النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
بيان المذاهب فى تأثير الأشياء
٠٠
فحصبه ابن عمر وقال: أخبرك عن رسول اللّه مَ الٍ، وتقول: أرأيت إن
كان حوضاً؟ رواه "الدارقطنى".
ومنها : ما أخرجه مسلم فى (كتاب الإيمان) من " صحيحه " عن عمران
ابن حصين قال قال رسول اللّه بجَ التٍّ: الحياء خير كله أو قال الحياء كله خير، فقال
بشير بن كعب: إنا لنجد فى بعض الكتب أو قال الحكمة، إن منه سكينة ووقاراً
الله قال: ومنه ضعف، قال فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال : أحدثك
عن رسول اللّه ◌َخٍَّ وتعارض فيه؟ قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد
بشير، فغضب عمران ، قال: فمازلنا نقول: إنه منا يا أبانجيد، إنه لا بأس به .
أبو نجيد كنية عمران .
ومنها: ما رواه الترمذى حديث الإشعار فى أواخر (أبواب الحج) وقال:
وقال وكع: لإشعار سنة، فقال رجل عن إبراهيم النخعى: أنه مثلة ، فغضب
وكيع غضباً شديداً وقال: أقول لك قال رسول اللّهِ بَ لّ وتقول: قال إبراهيم؟
ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا! فكل ذلك من قبيل
المعارضات الصورية ، كان واجباً أن يجتنب عنها فى مثل هذا، وإن كان
غرض المخاطب صحيحاً فى نفسه . فالإمام ابن سيرين أنبل وأجل من أن يعارض
قوله فَخُلّ بقوله، بل صدر ذلك عنه لعدم علمه بالحديث، هذا ما تيسر والله
أعلم . وأفاد شيخنا رحمه اللّه فيما ألقاه علينا فى تدريس " الجامع الترمذى":
إن قوله جَالّ: إن عامة الوسواس منه، له صلة قوية بمسألة اختلف فيها أنظا.
"الماتريدية" و"الأشعرية" من المتكلمين، وأنظار "الفلاسفة" وهى أنه:
هل فى الأشياء خواص مؤثرة أم لا؟ وفيه مذاهب:
الأول: مذهب الإمام أبى الحسن الأشعرى، وهو أنه لا علاقة بين الأشباء
وآثارها إلا يجرى العادة الإلهية بخلق بعضها عقيب بعض كالإحراق عقيب مماسة
النار، فلادخل النار حقيقة فى الإحراق فله أن بخلق الإحراق من غير نار وأن
١١

١٤٢
٠٠٠
معارف السنن
يخلق ناراً من غير أن تحرق .
والثانى: مذهب المعتزلة: وهو القول بالتوليد بأن خلق الأشياء وفيها
خواص مؤثرة تتولد هذه من تلك الأشياء وجوباً من غير أن هناك دخل لقدرة
الله فى تأثيرها .
والثالث: مذهب الحكماء والفلاسفة وهو القول بالإعداد بأن صدور الآثار
من القابل بإتمام الاستعداد من المبدأ الفياض فإذا تم الاستعداد حصل عقيب
ذلك الآثار وجوباً عقلياً لا يمكن أن تتخلف عنه .
والرابع: مذهب أبى منصور الماتريدى وأتباعه ، وهو القول بخلق التأثير.
فى الأشياء بأن فى الأشياء خواص مؤثرة مستندة إلى قدرة اللّه وخلقه إياها،
ومع هذا يقدر أن يجردها عنها متى شاء، وهذا المذهب هو الذى تخضع لها
العقول السليمة، وعليها تضافرت الأدلة السمعية ، قال تعالى حكاية عن عيسى
عليه السلام: " وأحيي الموتى بإذن الله" فنسب الإحياء إلى نفسه، وعقبه بقوله
"بإذن الله" إشارة إلى عدم استقلال قدرته فى الخلق والإحياء، ويمكن أن يأول
قول الأشعرية : بأن ذلك فى عالم التقدير فوق عالم التكوين . ثم إن الفلاسفة.
يسندون المعلول إلى مجموع العلتين، وأهل الحق إلى العلة الأولى وهو الحق
تعالى حقيقة، وإلى العلة الأخيرة مجازاً ، وما حكاه بحر العلوم اللكنوى فى
" شرح المثنوى" من استناده إلى العلة الأخيرة عند الفلاسفة فهو منه فى نقل
المذهب. هذا ما حصلته من إفادة الشيخ مع إيضاح وتقرير لغرضه مستفيداً مما
ذكره السنديلى فى " شرح سلم العلوم" وراجع كنب الكلام، وبالأخص
" مرقاة الطارم" للشيخ فتجد ما يشفى غليلك ، وهو كتاب فى حدوث العالم
جاء فيه بتحقيقات ونكات وأبحاث لم يسبق إليها ولم يستوف فيه الأدلة وإنما
استوفاها فى رسالته المنظومة "ضرب الحاتم على حدوث العالم".

١٤٣
ما جاء فى السواك
(باب ما جاء فى السواك)
-: باب ما جاء فى السواك :-
السواك : تحقيق لغته، وبيان حكمه، وكشف حكمة. أما لغته :
فيكسر السين ما يتسوك به من العود، فيرادف المسواك إذن ، وهو يذكر
ويؤنث، قاله صاحب "المحكم" وغيره. وأنكر تأنيثه الأزهرى، وربما همز
وبضم السين فيقال : سؤاك ، قاله أبو حنيفة الدينورى الحنفى ، وجمعه سوك
بالضمتين، وقد تسكن الواو تخفيفاً ، ويطلق على نفس الفعل وهو الاستباك ،
ثم هو مأخوذ من ساك الشئ إذا دلكه ، أو من تساوك فى قولهم جاءت الإبل
تتساوك أى تتمايل فى مشيتها هزالاً ، فكان السواك الحركة بلين، هذا من جهة
اللغة . وأما من جهة العرف فهو استعمال عود أو نحوه فى الأسنان لتطبيب الفم
وننظيفه هذا ملخص ما قاله النووى فى " شرح المهذب" وشرح مسلم " وما
قاله ابن العربى فى " شرح الترمذى.
وأما حكمه : فهو سنة، وأجمعوا على ذلك ، وشذ عنهم إسحاق ، وداؤد،
فقالا: بوجوبه كما حكاه صاحب "المغنى". وقال النووى: لم يصح عن
إسحاق هذا ، وكذا المشهور عن داؤد القول بالسنية، وإن صح قوله بالوجوب
فلايضر إجماع المحققين. ثم هو من سنن الوضوء أو الصلاة أو الدين أقوال ،
وسيأتى الكلام فيه ، ولاشك أنه يتأكد استعماله فى أوقات وحالات ذكروها ،
وراجع لتفصيل المذاهب وتحقيقها "المغنى" (١ - ٧٨) و" شرح المهذب"
(١ - ٢٧١) و"شرح البدر العينى (٣ - ٢٥٦ )
وأما حكمته : فهى تحتوى على فوائد كثيرة ، وقد وقعت الإشارة إلى
بعض حكمها فى الأحاديث. منها قوله بعد تج : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب
رواه أحمد وابن حبان من حديث عائشة ، وراجعها مما سردها البدر العينى فى
"شرح الصحيح" (٣ - ٢٥٧ و ٢٥٨) وقد استقصى فوائدها السيد أحمد

١٤٤
معارف السنن
...
...
...
٠٠٠
٠ ..
٠٠.
الطحطاوى فى " شرحه على مراقى الفلاح" والسيد الزبيدى فى " شرحه على
الإحياء " وأفردها بعضهم بالتأليف .
وأما كيفية السواك واستعماله وعوده فراجعه من " شرح البدر العينى"
وغيره . اختلفوا فى أن السواك من سنن الوضوء أو من سنن الصلاة ، وزاد
العينى فى "العمدة" (٣ - ٢٥٦) وقال: بعضهم من سنة الدين ، وقال: نقل
ذلك عن أبى حنيفة، وقال فحينئذ يستوى فيه كل الأحوال، وذكر: فى "كفاية
المنتهى" أنه يستاك قبل الوضوء الخ، وراجعها للتفصيل، وكذا راجع "فتح المنهم"
لشيخنا العثمانى (١-٤١٦). وذهب أبو حنيفة وأتباعه إلى الأول، والشافعى وأصحابه
إلى الثانى، واستدل كل فريق بأحاديث. وتأول بعض الحنفية لفظ "عند كل صلاة"
فى الرواية "عند وضوء كل صلاة"، واستدلوا لذلك بما رواه ابن حبان فى "صحيحه"
عن عائشة مرفوعاً: "لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند
كل صلاة " وقال النيهوى إسناده صحيح. ولكن يرد عليه ما فى " الزوائد "
وعزاه إلى أحمد بلفظ: لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك؛
وثمرة الاختلاف تظهر فى رجل توضأ واستاك وصلى ثم صلى بهذه الطهارة
صلوات أخرى فهل هذه الصلوات أديت بسنة السواك أم لا؟ فعندنا الحنفية نعم!
وعند الشافعية لا. كما فى "البحر" و"رد المحتار" (١ - ١٠٤) وقال: وعلله
السراج الهندى فى "شرح الهداية" بأنه إذا استاك للصلاة ربما يخرج دم وهو نجس
بالإجماع وإن لم يكن ناقضاً عند الشافعى انتهى. وكان شيخنا يقول والأولى
تركه عند الصلاة لمن كان ضعيف اللثة لاحتمال خروج الدم . قال الراقم :
وقبل فى مثل هذا أن يستاك بالأسنان واللسان بالرفق دون اللثة حتى يؤدى السنة
والله أعلم قال شيخنا رحمه الله: لاخلاف بين الشافعية وبيننا فإن الشيخ ابن
الهام صرح فى "فتح القدير" (١) أنه يستحب فى خمسة مواضع: اصفرار
(١) (ص - ١٦) ناقلاً عن المقدمة الغزنوية، وفى الأصل المطبوع بالميرية

١٤٥
بحث أفضلية السواك
٠٠٠
...
السن ، تغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء؛
فإن قيل : إن بين السنية والاستحباب فرقاً، وقد قلتم بالسنية عند الوضوء ،
ودل هذا بالاستحباب عند الصلاة والوضوء ، قال شيخنا : الاستحباب والسنية
كلاها متقارب لا تخالف بينها ، ويكفى لرفع الخلاف هذا القدر، ومن أجل
هذا لم يذكر الطحاوى فى "شرح معاني الآثار" خلافاً بين المذهبين فى المسألة،
بل يستفاد من صنيع الطحاوى ومما حكاه "على القارى" عن "التاتار خانية" ومن
تصريح ابن الهام أنه من سنن الصلاة كما هو من سنن الوضوء، فلاحاجة إلى التأويل
والتكلف. وقال ابن عابدين فى "حاشيته على البحر الرائق": وقد يقال إن ما نقاوه
من أنه عندنا للوضوء مرادهم به بيان ما به أفضلية الصلاة التى بسواك على غيرها
كما ورد فى الحديث : "صلاة بسواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير
سواك" فكونه للوضوء لا ينافى ذلك كما لا ينافى استحبابه عند غيره انتهى
باختصار . قال الراقم : والحديث عندهم ضعيف، ويكفى للعمل فى الفضائل .
أقول: وله إسناد جيد راجع "الترغيب" للمنذرى و"العمدة"، وغاية ما فى
الموضوع من الخلاف يكون من اختلاف الأنظار بعد اتفاقهم فى العمل ،
فالحنفية لما رأوه أقرب إلى الطهارة وألصق بموضوعها فألحقوه بسنن الوضوء ،
وبدل على هذا ما أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" وأخرجه أبو داؤد فى
"سننه" فى ( باب السواك) من حديث عبد الله بن حنظلة "إن رسول الله
" الهداية الغزنوية" وقال ابن الهام بعد نقله: والاستقراء يفيد غيرها اهـ .
ويريد إن تتبعنا الأحاديث لوجدناه فى غيرها أيضاً وهو كذلك ؛ راجع
"كنز العمال " وغيره حتى يتضح ذلك فى جلاء ، فيستحب عند دخول البيت،
وعند قراءة القرآن ، وعند كثرة الكلام، وعند طول السكوت، وغيرها أيضاً.
( م - ١٩)

١٤٦
معارف السنن
٠٠٠
٠٠.
...
٠٠٠
...
أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أوغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك
لكل صلاة اهـ. فعلم من ذلك أن السواك من أجزاء الوضوء والطهارة حيث أقيم
مقامه. قلت: ووقع فى رواية عند النسائى " عند كل وضوء"، قال ابن دقيق العيد فى
"الإمام": ورواها ابن خزيمة فى "صحيحه"، وفى "الخلاصة" وصححها
الحاكم، وذكرها البخارى فى "صحيحه" تعليقاً فى ( كتاب الصوم ) كذا فى "نصب
الراية"، وقد أخرجه الطحاوى فى ( باب الوضوء هل يجب لكل صلاة ) بنفظ
"مع كل وضوء"، ومثله عند البيهقى فى "الكبرى" فى (باب الدليل على أن
السواك سنة ليس بواجب ) (١ - ٣٥) ومثله عند أحمد فى "مسنده" من
طريق عن ابن شهاب الخ . قال ابن قدامة المقدسى فى "المحرر" رواته كلهم
أئمة أثبات اهـ. وروى عن على بلفظ "مع كل وضوء" مرفوعاً عند الطبرانى
فى "الأوسط" وإسناده حسن كما قاله الهيثمى، وروى عن تمام بن العباس
بلفظ : "عند كل طهور" مرفوعاً عند "أحمد" و"الطبرانى" فى "الكبير" وفيه
مجهول ، ورواه مالك والشافعى أيضاً بلفظ "مع كل وضوء" وهذا كله يدل
على أن ما ذهب إليه الحنفية له وجه قوى، وعند كل صلاة يحتمل كلا الأمرين:
أن يكون مع الصلاة من غير وضوء ، وأن يكون مع الوضوء للصلاة . ولفظ:
مع كل وضوء لا يحتمل إلا وجهاً واحداً. وراجع "فتح الملهم" لشيخنا العثمانى
ومهما يكن من شئى والأحاديث التى تؤيد مسلك الحنفية أكثر مما يؤيد غيرهم
فى هذا الباب والله أعلم بالصواب. وذكر ابن رشد الكبير فى "المقدمات":
السواك من مستحبات الوضوء عند مالك ، فكان مثل الحنفية ، وقال النووى
فى "المجموع" (١ - ٢٧٢): الخلاف إنما هو فى أنه يعد من سنن الوضوء
أم سنة مستقلة عند الوضوء لامنه اهـ. وهذا يدل على أن الخلاف المشهو
بير الحنفية والشافعية ليس فى مجمله والله أعلم . فعلم منه ن السواك يكون عند
الوضوء عند الفريقين ، ثم إنه عند الحنفية من سنن الوضوء تابعاً له ، وعند

١٤٧
سنية السواك
حدثنا : أبو كريب ثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة
عن أبى هريرة قال قال رسول الله بجَالّ: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم
بالسواك عند كل صلاة . قال أبو عيسى : وقد روى هذا الحديث محمد بن
إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن زيد بن خالد عن النبى وَلَّم.
وحديث أبى سلمة عن أبى هريرة وزيد بن خالد عن النبى حَ لٍّ كلاها عندى
صحيح، لأنه قد روى من غير وجه عن أبى هريرة عن النبى عَ لّم هذا الحديث،
وحديث أبى هريرة إنما صحح لأنه قد روى من غير وجه .
وأما محمد فزعم أن حديث أبى سلمة عن زيد بن خالد أصح.
الشافعية من سنن الصلاة تابعاً لها ، ومحله عند الفريقين الوضوء دون الصلاة .
قوله لأمرتهم بالسواك ، قال النووى فى "شرح مسلم" فى ( باب السواك)
(١ - ١٢٧): وفيه دليل على جواز الاجتهاد للنبى عَلّ فيما لم يرد فيه نص
من الله تعالى وهذا مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول ، وهو الصحيح
المختار اهـ. وفيه دليل على أن الأمر للوجوب، وهو مذهب أكثر الفقهاء ، و
جماعات المتكلمين وأصحاب الأصول ، قالوا وجه الدلالة أنه مسنون بالاتفاق ،
غدل على أن المتروك إيجابه؛ وهذا الاستدلال يحتاج فى تمامه إلى دليل اهـ .
قال شيخنا رحمه الله: السواك كان عليه حَ لّ واجباً، والغرض من قوله:
لولا أن أشق الح . أنه لولا مخافة المشقة والحرج على الأمة لجعلت عليهم واجباً
أيضاً كما هو على .
قوله : أما محمد فزعم ، قال الشيخ رحمه الله : من هنا قال بعض الحفاظ
أن الترمذى يأتى بأحاديث لم يشتهر فى الباب، وغرضه الاطلاع على فائدة جديدة،
فشيخه البخارى يأتى بحديث والترمذى يأتى بغيره مع علمه على ذلك لأجل
الفائدة .

١٤٨
معارف السنن
وفى الباب عن أبى بكر الصديق و علی و عائشة وابن عباس وحذيفة وزيد بن خالد
وأنس وعبد الله بن عمرو وسلم حبيبة وابن عمر وأبى أمامة وأبى أيوب , تمام بن
عباس وعبد الله بن حنظلة وأم سلمة وواثلة وأبى موسى .
حدثنا : هنادنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبى
سلمة عن زيد بن خالد الجهنى قال سمعت رسول اللّه عَ لّ يقول: اولا
أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت صلاة العشاء إلى
ثلث الليل . قال فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات فى المسجد وسواكه على
أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى
موضعه. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
قوله : وفى الباب الخ دل هذا على أنه تواتر إسناداً ولا شك فى توائره
عملاً.
قوله : ولأخرت صلاة العشاء، للحنفية قولان فى استحباب تأخير العشاء قيل
إلى ثلث الليل ، وقيل إلى نصف الليل. ووجهها مذكور فى المبسوطات من
كتب الفقه . وممن تصدى لبيانه أبوبكر الكاسانى فى "البدائع" (١ - ١٢٦)
وابن نجيم فى "البحر" (١ - ٢٤٧) وللبحث بقية تأتى فى المواقيت ، وأما
تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل ، فقيل : بكره تحريماً ، وقيل تنزيهاً . و
اختاره "الطحاوى" ثم المحقق "ابن أمير الحاج"، ويستثنى من هذا المسافر
على رأى شيخنا رحمه الله .
قوله : إلا استن: الاستنان افتعال من السن، وهو استعماله على الأسناد
وإمراره عليها .

١٤٩
حديث الاستيقاظ من النوم
( باب ما جاء اذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن
يده فى الاناء حتى يغسلها )
حدثنا : أبو الوليد أحمد بن بكار الدمشقى من ولد بسرين أرطاة صاحب
النبى ◌َُّلّ قال نا الوليد بن مسلم عن الأوزاعى عن الزهرى عن سعيد بن المسيب
وأبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى عَ لّ قال: إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا
يدخل بده فى الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلثاً فإنه لا يدرى أين باتث يده .
-: باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده فى الإناء حتى يغسلها :-
قوله: الوليد بن مسلم: الوليد بن مسلم هذا کان بدلسچعن الأوزاعی ندایس
التسوية، (وهو: حذف ضعيف بين ثقتين، وقد مربيانه) فقال له الهيثم بن خارجة:
قد أفسدت حديث الأوزاعى، قال كيف؟ قلت: تروى عن الأوزاعى عن
نافع والأوزاعى عن الزهرى، وغيرك يدخل بين الأوزاعى وبين نافع: عبد الله
ابن عامر الأسلمى ، وبينه وبين الزهرى إبراهيم بن مرة وقرة ، قال أنبل
الأوزاعى: أن يروى عن مثل هؤلاء ، قلت : فإذا روى عن هؤلاء وهم
ضعفاء أحاديث مناكير فاسقطتهم أنت ، وصيرتها من رواية الأوزاعى عن
الثقات ضعف الأوزاعى ، فلم يلتفت إلى قولى. وممن ذكر هذا العراقى فى
"نكته" وهذا لفظه وذكر: أن هذا القسم من التدليس: شرأقسامه وسماه
بهذا الاسم أبو الحسن القطان ، وقيل سماه "التسوية" من غير لفظ التدليس ،
والقدماء يسمونه التجويد. وفيه يقول ابن حجر فى "طبقات المدلسين": موصوف
بالتدليس الشديد مع الصدق اهـ. وصدقه هو الوجه فى رواية الجماعة عنه .
قوله : فلا يدخل بده الخ حكى النووى على "مسلم" (١ - ١٣٦) عن
الشافعى وغيره فى منشأه : أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم
حارة، فإذا نام أحدهم عرق ، فلا يأمن النائم أن تطرف بده على ذلك الموضع

١٥٠
معارف السنن
٠٠٠
...
٠٠٠
٠٠٠
...
النجس أو على بثرة أو قملة أو قذر أو غير ذلك اهـ. وحكى السيوطى عن
"البيضاوى": فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة ؛ لأن
الشرع إذا ذكر حكماً وعقبه بعلة دل على ثبوت الحكم لأجلها الخ كما فى "زهر
الربى على المجتبى" و"فتح البارى" (١ - ١٨٦) و"عمدة القاري" (١ - ٧٥٨)
ومذاهب الأئمة مذكورة فى الكتاب ، والحديث يفيدنا فى مسألة المياه
من تنجس الماء القليل بوقوع النجاسة وإن لم يتغير أحد أوصافه فإن ظاهر
الحديث يفهم منه : أن قليل النجاسة بنجس قليل الماء ، وكذلك هو صريح فى
منع إدخال اليدين فى الوضوء إذا لم تكن طهارتها معلومة ، أو إذا كانت نجاستها
مشكوكة ، فضلاً عن أن تكون هناك نجاسة يقينية . فالحديث إذن من أحكام
المياه، وقد تنبه له "ابن رشد" فى "بداية المجتهد" أيضاً، فذكره فى (باب المياه)
وجعله مداراً فى الباب، وكذلك استدل به صاحب "العناية" فى شرح "الهداية" بعد ما
اشار إليه صاحب "الهداية" وقال: وجه التمسك به أنه لما ورد النهى عن الغمس
لأجل احتمال النجاسة فحقيقة النجاسة أولى أن يكون نجساً اهـ، وكذلك صاحبه
"البدائع" وتفصيل هذا الموضوع يأتى فى موضعه إن شاء اللّه تعالى، وقال ابن الهمام
فى "فتح القدير" (١ - ٥٤) طبع الميرية ما ملخصه: أن الاستدلال به فى مسألة
المياه غير قوى لجواز تعليل النهى بأمر أعم من النجاسة أو الكراهة . قال
شيخنا رحمه الله: إخراجه من هذا الباب غير موجه وليست الكراهة إلا لاحتمال
النجاسة ، فالكراهة راجعة إلى النجاسة إلا أن يراد بالكراهة كراهة الفعل دون
كراهة الماء. وعلى كل حال الأقرب إلى الحديث : أن يكون من باب المياه ،
ومثله قال أبو الحسن السندى فى "حاشيته على النسائى" فراجعه، لا كما جعله الفقهاء
المصنفون عامة من باب الطهارة ؛ واستدلوا به البداءة بغسل اليدين ، نعم
للبداءة بغسلها أحاديث كثيرة غير هذا . قال صاحب "البحر": إن الابتداء
بغسل اليدين واجب إذا كانت النجاسة محققة فيها ، وسنة عند ابتداء الوضوء ،

١٥١
سبب المنع عن ادخال الید من غير غسل
٠٠.
...
...
٠٠٠
....
٠٠٠
وسنة مؤكدة عند توهم النجاسة كما استيقظ من النوم الخ . قال الراقم : هو
تفصيل حسن جداً أولى مما فى "الفتح" وغيره. وليس المدار على القيد فى
الحديث من الاستيقاظ من النوم، أما أولاً فلأن مفهوم المخالفة غير معتبر عندنا
بحيث أن يكون حجة شرعية فى الباب ، نعم هو محوج إلى نكتة لكيلا يهدر
محط الفائدة فى القيود فى كلام البلغاء . وقد مر التفصيل فيه فى حديث "مفتاح
الصلاة الطهور"، والنكتة هنا فى التقييد كثرة وقوع هذا بينهم ، فجرى الكلام
فى جزئى واقع بينهم ليكون بياناً لحكم عام . وأما ثانياً: فلأن التعليل أبدى
مدار الحكم ويكاد يكون هذا من قبيل تنقيح المناط .
فروع : والفروع عندنا فى هذا الباب من المسائل الفقهية كثيرة .
منها : من استنجى بالأحجار ثم أدخل يده فى الماء لا يفسد الماء وقيل
يفسد ، والمختار هو الأول .
نها: أن المحدث أو الجنب إذا أدخل يده فى الإناء للاغتراف وليس عليها
نجاسة لا يفسد الماء بل لا يصير الماء مستعملاً أيضا. ثم إن بعض الأشياء يتنجس
بعد طهارتها إذا أصابه بلل ، كموضع الاستنجاء وكالحوض النجس المتطهر
بالجفاف ، وكالإهاب المدبوغ المشمس . وراجع للتفصيل مبسوطات الفقه من
باب المياه، وباب الوضوء، وقد وجدت بعض هذه فى "البحر الرائق". وفروع
الشافعية تجدها فى الجزء الأول من "شرح المهذب" للنووى من مسائل المياه .
وفروع الحنابلة فى أوائل "المغنى" لابن قدامة مستوفاة .
( الحكمة فى عدم خمس البد فى الماء )
قد علم مما تقدم أن علة عدم غمس البد فيه هى احتمال النجاسة ، وإليه
ذهب الجمهور، وأن الحكم للاستحباب أو السنية، فمن لم تكن على يده نجاسة أو
كان آمناً من تطواف اليد على تلك المواضع، أو استنجى بالماء، فلا يجب

١٥,٢
معارف السنن
...
... ...
...
...
٠٠٠
عليه ذلك ، نعم هو أولى على كل حال . وقيل إن الأمر تعبدى غير معقول
المعنى، ونسب ذلك إلى مالك كما فى "الفتح" وغيره. وقال ابن تيمية
فى "فتاواه" (١ - ٨٠٧) ما حاصله: أن النهى ورد لأجل مبيت اليد
ملامسة الشيطان كما فى "الصحيحين" عن أبى هريرة عن النبى حَالَ: إذا استيقظ
أحدكم من منامه فليستنثق بمنخربه من الماء ؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه.
فأمر بالغسل معللاً بمبيت الشيطان ، فعلم : أن ذلك سبب الغسل عن النجاسة،
والحديث معروف. وقوله: فإن أحدكم لايدرى أين بانت يده، يمكن أن يراد به
ذلك ، فتكون هذه العلة من العلل المؤمرة التى شهد لها الص بالاعتبار انتهى
كلامه. (١) وتبعه صاحبه ابن القيم فى "تهذيب السنن"، ويريد ابن تيمية
بقوله : شهدلها النص بالاعتبار ، أنه من المصالح المعتبرة التى راعاها الشارع
وهى حجة عند الكل ، وليست من المصالح المرسلة التى ردها الجمهور، ما
عدا المالكية ، واعترض عليه إمام الحرمين، وأجاب عنه بعض كبار المالكية
كما هو مفروغ عنه فى محمله .
قال شيخنا : وما قاله فلاتساعده رواية ولا دراية ، أما أولاً : فلم يرد
فى حديث مبيت الشيطان على اليد كما ورد مبيته على الخياشيم ، والتعليل فى
الحديثين مختلف، ففى حديث الاستيقاظ علله فَ ل بقوله: فإنه لا يدرى أين
بانت يده ، وهو صريح فى أن الحكم لاحتمال مبيت اليد فى موضع النجاسة ،
والثانى يصدع بأن الحكم لأجل مبيت الشيطان على الخياشيم . ففى الأول نسب
المبيت إلى اليد وفى الثانى إلى الشيطان، وأتى هذا من ذاك ! ؟ وأما ثانياً :
فكان حق العبارة على ما يقتضيه الذوق وصناعة الفن أن تكون : فإنه
لايدرى ما ذا بات على يده أو من بات على يده حتى يتم ما أراده . وأما
(١) وأشار إلى هذا المعنى جده المجد ابن تيمية فى " المنتقى".

١٥٣
الناظ حديث المستيقظ
وفى الباب عن ابن عمر وجابر وعائشة. قال أبو عيسى هذا حديث حسن
صحيح. قال الشافعى أحب لكل من استيقظ من النوم قائلةً كانت أو غيرها
ثالثاً: فإنه ورد عنهد " الدارقطنى" بلفظ: أين باتت يده منه - أى من
جسده - وأخرجه ابن خزيمة فى " صحيحه" وصححه الحافظ ابن مندة الأصبهانى
المالكى ، وهذا برد ما قاله ابن تيمية رداً صريحاً لا يبقى دونه أدنى مجال
للشك . وأيضاً ورد عند ابن ماجه فى "سننه" من حديث جابر: " فإنه
لا يدرى أين باتت يده، ولا على ما وضعها"، وكذا عند "الدارقطنى"
وفى " نصب الراية" بلفظ " علىم وضعها"، وفى طريق آخر من حديث
أبى هريرة " لا يدرى غيم باتت يده" عند " مسلم" و "الطحاوى" و"ابن
ماجه"، وفى لفظ عند الدار قطنى بإسناد حسن : " أين باتت تطوف يده " وفى
"سنن الحافظ أبى مسلم الكجى" إبراهيم بن عبد الله البصرى المتوفى سنة ٢٩٢ - هـ
" على ما باتت بده"، وعند "البيهقى" " أين باتت يده منه" وعند
الدار قطنى فى " سننه" من حديث ابن عمر " لا يدرى أين باتت يده منه أو
أين طافت يده". فهذه الألفاظ كلها آبية عما يريده ابن تيمية كل الإباء بل
على ضد ما ادعى تكون علة تطواف اليد من العلل المؤثرة التى شهد لها النص
الصريح بالاعتبار، وكذا شهد له النظر الصحيح بالاعتبار؛ فإن المدار على أمر
معقول المعنى أولى من كونه مداراً على أمر غير معقول المعنى كما يقوله
ابن رشد، ثم الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد فى غير موضع والله سبحانه
أعلم .
قوله : قال الشافعى أحب الخ ، أحب وكذا ينبغى كثر ذكره فى " مؤطا
محمد بن الحسن الشيبانى» وربما يستعملان فى الفرض عند القدماء فى عباراتهم .
ثم الاستيقاظ لازم كالتيقظ، وجواب إذا " فلا يدخل" وعند مسلم
( ٢ - ٢٠)

١٥٤
معارف السين
...
أن لا يدخل يده فى وضوءه حتى يغسلها، فإن أدخل يده قبل أن يغسلها كرهت
ذلك له، ولم يفسد ذلك الماء إذا لم يكن على بده نجاسة . وقال أحمد بن حنبل
إذا استيقظ من الليل فأدخل بده فى وضوءه قبل أن يغلسها فأعجب إلى أن
أن يهريق الماء . وقال إسحاق إذا استيقظ من النوم بالليل أو بالنهار فلا يدخل
يده فى وضوءه حتى يغسلها .
( باب فى التسمية عند الوضوء )
حدثنا : نصر بن على وبشر بن معاذ العقدى قالانا بشر بن المفضل عن
عبد الرحمن بن حرملة عن أبى ثفال المرى عن رباح بن عبدالرحمن بن أبى سفيان بن
وغيره من طرق: " غلايغمس" وهو أبين فى الغرض من " لا يدخل "
لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه الكراهة كإدخال اليد فى إناء واسع
للاغتراف منه بإناء صغير من غير مس البد الماء ، وفى لفظ " البزار":
" فلا يغمسن يده " بالنون التأكيد كما فى " نصب الراية" وذكر البدر العينى
فى " شرح الصحيح" عشرين فائدة مستنبطة من الحديث فليراجعه من شاء فقد
استوفى البحث فى هذا الحديث على دأبه من سائر نواحيه بما تنشرح به الصدور
فليراجع من (١ - ٧٥٥ إلى ٧٦١).
-: باب فى التسمية عند الوضوء :-
التسمية عند ابتداء الوضوء سنة عند أبى حنيفة ، ومالك ، والشافعى،
وسفيان الثورى، وأبى عبيد ، وابن المنذر، وفى أظهر الروايتين عن أحمد ،
وعند جمهور العلماء وعامة أهل الفتوى، وواجبة عند إسحاق ، وفى رواية عند
أحمد وهو مذهب الحسن ، واختيار أبى بكر، وهو مذهب داؤد الظاهرى
وأتباعه، هذا ملخص ما فى "المغنى" لابن قدامة (١ - ٨٤) و "العمدة" للعينى
(١ - ٦٩٥) وأنكر القاضى أبوبكر ابن العربى فى " شرح الترمذى" کو نها

١٥٥
بيان التسمية فى الوضوء
حريطب عن جدته عن أبيها قال سمعت رسول اللّه عَ لّ يقول: لا وضوء لمن
لم يذكر اسم الله عليه . وفى الباب عن عائشة وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى
مستحبة عند مالك فضلاً عن كونها سنة ، وهى رواية عن أبى حنيفة كما
حكاه "العينى" وحكى عن مالك فى رواية أنها بدعة، وقيل مستحبة عند الحنفية،
وتفرد بالوجوب منا الشيخ ابن الهام فى "فتح القدير" (١_١٥) وله تفردات
فى عدة مسائل تبلغ إلى نحو عشر، وصرح صاحبه المحقق الحافظ قاسم بن
قطلوبغا : بأنه لا تقبل تفردات شيخنا ، وأطال ابن الهام فى الاستدلال برأيه
و حسن الحديث .
وملخصه: أن " لا" فى قوله ◌َخّ " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله
عليه " ليس لنفى الكمال ، وهو احتمال خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل ،
وأدى النظر إلى وجوب التسمية فى الوضوء غير أن صحته لا تتوقف عليها لأن
الركن إنما يثبت بالقاطع، وهذا كما اختاره صاحب " الهداية" فى حديث
الفاتحة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب الح". فادعى ابن الهام هنا أن النفى
الأصل الشئى وهى حقيقتها ، وخلاف ذلك مجاز من قبيل الاحتمال ؛ وصرح
فى "صفة الصلاة" (١ - ٢٠٦) أيضاً : أنه لنفى الحقيقة وأن النفى بكلمة
" لا" مشترك بين الأصل وبين نفى الكمال الخ. قال شيخنا: إنها لنفى الأصل
حقيقة ، ولكنها أطلقت هنا وهناك تنزيلاً للناقص منزلة المعدوم ، على منحى
أهل البلاغة فى التعبير ، وهذا ليس بالمجاز بل أفاد المجاز من هذا المنحى،
والوجوب ضعيف من حيث الدليل لأن حديث الباب ضعيف ، وقول أحمد
مذكور فى الكتاب حيث قال : لا أعلم فى هذا الباب حديثاً له إسناد جيد ،
وقال: أرجوأن يجزئه الوضوء من غير التسمية لأنه ليس فى هذا الباب حديثاً أحكم
به اهـ. وقال المنذرى : فى هذا الباب أحاديث ليست أسانيدها مستقيمة ،
وبضد ذلك يدعى " ابن أبى شيبة" ثم " ابن الصلاح" و"ابن كثير" و"ابن

١٥٦
معارف السنن
وسهل بن سعد وأنس . قال أبو عيسى: قال أحمد لا أعلم فى هذا الباب
حديثاً له اسناد جيد، وقال إسحاق : إن ترك التسمية عامداً أعاد الوضوء ،
سيد الناسن " و "ابن حجر" ثبوته. وعلى كل حال فهى لا تفيد ما عدا
السلية والاستحباب كما قاله الجمهور، وأيضاً: فلم يثبت عليه تعامل كثير من
السلف وأيضا استمر المسلمون يحكون وضوء النبي حَ لّمٍ، ويعلمون الناس،
ولا يذكرون التسمية، كما يقوله الشاه ولى الله، فثبت أن الأقوى أن تكون مستحبة
أو سنة. وقيل المراد بالتسمية النية، ونسب ذلك إلى "ربيعة بن أبى عبد الرحمن "
حكاء أبو داود عنه فى "سننه" (ص ـ ١٤) (باب التسمية على الوضوء) وربيعة:
هو "ربيعة الرأى" شيخ مالك ومفتى المدينة، وبذلك أوله ابن العربى فقال: قال
علماءنا : أن المراد بهذا النية الخ ، فيكون ذكر الاسم فى أمثاله لإرادة التلفظ
باللسان . وتمسك الطحاوى لعدم وجوبها بحديث المهاجر بن قنفذ "قال رأيت
النبى عَّةٍ وهو يتوضأ فسلمت عليه فلم يرد على فلما فرغ من وضوئه قال :
إنه لم يمنعنى أن أرد عليك إلا أنى كنت على غير طهر" أخرجه " النسائى" فى
( باب رد السلام بعد الوضوء) وأخرجه "أبو داؤد" و" ابن ما جه" وابن
حبان فى "صحيحه" وأحاكم فى " المستدرك" باختلاف فى اللفظ، وانظر
للتحقيق والتفصيل "نصب الراية" من (١ - ٣ إلى - ٨)، وتعقبه صاحب
"البحر" (١ - ١٩) نقلاً عن " معراج الدراية" و"شرح المجمع" بأنه
يلزم منه أن لا تكون التسمية أفضل فى ابتداء الوضوء الخ ثم أجاب عنه ناقلاً عن
"معراج الدراية" بما لا يقتنع به . قال شيخنا : ولا يرد ذلك لأن غرض
الطحاوى ترك ذكر الله فى ذلك الوضوء خاصة، والترك مرة يكفى لنفى
الوجوب، وقد ذكر هو أن الذكر كان منهياً عنه فى حالة الحدث ثم نسخ،
ولعله رحمه اللّه. يد ما ذكره فى (باب الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا؟)
(١ ٠- ٢٧) من "شرح الآنار": وقد قال ابن الفغواء: إنهم كانوا !"

١٥٧
التاويل فى ضروريات الدين مردود
وإن كان ناسياً أو متأولاً أجزأه. قال محمد بن إسماعيل: أحسن شى فى هذا
الباب حديث رباح بن عبد الرحمن ، قال أبو عيسى: ورباح بن عبد الرحمن عن
جدته عن أبيها ، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وأبو ثفال المرى
أحدثوا لم يتكلموا حتى يتوضئوا فلزات هذه الآية "إذا قمتم إلى الصلاة الح" ثم
قال الشيخ : إن لفظ التسمية المأثور فى حديث أبى هريرة مرفوعاً : " بسم الله
والحمد لله" رواه الطبرانى فى "معجمه الصغير"، وحسن اسناده الشيخ الحافظ
نور الدين الهيثمى فى " مجمع الزوائد" ثم الحافظ البدر العينى فى " البناية ".
فائدة: قال الشيخ: أخبار الآحاد متى لم تبلغ إلى رتبة الضروريات القطعية
فهى موكولة إلى رأى المجتهد ؛ نعم إن التأويل فى ضروريات الدين مردود،
والمأول فيها كافر كالمنكر عنها كما حققه علماء الكلام وغيرهم، وحكاه فى " فتح
المغيث" عن الحافظ ابن دقيق العيد (١).
(١) هذا موضوع فى غاية من الأهمية، وتساهل فيه بعضهم، وأصبح
فيه كثير من الناس على طرفى النقيضين، فليس من الدين أن يغمض عن كاغر
كما ليس منه أن يكفر مسلم ، وقد ألف الشيخ رحمه الله فيه كتاباً مفرداً فى غاية
من الأهمية ، وحقق فيه أن التصرف فى ضروريات الدين والتأول فيها ،
وتحويلها إلى غير ما كانت عليه ، وإخراجها عن صورة ما توارث عليه الأمة
كل ذلك كفر ، فإن ما تواتر لفظاً أو معنى، وكان مكشوف المراد فقد تواتر
مراده، فتأويله رد للشريعة القطعية وإن لم يكذب صاحب الشرع الخ . وقد
استوفى فيه التحقيق من شتات نواحيه ، وحلل غوامضها تحليلاً دقيقاً ، ونقل
ذلك عن الأئمة الأربعة وأكابر أصحابها من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين
والأصوليين من أماثل الأمة وجهابذة الأعيان باستيعاب بالغ وإصابة موفقة
١٢ وسماه " إكفار الملحدين فى ضروريات الدين" وهو من مطبوعات المجلس
العلمى بالهند .

١٥٨
معارف السنن
اسمه : ثمامة بن حصين ، ورباح بن عبد الرحمن هو : أبو بكر بن حويطب ،
منهم من روى هذا الحديث فقال عن أبى بكر بن حويطب ، فنسبه إلى
جده .
استطراد قال علماء أصول الفقه : إن الرجوع عن قول بعد العمل به
تقليداً لا يجوز، ومرادهم بذلك أن رجلاً مثلاً عمل فى حكم مقلداً لمذهب أو
قول ثم بعد العمل بدا له أن عمله عليه لم يصح لوجه من الوجوه فيرجع فى هذا
الحكم عن التقليد ويتقلد قولاً آخر تصحيحاً لعمله السابق كمثل حنفى صلى ثم
عثر على أنه نقض وضوءه بخروج الدم السائل من جسده فيرجع فيه عن
المذهب الحنفى ويقول : أختار فيه مذهب الشافعية ، تصحيحاً لصلاته التى
صلاها فذلك غير جاز. المسألة هذه ذكره ابن الهام فى أواخر "التحرير"
وقال: لا يرجع المقلد فيما قلد غيه - أى عمل به ـ اتفاقاً اهـ. ونقل الآمدى وابن
الحاجب الإجماع على عدم جوازه، وأنكر الزركشى الإجماع، قاله البخارى فى
"شرح التحرير" ومن أراد استيفاء القول فى تحقيق أطرافه فايرجع إلى ما
ذكره المحقق ابن أمير الحاج فى " شرح التحرير" ولا يفوتك أن المسألة فى
العامى المقلد لا غير؛ وأما الرجوع قبل العمل به فجائز اتفاقاً لمن لم يلتزم مذهباً
معيناً واختلافاً لمن التزمه كل ذلك إذا لم يكن تتبعاً للرخص وتلفيقاً للأقوال ،
فإن ذلك يفضى إلى تلاعب بالدين ، وإهانة لأئمة المسلمين؛ وأما رجوع المقلد
عن مذهب إمامه فى آحاد المسائل ، فسوغه المحققون من أهل المذاهب الأربعة ،
وليس هذا محل استيفاء البيان غيه وراجع "رد المحتار" (١ - ٧٠) ويحكى
أن الإمام أما يوسف توضأ من حوض حمام وصلى ثم أخبر برؤية فأرة فيها
فقال : نعمل بقول إخوتنا أهل الحجاز ، أشار إلى هذه الواقعة ابن عابدين
الشامى فى "رد المحتار" فى مسائل المياه ، نقلا عن الشيخ عبد الغنى النابلسى،
وهذا لا يقدح فى المسألة المذكورة ، إذ بعد تسليم الحكاية يحتمل أن يكون

١٥٩
مسألة حوض الحمام وتخريجها
...
...
...
...
٠٠٠
٠٠٠
جوابه على أسلوب الحكيم ، ويكون فى الحقيقة عملاً بمذهبه فى الحكم بنجاسة
الماء بعد العلم بها ، فأما ما قبل العلم فلا، فإذن صحت صلاته ، وعند صاحب
" البدائع" وغيره تخريج آخر لعمله ففى "البدائع" (١ - ٧٢): وأما حوض
الحمام الذى يخلص بعضه إلى بعض إذا وقعت فيه النجاسة أو توضأ إنسان
روى عن أبى يوسف أنه: إذا كان الماء يجرى من الميزاب والناس يغترفون منه
لا يصير نجساً، وهكذا روى الحسن عن أبى حنيفة اهـ. وقال فى (١-٨٥):
ورأى أبو يوسف أن ماء البئر فى حكم الماء الجارى، لأنه ينبع من أسفله ،
ويؤخذ من أعلاه فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه كحوض الحمام اهـ . ولفظ
"الدر» هكذا: وألحقوا بالجارى حوض الحمام لو الماء نازلاً والغرف متدارك
الخ . ولا يفوتك هنا أمران الأول : أنه ليس المراد بأهل الحجاز الشافعى ،
فإن الشافعى لم يكن له مذهب فى حياة أبى بوسف، بل كان كأحد من أصحاب
مالك ومحمد بن الحسن ، وتكون له مذهب بعد وفاة أبى يوسف بسنوات،
والإحسان فى ذلك يرجع إلى محمد بن الحسن، حيث تلقى عنه فقه إمام
العراق أبى حنيفة، وأول رحلته إلى العراق سنة ١٨٤ - ٨ وتوفى أبو يوسف
١٨٢ - هـبل كون مذهبه بعد وفاة محمد بن الحسن ببضع سنين راجع
" بلوغ الأمانى من سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيبانى" للشيخ الكوثرى،
ولم يدرك أبا يوسف بل يروى فى "الأم" عنه بواسطة محمد بن الحسن، بل المراد
غيره من علماء مكة والمدينة من شيوخ الشافعى ومالك .
والأمر الثانى: أنه يمكن تقريب قول أبى بوسف إلى رواية عن مالك فى
عدم نجاسة الماء القليل أيضاً بوقوع النجاسة ، كما هى فى " بداية المجتهد " لابن
وشد. وأيضاً مما يتنبه له أن أبايوسف مجتهد منتسب ، والمسألة فى عدم جواز
الرجوع كان المقلد لا للمجتهد ، فيحتمل أن يكون المجتهد فى سعة من أمره إذا

١٦٠
معارف السنن
٠٠.
٠٠٠
٠٠٠
اجتمعت عنده وجوه متجاذبة لإلحاق النظائر بالنظائر، وقياس الأشباه بالأشباه،
ولاستيفاء القول مجال غير هذا . ثم رأيت أنه ذكر الواقعة ابن عابدين قبيل
(كتاب الطهارة) فى "رد المحتار" (١ - ٧٠) عن " البزازية" ما لفظها :
أنه روى عن أبى يوسف أنه صلى الجمعة مغتسلاً من الحمام ، ثم أخبر بفأرة
مية فى بئر الحمام ، فقال : نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة ، إذا بلغ الماء
قلتين لم يحمل خبثاً اهـ. والذى أراه بعد إمعان النظر أن يكون التخريج على ما
حكيت مذهبه عن " البدائع" وغيره ويكون جوابه هذا من قبيل أسلوب
الحكيم ؛ أويقال إنه متقارب من مذهبه ، ويكاد يكون المآل واحداً ، أويقال
بتاتاً إن التقليد فى مثل هذا جائز لمثله بعد العمل أيضاً ، لأنه فصل مجتهد فيه
لا قطع فى أحد الطرفين، ثم رأيت قول أبى يوسف فى " شرح التحرير"، وبين
له تخريجاً آخر راجعه، والله سبحانه أعلم .
وإن ما قالوا بعدم جواز الرجوع بعد العمل للتوارث عن السلف هكذا ،
فلم يثبت عن أحد منهم الرجوع فى مثل هذا ؛ نعم الرجوع عن تحقيق إلى
تحقيق لا بحث فى جوازه ، كما أن الشافعى كان يقول بعدم وجوب القراءة خلف
الإمام فى الصلاة الجهرية ، ورجع عنه قبل موته بسنتين فقال: بوجوب الفاتحة
ولم يقض ما كان أداه على مذهبه القديم (١) ولذلك نظائر ووقائع لا تعد
كثرة .
وأما مسألة الاقتداء خلف إمام مخالف للمقتدى فى المسائل الفرعية كحنفى
خلف شافعى أو على ضد ذلك ، فاختلفوا فيها على أقوال :
(١) قوله القديم، كان فى العراق ثم رحل منها إلى مصر سنة ١٩٩ - ٥
فتغير رأيه إلى وجوبها ، وتوفى بها سنة ٢٠٤ هـ وقد تغير اجتهاده فی کثیر من
المسائل ، وسمى ذلك مذهبه الجديد .