهما - أى هماماً أو الجولانى - وإذن يحتمل أن يكون رواية الترمذى يرادبها أحدهما من غير تعيين غير أن رواية همام الأقرب فيه أن يروى واقعة نفسه بل يكاد يكون متعيناً. وهنا دقيقة ينبغى أن يتنبه لها وقع فى رواية ابن الحولانى ذلك: فاحتلمت فى ثوبى فغمستها فى الماء فرأتنى جارية لعائشة فأخبرتها فبعثت إلى عائشة فقالت : ما حملك على ما صنعت بثوبيك ؟ قال : قلت رأيت ما يرى النائم فى منامه ، قالت : رأيت فيها شيئاً؟ قلت: لا، قالت: فلو رأيت شيئاً غسلته الخ . رواها القاضى فى "العارضة" من طريق القشيرى ( ١ - ١٧٧) قال فى (١ - ١٨٠): وهذا الرجل الذى أصبح يغسل ثوبه لم يكن رآى به شيئاً إنما شك هل احتلم أم لا؟ كما قد بيناه من رواية عبد الله بن شهاب ٣٨٩ بحث نجاسة المنى وطهارته حدثنا : أحمد بن منيع ذ أبو معاوية عن عمرو بن ميمون بن مهران عن سليمان بن يسار عن عائشة أنها غسلت منياً من ثوب رسول اللّه علّل له. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وحديث عائشة أنها غسلت منياً من ثوب رسول اللّه عَ ل ليس بمخالف لحديث الفرك وإن كان الفرك يجزئ، فقد يستحب للرجل أن لا يرى على ثوبه أثره . الجولانى، ولذلك أنكرت عليه الغسل ثم أخبرته إنما يجزيه الغسل إذا رآه ، فإن لم يره نضحه . وهذا نص فى الغسل انتهى كلامه . فانظر كيف انقلب الأمر وصار حجتهم حجة الخصم وأيضاً لا حجة على الحنفية فإنهم قائلون بإجزاء الفرك فى البابس ، ووقع لفظ الفرك عند الترمذى وعند مسلم " وإنى لأحكه من ثوب رسول اللّه عَ ل بابساً بظفرى" فأين الحجة؟ وأرى - والله أعلم - أن ما قاله الترمذى "وروى أبو معشر هذا الحديث عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة و حديث الأعمش اصح" : يشير إلى غمز فی حدیث أبی معشر، فإنه يخالف صريح ذحبه ، فإن حديث أبى معشر لفظه عند " مسلم": فأصبح يغسل فقالت عائشة إنما يجزئك إن رأيته أن تغسل . كانه ، فإن لم تره نضحت حوله الخ. ولا أدرى كيف يسوغ هذا فإن أبا معشر ثقة ، وهو من الحفاظ المتقنين، كما فى "التهذيب" عن ابن حبان فلا مغمز فيه أصلاً، فكيف يحكم الترمذى بأن حديث الأعمش أصح من حديث أبى معشر ؟! وأضف إلى ذلك أن أبا معشر لم يتفرد به عن إبراهيم، بل تابعه منصور ومغيرة، وواصل الأحدب عند مسلم، راجع "صحيح مسلم" من (باب حكم المنى). وتابعه حماد بن أبى سليمان أيضاً فى روايته عن إبراهيم عن الأسود عند أبى دؤد، فكيف يكون حديث الأعمش أصح ! ؟ وفوق ذلك أن الظاهر بل المتعين أن هناك واقعتين مماثلتين، واقعة لهمام بن الحارث كما هو فى رواية أبى داؤد، وواقعة أخرى لابن شهاب الحولانى كما هو فى رواية مسلم ؛ فيكاد يكون لفظ ٣٩٠ معارف السنن قال ابن عباس : المنى بمنزلة المخاط فأمطه عنك ولو بإذخرة . ( باب فى الجنب ينام قبل أن ينتسل ) حدثنا: هنادنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى اسماق عن الأسود الترمذى فى حديث الأعمش متعلقاً بواقعة، ولفظ مسلم فى حديث الأعمش متعلقاً بواقعة أخرى؛ فليست الروايتان ولفظها فى واقعة واحدة حتى يستساغ الحكم بأسمیة واحدة منها ، بل هما واقعتان کما أسلفناه ؛ فلا معنی إذن لکون حدیث الأعمش أصح. وبالجملة لا أجد مغمزاً فى رواية أبى معشر سنداً ومتناً، فقد تابعه ثقات أثبات مثل منصور، وواصل ، والمغيرة ، وحماد بن أبى سليمان والكل حجة الحنفية فى الباب، وإن ذهبنا إلى إستقراء الطرق يمكن أن نجد مؤيدات أخرى غيرها وفيما ذكرنا مقنع وكفاية . والله ولى التوفيق . قوله : قال ابن عباس . هذا أثر ابن عباس لا يقوم به حجة على الخصم عند وجود خبر مرفوع صحيح عنده ، وقد تقدم بيانه . قوله : إذخرة ، الإذخر، بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة : حشيش طيب الريح كذا فى " القاموس" وفى " النهاية": حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت، وحكى فى " مجمع البحار" عن الطيبى: فبت عريض الورق بحرقه الحداد بدل الخطب والفحم . قال شيخنا : ويسميه أهل "السند" فى لغتهم "كترن" قال: وما قاله صاحب "غياث اللغات" وتبعه غيره من أنه يقال له فى الهندية "مرجيا كند" فخطأ، وكم لصاحب "الغياث" من أخطاء فى أسماء الأدوية اهـ . -: باب فى الجنب ينام قبل أن يغتسل :- ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وكذا الأوزاعى والليث وابن راهويه وابن المبارك ومحمد بن الحسن الشيبانى وغيرهم إلى أنه ينبغى للجنب أن ٣٩١ بحث جواز النوم جنباً ٠٠٠ ٠٠٠ ... ٠٠٠ ٠٠٠ يتوضأ قبل أن ينام أو إذا أراد أن يطأ ثانياً أو أن يأكل . وقال أبو عمر فى « التمهيد»: فذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على الندب والاستحباب لا على الوجوب الخ . وذهب الثورى والحسن بن حى وابن المسيب وأبو يوسف إلى أنه : لا بأس الجنب أن ينام من غير أن يتوضأ. وهذا أيضاً يشير إلى استحباب الوضوء ، واختاره ابن حزم . وذهبت طائفة قليلة إلى الوجوب ، منهم ابن حبيب وداؤد. هذا ملخص ما فى " العمدة" (٢ - ٦٤ و ٦٥). والنووى فى "شرح المهذب" (٢ - ١٥٦) حكى الاستحباب ومع هذا قال بكراهة النوم الجنب (٢ ١٥٦ و١٥٨) ؛ فلعله أراد كراهة التنزيه لا غير. ثم اختلف القائلون بالوضوء، هل يتوضأ كالوضوء للصلاة أو غسل الأذى وغسل الذكر واليدين وهو التنظيف، وذلك عند العرب بسمى وضوءً ، وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل - وهو الذى روى الحديث وعلم مخرجه - كما روى عنه الطحاوى ومالك: كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه، وحكى ذلك عن أحمد واسماق، واختاره مالك والشافعى، وغيرها الأول، ويؤيده ما ورد فى رواية ابن عمر نفسه عند مسلم: " كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة " وكذلك عن عائشة عند البخارى " كان النبى إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة " فهذا أوضح دايل على أن التوضأ هو التوضؤ المصطلح الشرعى . ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابى " قال إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأً فإنه نصف غسل الجنابة". وكذا ما رواه البيهقى بإسناد حسن عن عائشة " أنه قَامٍ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم". ويحتمل أن يكون النبهم عند عسر الماء . فعلى هذا يحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه على العذر، قال الحافظ فى "الفتح". قال ابن الجوزى: والحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين فإنها تقرب ٣٩٢ معارف السنن عن عائشة قالت: كان النبى حَ لّ ينام وهو جنب ولا يمس ماء. من ذلك هذ أكثره ملتقط من "الفتح" وبعضه من "العمدة" وفى " الز وائد" (١ - ٢٨٤) ولأم سلمة فى "الكبير": أن النبى حَ لّ " كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يطعم غسل يديه"، ورجاله ثقات. وقد روى أبوداؤد فى "سننه" من حديث على مرفوعاً : لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب"، وإسناده جيد. وروى الطبرانى بسنده إلى ابن عباس: "أن النبي صَلٍّ قال: " إن الملائكة لا تحضر الجنب ولا المتضمخ حتى يغتسلا" " الزوائد" (١ - ٢٧٥) وفيه يوسف بن خالد السمتى، وهو مترك عندهم ولكنه إمام فقه متكلم . وعن ميمونة بنت سعد قالت: قلت يا رسول الله هل ماكل أحدنا وهو جنب؟ قال : لا يأكل حتى يتوضأ، قالت: قلت يا رسول الله هل يرقد الجنب؟ قال: ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ فإنى أحشى أن يتوفى فلا يحضره جبريل عليه السلام رواه الطبرانى فى "الكبير" "الزوائد» (١-٢٧٥) وفيه عثمان بن عبد الرحمن الطرائقى الحرانى وثقه ابن معين. كذا فى " التقريب" و"الزوائد" والأحاديث فى الوضوء للجنب كثيرة ، وقد أشار إلى جملة منها الترمدى فى الباب الثانى ، ووردت بصيغة الأمر وبصيغة الشرط ، وهو متمسك لمن قال بوجوبه ، قاله ابن دقيق العيد كما حكاه فى " الفتح" . قوله: ولا يمس ماءً. ذهب أكثر المحدثين إلى أنه وهم من أبى إسحاق السبيعى فقال أحمد: إنه ليس بصحيح . وقال أبو داود: هو وهم ، وقال يزيد بن هارون: هو خطأ. وأخرج مسلم الحديث دون قوله "ولم يمس ماءً" وكأنه حذفها عمداً لأنه عللها فى " كتاب التمييز" وقال مهنأ عن أحمد بن صالح : لا يحل أن يروى هذا الحديث. وفى " علل الأثرم" لو لم يخالف أنا اسماق فى هذا إلا إبراهيم وحده لكفى، فكيف وقد وافقه عبد الرحمن بن الأسود! ٣٩٣ بحث عدم مس الماء عند النوم جنبا ... ... ... ٠٠٠ ٠٠٠ وكذلك روى عروة وأبو سلمة عن عائشة ، وقال ابن المفوز: أجمع المحدثون على أنه خطأ من أبى إسحاق ، كذا قال وتساهل فى نقل الإجماع ، فقد مححه البيهقى وقال : إن أبا إسحاق قد بين سماعه من الأسود فى رواية زهير عنه، هذا كله من "التلخيص الحبير" (ص - ٥١ و ٥٢). وله بقية تركتها غناء بما ذكرته بعده عن "البدر العينى" وتصدى جماعة لتصحيح هذا الحديث ، منهم الدار قطنى فإنه قال : يشبه أن يكون الخبران صحيحين ، لأن عائشة قالت ربما قدم الغسل وربما أخره، كما حكى ذلك غضيف وعبد الله بن أبى قيس وغيرهما عن عائشة ، وإن الأسود حفظ ذلك عنها ، فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل ، وحفظ إبراهيم وعبد الرحمن تقديم الوضوء على الغسل ومنهم البيهقى - ومر ملخص كلامه - ومنهم ابن قتيبة فى " تأويل مختلف الحديث" (ص - ٣٠٦) وانظر هناك كلامه بلفظه وهنا ملخصه، فإنه قال: يمكن أن يكون الأمران جميعاً وقعا ، فالفعل لبيان الاستحباب ، والترك لبيان الجواز، وجمع بينهما أبو العباس ابن سريح . وقال: الحكملها جميعاً، أما حديث عائشة فإنما أرادت أنه كان لا يمس ماء للغسل وأما حديث عمر ذكر فيه الوضوء ، هذا ماخص ما فى " عمدة القارى " بتقديم وتأخير، وراجعها من (٢ - ٦٥ و ٦٦). ونظير هذا الاختلاف ما ذكره العينى فى (٢ - ٢٩) من الوضوء بين الجماعين . ويقول النووى فى " شرح المهذب" (١ - ١٥٧) وفى " شرح مسلم" (١ - ١٤٤): ولو صح لم يكن أيضاً مخلفاً بل جوابه من وجهين: أحدهما مارواه البيهقى عن ابن سريح ، واستحسنه البيهقى أن معناه لا يمس ماء للغسل .... والثانى: أنه كان يترك الوضوء فى بعض الأحوال ليبين الجواز ، إذ لو واظب عليه لاعتقدوا وجوبه . قال شيخنا : وهذا عندى حسن أو أحسن والأظهر أنا نحتاج إلى توجيه هذه الجملة إن ذهبنا (م - ٥٠ ) ٣٩٤ معارف السنن حدثنا هنادنا وكيع عن سفيان عن أبى إسحاق نحوه . قال أبو عيسى : و هذا قيل سعيد بن المسيب وغيره، وقد روى غير واحدعن الأسود عن عائشة إلى صحتها كما قاله الدارقطنى والبيهقى وغيرهما، وإن ذهبنا إلى تزييفها، كما اختاره جمهور المحدثين فلا حاجة إلى تكلف التوجيهات ، وحديث عائشة عند مسلم (ص - ١٤٤) من الطهارة والنسائى وأبى داؤد (١ - ٢٠٣) فى الوتر ، ويدل فى الطهارة على أن عادته إذا النوم بعد أن يغتسل وإما النوم قبل أن يغتسل بعد أن يتوضأ حيث سئلت : أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل ؟ قالت : كل ذلك قد كان يفعل ربما اغتسل قنام ، وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذى جعل فى الأمر سعة. ويقول الإمام الطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١ - ٧٥) (باب الجنب يريد النوم الخ) فى منشأ وهم أبى إسحاق أن الحديث طويل اختصره أبو إسحاق فأخطأ فى اختصاره وذلك أن فهداً حدثنا قال حدثنا أبوغسان قال ثنا زهير قال ثنا أبو إسحاق قال أتيت الأسود بن يزيد وكان لى أخاً وصديقاً ، فقلت: يا أبا عمرو حدثنى ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة رسول اللّه فجميلة ؟ فقال: قالت: كان رسول اللّه فَخلّ ينام أول الليل ويحيى آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ، ثم ينام قبل أن يمس ماءً، فإذا كان عند النداء الأول وثب ــ وما قالت قام - فأفاض عليه الماء - وما قالت اغتسل - وأنا أعلم ما تريد، وإن كان جنباً توضاً وضوء الرجل للصلاة . فيقول الإمام أبو جعفر الطحاوى ما ملخصه: إن نومه على الوضوء مصرح ، وقولها : "قبل أن يمس ماء" يحمل على الماء للاغتسال لا للوضوء. وأبد ذلك برواية غير أبى إسحاق عن الأسود عن عائشة، وهو إبراهيم النخعى عن الأسود ، ثم أيده برواية غير الأسود عن عائشة وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة وأيده بقول عائشة موقوفاً . واحتج كذلك برواية الإمام أبى حنيفة عن أبى إسحاق فى ذلك ، ومثل ما قال ٣٩٥ البحث فى حديث أبى إسحاق من النوم قبل الوضوء عن النبى عَلي أنه كان يتوضأ قبل أن ينام وهذا أصح من حديث أبى إسحاق عن الأسود، وقد روی عن أبى إسحاق هذا الحدیث شعبة و الثوری وغير واحد ويرون أن هذا غلط من أبى إسحاق. الطحاوى قال القاضى فى "العارضة" (١ - ١٨١ و١٨٢) واستدل بحديث أبى غسان الذى رواه الطحاوى وقال : إما يريد بالحاجة حاجة الإنسان من النوم والغائط فيقضيها، ثم يستنجى ولا بمس ماءً .... ويحتمل أن يريد بالحاجة حاجة الوطنى ... ولا يمس ماءً يعنى للاغتسال ، ومتى لم يحمل الحديث على أحد هذين الوجهين تناقض أوله آخره، فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة هى حاجة الوطنى فتقل الحديث - أى مختصراً - على معنى ما فهم اه مختصراً. قال الراقم: المراد بالحاجة هو حاجة الوطنى كما هو مصرح فى "صحيح مسلم" من (باب صلاة الليل) (١ - ٢٥٥) من طريق زهير وأبى خيثمة عن أبى إسحاق "ثم إن كانت له حاجة إلى أهله الخ" وفى "سنن البيهقى" (١ - ١٠٢) " ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته الخ" وكذلك فى "مسند أحمد" (٦ - ١٠٢) وكذلك عند الطيالسى ولفظه: فإن كانت له حاجة إلى أهله ألم بهم ثم ينام» . ڤنبيه : قال شيخنا الإمام رحمد الله كما حكاه شيخنا العثمانى فى "فتح الملهم" عنه ما توضيحه وتشريحه : "هذا الحديث الطويل الذى أخرجه الطحاوى من طريق أبى غسان عن زهير عن أبى إسحاق أخرجه مسلم فى " صحيحه" من صلاة الليل من نفس هذه الطريق من زهير وأبى خيثمة عن أبى إسحاق، وسياقه فى موضعين ينافى سياق الطحاوى فعند مسلم " كان ينام أول الليل ويحيى آخره ، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول قالت وثب .. وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى ركعتين". فلم يذكر مسلم "قبل أن يمس ماء" كما هو عند الطحاوى. وعند الطحاوى: " وإن ٣٩٦ معارف السنن ٠٠. ... كان جنباً توضأ" وعند مسلم " إن لم يكن جنباً توضأ" وهذا التعارض فى السباقين ظاهر، ولم أرمن تنبه له أو توجه إلى دفعه، ففاد رواية الطحاوى: أنه عندـ 5 كان جنباً عند إرادة النوم توضأ. ومن أجل هذا إن حملنا قوله " قبل أن يمس ماء"" على العموم والإطلاق كما هو مقتضى وقوع النكرة فى سياق النفى تناقض أول الحديث آخره ؛ فإن الأول دل على أنه لم يمس ماءً للوضوء ولا للغسل ونام ، وآخره أنه توضأ ونام . ولدفع هذا التناقض خصص الطحاوى ، وقيد بالماء للاغتسال ، فيدل الحديث إذن على ثبوت الوضوء على كل حال . وأما مفاد سياق "مسلم" فلم يذكر بعد قضاء الحاجة الوضوء ولا الغسل واكتفى بقولها " ثم ينام"، فلم يعلم أنه هل توضأ أو اغتسل أم لا؟ ثم ذكر حالة وجود الجنابة بعد الاستيقاظ. وعلى كل حال البون بين السياقين ظاهر . وظاهر أن من ذكر حجة على من لم يذكر ، فسياق الطحاوى فى الأول لابد أن يرجح على سياق مسلم فى الأول . فبق أن ما يقوله الطحاوى هل هو صريح مقتضى الرواية أم هناك أمر آخر؟ وإن رجحنا سياق مسلم على سباق الطحاوى فهل يفيد شيئاً جديداً أم لا؟ وهذا أمر يقلق الباحث دون كشفه . قال الشيخ: والذى تحقق عندى بعد الفحص فى الروايات والإمعان فى سياق مسلم والطحاوى أنه مَلٍ إن أجنب أول الليل وأراد أن ينام فربما اغتسل وربما توضأ وربما تيمم كما تقدم فى رواية البيهقى ، وهذا التيمم عند وجود الماء كما هو الظاهر دليل أيضاً على أن الوضوء كان مستحباً فلذا صح التيمم مقامه مع وجود الماء. وإن أجنب آخر الليل فربما نام من غير أن يتوضأ لأن العهد للاغتسال قريب والمدة بينهما قصيرة ، فلم يعتن بالوضوء اعتنائه أول الليل. فبالجملة لم يرض عَ ل بترك الوضوء وإن كان هو مستحباً ومندوباً لعهد طويل ، بل احتمله لوقت قليل، وهذا القدر يكفى لبيان الجواز ، فالأولى ٣٩٧ بحث فى طرق حديث أبى إسحاق ٠٠٠ أن يترك قوله: "ولا يمس ماء" على عمومه كما يقتضيه القواعد، ولكنه حادثة وقعت فى آخر الليل بعد أن استيفظ، ويدل عليه سياق الطحاوى فإنه ورد فيه " ويحيى آخره ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته" فعلم أن قضاء الحاجة حصلت بعد الاستيقاظ، وظاهر أنه إن نام فالزمان الفاصل قليل بينه وبين الاغتسال . وقوله : "إن كان جنباً توضأ" أى إن أراد أن ينام أول الليل وكان جنباً توضأ ، فيهذه الجملة الأخيرة ربطها بأول الحديث " ينام أول الليل". ولفظ مسلم " وإن لم يكن جنباً" بين فيه حاله ◌َّ بعد هيوبه من النوم، فحاصل رواية مسلم أنه يَّةٍ كان ينام فإذا استيقظ من نومه إن كان جنباً اغتسل وإلا توضأ وصلى ركعتين انتهى كلام الشيخ مع إيضاح من الرأقم . قال الراقم : وإذن تكون الروايتان من قبيل "حفظ كل ما لم يحفظه الآخر" والله أعلم. ومن السهل اليسير إذن تفصيل ما أفادته الروايتان من شئون مختلفة . وأخرج محمد فى " مؤطئه» حديث أبى إسحاق مختصراً من طريق أبى حنيفة ثم قال : قال محمد هذا الحديث أرفق بالناس ، وهو قول أبى حنيفة انتهى . وهذا يدل على صحة حديث أبى إسماق عندهما كما هو عند ابن قتيبة وابن سريح والدار قطنى والبيهقى والنووى بل عند الحافظ أبى عبد الله شيخ البيهقى وعند الشيخ أبى الوليد الفقيه كما يستفاد من "سنن البيهقى". قال الراقم: جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا اختاروا أن الوضوء بعد الجنابة عند النوم ليس إلا مندوباً. فليس له دلیل فی ذخيرة الحدیث إلاحديث أبى إسحاق المختصر هذا؛ فإذن هو صحيح عندهم، وعليه مدار مذاهبهم . وإذا تأول "لا يمس ماء" بعد الاغتسال فلم يثبت ترك الوضوء فى حديث، وثبت الأمر - فى الأحاديث القولية ، والدوام فى الفعلية، ٣٤ فن أين يكون دليل كونه ندباً! ؟ وحديث ابن حبان يحتمل أن يلحق قوله " إن شاء" بقوله " نعم" والله أعلم. ٣٩٨ معارف السنن ( باب فى الوضوء للجنب أذا أراد أن ينام ) حدثنا: محمد بن المثنى نا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه سأل النبي فٍّ أيناء أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ. وفى الباب عن عمار وعائشة وجابر وأبى سعيد وأم سلمة . قال أبو عيسى: حديث -: باب فى الوضوء الجنب إذا أراد أن ينام :- شرح أكثر هذا الباب قد سبق فى الباب قبله . قوله : نعم إذا توضأ. تقدم البحث من أن الوضوء عند الجمهور مندوب، وربما يوهم هذا الشرط وجوب الوضوء كما ذهب إليه الظاهرية غير أنه ورد فى "صحيح ابن حبان" عن عمر: أنه سأل رسول اللّه عَّ لهُ: أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: نعم ويتوضأ إن شاء، ذكره الشيخ علاء الدين فى "الجوهر النقي" ولابن خزيمة مثله ذكره ابن حجر فى " التاخيص" (ص - ٥٢) وعن ابن عباس مرفوعاً: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" واستدل به ابن خزيمة وغيره على عدم الوجوب كما فى "فتح البارى" (١ - ٢٧١) وحديث ابن عباس أخرجه أصحاب السنن . تنبيه : وربما يرد على القائاين باستحباب الوضوء عند النوم للجنب حديث على عند النسائى وأبى داؤد بإسناد جيد قال رسول اللّه حَلٍ: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب" ونجى الحضرى فى إسناده وإن كان مجهولاً لکن وثقه العجلى، وصمح حديثه ابن حبان والحاكم فيحتمل كما قال الحافظ فى "الفتح" (١ - ٢٧٠). وبالجملة الإسناد جيد وبه عبر النووى فى " شرح المهذب" أخرجه أبو داؤد فى الطهارة وفى اللباس . فالجواب أنهم أرادوا بالجنب : المتهاون فى الغسل أو المتخذ تركه عادةً، وبالملائكة ملائكة الرحمة لأن الحفظة لا تفارق أحداً فى حال كما قاله الخطائى ، وحكاه النووى فى "شرح المهذب" ٣٩٩ بحث جواز النوم قبل الاغتسال عمر أحسن شئى فى هذا الباب وأصح، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي حَله والتابعين، وبه يقول سفيان الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق قالوا: إذا أراد الجنب أن ينام توضأ قبل أن ينام . فى الجزء الثانى. قال الراقم : ولو كان الحديث على ظاهره لأوجب العسل الجنب إذا أراد النوم، والوضوء لا يغنى إذن وإن فننا بتفريق الطهارة ، وكما أيده حديث تقدم ذكره حيث أن الجنابة باقية على كل حال ، ولم يقل بوجوب الغسل أحد فى الأمة حتى ولا الظاهرية أيضاً، فلابد أن يأول الحديث، والتأويل المذكور حسن جيد، وحديث "لاتحضر الملائكة الجنب الخ" كما تقدم ضعيف كما أشار إليه الهيشمى، وإن صح، فيحمل على ما حمل عليه هذا الحديث، والقائلون بوجوب الوضوء أو تأكد استحيابه يتأولون فيه بالجنب الذى لم يتوضأ، وراجع "فتح البارى" من (باب كينونة الجنب فى البيت) ويؤيده ما رواه أبو داؤد من طريق يحيى بن يعمر عن عمار بن ياسر مرفوعاً : "إن الملائكة لا تحضر جنارة الكافر بخير ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب ورخص الجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ" . وكذلك رواه من طريق الحسن البصرى عن عمار بن ياسر بلفظ: " ثلاثة لا تقربهم الملائكة جيفة الكافر والمتضمخ بالخلوق والجنب إلا أن يتوضأ" وهو من " سننه" فى كتاب الترجل (باب فى الخلوق للرجال) إلا أن فى الإسنادين كليها انقطاعاً لأن يحيى بن يعمر لم يلق عماراً كما قاله الدار قطنى، أنظر "التهذيب" (١١- ٣٠) وكذلك الحسن لم يسمع منه كما قاله فى "التهذيب» (٢ - ٢٦٤) إلا أن أبا داؤد سكت عن رواية البصرى وتعقب رواية ابن يعمر : بأن يحيى بن بعمر يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر هذا والله أعلم . ٤٠٠ معارف السنن ( باب ما جاء فى مصافحة الجنب ) حدثنا : زاق بن منصور نا يحيى بن سعيد القطان نا حميد الطويل عن بكر ابن عبد الله المزنى عن أبى رافع عن أبى هريرة أن النبى حَ لٍّ لقيه وهو جنب قال: فانخنست فاغتسلت ثم جئت، فقال : أين كنت أو أين ذهبت؟ قلت: إنى كنت جنباً، قال: إن المؤمن لا ينجس. وفى الباب عن حذيفة. قال أبو عيسى: حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح ، وقد رخص غير واحد من أهل العلم فى مصافحة الجنب ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأساً . -: باب ما جاء فى مصافحة الجنب :- يجوز للجنب جميع المعاملات التى يفعلها الطاهر الغير الجنب ما عدا دخول المسجد والطواف وقراءة القرآن . ودخول المسجد على سبيل العبور مختلف فيه بين الأئمة ليس هذا محل بيانه . قوله : فانخنست ، أى تنجيت عنه وتأخرت ، ومنه قوله " فلا أقسم بالخنس" وقد اختلفت الروايات فى هذه اللفظة فى الصحيح مثل ما هنا، وفى رواية عنده " فنسللت" أى خرجت مستخفياً وفى أخرى " فانتجست" افتعال من النجس أى رأيت نفسى نجساً، ويروى " فانيجست" انفعال من البجس وهو الانفجار والإندفاع كما فى " العارضة" بزيادة. قوله : إن المؤمن لاينجس - وكذا لفظ " الصحيحين": إن المؤمن لاينجس. وورد فى حديث: لا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً" رواه البخارى تعليقاً موقوفاً على ابر عباس فى الجنائز ( باب غسل الميت ووضوءه بالماء والعدر) وقد وصله ابن أبى شيبة فى "المصنف" ورواه الحاكم فى "المستدرك" مرفوعاً من رواية ابن عباس وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ورواه "البيهقى" أيضاً، ورواية المرفوع مقدمة لأن فيها زيادة "أى إذا ضحت"