النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ مغارف السنن ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... ... سنداً ومتناً، ومن أجل هذا قل البخارى فيه اضطراب كما فى "التهذيب" وراجع لاستيفاء بعض الأطراف كلام البدر العينى (١ - ٧١٠) ولاستيفاء الموضوع " فتح الملهم" (ص - ٤٢٤) وما بعدها، فعراك لم يسمع من عائشة، وخالد بن أبي الصلت لم يسمع من عراك، فالحديث منقطع من وجهين . وما قاله ابن الهام فأجاب عنه شيخنا الإمام أن مسلماً أخرج حديث عراك عن عائشة: " جاءتنى مسكينة تحمل ابنتين لها لخ " فنقول: قول أحمد بن حنبل والبخارى أولى بالاتباع من قول مسلم ، لأنهما أعرف بالعلل منه، وأيضاً إن مسلماً ينفى الواسطة بينهما وهما يثبتانها، وقول المثبت أولى بالاتباع، علا أنه لو سلم الاتصال فى موضع بقی الإرسال فى آخر. وأما ثالثاً : فالحديث موقوف على عائشة كما قاله أبو حاتم كما فى "التهذيب" ومثله قال الحافظ المارديني: فى "الجوهر النقي" عن البخارى (١ - ٩٣) "فى ذيل " سنن البيهقى" وكذا قاله ابن القيم وقال: حكاه الترمذى فى "العلل " عن البخارى، ويرويه جعفر بن ربيعة المصرى عن عراك عن عروة عن عائشة موقوفاً ، وجعفر بن ربيعة من أوثق أصحاب عراك، قال ابن أبى حاتم فى " العلل": وهذا أشبه (١ - ٢٩) فصار حديث عراك منكراً ومنقطعاً وموقوماً، وأنى يقاوم حديثاً صحيحاً معروفاً متصلاً مرفوعاً وهو حديث أبى أيوب الأنصارى عند الشيخين ؟ ورابعاً : أن عمر بن عبد العزيز لما قال : ما استقبلت القبلة ولا ما استدبرتها ببول ولا غائط منذ كذا وكذا ، فقال عراك: حدثتنى عائشة الخ فروى الحديث فلم يعمل به عمر بن عبد العزيز كما يظهر من "مصنف عبد الرزاق" هذه الزيادة حكاه شيخنا العثمانى فى "فتح الملهم" (١ - ٤٢٥) عن الشيخ والتفصيل نفسه أخرجه البيهقى فى "الكبرى" (١ - ٩٢) و "الدار قطنى" (١ - ٢٢) وكان مذهب عمر بن عبد العزيز النهى عن أن يبصق إلى القبلة ١٠٢ بحث : تعارض النصوص والتعامل ... ... ... ٠٠, .. ... مطلقاً خارج الصلاة وداخلها كما فى " الفتح" ومثله فى " عمدة القارى" (٢ - ٣٩٩) وحكى مثله عن ابن مسعود ومعاذ بن جهل . وأما خامساً : فنقول : إن فى متن الحديث ومعناه نظر قوى وهو أن النبى ◌َّ له إن كان نهى عن استقبال القبلة واستدبارها عند التخلى قبل أن تحكى له هذه الحكاية فكيف يستبعد ذلك عنهم ؟ فإنهم لم يفعلوا أمراً من عند أنفسهم ولم يحدثوا شيئاً فى الدين من قبلهم، بل اتبعوا أمره عَ لَّةٍ ، فلهم فى ذلك سلف، ودليل من قوله حَ له فاستبعاده محَّل ◌ُال حينئذ مستبعد جداً ؛ حيث لا يكون من المناسب أن يستبعد ما أمر به أو نهى عنه نفسه عَ لٍ وإن كان لم ينههم عن ذلك - وهذا النهى فى حديث أبى أيوب صدر عنه حَلي بعد ذلك ــ فإذن أصبح ناسخاً لحديث عائشة بتاتاً من غير شك ، فكان المدار فى المسألة حديث أبى أيوب، وهذا الذى ذهبنا إليه ، ورجحناه عند التعارض . وهناك وجه آخر لتوجيه عائشة فى " فتح الملهم" من كلام الشيخ "محمودحسن" رحمه الله فراجعه. وفى الباب أحاديث أخر غير ما ذكر فى "كنز العمال" (٥ - ٨٦ و ٨٧) فراجع. (فائدة فى تعامل أهل المذاهب عند تعارض النصوص) قال شيخنا : للأئمة الأربعة أصول وقواعد وآداب فى العمل بالنصوص عند التعارض فى أكثر الأحيان لادائماً ، وذلك أن الإمام مالكاً يقتدى بعمل فقهاء المدينة السبعة ، وربما رجحه على حديث مرفوع، والإمام الشافعى يأخذ بأصح ما ورد فى الباب، والإمام أحمد يأخذ بالأصح والصحيح والحسن والضعيف بالضعف اليسير، والكل يكون جائزاً عنده، وعلى ذلك جمع "مسنده" وانتفاه ، ولذلك تجد له عدة روايات فى مسألة أحياناً ، والإمام أبو حنيفة يأخذ بهذه الأقسام كلها ، وينزل الأحاديث على محمل واحد ؛ ومن أجل ذلك فتح ١٠٣ معارف السنن ( باب النهى عن البول قائماً ) حدثنا : على بن حجر أنا شريك عن المقداد بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: من حدثكم أن النبى حَلٍ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً . وفى الباب عنى عمر وبريدة . قال أبو عيسى: حديث عائشة أحسن شئى فى هذا الباب وأصح، وحديث عمر إنما روى من حديث عبد الكريم بن باب التأويل على مصراعيه عند الحنفية ، وكثر الجرح على الرجال عند الشافعية (١) وإذا تعارض الخبران فى باب واحد فعند الشافعية يقدم التطبيق ثم الترجيح ثم النسخ ثم التساقط والعمل بالأصول . وعند الحنفية يعمل أولاً بالترجيح ثم بالتطبيق ثم بالنسخ ثم بالتساقط ، والمراد بالنسخ الاجتهادى ، أما المعلوم زمانه فهو المقدم على الكل عند الكل، وقيل التطبيق مقدم على الترجيح عند الحنفية أيضاً، وذلك أن فى الترجيح عملاً بالعلم وفى التطبيق عملاً بعدمه، والأول مقدم على ما يقتضيه العقل والذوق ، وفى " التحرير": قيل يقدم التطبيق على الترجيح لأن إعمال الكلام أولى من إهماله. وهناك تفاصيل فى الموضوع فليرجع إلى ما ذكره فى "التحرير" من (فصل التعارض من الباب الثالث) وإلى ما ذكره الغزالى فى "المستصفى" وراجع لتفصيل المسلك الأول من أصول الأئمة "مقدمة المصفى» للشاه ولى الله الدهلوى. قوله: كان يبول قائماً، قيل تريد الصديقة بيان عادته حلم ولا تنفى مطلقاً، أو تنفي حسب علمها ولا يلزم النفى مطلقاً ؛ وحكم البول قائماً عندنا أنه جائز مع الكراهة تنزيهاً . قوله: عبد الكريم بن أبى المخارق: هو أبو أمية المعلم البصری قیل إن مالكاً برويه عنه فى "موطئه". قلت: قال ابن حجر فى "التهذيب": وقال ابن (١) والإ فراط فى كلا الأمرين كان غير مرضى عند الشيخ، وكان له من أمثال هذا عادات خاصة ، فصلتها فى "نفحة العنبر" من (ص ٥٦ إلى ٧١) ١٠٤ ماجاء من الرخصة فى ذلك أبى المخارق عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: رآنى النبى ◌َّلج أبول قائماً فقال: يا عمر لا تبل قائماً، فما بات ق ئماً بعد، وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم ابن أبى الخارق وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختيانى وتكلم فيه ، وروى عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر: ما بلت قائماً منذ أسلمت ، وهذا أصح من حديث عبد الكريم ، وحديث بريدة فى هذا غير محفوظ، ومعنى النهى عن البول قائماً على التأديب لا على التحريم ، وقد روى عن عبد الله بن مسعود قال : إن من الجفاء أن تبول وأنت قائم . ( باب ما جاء من الرخصة فى ذلك ) حدثنا: هناد نا وكيع عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة أن رسول اللّه ◌َله. عبد البر: مجمع على ضعفه، ومن أجل من جرحه: أبو العالية وأيوب مع ورعه غر مالكاً سمته ولم يكن من أهل بلده ولم يخرج عنه حكما، إنما ذكر عنه ترغيياً اهـ. ومن العجيب أن السيوطى لم يذكره فى رجال "المؤطا" وإنما ذكر عبد الكريم بن مالك الجزرى فقط، فلعله قصور منه أو ظنه الجزرى، ورواية فالك عنه ثابت قطعاً كما ذكره ابن حجر فى "التهذيب" . قوله : إن من الجفاء ، الجفاء غلظ الطبع وخشونته ونقيض البر والصلة أو أريد هنا المعنى الأول، ودل هذا على الكراهة تنزيهاً، ومعنى الجفاء بالأردوبة ( كتوارين) قاله الشيخ ! قوله : عن حذيفة : اعترض الشيخ علاء الدين المارديني على صاحب "القدورى" من جمعه بين روايتى حذيفة والمغيرة بن شعبة، قال شيخنا: لعل القدورى قلد فيه من قبله ، فلا إعتراض عليه من هذه الجهة ، نعم يعترض عليه بعدم النقد وعدم التمحيص بين الروايتين، وحديث حذيفة فيه ذكر البول قائماً، وليس فيه ذكر المسح على الناصية . ١٠٥ حديث البول قائماً أتى سباطة قوم قبال عليها قائماً فأتيته بوضوء وذهبت لأتأخر عنه فدعانى حتی کنت عند عقيبه فتوضأ ومسح على خفيه . قال أبو عيسى: وهكذا روى منصور وعبيدة الضبى عن أبى وائل عن حذيفة مثل رواية الأعمش، وروى حماد ابن أبى سليمان وعاصم بن بهدلة عن أبى وائل عن المغيرة بن شعبة عن النبى عَلَ} وحديث أبى وائل عن حذيفة أصح. وقد رخص قوم من أهل العلم فى البول قائماً . وحديث المغيرة بن شعبة عند " مسلم" (ص - ١٣٤) ليس فيه ذكر البول قائماً ، وفيه المسح على الناصية ، وفيه ذكر إمامة عبد الرحمن بن عوف، وفيه ذكر السفر، وهو عند القفول من غزوة تبوك ولكن قد أخرج ابن ما جه حديث المغيرة فى "سنته" وأحمد فى "مسنده" وفيه ذكر البول قائماً أيضاً كما فى " نصب الراية " الحافظ الزيلعى، فإذن ارتفع اعتراض المارديني، وللاردينى مع جلالة قدره أوهام فى المتون وفى الأسانيد، كما يتضح ذلك من " نصب الرأية " وغيره والله الموفق . استطراد: أخذ حجر أو مدر من أرض لا يملكها جائز إن لم يتضرر به مالكها، وتكفى للإذن دلالة الحال والعادة، ومثله الحكم فى البول فى أرض الغير. قوله : فيال عليها قائماً ، قيل : لبيان الجواز وإن كان مكروهاً تنزيهاً ، وقد بتحمل الكراهة التنزيهية لبيان الجواز، وقيل فعله بجَّ الج بسبب العذر، فقيل فى تعيينه أنه لوجع بمأبضه (المأبض كمجلس باطن الركبة ) كما حكاه النووى فى "شرح مسلم" (ص ١٣٣) عن "السنن الكبرى" للبيهقى من حديث أبي هريرة" أن النبى معَّ: بال قائماً " من جرح كان بمأيضه" وسنده وإن كان ضعيفاً يكفى لبيان النكتة والوجه ، وقيل فعله للأمن فيه من خروج الريح مما يستجى منه أمام الناس ويستخفى كما قاله النووى قال : وقد قيل كانت العرب تستشفى لوجع الصلب بالبول قائماً ، فلعله كان به إذ ذاك وجع الصلب، وقد ذكره ( ٢ - ١٤ ) ١٠٦ معارف السنن ... ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ الشافعى رحمه اللّه بمعناه . وقيل إنما فعل ذلك لأنه لم يجد للقعود مكاناً أو موضعاً اهـ. "السنن الكبرى" (١ - ١٠١) ومن أراد استقصاء الوجوه والبحث فليراجع "شرح البدر العينى" من (الجزء الأول) (ص ٨٩٥ إلى ٨٩٧) و "فتح البارى" (١ - ٢٢٩) و" حاشية السيوطى" على " النسائى» و "فتح الملهم" (١ - ٤٣١) و "شرح النووي على مسلم" (١ - ١٣٣) والبدر العينى أو فاهم بحثاً وأقصاهم شأواً فى ذلك ، فلله دره وعلى الله أجره . فائدة: يجوز أن يفعل النبى محّ له أمراً بكره تنزيهاً لبيان الجواز، ولا يجوز عليه فى فعل يكره تحريماً ، فما قال بعض العلماء: أن الوضوء " ثلاثاً ثلاثاً" سنة وتركه يكره تحريماً، وتركه عَ لّ لبيان الجواز فيه أجراً له فهو غير صحيح عندنا ، فإن ترك السنة مرة غير مكروه تحريماً إذا لم يكن تركها على سبيل العادة ، وقد مر التفصيل فى تارك السنة . ثم إن البول قائماً وإن كانت فيه رخصة، والمنع التأديب لا للتحريم كما قاله الترمذى ولكن اليوم الفتوى على تحريمه أولى ، حيث أصبح شعاراً لغير المسلمين من الكفار وأهل الأديان الباطلة ، وكم من مسائل تختلف باختلاف العصور وتغير المصالح ، ألاترى أن الاستنجاء بالماء من غير حجر كان يجزئ، ولكن أفتى بعضهم بأن الجمع اليوم بين الحجر والماء سنة مؤكدة ! لأن الناس كانوا يبعرون بعراً وأنتم اليوم تثلطون ثلطاً . راجع المسألة من " فتح القدير" (١ - ١٥٠) "والبحر الرائق" قبيل (كتاب الصلاة). قال صاحب "تحفة الأحوزى" بعد نقل كلام الشيخ: قلت بعد تسليم أن البول قائماً رخصة لاوجه للمنع عنه فى هذا الزمان ، وأما عمل غير أهل الاسلام فليس موجباً للمنع اهـ . قلت: ما كان ينبغى أن يدخل فى مثل هذه الأمور الفقهية. ورجالاً لقصعة وزيد خلق الله للحروب رجالا ١٠٧ الإستنار عند الحاجة ( باب فى الاستتار عند الحاجة ) حدثنا: قتيبة ذا عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس قال : كان النبى عّلّ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. قال أبو عيسى: هكذا روى محمد بن ربيعة عن الأعمش عن أنس هذا الحديث، وروى وكيع والجمانى عن الأعمش قال قال ابن عمر: كان النبي ◌َّ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. وكلا الحديثين مرسل ، ويقال لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحد من أصحاب النبي ◌ٍَّ. وقد نظر إلى أنس بن مالك قال : رأيته يصلى فذكر عنه حكاية فى الصلاة والأعمش اسمه : سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلى وهو مولى لهم . فمدارك الفقه ومصالح الشريعة ، وأغراض الشارع إنما هو منصب فقهاء الأمة الذين يبحثون عن أغراض الشارع، وقد أخرج أبو داؤد فى " سننه » عن عائشة بإسناد صحيح حيث قالت: "لو أدرك رسول ◌ٍَّ ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بنى اسرائيل الخ . وحديث التشبه الذى هو أصل من أصول الشريعة معروف أليس الحافظ ابن تيمية حرم كم وكم من أشياء لأجل التشبيه بغير المسلمين؟ فليراجع هذا المعترض كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم" . ثم إن عادته الشريفة الإبعاد عند الحاجة ، وواقعة السباطة كان لعذر، وهو على ما ذكره القاضى عياض أن سببه أنه جَلّ كان من الشغل بأمور المسلمين، والنظر فى مصالحهم بالمحل المعروف ، فلعله طال عليه مجلس حتى حفزه البول فلم يمكنه التباعد ولوأ بعد لتضرر، وارتاد السباطة لدمثها ، وأقام حذيفة بقربه ليستره عن الناس اهـ. حكاه النووى فى "شرح مسلم" (١ -- ١٣٣) -: باب فى الاستقار عند الحاجة :- الاستقار عند التخلى فرض على المكلف ثم هنا فى حديث السباطة أمور ثلاثه. الأول : بوله عَلَّ قائماً، الثانى: عدم إبعاده عن القوم خلاف عادته ١٠٨ معارف السين قال الأعمش : كان أبي حميلاً فورثه مسروق . الشريفة ، الثالث اختياره السباطة خاصة ؛ ولكل منها وجه على حدة ، وقد اختلط الأمر على بعض ، فأسند بعض الوجوه إلى غير شكله ، فإليك فى تمحيصها وتلخيصها. أما الأول : فقد اختلفوا فيه على ثمانية وجوه : ١٠ - لوجع كان بمأبضه ، فلم يتمكن من القعود كما تقدم فى رواية البيهقى . ٢ - لأجل استشفاء لوجع الصلب على عادة العرب، وإليه ذهب الشافعى وأحمد. ٣ - للأمن من خروج الريح، قاله المازرى والقاضى عياض المالكيان . ٤ - لبيان الجواز وعدم تغليظ النهى ، قاله ابن المنذر ثم النووى وغيره . ٥ - لعدم تيسر المكان الطاهر الملائم للقعود ، قاله ابن حبان . ٦ - للتحرز عن رشاش البول ، قاله المنذرى، وهو أدل على خلافه منه على ما يريده كما قاله العينى . ٧ - الخشية انحدار البول ، قاله الطحاوى . ٨ - إنه منسوخ، قاله أبو عوانة وابن شاهين . وأما الأمر الثانى: فالظاهر فيه ما قاله القاضى عياض كما تقدم فى الباب السابق ، وإليه جنح البدر العينى فى "العمدة". وأماً الأمر الثالث: فقيل لأن السباطة رخوة دمثة يتخللها البول وينجذب فيها ، فلا يرتد إلى البائل، أو لأنها مجل ملائم له لأنها مطرح للقمامة والكناسة، والأبول والأزبال . وأقوى الوجوه فى الأمر الأول على ما أرى: الأول والرابع؛ وأوهاها : الثالث والثامن والله أعلم . وثبت البول قائماً عنى عمر وعلى، وزيد بن ثابت، كما فى " الفتح" .. قوله : قال الأعمش كان أبىحميلاً فورثه مسروق ، مسروق تابعى مخضرم جليل القدر ، وهو ابن عبد الرحمن الأجدع من أصحاب عبد الله بن مسعود، ، يروى عن عمر، وعلى، ومعاذ، وابن مسعود، وعنه إبراهيم النخعى ، و ١٠٩ مكراهية الاستنجاء باليمين ( باب كراهية الاستنجاء باليمين ) حدثنا محمد بن أبى عمر المكى نا سفيان بن عيينة عن معمر عن يحيى بن إلى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه أن النبى حَ لّ نهى أن يمس الرجل الشعبى ، وخلق ، وسمى مسروقاً لأنه سرق فى صغره توفى سنة ٦٣ - هـ و الحميل : من حمل صغيراً من دار الحرب إلى دار الإسلام، والأظهر أنه كان حميلاً مع أمه ، فجعله مسروق وارثاً من أمه ، ومثل هذا لا يرث عند أبى حنيفة والجمهور لما رواه محمد فى "مؤطئه" عن عمر بن الخطاب: "أنه أبى أن يورث أحداً من الأعاجم إلا ما ولد فى العرب" الخ ، وعمل مسروق لا يقوم حجة على عمل الفاروق ، وحتمل أن یکون توريثه من أمه بعدم وجود وارث فوقه ، أو يكون توريثه من أبيه أو توريثه من أمه بالبينة : وعلى كل حال من هذه الصور الثلاث لا يخالف مذهبنا . والولاء قسمان: ولاء الموالاة ، وولاء العتاقة . وبكلا القسمين اعتبره الحنفية، والشافعية أنكروا الأول ، وهناك قسم ثالث : وهو ولاء الإسلام ، وقد انتشر النسبة إلى كل من هذه الأقسام الثلاثة عندهم ، وراجع لها "مقدمة ابن الصلاح" من الرابع والستين . -· باب كراهية الاستنجاء باليمين :- فيه حديث أبى قتادة الأنصارى ، وهو الحارث بن ربعى المدنى ، شهد المشاهد كلها ما عدا بدر ، وقيل اسمه نعمان ، وقيل عمرو حكه البدر العينى ، ولم يسم فى الصحابة أحد غيره بهذه الكنبة . والحديث أخرجه الشيخان وبقية السنن ، وفيه زيادة أيضاً . والنهى عن الاستنجاء باليمين للتنزيه عند الجمهور خلافاً للظاهرية ، وعند طائفة من الشافعية ، وفى وجه عند الحنابلة النهى عندهم للتحريم حتى لو استنجى باليمين لم يجزئه ، كما حكاه الحسين الناصر فى كتابه "البرهان". ومنشأ النهى تكريم اليمنى ومزيته على اليسرى، فجعلها رسول اللّه عَ ل لطعامه وشرابه، مصونة عن مباشرة الأثفال والأنجاس ، وعن مماسة الأعضاء التى م ٩ ١ معارف السمع ذكره بيمينه . وفى الباب عن عائشة وسلمان وأبى هريرة وسهل بن حنيف . قال هى مجارى الأنجاس وعلى ضد ذلك جعل اليسرى لإماطة الأذى والنجاسة ، و تنظيف البدن من الأدناس والأرجاس، ووقع هذا الوجه مصرحاً فى حديث عائشة كانت يد رسول اللّه حَ له اليمنى الطهوره وطعامه. وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى" أخرجه أصحاب السنن . وفى معناه حديث حفصة ؛ بل جعل الشرع مطلق اليمين من باب التشريف والتكريم ، فقدمه فى أمور البر والخير على اليسار ، ومن هذا الباب التيامن فى لبس الثرب ، والخف ، و الفعل ، ودخول المسجد ، والسواك، والاكتحال ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ، وترجيل الشعر ، ونتف الإبط ، وحلق الشعر ، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء ، والأكل ، والشرب ، والمصافحة ، واستلام الحجر الأسد، والسلام من الصلاة، وفضيلة الصف وما إلى ذلك من كل شئى من هذا الصنف ، وعلى ضد ذلك جعل اليسار لدخول الخلاء ، وخروج المسجد والاستنجاء ، وخلع السراويل، والخف وما إلى ذلك من أمور . فالابتداء باليمين والتعاطى باليمين من باب واحد ، وأيضاً وجه آخر وهو أن لا يتقذر طبعه عند تذكر مباشرة اليمنى النجاسة فى أثناء مباشرة الطعام باليمنى ، وظاهر هذا الحديث يدل على عدم مس الذكر مطلقاً ، وقد ورد مقيداً مجالة البول أيضاً ، ويحمل المطلق على المقيد فى باب الأحاديث ، إذا كان مخرجها واحداً فيكون من باب زيادة الثقات، كما نبه عليه الحافظ ابن دقيق العيد كما فى "الفتح" و "العمدة" ومثله قال القاضى أبو الطيب كما فى "زهر الربى" والمخرج كله راجع إلى حديث يحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه ، كما قاله السيوطى ، ولكن الأظهر عدم الفرق بين حالة الاستنجاء وغيره ، وإنما ذكرت حالة الاستنجاء فى الحديث تنبيهاً على ما سواها ، لأنه إذا كان المس باليمين مكروهاً فى حالة الاستنجاء مع أنه مظنة الحاجة إليها فغيره من الأحوال التى ١١١ بحث: كراهة الاستنجاء باليمين. أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. وأبوقتادة اسمه : الحارث بن ربعى ، لاحاجة فيها إلى المس أولى كما قاله الإمام النووى، وحكاه السيوطى قال شيخنا رحمه الله: ويؤيد إطلاق النهى ما ورد "الشيطان بلعب بمقاعد بنى آدم" و حديث طلق بن على "إنما هو بضعة منك" وفى معناه من باب آخر من باب الأحكام ، وهذا من باب الأخلاق والمروءة فليتنبه ! فلا يقال إنه يخالف مسلك الحنفية ( من عدم نقض الوضوء بمس الذكر ) ثم فى حكم الذكر فرج المرأة ، ولا مفهوم له عند أحد ، ويكفى فى مراية أحكام الرجال إلى النساء أنها شقائق الرجال فى الأحكام إلا ما خص . والذى ذكروا فى كيفية الاستجمار للبول كما قاله إمام الحرمين ثم الغزالى فى "الوسيط" والبغوى فى "التهذيب" من الشافعية وصاحب "القنية" وكذا صاحب "البحر" عن الشيخ نجم الدين من الحنفية: أن يأخذ الحجر بيمينه ، ويستنجى بيساره من غير أن يحرك الحجر ، وإذن لا يعد مستجمراً باليمين. وقال بحر العلوم فى "رسائل الأركان" (ص ٥٠ ) هذا تكلف، والأصوب أن يأخذ الحجر بشماله ويلصقه بمخرج البول من دون معاونة باليمين ويديم الإلصاق حتى بيبس المخرج ويغلب على ظنه أن لا يخرج شئى من رطوبة البول ١هـ. قلت: وقد يخطر بالبال أن غرض الشارع الاجتناب من الاستنجاء باليمين مهما أمكن بسهولة دون أن يمنع عن الاستعانة باليمين أصلاً، فلا يبعد أن يكون كل ذلك تكلفاً فيحتمل أن لا يكون حرج فى أخذ الحجر باليمين ، أو تحريك اليمين عند إمساك الحجر ، أو نقول كما قال الطيبي : أن النهى عن الاستنجاء باليمين يختص بالغائط لا بالبول والله أعلم . وإن كان باليد اليسرى عذر جاز باليمين من غير كراهة كما فى "شرح المقدمة الغزنوية" حكاه ابن عابدين فى "حاشيته على البحر" (١) والكيفية المذكورة هو الصحيح عند الجمهور، ومن قال غير ذلك فقد أخطأ كما قاله فى "المجموع شرح المهذب" (٢ - ١١٠) (١) استعنت فى شرح هذا الباب من "العمدة" و "الفتح" و"المجموع" و ١١٢ معارف السين والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا الاستنجاء باليمين . (باب الاستنجاء بالحجارة ) حدثنا هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال قيل لسلمان : قد علمكم نبيكم كل شئ حتى الخراءة ، قال سلمان: أجل ! قوله : قيل لسلمان ، القائل بعض المشركين ، ولفظ النسائى من طريق أبى معاوية عن الأعمش: قال له رجل ، وزاد ابن ماجه : من المشركين ، وعند النسائى من طريق سفيان عن الأعمش : قال المشركون . قوله : الحرآءة ، بالكسر والمد الجلسة للتخلى، وبالفتح فعل الحدث إما بغير التاء كما يقوله القاضى عياض ، أومعها كما فى الصحاح، وأنكر الخطابى هنا الفتح مع القصر . قوله : أجل ، أجل حرف جواب بمعنى نعم مبنى على السكون ، وعن الأخفش أن أجل بعد الخبر أحسن من نعم ، ونعم بعد الاستفهام أحسن منها . وقال الزمخشرى : تختص بالخبر كما فى "المغنى". قال الطيبى جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم ، لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يهدد أو أن يسكت عن جوابه لكن ما التفت إلى استهزائه وأخرج الجواب مخرج المرشد الذى يرشد السائل المجد ، يعنى ليس هذا مكان الاستهزاء بل هو جد وحق ، فالواجب عليك ترك العناد والرجوع إليه اهـ. وقال السندى فى " حاشية النسائى " ما ملخصه : أنه رد لاستهزائه بأن ما زعمه سبباً للاستهزاء ليس بسبب له ، والجواب بالرد لايسمى بأسلوب الحكيم اهـ. قلت: أسلوب الحكيم إجابة المخاطب بغير ما يترقبه ، وسماه السكاكى بأسلوب الحكيم ، والجرجانى بالمغالطة، "النووى على مسلم" و"زهر الربى" و"البحر" و"حاشيته" و"التقريب" و غيرها . ١١٣ بحث الإكمال والإتمام نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول فحمل كلامه على خلاف قصده تنبيهاً له على حقه أو رداً لزعمه على أر غير ما زعمه أولى بالفهم وألصق بالعقل، كل ذلك مما يدخل فى أسلوب الحكيم، فليس هنا رد مطبقاً بل رد ازعمه ، وإثبات لغيرما يعتقده ، وجواب له بغيرما يترقبه وتسفيه له بأن ما زعمه سبباً للنقص هو سبب للكمال ، وأن الاعتراض فى مثل هذا سفه وحمق ، وعلى هذا فكلام الطيبى لطيف ، واعتراض السندى فى غير محله والله أعلم. والحاصل أنه عَ لّ نهانا عند الاستنجاء عن أمور، وأمرنا بأمور، وهذه آداب ينبغى أن تخضع لها العقول السليمة، فإن ذكرها أمر مستحسن لا قباحة فيه ، بل يكاد يكون عدم ذكرها مستقبحاً عند العقلاء حيث أن جمال النظام وكمال القانون أن يصدع بكل حال ما يحتاج إليه المكلف فى حياته الشخصية الفردية والاجتماعية وتدبير النفس وتدبير المنزل وما إلى ذلك نى كل ناحية من نواحى الحياة ، فالشريعة الإسلامية تحتوى على تشريع دقيق فى جميع شئون الحياة من الآداب ، والأخلاق ، والأحكام ، والعقائد ، وهذه هى ميزته الخاصة التى تمتاز بها عن سائر أديان العالم ، ثم كل ذلك تبتنى على مصالح وأسرار ربما تخفى على العقول الظاهرة . وبالجملة فمحاسنها أخضعت أرباب العقول والأفكار بالاعتراف على حسنها وجمالها ، وإليه وقعت الإشارة فى قوله عزوجل: "اليوم أكملت لكم دينكم" الخ، والإكمال استيعاب أجزاء عليها مدار حقيقة الشئى ووجوده ، والإتمام استيعاب أوصاف وعوارض خارجة عن حقيقة الشنى، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: "تلك عشرة كاملة" أى لم تنقص أجزاءها. وقوله تعالى : "وأتموا الحج والعمرة لله" روى إنمامها أن يحرم بها من دويرة أهله، وهو وصف زائد والله أعلم. وانظر الفرق بين الكمال والتمام فى "شرح عقود الجمان" ( م - ١٥ ) ١١٤ معارف السنن أو أن نستنجى باليمين أو أن يستنجى أحدنا بأقل من ثلثة أحجار السيوطى فيما حكاه عن الشيخ بهاء الدين فى أواخر بحث الإطناب ؛ وفى "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزوالمعطلة والجهمية" لابن القيم من أوائل الكتاب ما تلخيصه : أن الكمال أخص بالصفات والمعانى، وقد يطلق على الأعيان لكن باعتبار صفاتها ، والتمام فى الأعيان والمعانى كنيها الخ وانظر هناك التفصيل . قوله : أو أن يستنجى أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، قال الإمام الشافعى وأصحابه وأحمد: التثليث والإنقاء كلاهما واجب، والإيتار فوق الثلاث مندوب، وفى رواية مطلق الإيتار واجب عندهم ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : الواجب هو الإنقاء سواء كان بأكثر من الثلاث أو بأقل، والإيتار مستحب، فإن لم يحصل الإنقاء بالثلاث وجبت الزيادة عليه ، فإن حصل الإنقاء بالرابع مثلاً فاستعمال. الخامس مندوب لحصول الإيتار ، وما ذكرنا من مذهب الحنفية ذكره الإمام أبو جعفر الطحاوى فى "شرح معاني الآثار" (١ - ٧٢) والبدر العينى فى شرح الصحيح (١ - ٧٥٥) وابن نجيم فى "البحر الرائق" (١ - ٢٤٠) وإليه ذهب مالك. وما قال النسفى فى "الكنز": "ليس منه عدد مسنون" فمراده نفى السنة المؤكدة لاغير ذلك ، فإنهم صرحوا باستحباب الإيتار، كما قاله صاحب "البحر" (١ - ٢٤١) والإمام الطحاوى (١ ) كما قال شيخنا : أعلم الناس بمذهب أبى حنيفة ، بل أعلم الناس بالمذاهب كلها ، وهو يروى عن (١) هو الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدى المتوفى سنة ٣٢١ - هـ قال السمعانى: كان إماماً "ثقة عاقلا" لم يخلف مثله؛ ومثله قال الذهبى فى " تذكرة الحفاظ" قل ابن عبد البر: كان عالماً بجميع المذاهب، حكاه القرشى فى «طبقاته"، وقد توسع الحافظ البدر العينى فى ترجمة رجال "معانى الآثار" كما يقوله الأستاذ الكوثرى ، وترجم له الذهبى فى " طبقاته؟ والسمعانى فى " أنسابه" والقرشى فى "طبقاته" وابن خلكان فى " وفياته" والسيوطى فى ١١٥ المقصود من التثليث هو الإنقاء ... ٠٠٠ الشافعى بواسطة، وعن مالك بواسطتين، وعن أبى حنيفة بثلاث وسائط. وفى (كتاب الحج) من كتابه "شرح معانى الآثار" عن أحمد بواسطة، قال شيخنا: وهو إمام مجتهد ومجدد كما قاله ابن الأثير الجزرى قال: وأريد بكونه مجدداً من حيث شرح الحديث ومحامله وغوامضه والبحث والتحقيق فهو إمام طريقته المبتكرة حيث إن القدماء كانوا يقتنعون برواية الأحاديث فى كتبهم من غير أن يستعرضوا البحث والتحقيق كثيراً ، وحديث الباب حجة للشافعى وحجتنا حديث أبى هريرة "من استجمر فليؤثر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلاحرج". أخرجه " أبو داؤد" وغيره ، وهو حديث صحيح رجاله ثقات كما قاله البدر العينى، وحديث عائشة مرفوعاً: " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فليستطب بها فإنها تجزى عنه " رواه " النسائى" و" ابن ماجه" و "أبو داؤد" و"الدارمى" و "أحمد" فدل ذلك على أن الثلاث مما يجزى بها غالب الأحيان ، وليس التثليث مقصوداً حقيقياً للشارع، بل المقصود الحقيقى الإنقاء، والثلاث خرج مخرج العادة والغالب ، وأيضاً ورد عن الطبرانى عن خزيمة بن ثابت : من استطاب بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع كن له "حسن المحاضرة" والكفوى فى "الكتائب" واليافعى فى "مرآة الجنان" واللكنوى فى " الفوائد" وابن العماد فى " الشذرات" وغيرهم من لا يحصى كثرة فلاينتطح عنزان فى فضله وسعة حفظه، واتساع علمه فى الرجال ، وتبحره فى الحديث، وسعة اطلاعه بمذاهب فقهاء الأمة، ليس له نظير فى علماء المذاهب الأربعة ، كما قاله الإتقانى فى " غاية البيان" اتساعاً وتحقيقا وتدقيقا وتفقها، أول تآليفه "شرح معانى الآثار" وآخرها " شرح مشكل الآثار" كما قاله القرشى وأتقنها فى الفقه مختصره ، وهو كثير التآليف مع قدمه رحمه الله ورضى عنه وأرضاه . ولشيخنا المحقق الكورى جزء مفرد فى ترجمته وحياته سماه " الحاوى في ترجمة الطحاوى" جاء بغرر النقول فى حياته من المخطوطات النادرة . ١١٩ معارف السنن ٠٠ ٠٠. ... ... ... ... طهوراً. وأيضاً عند "الطبرانى" عن أبى أيوب: إذا تغوط أحدكم فليستنج بثلاثة أحجار فإن ذلك طهوره حكاه فى "الكنز" (٥ - ٨٤) كل ذلك يؤيد مسلك الحنفية ، قال الشيخ رحمه الله: لفظ الإجزاء عند الأصوليين قد يختص بالوجوب، وأطلق هنا بالنسبة إلى أصل وجوب الإزالة اهـ. قلت : وبدل عليه بل يؤيده ما ذكرته فى ذلك المعنى من الروايات . وأجاب البيهقى فى " السنن الكبرى" (ص - ١٠٤) عن حديث أبى هريرة : أراد وزاً يكون بعد الثلاث، يريد أن الإيتار فوق الثلاث مستحب ، وأما الثلاث فواجب مثل الإنقاء. قال شيخنا : هنا أمران الإنقاء والإيتار، وكذلك الأحاديث الواردة فى الباب لهاملحظان: ملحظ فى الإنقاء وملحظ فى الإبتار: فالأحاديث التى وردت فى الباب بذكر الثلاث فمحط الفائدة فيها الإنقاء والإعتناء به ، فاختار عدداً صالحاً له فى الغالب، ولفظ "يستطيب بها" أو "فليستطب بها" ولفظ "فإنها تجزىء" كل ذلك يؤيد هذا الغرض الذى قلناه . وحديث " من استجمر فليؤتر" مسقط الإشارة فيه، ومحط الفائدة فيه ليس إلا ترغيب فى اختيار الوتربة فإن وصف الإيتار وصف مطلوب عند الشارع ومرغوب فه غير أنه ليس مداراً أمر الاستنجاء كما يفهمه الشافعية . والحاصل أنه يسوغ أن أخذ وصف التثليث فى ضمن الإيتار المأمور به فى قوله " فليور" نظراً إلى ملحظين جميعاً لاباعتبار منطوقه الحقيقي، ومدلوله المطابقى، وبين المنطوق والمفهوم فرق بين، فسياق الكلام فيه ليس إلا الإينار، ويلزمه التثليث إن راعينا الأحاديث الأخر فى الباب، ولكن قلنا باستحباب الايتار لقوله " من فعل فقد أحسن الخ " فعلم منه أنه ليس مراً مبقوناً وفرضاً مقطوعاً، ثم إنه لم يرد فى رواية ذكر ما فوق الثلاث من الخمسة والسبعة حتى يراد من قوله " فليؤر" الإيتار فى ما فوق الثلاث، وليس ذلك إلا إبطال للوصف المفهوم بداهة فى وضوح وجلاء ، فالرواية والنظر كل ذلك يؤيد مسلك الحنفية من غير خفاء، قال الترمذى فى ١١٧ الواجب فى الإستنجاء إزالة النجاسة أو أن نستنجى برجيع أو بعظم . وفى الباب عن عائشة وخزيمة بن ثات (باب ماجاء فى غسل الميت) من أبواب الجنائز فى حديث رسول اللّه عَ لَ ". غسلنها ثلاثا أو خمساً": وإن أنقوا فى أقل من ثلاث مرات أجزأ، ولا يرى أن قول النبى عَّ الجهل إنما هو على معنى الإنقاء ثلاثاً أو خمساً ولم يوقت، وكذلك قال الفقهاء وهم أعلم بمعانى الحديث اهـ. فانظر كيف ترك الشافعية هناك الأمر الصريح بالإيتار؟ وكيف صرحوا بأن الغرض الإنقاء؟ ثم كيف يعترف الترمذى بأن الفقهاء أعلم بمعنى الحديث؟ فهذا الذى قالوه هناك بمثله قلنا هنا، فأى فرق بيننا وبينهم غير أنهم أحياناً يغفلون عن الأغراض وبعضون بالنواجذ على الظاهر، والحنفية دائماً يراعون الأغراض أيضاً مع ظواهر الألفاظ، وهو مسلك قوى لايكاد يخالفه ذورأى ودرية إلى قيام الساعة ، وكذلك قالوا فى قوله " أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات": إن الواجب الإزالة، فإن حصلت بمرة كفته ولم يجب الزيادة كما قاله النووى فى أوائل (كتاب الحج) (ص ١ - ٣٧٢) قال الحافظ البدر العينى: ومن أمعن النظر فى أحاديث الباب ودقق ذهنه فى معانيها على وتحقق أن الحديث حجة عليهم، وأن المراد الإنقاء لا التثليث، وهو قول عمر بن الخطاب، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك وداؤد وهو وجه للشافعية ١ هـ (١ - ٧٣٨) وأيضاً أن الحديث غير معمول به ظاهره عند الشافعية، فالواجب عندهم ثلاث مسحات سواء كانت بثلاثة أحجار أو دونها كما فى " شرح المهذب" للنووى ، ونبه عليه صاحب " الهداية". ثم المراد من الحجر فى الحديث : كل شى طاهر غير محترم قالع للنجاسة سواء كان حجراً أو مدراً أو غيرها ، وهكذا نقح الحنفية والشافعية المناط هنا خلافاً لداؤد الظاهرى وأتباعه حيث رأوا الأمر مقتصراً على الحجر فقط. وراجع للتفصيل "عمدة القاري" للبدر العينى (١ - ٧٣٠ ر ٧٣٣) و "النورى على مسلم" (١ - ١٣١). قوله : برجيع أو بعظم ، الرجيع رواة دابة ، والنهى عن الإستنجاء به ١١٨ معارف السنن وجابر وخلاد بن السائب عن أبيه . قال أبو عیسی: حديث سلمان حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبيِ عَلٍ ومن بعدهم، رأوا أن الإستنجاء بالحجارة يجزى وإن لم يستنج بالماء إذا أنقى أثر الغائط والبول، وبه يقول الثورى وابن المبارك والشافعى واحمد واسماق ( باب فى الاستجاء بالحجرين ) حدثنا : هنا: وقتيبة قالانا وكيع عن اسرائيل عن أبى اسحاق عن أبى عبيدة عن عبد اللّه قال خرج النبي ◌َّ ◌ُلَّه لحاجته فقال: التمس لى ثلاثة احجار قال : فأتيته بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس . لنجاسته عند أبى حنيفة والشافعى فالنجس أنى يزيل النجاسة ؟ وهو مما يستدل به لنجاسة أزبال مأكول اللحم ، ويؤيده حديث النهى عن الصلاة فى المزبلة ، وصححه ابن السكن، وكذا قوله ◌َُّلّ للروثة " إنها ركس" وللبحث بقية فى الأبواب الآتية . زائدة: ورد الحديث بلفظ الإستجمار وهو طلب الجمرة، وبلفظ الاستطابة، وهو طلب الطيب وهو الطهارة ، ويلفظ الاستنجاء وهو طلب موضع النجو اى القطع يعنى قطع الأذى والحيث، قاله النووى فى " شرح المهذب" وقد استوفى الكلام فيه البدر العيبى (١ - ٧١٦) قال الرقم: النجو فى الأصل هو ما يخرج من السبع كما قاله ابن قتيبة فى "أدب الكاتب" فى باب فرق الأرواث ثم اتسع فأطلق على مطلق ما يخرج. فالإستنجاء هو طلب النجو اى طلب العذرة ليزيلها وينقيها ولا يخفى حسنه . قوله: فأخذ الحجرین وألقى الروثة وقال إنهار کس، قبل الرکس هو الرجس وورد فى بعض طرق الحديث كما هو عند ابن ماجه وابن خزيمة : "وقال وهى رجس" كما ذكرها البدر العين فى "شرح الصحيح" (١ - ٧٣٦) والحافظ ١١٩ تحقيق معنى الركس وغيره ٠٠ ٠٠ فى "الفتح" (١ - ١٨٢) والرجس هو النجس والقذر، وأما الركس فبرادف الرجيع بكل معنى الكلمة، فمعنى الرجيع المرجوع والمتغير من حالة الأصلية إلى خبرها، وهذا هو معنى الركس بدليل أنه رد الشئ وقلبه إلى غير حالته الأولى ، ويسأنس لهذا المعنى بقوله تعالى "اركسوا فيها" أى ردوا فيها. وقد صرح فى "العباب" كما حكاه العينى: الركس فعل بمعنى المفعول كما أن الرجيع من رجعته، ثم أى للفظين أحق أن يؤخذ فى متن الحديث؟ فنظرنا فى ذلك فوجدنا أن الرجس یدل على ما يرادف النجس ، وهو وصف شرعى غير حسى ، وظاهر أن الوصف الشرعى وصف غير منضبط فلا يطرد، ووجدنا أن الركس يدل على حكم مع الإيماء إلى علته، وهى الوصف الحسى من كونه رجيعاً إلى غير حالته الأولى ، والوصف الحسى وصف منضبط، فيطرد هنا وهناك من غير فرق؛ فدار النظر بين الوصف الشرعى والحسى ، ووجدنا أن الوصف الحسى أحق بأن يكون مناطاً للحكم ليطرد فى سائر الجزئيات من هذا النوع ؛ لأنه وصف معلوم معقول منضبط . وأما الوصف الشرعى فوصف مجمل مبهم لا يعرف فيه علة الوصف . فأشبه غير معقول المعنى ، فمن هذا ترجح أن لفظ الركس أولى بالأخذ من الرجس ؛ فإن الركس علة بخلاف الرجس فإنه حكم من ولاية شرعية لا علة خسية ، وصار معنى الرجيع المقلوب من الطهارة إلى النجاسة، وإذن لا يستقيم حجة من ذهب إلى طهارة أزبال مأكول اللحم ، كمالك ومحمد وأحمد : لأن الروثة أعم من أن يكون لمأ کزل اللحم أو غيره، ودار الحكم على نجاسته ؛ لگونه رجیعاً متغيراً من حالته، بل على ضد ذلك أصبح دليلاً لأبى حنيفة والشافعى ومن ذهب إلى نجاستها . وما قيل أنه ورد فى رواية ابن خزيمة: "فوجدت له حجرين وروثة حمار" فكان نجساً لكونه روثة حمار وهو غير مأكول اللحم . قال شيخنا رحمه الله: لاحجة فيه حيث لم يصرح عَ ل بسبب طرحه ورميه أنه روثة حمار، فكما يحتمل هذا يحتمل أن يكون لكونه روثة فقط ، وقد نقحنا مناط نجاسته بالوصف الحسى المطرد ، ١٢٠ معارف السين ... ٠٠٠ ٠٠٠ ... ٠٠٠ فبيان ابن مسعود : "وجدت له حجرين وروثة حمار" بيان للواقع فقط، ولا يصلح أن يكون مناطاً للحكم ما لم يكن منه فَّ لٍ إبماء إليه أو تصريح عليه، فزعمه مرفوعاً كما زعمه الشوكانى خطأ ؛ فإنه قول ابن مسعود لأصحابه ، وقد ورد فى بعض الروايات عن جابر : "نهى أن يستنجى ببعرة أو عظم" كما فى "الكنز" عن (م - د - ن - حم ). والبعر فى العرف رجيع الإبل والغنم وإن كان فى نفس اللغة رجيع ذوات الخف والظلف ، وعلى كل حال لم يكن البعر خاصاً بمأكول اللحم ، فلا خفاء فى عمومه له ولغيره ، فأين الحجة فى كونه روثة حمار؟ وهذا مرفوع وتشريع بالقول الصريح ، فوجب المصير إليه ، و فى غير ما حديث ورد النهى عن الرجيع، وهو أعم من مأكل اللحم وغيره فإذا يجاب هنا ؟! وورد فى بعض الروايات كما حكاه البدر العينى عن "دلائل النبوة" لأبى نعيم (١ - ٧٣١) ما يدل على أن الروث طعام لدواب الجن، وفسر الإمام أبو عبد الرحمن النسائى الركس بطعام الجن فى "سننه"، واستدل به ابن تيمية فى "فتاواه" على أن النهى عن الإستنجاء به لكونه طعام الجن لا لكونه نجساً، وأطال فيه كعادته . قال شيخنا رحمه الله : لا وجه لتخصيصه بهذا فقط بل ورد فى نص الحديث هذا وذاك، فليكن كلا الأمرين سبباً للنهى ، بل حديث "الصحاح" أولى بالتمسك من حديث غيرها ، ولاسيما إذا كان مشتملاً على وصف معقول المعنى، وتفسير النسائى لا يعتمد عليه لأنه لم يثبت فى اللغة، قال الحافظ فى "الفتح" (١ - ١٨٢): وأغرب النسائى فقال عقب هذا الحديث: الركس طعام الجن ، وهذا إن ثبت فى اللغة فهو مريح من الإشكال اهـ. وهذا أيضاً بشير إلى عدم ثبوته فى اللغة . قال الراقم : ولعل النسائى فسر هذا بما رأى فى حديث سببا للنهى تارة كونه ركساً وتارة طعام الجن ، فظن أن الركس طعام الجن دفعاً لما يتوهم من التعارض ، وأنت تعلم أنه لا يلزم من عروض أو صاف لموصوف واحد اتحاد