النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
مسألة الاقتداء خلف إمام مخالف للمقتدى
...
٠٠٠
...
...
الأول ما قاله صاحب " الهداية": بأنه يجوز إلا إذا علم المقتدى منه
ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره ، وتلخيصه يرجع إلى اشتراط تحامى
الإمام مواضع الخلاف، كما فى "الهداية" من الوتر .
والثانى : أنه يجوز ولكن يكره وإن راعى مواضع الفساد .
والثالث: المنع مطلقاً سواء اختاط مواضع الخلاف أولا، وسواء شاهد منه
شيئاً مفسداً على زعم المقتدى أو لم يشاهد .
والرابع : الجواز مطلقاً من غير كراهة ما لم يكن غير مراعٍ فى الفرائض
والأركان .
ثم اختلف المجوزون ، هل العبرة لاعتقاد الإمام ، أو المأموم ، أو
كليهما ؟ أقوال ثلاثة . انظر التفصيل فى الموضوع فى " البحر الرائق " من
(الوتر فى الجزء الثانى) ومن (باب الإمامة فى الجزء الأول) (ص ـ ٣٥١)
و "رد المحتار" (١ - ٥٢٦ و ٥٢٧) من الإمامة و (ص - ٣٥٠) قبيل
الأذان، و"فتح القدير" من الوتر (١ - ٣١١) ولا يجب على المقتدى
بأن يسأل عن إمامه الشافعى حاله من بقاء طهارته أومثل ذلك . قال شيخنا رحمه
الله: والحق أنه لا عبرة لرأى المأموم، بل للإمام؛ حيث توارث عن السلف
والقدماء كلهم الاقتداء خلف أئمة مخالفين لهم فى الفروع، فالصحابة والتابعون
وكذا الأئمة المتبوعون كانوا يصلون خلف إمام واحد ، مع أنهم مجتهدون ،
أصحاب المذاهب والآراء فى الفروع ، مع كثرة الاختلاف والتباين فى آرائهم
وأقوالهم ، ولم ينقل عن أحد منهم نكير أوخلاف فى ذلك ، نعم هم إذا
صلوا منفردين كانوا يتبعون مذاهبهم إن كانوا أهل مذهب أو يتبعون أهل
المذاهب إن كانوا مقلدين لهم. وهذا إمامنا "أبو حنيفة" صاحب المذهب
حج خمسين حجة ، وقيل خمساً وخمسين ؛ وكان كثير من أهل الحرمين مخالفين
(م - ٢١ )

١٦٢
معارف السفن
...
٠٠٠
.
٠٠٠
٠٠.
له فى الفروع، فكان يصلى خلفهم ، ولم يثبت فى ذلك نكير عنه ، ولا تخلف
عن الاقتداء بهم وهذا " أحمد بن حنبل" قيل له: لوكنت أدركت مالك بن
أنس هل صليت خلفه؟ قال : وكيف لا! مع أن مذهبه: أن الدم الكثير مفسد
للصلاة وناقض للطهارة، وعند مالك القليل والكثير سواء فى عدم النقض . وهذا
القاضى أبو يوسف صلى خلف هارون الرشيد وكان هارون الرشيد احتجم ، وكان
الإمام مالك أفتىهارون الرشيد بعدم الفساد به، و کان مذهب أبی یوسف ضد ذلك
حكاه ابن تيمية فى ( الجزء الثانى) من " فتاواه" (ص - ٣٨٠) وفيه: فصلى
خلفه ولم يعد ، وحكى واقعة أحمد بن حنبل ونصه : وكان أحمد يرى الوضوء
من الحجامة والرعاف ، فقيل له : فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم
يتوضأ تصلى خلفه ؟ فقال : كيف لا أصلى خلف سعيد بن المسيب ومالك اهـ.
" الفتاوى" لابن تيمية (٢ - ٣٨١) وأخذه ابن تيمية من " المغنى" لا بن
قدامة من أوائل (الجزء الثانى) فكل ذلك دليل على جواز الاقتداء ، وإن العبرة
لرأى الإمام لا المأموم. وقال ابن الهام فى "فتح القدير" (١ - ٣١١):
كان شيخنا سراج الدين ( ١ ) قارى* "الهداية" بعتقد قول أبى بكر الرازى فى
جواز اقتداء الحنفى خلف شافعى ، وأنكر مرة أن يكون فساد الصلاة بذلك
مروياً عن المتقدمين حتى ذكرته بمسألة الجامع، يريد "الجامع الصغير" فى الذين
تحروا فى الليلة المظلمة ، وصلى كل إلى جهة مقتدين بأحدهم ، فإن جواب المسألة
أن من علم منهم بحال إمامه فسدت لاعتقاده إمامه على الخطاء اهـ . قال شيخنا
رحمه الله: ولا يرد هذا ، فإن بين المسألتين فرقاً، القبلة من الحسيات لها سبيل
إلى درك الواقع، فيتبين فيه الخطأ من الصواب ، وليس كذلك أكثر المسائل
الاجتهادية ؛ فإن استبانة الخطأ من الصواب فى الفصل المجتهد فيه مشكل . هذا
(١) هو الشيخ عمر بن على الكتانى المتوفى سنة ٨٢٩ - ٨.

١٦٣
واقعة إمامة الدامغانى
...
...
٠٠
٠٠٠
توضيح غرض الشيخ رحمه الله . وفى القلب منه أن قبلة المشتبه جهة التحرى ،
فأصبحت هى قيلة اجتهادية ، فكان الاختلاف من قبيل الاختلاف فى الفصل
المجتهد فيه، وحصول العلم على تخالف جهتى الإمام والمأموم عند الصلاة يكون مفسداً
لا بعدها، ولاسبيل إلى إدراك الصواب قبل النهار، اللهم إلا أن يقال : إن التخالف
ثم العلم به خلاف موضوع الاقتداء ، فلذا لم يصح الاقتداء عند حصول العلم
به والله أعلم. وكذلك صرحوا بجواز اقتداء الحنفى خلف شافعى فى الوتر، وإن
سلم على الشفع ثم أتم . قال الشيخ ابن وهبان فى منظومته :
لشفع ولم يؤتر وتم فؤر
ولو حنفى قام خلف مسلم
وهنا تحقيق آخر من اختلاف النية ، فاستشكل الجواز بعضهم ، وجوزه
الإمام أبو بكر محمد بن الفضل. انظر "فتح القدير" (١ - ٣١١ و ٣١٢)
وراجع مذهب الشافعية من " شرح المهذب" (١ - ٢٠٢ و٢٠٣) فلا يتوهم
أن فى ذلك خروجاً عن مذهب إمامه ، فإن صلاة كل صحيحة على مذهبه .
وأصية : مر يوماً الدامغانى عند مسجد أبى إسحاق الشيرازى الشافعى
وكان وقت الصلاة فدخل المسجد للصلاة فأمر أبو إسحاق المؤذن أن لا يرجع
فى أذانه، وأم بهم الدامغانى الحنفى وصلى بهم صلاة الشافعية (١). كذا فى
"العرف الشذى" من أمالى الشيخ.
(١) الدامغانى هو الشيخ الإمام محمد بن على الحنفى الدامغانى الكبير المتوفى
سنة ٤٧٨ - هـ قاضى بغداد انتهت إليه رياسة العراقيين فى عصره، وفيه يقول
أبو الطيب : الدامغانى أعرف بمذهب الشافعى من كثير من أصحابنا . وأبو إسحاق
هو الشيخ الإمام إبراهيم بن على الشيرازى صاحب "المهذب" و "اللمع" من
أكابر الشافعية وكان فى ١٠: من الورع والتشدد فى الدين كما يقوله النووى و

١٦٤
معارف السنن
..
....
٠٠٠
فائدة أخرى: هل الحق فى موضع الخلاف واحد أم متعدد ؟ الأول.
هو المشهور عند علماء الأصول ، والثانى ينسب إلى المعتزلة ، ويحكيه ابن حجر
فى "فتح البارى" عن الأئمة الأربعة، (١) وهو مذهب أبی یوسف و محمد، وإليه
مال الشاه ولى الله فى "عقد الجيد فى الاجتهاد والتقليد" وحكاه فى "جمع
الجوامع" عن الأشعرى، ومع كل ذلك لم يجز الخروج عن تحقيقه . انظر
تحقيقه فى "شرحى التحرير" من قوله: "المجتهد بعد اجتهاده فى حكم ممنوع من
التقليد بغيره ". والمسألة فيها بحث طويل لا مجال هنا لاستقصاء القول فيها
وسيأتى طرف من البحث فيه فى حديث : "الحلال بين والحرام بين الخ" من
هذا الكتاب. قال الشيخ: وهو حديث جايل مهم فى بابه كان يستحق عناية
المجتهدين الأئمة بشرخه وتفعيل أطرافه، والحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد فيه كلام
لطيف، ورسالة الشوكانى فيه ليست أية قيمة ، ولم يأت فيها بشئى يلتفت إليه .
ابن خلكان، توفى سنة ٤٧٦ - « وكانت بينهما صداقة، وفى "الفوائد البهية":
فإذا اجتمعا صار اجتماعهما نزهة الخ . والواقعة هذه لم أجدها مع بحث، وذكر
الشيخ فيما بأنى أيضاً نقلاً عن ابن خلكان ، ولم أجد لها عنده ؛ ثم رأيتها ذكرها
الطحطاوى فى "شرح الدر المختار" بعينها بين القاضى "أبى عاصم العامرى"
وبين "القفال الشافعى" فربما تكون هذه الواقعة هى التى أريدت والله أعلم.
(١) هكذا وجدت فى "العرف الشذى" ولكن فى "التحرير" و"شرحه"
لبخارى ما ملخصه : أن المختار والمنقول عن الأئمة الأربعة أن حكم الواقعة
المجتهد فيها قبل الاجتهاد حكم معين أوجب الله طلبه، فمن أدركه فهو
المصيب ، ومن لم يدركه فهو المخطئ ١ هـ (٤ - ٢٠٢) راجع "عقد الجيد".
و "شرحى التحرير" و"شرحى المنهاج" للأسنوى والسبكى وراجع قول الصفى
الهندى عن "إرشاد الفحول" ( می ٢٤٤).

١٦٥
بحث المضمضة والاستنشاق
(باب ما جاء فى المضمضة والاستنشاق )
حدثنا: قتيبة نا حماد بن زيد وجرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة
ابن قيس قال قال رسول الله عَ ل٣: إذا توضأت فانشر وإذا ستجمرت فأوز.
وفى الباب عن عثمان ولقيط بن صبرة وابن عباس والمقداد بن معديكرب ووائل
ابن حجر وأبى هريرة. قال أبو عيسى حديث سلمة بن قيس حديث حسن صحيح
واختلف أهل العلم فيمن ترك المضمضة والاستنشاق . وقال طائفة منهم : إذا
تركها فى الوضوء حتى صلى أعاد الصلاة ، ورأوا ذلك فى الوضوء والجنابة
سواء، وبه يقول ابن أبى ليلى وعبد الله بن مبارك وأحمد وإسحاق، وقال أحمد:
الاستنشاق أوكد من المضمضة . قال أبو عيسى: وقال طائفة من أهل العلم بعيد
-: باب ما جاء فى المضمضة والاستنشاق :-
المضمضة تحريك الماء فى الفم ، وكمالها أن يجعل الماء فى فمه ثم يديره
فيه ثم يمجه قاله النووى. والاستنشاق استفعال من النشوق ، وهو فى
الأصل لتنفس الريح ، واستعمل لجذب الماء فى الأنف بالنفس ، والاستئثار
وهو استخراج الماء بعد إدخالها فى النثرة أو مشتق من النثر وهو إخراج الماء ،
وراجع لمزيد التفصيل "العمدة" (١ - ٧٤٢ و٧٤٣ ).
قوله : إذا استجمرت فأوتر: الاستجمار: استعمال الجمار فى الاستنجاء ،
وحكى الأصمعى ذلك عن مالك كما فى "الديباج المذهب" ونسب إلى مالك أيضاً
أنه استعمال البخور فى الكفن وتجميره حكاه ابن عبد البر عنه، راجع "العمدة"
(١ - ٧٥٤) و"فتح الملهم" (١ - ٤٠١) للتحقيق. واحتج الشافعية
بحديث الباب على وجوب الإيتار فى الاستنجاء ، والأمر عند الحنفية هنا
الندب، وقد مر البحث مستوفى فى محله . ثم المضمضة والاستنشاق قال الشافعية
هما بالوصل ، وعندنا بالفصل ، والكلام عليه فى الباب اللاحق .
قوله : يعبد فى الجنابة ، هذا مذهبنا معاشر الحنفية ، ويدل على ذلك

١٩٦
معارف السنن
، الجنابة ولا يعيد فى الوضوء، وهو قول سفيان الثورى وبعض أهل الكوفة .
قالت طائفة لا يعيد فى الوضوء ولا فى الجنابة لأنها سنة من النبى معَ﴾هل ولا
ب الإعادة على من تركها فى الوضوء ولا فى الجنابة وهو قول مالك و
ـافعى .
( باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد )
له تعالى: ((فاطهروا ، والتطهر : هو الغسل والمبالغة فى التطهير ، وأيضاً
نواز القراءة دون الجنب يدل على أن الجنابة قد سرت فم الجنب أيضاً، والتفصيل
"فتح الملهم" (١ - ٤٠٢) و "البحر الرائق" (١ - ٤٦) و"فتح القدير"
; ١ - ٣٩) والمذاهب كما ذكره الترمذى.
-: باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد :-
ذكر النووى فى " شرح مسلم" ثم العينى فى " شرح البخارى" (١ -
٦٨٩) فى كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه : الأول الجمع بينهما بغرفة
كل منها ثلاث مرات يتمضمض ثلاثاً ثم يستنشق هكذا ثلاثاً . الثانى :
بغرفة أيضاً لكن يتمضمض ويستنشق كل مرة هكذا ثلاثاً . الثالث : بثلاث
غرفات بتمضمض منها ويستنشق ثلاثاً . الرابع : الفصل بينهما بغرفتين،
فيتمضمض من إحداها ثلاثاً ثم يستنشق من الأخرى هكذا . الخامس : الفصل
بينها بست غرفات، ففى الغرفة الواحدة الفصل والوصل كلاهما ، وفى الغرفتين
الفصل فقط، وفى ثلاث الوصل فقط، وفى ست الفصل فقط. وقد رد ابن
لقيم فى "الهدى" (١ - ٤٩) على الجمع بينهما بغرفة ثلاثاً واستصعبه و
قال : وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ نصف الغرفة لفمه وتصفها
لأنفه، ولا يمكن فى الغرفة إلا هذا الخ. وثبت فى "الصحيح" من وضوئه وحَلام
غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً ، والذى يقوله ابن القيم
كذلك الأمر عند شيخنا فى بيان شرح الحديث وغرضه .

١٩٧
بحث المضمضة والاستنشاق من كف واحد
حدثنا: يحي بن موسى نا إبراهيم بن موسى نا خالد عن عمرو بن يحيى
والأفضل عند الحنفية هو الوجه الخامس ، وفيه كمال السنة ، وهو
إحدى الروايتين عن مالك ، وهو الذى نقله الترمذى هنا عن الشافعى ، وهو
رواية الزعفرانى عنه (١) ومن فقهه يروى الترمذى مذهب الشافعى ، ومذهبه
القديم أكثر وفاقاً الحنفية من الجديد، والأفضل عند الشافعية هو الوجه الثالث،
وهو الأصح من روايتى الشافعى عندهم ، وهو القول الجديد ، وهو إحدى
الروايتين عن مالك كما قاله عياض فى " شرح مسلم" حكاه الزرقانى فى
"شرح المواهب" وهو المختار عند أحمد كما فى " المغني" (١ - ١٠٥) وهو
نص "الأم" و"مختصر المزنى" ونص البويطى عنه مثل الحنفية قاله "العينى" (١-
٣٩٠ و٨١٨). ثم إن أصل السنة عندنا يؤدى فى صورة الوصل والفصل كليها،
وهو ظاهر عبارة "الدر المختار" وبه جزم الشمنى فى "شرح التقاية" حاكياً عن
"الظهيرية". قال شيخنا: ولكن لم أجده فى "الظهيرية"، وحكى صاحب "البحر"
قولين: فحكى عن " السراج الوهاج" عدم أداء السنة، وعن الصيرفى أدائها
وقال مماكماً بينهما : ولا يخفى أنه يكون آنياً بسنة المضمضة لا بسنة تجديد الماء
لكل منهما، فالقولان بالاعتبارين ١هـ باختصار وتلخيص . وقال العينى فى
"العمدة" (١ - ٦٩٠): والجواب عن كل ما روى من ذلك أنه محمول على
الجواز اهـ . قال الشيخ: نعم وجدت فى " الظهيرية" أنه إن مضمض ثم
استنشق بالماء الواحد لا يصير الماء مستعملاً، وفى العكس يستعمل، والأولى
(١) هو أبو على الحسن بن محمد بن الصباح أحد رواة القول القديم
الشافعى، وهناك زعفرانى آخر حنفى، أبو عبد الله الحسن بن أحمد مرتب "الجامع
الصغير" و "الزيادات" لمحمد بن الحسن الشيباني، ثم رواية الزعفرانى مثلها
رواية البويطى كذا فى " العمدة" ورواية أخرى للمزنى بالوصل .

١٦٨
معارف السنن
عن أبيه عن عبد اللّه بن زيد قال: رأيت النبي صَ ل مضمض واستنشق من
كف واحد ، فعل ذلك ثلاثاً . وفى الباب عن عبد اللّه بن عباس .
هو القول بأداء أصل السنة فى ثلاث غرفات بالوصل من غير كراهة لثبوته
فى غير واحد من الحديث، وهو دأب الشيخ ابن الهام . ومما يستدل به لمذهبنا
ما أخرجه ابن السكن فى " صحيحه" عن شقيق بن سلمة: قال شهدت على
ابن أبى طالب وعثمان بن عفان توضئا ثلاثاً ثلاثاً، وأفردا المضمضة من
الاستنشاق ثم قالا: هكذا رأينا رسول اللّه عَلٍ توضأ. كما ذكره الحافظ
فى "التلخيص الحبير" ولم يحكم عليه بضعف ولا تحسين، وهذا يدل على
قبوله عنده وصحته ، ولو كان فيه شئ من الضعف لنبه عليه كما هو المعروف
من عادته فى "التلخيص" و" الدراية" و "الفتح"، وغمز المباركفورى له
بعدم حكم ابن حجر عليه من شنشنته المعروفة . وعلى كل حال عدم الحكم
عليه أضمن لثبوت الحديث من حكم التضعيف عليه ، وتخريج ابن السكن
فى "صحيحه" وشرطه معروف، وذكر الحافظ فى " التلخيص" ثم السكوت
عليه وعادته معروفة كل ذلك دليل على قبول الحديث عند المنصف بل
برد ابن حجر بذلك الحديث إنكار ابن الصلاح عن ثبوت الفصل عن على
فهذا دليل قوى على ثبوته وصحته عند ابن حجر، وهو أصرح مما عند الترمذى
من رواية على، ومن العجيب عدم ذكره الحافظ الزيلعى فى " نصب الراية "
وعدم توجه البدر العينى إليه ، وكذلك مما يستدل به لمذهبنا حديث طلحة بن
مصرف عند "أبى داؤد" (صر - ١٩) (باب الفرق بين المضمضة والاستنشاق)
وفيه : فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق ، وحسنه الحافظ أبو عمرو ابن
الصلاح كما حكاه الشوكانى فى "السيل الجرار" كما فى " العرف الشذى"،
ويستفاد تحسينه من صنيع ابن الحمام فى "الفتح" وتكلم عليه المحدثون ، ووجه
ذلك عندهم كونه من طريق : ليث بن أبى سليم وطلحة عن أبيه عن جده غير

١٦٩
بحث المضمضة والاستشاق من كف واجد
...
...
٠٠.
معروف، وسكت عليه أبو داؤد هنا ثم المنذرى فى " مختصره" كما حكاه
"الزیلمی" (١ - ١٧). قال الشيخ: ولکن تكلم علیه أبو داؤد فی ( باب
صفة رضوء النبى ◌َّجاج) غير أنه لما تكلم عليه أخرج من حديثه قطعة المسح
فقط، ولما أخرج من حديثه قطعة المضمضة والاستنشاق سكت عليه ، فلعل
هذا بدل على قبوله صحة هذه القطعة ، ولذلك بوب عليه به ( باب الفرق بين
المضمضة والاستنشاق) ثم إن ليث بن أبى سليم من رواة الطبقة الثانية لمسلم
صدوق ، لكنه اختلط فى آخر عمره، وجد طلحة عمرو بن كعب له صحبة عند
المحدثين راجع " نصب الراية" (١ - ١٧ و١٨). والأصرح فى الباب
والنص فى الغرض والأدل على مسلك الحنفية : هو سباق الطبرانى فى
"معجمه " لحديث طلحة، وفيه: فضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً بأخذ لكل
واحدة ماء جديداً اه أخرجه الزيلعى. والأحاديث بلفظ : "فضمض ثلاثاً
واستنشق ثلاثاً" كثيرة من رواية أبى هريرة عند ابن ماجه ، ورجاله
رچال "الصحیح" کما قاله الهيثمی فی "الزوائد"، ومن حديث عثمان عند أبى
دؤد، ومن رواية أبى بكرة عند البزار، ومن رواية على عند الترمذى وغيره،
ومن رواية أنس عند الطبرانى فى " الأوسط" بإسناد حسن وغيرها كل
ذلك يستأنس بها للمذهب الحنفى، والمتبادر منه الفصل، وحمله على الوصل تأويل
لها ، وصرف لها عن ظاهرها ، كما أن بعض الأحاديث المتبادر منه الوصل ،
وتأويل ذلك بالفصل وإن كان تحتمله العبارة صرف لها عن ظاهرها، فالثابت
كلا الأمرين ، وآل أمر الترجيح إلى مدارك النظر والاجتهاد ، فترى مسلك
الجذعية إن شاء الله بعد استقراء الأحاديث وإمعان النظر فيها أتقن وأمنن أثراً
ونظراً وليس هذا مجال إنهاء البحث .
قوله : من کف واحد، قال ابن الهام فى "فتح القدير": وما روی بکف
( م - ٢٢ )

١٧٠
معارف السنن
واحد فلت كونه يكفين معاً ، أو على التعاقب كما ذهب إليه بعضهم : من أن
المضمضة باليمنى والاستنشاق باليسرى اهـ، وقال ابن الملك هو من باب تنازع
الفعلين والمعنى مضمض من كف واستنشق من كف، وقبد الوحدة احترام
عن التثنية، قاله القارئ فى "المرقة" ولكن يرد على تأويل الشيخ ابن
الحمام ما فى "سنن أبى داؤد" فى (باب صفة وضوء النبى عَ لّ) من حديث
على، وفيه: ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد اهـ. قال شيخنا: والأحسن
أن لا يأول الحديث، ويقال بأداء أصل السنة بهذا القدر ، نعم كمالها بست
غرفات ، ومن ذلك قال الحافظ البدر العينى فى "شرح الصحيح" أنه محمول
على الجواز اهـ . قال الشيخ: ثم إنى استقريت طرق حديث على ففى بعضها
بكف واحد ، وفى بعضها: ثلاثاً ثلاثاً؛ وأخذ الشافعية يتأولون فيه، والحديث
عندى واحد، راجع تطريق حديث على من " النسأى". وانما الاضطراب من
اختلاف الرواة ، وإذن يكون تأويل الشيخ ابن الهمام توجيهاً لا تأويلاً ،
ويحتمل رواية أبى داؤد أيضاً هذا التوجيه، والحافظ ابن حجر لم يتوجه إلى
ست غرفاتٍ فَى "الفتح" وأخرج حديث على عند الترمذى، وحديث عمل عمان
وعلى عند ابن السكن ، وعلم منه أنه صالح للبحث عنده ؛ وقال: إن رواية
عبد الله بن زيد بن عاصم من حديث الباب حكاية حال لا عموم لها، ويدل عليه
سياق البخارى من حديث عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال :
أتى رسول اللّه صَل) فأخرجنا له ماء فى تور الخ (باب الغسل والوضوء فى
الخضب والقدح الخ) وأيضاً منشأ ذلك قلة الماء كما فى حديث أم عمارة بنك
كعب وهى أم عبد الله بن زيد عند النسائى وأبى داود: إن النبى معَل} توضأ
فأتى بماء فى إناء قدر ثلثى المد الخ النسائى ( باب القدر الذى يكتفى به الرجل
من الماء فى الوضوء) وأبو داؤد (باب الوضوء فى آنية الصفر) فهى واقعة واحدة
تارة هرویها عبد الله بن زبد فی سیاق ، وأخرى یرویها أمه فى سياق آخر،

٢٧١
بحث فى تحليل المحبة
قال أبو عيسى : حديث عبد الله بن زيد حديث حسن غريب. وقد
روى مالك وابن عينة وغير واحد هذا الحديث عن عمرو بن يحيى ولم يذكروا
هذا الحرف "أن النبى معَ مضمض واستنشق من كف واحد" وإنما ذكره خالد
طين عبد اللّه، وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث، وقال بعض أهل العلم:
المصمضة والاستنشاق من كف واحد يجزىء وقال بعضهم: يفرقها أحب إلينا .
وقال الشافعى: إن جمعهما فى كف واحد فهو جائز وإن فرقها فهو أحب إلينا .
( باب فى تخليل الحية )
حدثُنا: ابن أبى عمر نا سفيان بن عبيئة عن عبد الكريم بن أبى الخارق
أبي أمية عن حسان بن بلال قال رأيت عمار بن ياسر توضأ فخلل لحيته،
فقيل له أو قال فقلت له: أغخلل لحيتك؟ قال وما يمنعهى؟ ولقد رأيت
رسول اللّه ◌َلي بخلل لحيته .
ويؤيد قلة الماء ما فى "صحيح البخارى" فى هذه الرواية نفساً: فغسل يديه إلى
المرفقين مرتين مرتين الخ . كذا نبه عليه شيخنا الإمام . ونقل شيخنا العثماني
كلامه هذا فى "فتح الملهم" (١ - ٣٩٩) بلفظ الشيخ أبسط من هذا
وكأنه قطعة من مذكرة الشيخ، ومنه حكاه فى هامش " فيض المارى" (١ -
٢٩١) بنصه وفصه فليراجع إليهما .
قوله حسن غريب ، حديث الباب أخرجة البخارى فى " صحيحه " فى
(باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة) وحكم عليه الترمذى بأنه
حسن غريب، فكيف يصح ما قاله بعضهم من أن الحسن عند الترمذى فى مثل
هذا حسن لغيره ؟ والوجه ما قلنا وقد مرسابقاً .
-: باب فى تخليل اللحية :-
المذاهب فيه : قال صاحب " البدائع": تحليل اللحية عند أبى حنيفة

١٧٢
معارف السنن
حدثنا : ابن أبى عمر نا سفيان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن
حسان بن بلال عن عمار عن النبى معَّلهم مثله. وفى الباب عن عائشة وأم سلمة
وأنس وابن أبى أوفى وأنى أيوب. قال أبو عيسى: سمعت إسحاق بن منصور
يقول سمعت أحمد بن حنبل قال قال ابن عيينة: لم يسمع عبد الكريم من حسان
ابن بلال حديث التخليل .
حدثنا: يحيى بن موسى نا عبد الرزاق عن إسرائيل عن عامر بن شقيق
عن أبى وائل عن عثمان بن عفان أن النبى فَلّ كان يخلل لحيته. قال أبو عيسى:
هذا حديث حسن صحيح ، وقال محمد بن إسماعيل: أصح شى فى هذا الباب
حديث عامر بن شقق عن أبى وائل عن عثمان ، وقال بهذا أكثر أهل العلم من
أصحاب النبي ◌ٍَّ ومن بعدهم رأوا تخليل اللحية، وبه يقول الشافعى. وقال أحمد
إن سها عن التخليل فهو جائز. وقال إسحاق: إن تركه ناسياً أو متأولاً أجزءه
وإن تر که عامداً أعاد .
ومحمد من الأداب. وعند أبى يوسف سنة الخ. وفى بعض النسخ من "الهداية"
جائز عندها. ورجح فى "المبسوط" قول أبى يوسف قاله ابن عابدين. وفى
"كتاب الآثار" لأبى يوسف (ص - ٦) عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم
أنه قال فى الوضوء: بمسح ظاهر لجيته مع وجهه اهـ، والاختلاف فى غسلها فى
المسترسل منها ، وأما ما كان منها فى حد الوجه فيجب غسلها إذن بدلاً من
منتهى من الوجه ، راجع " البدائع" و "البحر" من غسل الوجه، وهو مذهب
مالك والشافعى وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم قاله النووى
فى " شرح المهذب" (١ - ٣٧٤) وقد أخطأ صاحب " الكنز" و " الوقاية "
فى القول بفرضية مسح ربع الحية أو كلها ، وهى رواية مرجوع عنها .
وكذلك تحليلها سنة فى الوضوء عند الشافعى وأحمد والأوزاعى والليث
وداؤد والطبرى وغيرهم من أكثر أهل العلم ، وعن مالك فيه روايات:

١٧٣
بحث مسح الرأس يبدأ بمقدم رأسه إلى مؤخره
(باب ما جاء فى مسح الرأس أنه يبدأ بمقدم الراس
الى مؤخره )
حدثنا: إسحاق بن موسى الأنصارى ناءعن نا مالك بن أنس عن عمرو
رواية الجواز والندب، ورواية فى تفصيل الحكم عند الكثافة والخفة وغير ذلك،
راجع "عارضة الأحوذي" و"المغنى" لابن قدامة (١ - ٩٩) وما بعدها
و" الشرح الكبير" لا بن قدامة (١ - ١١٤) ثم هذا كله فى الوضوء.
وأما فى الغسل فيجب غسل الحية، عند جماهير الأمة إلا عند مالك وبعض
علماء المدينة والله أعلم. قل الحنفية يجب ايصال الماء إلى البشرة لرجل خفيف
الحية ، وهى التى يرى تحتها البشرة لاكث الحية، وفى المختلطة خفة وكثافة
العبرة للغالب منها .
كيفية تخليلها : وهى أن يخللها بأصابعه من أسفلها ولم يشترط تقاطر.
الماء من الأصابع .
الأحاديث فى تخليلها : أخرج الحافظ الزيلعى الأحاديث فيه من أربعة
عشر صحابياً مع الكلام عليها ، وقال : كلها مدخولة، وأمثلها حديث عثمان
رواه " الترمذى" و" ابن ماجه" وابن حبان فى " صحيحه" والحاكم فى
"المستدرك " الخ راجع "نصب الراية" (١ - ٢٣) وما بعدها، ورواه ابن
خزيمة فى " صحيحه" أيضاً قاله العماد المقدسى فى "١" رر" فإذن ما قاله
ابن أبى حاتم فى "كتاب العلل" لا يثبت فى تخليل الحية حديث امـ غير
متجه ، كيف؟ وقد حسن حديث عثمان البخارى كما فى "كتاب العلل الكبرى"
للترمذى، حكاه الزيلعى، وحسن ابن حجر حديث عائشة فى " التلخيص "
والله أعلم .
-: باب ما جاء فى مسح الرأس أنه يبدأ بمقدم الرأس إلى مؤخره :-
اتفقت الأمة على فرضية مطلق المسح، وكذا اتفق الجماهير على استحباب
٠

١٧٤
معارف السمن
إبن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد أن رسول الله عَلّ مسح رأسه بيديه
الاستيعاب، واختلفوا فى القدر الذى يجتزئ فى الفرض فقال مالك : هو
الرأس كله . وقال غيره: هو البعض. ثم اختلفوا فى ذلك البعض ، فحدده
أبو حنيفة وأصحابه وبعض الحنابلة : بمقدار الناصية ، وهو الربع منه ؛ وقد
صحت به الأحاديث، وروى عن أبى حنيفة: قدر ثلاث أصابع، وعند الشافعى
أدنى ما يطلق عليه اسم المسح، وأقله ثلاث شعرات، وعندبعض الشافعية هو
أكثر الرأس ؛ وكذلك اختلفوا فى تخريج وجهالخلاف راجع " بداية المجتهد"
(١ - ٩) و "المغنى" لابن قدامة (١ - ١١٢) وما بعدها و"المجموع شرح
المهذب» (١ - ٩٩) وما بعدها و"البدائع" للكاف (١ - ١١٢) و" البحر
الرائق" (١ - ١٤) و "فتح القدير" (١ - ١١) و " العمدة" للعيفى
(١ - ٨١٩) ويطول بنا القول لو توسعنا فى الموضوع فنقتنع بهذه الدلالة.
على مواطن التحقيق والتفصيل من مناحى البحث كلها والله الموفق .
قد محت فى مسح الرأس كيفيات كثيرة فمنها : الإقبال والإ دبار بالمسح
للاستيعاب ؛ وقد رويت فى "الصحيحين"، وهى التى اختارها الحنفية.
ومنها ما أخرجها أبو داؤد فى " سننه" من حديث ربيع بنت معوذ، وفيه :
فمسح الرأس كله من قرن الشعر الخ . ومنها ما روى عن أحمد بن حنبل فى
مسح المرأة سئل كيف تمسح المرأة ؟ فقال هكذا : ووضع يده على وسط
رأسه ، ثم جرها إلى مقدمه ، ثم رفعها فوضعها حيث منه بدأ ؛ ثم جرها إلى
مؤخره . وقد ظن هذا المسح ثلاث مرات وانظر تفصيل كيفيات المسح فى
"عمدة القاري" (١ - ٨٢٠) و "المغنى" لابن قدامة (١ - ١١٤) وما
قاله أحمد دليله حديث الربيع وهو ما رواه أبو داؤد أيضا وفيه : فمح الرأس
كله من قرن الشعر الخ، وهى الكيفية عند أحمد لمن له شعر على رأسه وللمرأة،
راجع "المغنى". ومنها: ما أخرجه أبو داؤد فى "سننه" من طريق أبى معقل عن

١٧٥
تفسیر الإقبال والإدبار
فأقبل بها وأدبر ، بدأ بم قدم رأسه ثم ذهب بها إلى قفاه ثم ردها حتى رجع
إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه . وفى الباب عن معاوية والمقداد بن
معد يكرب وعائشة. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن زبد أصح شى فى هذا
الباب وأحسن ، وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق .
أنس ابن مالك وفيه، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم بنقض
العمامة اه وأبو معقل هذا قال الحافظ فى الكنى من " التهذيب" (١٢-٢٤٢)
مجهول، وسماء فى " الفتح" (٤-١٤) عبد الله بن معقل، وكذا فى الجزء السادس
من "التهذيب" قال: عبد الله بن معقل هو أبو معقل سماه صاحب "الأطراف"،
والكيفية التى يذكرها سديد الدين الكاشغرى فى " المنية" نقلا عن " المحيط"
من مجافاة السياحتين مطلقاً ليمسح بها الأذنين ، ومجافاة الكفين فى الإدبار
ليرجع بها على لنفودين، اعترض عليه ابن الهام فى "فتح القدير» (١ - ١٢)
بأنه لا أصل له من السنة لأن الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال ، والأذنان من
الرأس حتى جاز اتحاد بلتها؛ ولأن أحداً ممن حكى وضوء رسول اللّه عليهوسلم
يؤثر عنه ذلك ! فلو كان ذلك من الكيفيات المسنونة وهم شارعون فى حكايتها
لترتكب وهى غير متبادرة لنصوا عليها أهـ .
قوله: فأقبل بهما وأدبر: هذا الإقبال والإدبار حركتان فى المسح، والمسح
مرة، وأحياناً عنهما يعبر الراوى بالمسح مرتين؛ والحال أن الحركتين لاستيعاب
الرأس بالمسح، وزعم البعض منه المسح مرتين، ونرجئى البيان فيه إلى بابه .
قوله : بدأ بمقدم رأسه ، ظاهره أن تفسير الإقبال والإدبار هكذا خلاف
اللغة، فإن الإقبال فى اللغة التوجه إلى القبل كما أن الإدبار هو التوجه إلى
الدبر، والإقبال فى اللغة الأردية " أكلى طرف آنا" والإدبار " يجهلى طرف
آنا"، وزعم بعضهم أن تفسيرهما بما ورد هو الصحيح لغة لوروده فى
الحديث ، وليس مدرجاً من الراوى قاله الحافظ فى "الفتح" و"ابن دقيق

١٧٦
معارف السن
( باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس )
حدثنا: قتيبة نا بشر بن المفضل عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع
العيد" فى " الأحكام" و البدر العينى. فى " العمدة"، ولكن الجمهور
من العلماء يقولون أن الراوى من النبى معَ اله لم يراع الترتيب، والواو لادلالة فيها
على الترتيب. قال شيخنا رحمه الله: وإنما قدم الإقبال فى التعبير مراعاة لاستعمال
العرف الشائع فإنهم يقدمون الإقبال على الإدبار كما قالت خنساء رضى الله عنها:
فإنما هى إقبال وإد بار ( ١)
مكر مفر مقبل مدير معا ( ٢ )
وقال امرئ القيس :
فالصحيح أن الإقبال هو التوجه إلى القدام ، والإدبار هو التوجه إلى
الخلف ، فما قيل أن أقبل أى أقبل على القفا، وأدبر أى من القفا، فتكلف
ولم يثبت فى اللغة ، انظر " فتح البارى" (١ - ٢٠٥) وكيف وقد ثبت فى
طريق عند البخارى " فأدبر بيديه وأقبل" فأية حاجة دعته إلى ارتكاب تكلف
مع وجود هذا اللفظ؟ وبكاد يكون قول ابن حجر فى "الفتح": " إنها من
الأمور الإضافية" فصلاً فى الموضوع، وقال أبو بكر ابن العربى فى "العارضة":
وسماه إذ باراً يريد فى قوله بلفظ آخر "فأدبر بها وأقبل"، لأنه فعل بؤل إلى الدبر
فسماه بما يؤل إليه، وهى مسألة خلاف فى أصول الفقه هل يسمى الفعل بمبدئه
أو منتهاه ؟ الخ، وما قال النووى فى "شرح مسلم" (١ - ١٢٣) ما ملخصه: إن
الإقبال والإدبار كليهما إنما يستحب لمن كان له شعر غير مضفور، ومن لم يكن
له شعر وكان مضفوراً فلا فائدة فى الإدبار الخ تكلف مستغنى عنه والله أعلم .
-: باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس :-
(١) صدر البيت "ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت" والخنساء صحابية مخضرمة
وأكثر شعرها فى الجاهلية بل قال بعضهم لم يثبت لها شعر فى الإسلام .
(٢) وعجز البيت: "كجلمود صخر حطه السيل من على".

١٧٧
مسح الرأس مرة
بنت معوذ بن عفراء أن النبى محمد الجّ مسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم
بمقدمه وبأذنیه كلتيهما ظهورهما وبطونهما . قال أبو عیسی : هذا حديث حسن وحدبث
عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود، وقد ذهب بعض أهل الكوفة إلى هذا
الحديث منهم وكيع بن الجراح .
( باب ما جاء أن مسح الرأس مرة)
حدثنا: قتيبة نا بكر بن مضر عن ابن عجلان عن عبد الله بن محمد بن
عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها رأت النبى معَّ الج يتوضأ، قالت مسح رأسه
وسح ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة . وفى الباب عن
من هنا ذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر الحديث ، واختار البداية بمؤخر
الرأس ، وأجابوا عنه بوجوه . قال شيخنا : وينبغى حمله عندى على ما رواه
أحمد بن حنبل من حديث الربيع بنت معوذ . قال الراقم : وروايات الربيع فى
"السنن" و "مسند أحمد" على أربعة كيفيات وجدتها وراجع "كنز العمال"
(٥ - ١٠٣) ولعل الشيخ أراد من تلك الرواية حديث الربيع ما أخرجه "أحمد"
و "أبو داؤد" فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر الخ ،
فالحديث واحد واختلفت طرقه وألفاظه ، فتفسر إحدى الروايات عنها بالأخرى
والتصرف فى التعبير من الرواة ، وقد أجاب عن حديث الباب فى " العارضة"
بما ملخصه : أنه خلاف رواية الحفاظ كلهم ، ولعله تفسير من الراوى لما ورد
فأدبر بها " فحمله على البداية بالمؤخر اهـ .
قوله : مرتين، يريد الحر كتين للاستيعاب لا المسحتين كل مرة بالاستيعاب.
-: باب ما جاء أن مسح الرأس مرة :-
اختار الحنفية وجمهور العلماء كما قاله الترمذى المسح مرة ، والمختار عند
شافعية فى الأصح عندهم تثليثه ، والأحاديث الصحيحة تؤيد الجمهور ، وقد
( ٢ - ٢٣ )

١٧٨
معارف السنن
على وجد طلحة بن مصرف ابن عمر. قال أبو عيسى: حديث الربيع حديث حسن
قال أبو داؤد فى "سننه»: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن المسخ
مرة واحدة الخ، وفى رواية الحسن عن أبى حنيفة فى "المجرد" تثليث المسح بماء
واحد " فتح القدير" (١ - ٢٢) و " العناية" من هامش " الفتح" وإذا كان
بمياه فغير مسنون، ثم هل يكره؟ فالمذكور فى "المحيط" و"البدائع" أنه يكره،
وفى "الخلاصة" أنه بدعة ، وقيل لا بأس به ، وفى " فتاوى قاضيخان "
لا يكره ولكن لا يكون سنة ولا أدباً اهـ "البحر الرائق" (١ - ٢٢)
وفى "البحر" بعد حكاية هذه الأقول وهو - أى ماقال قاضيخان - الاولى،
والدار قطنى فى "سننه" (ص - ٣٣) أخرج رواية المسح ثلاثاً عن طريق
أبى حنيفة ثم أنكر عليه بأن مذهبه خلاف روايته ؛ وأيضاً رد بأنها خلاف
رواية جماعة من الحفاظ . قال شيخنا : والعجب منه كيف يرد على أبى حنيفة
روايته والحكم عنده هكذا من تثليث المسح! قال شيخنا: حكى الإمام الرازى
عن الشيخ محى السنة البغوى وهو شيخه بواسطة أبيه: أن الأقوى فى مسح الرأس
مذهب أبى حنيفة ، فما يحكيه الشيخ عبد الحق الدهلوى فى " مدارج النبوة "
عن ابن ظهيرة القرشى المكى (١) أن الأقوى فيه مذهب مالك . قال الشيخ :
فلاعبرة لقوله فى مقابلة قول البغوى فأين هو منه !؟ والغرض فى تحديد المقدار
المفروض لاغير .
قوله : طلحة بن مصرف بن عمر : هكذا فى بعض النسخ وهو غلط ،
والصحيح مصرف بن عمرو، بالواو .
(١) حكاه فى "المدارج" (١ - ٣٣٩) عن شيخه على بن جار الله مفتى
الحرم الشريف عن بعض العلماء وهو على بن جارالله بن ظهيرة الحنفى ، وله
ذكر فى "رد المحتار" فى الإمامة، وهو غير حمد بن ظهيرة القرشى المخزومى
الشافعى المحدث الجليل المترجم له فى " ذيل طبقات الذهبى" للمسنى .

١٧٩
ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماءً جديداً
صحيح. وقدروى من غير وجه عن النبى معَّ لّ أنه مسح برأسه مرة، والعمل على
هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ ومن بعدهم ، وبه يقول جعفر بن
محمد وسفيان الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق رأوا مسح الرأس
مرة واحدة .
حدثنا : محمد بن منصور قال سمعت سفيان بن عيينة يقول سألت جعفر بن
محمد عن مسح الرأس أيجزئ مرة ؟ فقال إى والله .
( باب ما جاء أنه بأخذ لرأسه ماء جديداً)
حدثنا: على بن خشرم نا عبد الله بن وهب نا عمرو بن الحارث عن حيان
ابن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبى ◌ُّلُّ توضأ وأنه مسح
رأسه بماء غير فضل يديه. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وروى
ابن لهيعة هذا الحديث عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد أن النبى
حدث لهم توضأ وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه . ورواية عمرو بن الحارث
عن حهان أصح لأنه قد روى من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد
وغيره أن النبى ◌َّ لِ أخذ لرأسه ماءً جديداً والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم
رأوا أن بأحذ لرأسه ماء جديداً .
-: باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماءً جديداً :-
قوله : بماء غير فضل يديه . كلمة " غير" بالغين المعجمة والياء المثناة
التحتانية هكذا فى رواية عمرو بن الحارث ، وفى رواية ابن لهيعة " بما غير
فضل يديه " بما الموصولة وبعده فعل ماض بالغين المعجمة ثم الباء الموحدة
التحتانية، ومعناه الذى بقى من فضل يديه، فاللفظ الأول يدل على أخذ ماء جديد،
وهو الذى يلائم ترجمة الباب ، واللفظ الثانى يدل على عدم أخذ ماء جديد ،
وإنما اكتفى بالبلة الباقية على اليدين من غسلهما . ثم النسخ تختلف فى رواية ابن

١٨٠
معارف السْن
( باب مسح الاذنين ظاهرها والخنهما )
حدثنا: هنادنا ابن ادريس عن ابن عملان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن
يسار عن إبن عباس أن النبى فَلّ صسح برأسه وأذنيه ظاهرها وباطنها. وفى
لقيمة، ففى بعضها خارج جامع الترمذى " بماء غير فضل يديه" كما فى رواية
"الدارمى" من طريق ابن لهيعة؛ وكذا عند أحمد فى "مسنده"، وفى بعضها " بما
غبر فضل يديه" قال شيخنا: وظنى أن اللفظ الصحيح فى رواية عبد الله بن زيد هو
"بماء غير فضل يديه" بالياء المشاة التحتانية، والباقى تصحيف، نعم ثبت من
حديث الربيع عند أحمد وأبى داؤد بإسناد ثابت : " مسح برأسه من فضل ماء
كان فى يده" وهذا صريح فى الاستدلال به الحنفية. فالحاصل أنه ثبت كلا
الأمرين ، ومذهب الحنفية يوافق كلا الحديثين ، نعم حديث الربيع حجة على
الشافعية حيث اكتفى فيه بالماء الباقى، وحديث الربيع فيه ابن عقيل ، وقد حسن
الترمذى حديثه هنا بل صححه أيضاً فى طريق آخر ، ومن ههذا يظهر أن الحكم
بالصحة تارةً يكون بثبوت قرائن على صحته وإن كان فيه من تكلم فيه فلم يكن
المدار على الرواة فقط والله أعلم. فالحديث دل على أخذ الماء الجديد لمسح
الرأس وهوسنة عندنا معاشر الحنفية ويشترط عند الشافعية، فلوتوضأ ومسخ بيلة
باقية على يدبه جاز بها المسح، لأن الماء لم يستعمل ما لم ينفصل عن العضو،
والباقى على العضو كغير المنفصل فى الحكم وقد مر، وأما مسح الأذنين فالمسنون
عندنا مسحهما بماء الرأس إن كانت فى اليدين بلة؛ وإلا أخذ الماء الجديد لهما كما
صرح به ابن الهمام فى " فتح القدير" (١ - ١٩) وعليه فليحمل الإحاديث
التى ورد فيها أخذ الماء الجدید لها، والحجة فى ذلك حديث فى الباب بأتى بعد
الباب اللاحق .
-: باب مسح الأذنين ظاهرها وباطنها :-
قوله : أذنين ظاهرها وباطنها ، هذه الرواية مجملة فى بيان الكيفية ، وقد