النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
ما يقول إذا خرج من الخلاء
( باب ما يقول اذا خرج من الخلاء )
من الاضطراب لم يلتفتا إليه لدقة نظرهما فى العلل ، وقد لخص شيخنا رحمه الله
وجوه الاضطراب إلى ما هو الصواب فى الشعر فقال :
هشام عن قتادة ثم زيد سعيد عن قتادة فابن عوف
وشعبة معمر عنه عن النضر عن أنس وعن زيد بنخلف
وقال البيهقى أنس خطأ وعن زيد قتادة غير صرف
أشار فى الشعر الأول بكلمة "ثم" الدالة على التراخى إلى الانقطاع
وبكلمة "الفاء" الدالة على التعقيب والترتيب إلى الاتصال ، وظاهر أن
الاتصال أولى من الانقطاع ، وفى الشطر الثانى من الشعر الثانى لف ونشر غير
مرتب ، وفى كلمة "خلف" إيماء لطيف إلى هذا كما أن ظاهره يدل على أمر
الاضطراب ، ورفعه بقول البيهقى فى أول الشطر من الثالث فلله دره ما
ألطف نظره وما أمتن شعره . ثم إن حكم الاضطراب أن تطلب وجوه الترجيح
فإن كانت فذاك وإلا سقط الاحتجاج بالمضطرب.
=: باب ما يقول إذا خرج من الخلاء :---
قد وقت الشارع أذكاراً للأمة فى أحوال متواردة ، مثل الدعاء عند
إرادة التخلى ، والخروج عن بيت الخلاء ، وعند دخول المسجد ، والخروج
منه ، وعند المنام، وعند الهبوب منه ، وكم وكم وهكذا فى غير واحد من
الأحوال والشئون ، وعلى هذه الأحوال المتواردة يحمل ما ورد " كان يذكر
الله على كل أحيانه" وقد أشكل على القوم بأنه كان المراد الذكر لساناً كما هو
المتبادر من لفظ الذكر لغةً وعرفاً فيشكل عليه أنه مَّ الٍّ كان له أشغال وأعمال
غير هذه الأذكار فذلك خلاف الواقع. وإن كان الذكر قلباً كما هو عند أرباب
التصوف، وتعين هو ههنا عند قوم فيرد عليه أن هذا بعيد من جهة اللغة
( ٢ - ١١)

٨٢
معارف السين
حدثنا: محمد بن حميد بن إسماعيل ذا مالك بن إسماعيل عن إسرائيل عن
يوسف بن أبى بردة عن أبيه عن عائشة قالت: كان النبى عَلٍِّ إذا خرج من الخلاء
والعرف، حيث أن المتبادر فى اللغة هو اللسانى فقط، فالصواب فى حل
الإشكال وتعيين الغرض فيما ورد أن يحمل على الأحوال المتواردة المتجددة
أفاده الشيخ رحمه الله، ويؤيده الواقع فلا إشكال .
قال الشاه ولى اللّه " فى الحجة" (٢ - ٧٧): مست الحاجة إلى
توقيت الأذكار ولو بوجه أسمح من توقيت النواميس، إذ لو لم توقت لتساهل
المتساهل ، وذلك إما بأوقات أو أسباب الخ. وقال فى (٢ - ٧٢) : شرع
فى كل حالة ذكراً مناسباً له ليكون ترياقاً دافعاً لسم الغفلة الخ . ومن شاء
الاتساع فى هذا الموضوع فليرجع إلى ما ذكره فى "الحجة" (٢ - ٦٦)
إلى (٢ - ١٠٢) من (أبواب الإحسان) يجد هناك أسراراً وحقائق من
هذا الموضوع ما تنشرح به الصدور .
قوله : محمد بن حميد بن إسماعيل نا مالك بن إسماعيل . هكذا وقعت
العبارة فى النسخ المطبوعة بالهند ، ووقع فى النسخة المطبوعة مع " شرح
القاضى أبى بكر بن العربى" محمد بن إسماعيل ناحميد نا مالك بن إسماعيل ،
ومثله فى طبعة الأميرية ببولاق مصر سنة (١٢٩٢ - ٨) ورأيت فى نسخة
مخطوطة : حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل ذا مالك الخ. والكل خطأ فإنه لم
يوجد فى شيوخ الترمذى من اسمه محمد بن حميد بن إسماعيل بل ولا فى الرجال
فى هذه الطبقة . وكذلك لم يعرف حميد فى شيوخ البخارى ولا فى غيرهم من
أهل هذه الطبقة، وكذلك لم يترجم أحد "أحمد بن محمد بن إسماعيل "
فى كتب الرجال ، ولا عرف هو من شيوخ الترمذى، قال شيخنا (١) فالصواب
(١) لم يتعرض لشرح هذا المقام فى "العرف الشذى"، وإنما كنت سمعت
أنا من حضرة الشيخ شيئاً فذكرته وزدته إيضاحاً وبياناً ، وحوالة نسخة

٨٣
قوله : قال : غفرانك
قال : غفرانك .
" محمد بن إسماعيل" وهو الإمام البخارى صاحب "الصحيح" " نا مالك بن
إسماعيل" وهو النهدى الحافظ من شيوخ البخارى وحديث الباب فى " شرح
الزرقانى على المواهب" (٤ - ٢٣٨) يرويه الترمذى عن البخارى، فظهر أنه
هو الصواب. ومثله فى نسخة الشيخ محمد عابد السندی، فلم يبق إذن أدنى ريب
فى ذلك .
قوله : قال غفرانك . قال بعضهم : تقديره: اغفر غفرانك أو أسأل
غفرانك ؛ يريد أنه مفعول مطلق أو مفعول به ، والمتعين عند شيخنا المفعول
المطلق لا غیر، وحذف العامل فى أمثال هذا قیاسی، ولم یفصله ابن حاحب بل
أشار إجمالاً بقوله : "وقد بحذف الفعل جوازا أو وجوباً لقيام قرينة كقولك
لمن قدم: خبر مقدم ، ووجوباً سماعاً فى مثل: سقياً ورعياً الخ " . وشارحه
المحقق الرضى بين ضابطة كلية قياسية لحذفه وملخص ما ذكره فى (١ - ١١٦)
(طبع الآستانه) : أن هذه المصادر وأمثالها ان أضيفت إلى فاعلها نحو:
كتاب الله، وصبغة اللّه، وسنة اللّه، ووعد الله، وحنانيك ، ودواليك؛
أو أضيفت إلى مفعولها نحو: ضرب الرقاب، وسبحان الله ، ولبيك ،
وسعديك، ومعاذ الله ؛ أو بين فاعله بحرف جر نحو: بؤساًلك، وسحقاً لك
وبعداً لك؛ أو بين مفعوله بحرف جر نحو عقراً لك ، وعجباً منك ؛ فيجب
حذف الفعل فى جميع هذا قياساً ، وقد أطال فى بيان ذلك ، وهذا الذى
بولاق القاهرة ومخطوطة من زبادنى، وكذلك حوالة الشيخ عابد من زبادتى
حكاه ذلك بعض علماء مصر فى تعليقاته على " جامع الترمذى" فى طبعة الحلبى
الجديدة ، ومما يؤيده أن صاحب " الدر الغالى" الشيخ عثمان القنوى ذكر
حديث عائشة هذا بإسناد الترمذى عن البخارى عن مالك بن إسماعيل ، كما
حكاه بعضهم .

٨٤
معارف السنن
...
٠٠.
٠٠٠
٠٠٠
٠٠.
...
ذكرته هو تلخيصه واختصاره، وقد قيد ذكر المفعول بما لم يكن لبيان النوع نجو:
"ومكروا مكرهم" وأيضاً أوضح وجه الحذف هناك فراجعه إن شئت ؛
وإليك لفظ سيبويه فى كتابه : من المصادر ما ينتصب بإضمار الفعل المتروك
إظهاره ولكنها مصادر وضعت وضعاً واحداً لا تتصرف فى الكلام تصرف ما
ذكرنا من المصادر؛ وذلك قولك: سبحان اللّه، ومعاذ الله كأنه حيث قال
"سبحان الله" قال: تسبيحاً، فنصب هذا على أسبح اللّه تسبيجاً؛ وكأنه
حيث قال " معاذ الله" قال " عياذاً بالله" وعياذاً انتصب على أعوذ بالله
عياذاً ..... ونظير سبحان الله فى البناء من المصادر والمجرى لا فى المعنى
" غفرانك" لأن بعض العرب يقول " غفرانك لا كفرانك" يريد استغفاراً
لاكفراً اهـ. من "كتاب سيبويه" (١ - ١٦٢) و (١ - ١٦٤) طبعة
الأميرية، فتلخص من كلامه أن هناك مصادر كأنها مبنية لا تتصرف ولا تتحول،
ومنها " سبحانك" و "غفرانك" تنصب دائماً، ومنها متصرفة تتغير
وتتبدل الخ فجاء "غفرانك" مصرحاً فى كلامه أنه من قبيل "سبحان الله" فى
وجوب حذف العامل فإذن تعين أنه مفعول مطلق ، ودل ما ذكره من المثل
على أنه يقال عندهم فى موضع الشكر، وحينئذٍ ظهر وجه تخصيص هذه
الحالة بهذه الكلمة ، وزال ما يختلج فى الصدر أن المحل محل الشكر
لا الاستغفار وإن كان بالنظر إلى تقصير الشكر لا يستبعد الاستغفار أيضاً ،
حيث أن النعمة جليلة ، وهى حصول العافية بهضم الطعام ، وتيسير التحليل
إلى ما فيه بقاء المنفعة، وإصلاح البدن ، وسريان أثره فى سائر البدن من*
غير أن يشعر به، ودفع هذا الأذى، وإخراج الفضلة بسهولة ؛ وما إلى ذلك
من منافعه وآثاره ما يطول فيه الكلام كل ذلك من جلائل نعمه تعالى على
عباده؛ ومن ههنا قال عّ لّ: " ما أعطى أحد خيراً من العافية فسلوا الله
العافية" . ومن أجل هذا ورد فى الدعاء عند هذه الحالة " الحمد لله الذى

٨٥
وجوه طلب المغفرة
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
...
اذهب عنى الأذى و عافانى" كما رواه "ابن ما جه" من حديث أنس؛ وقد يخطر
بالبال أن "غفرانك" ههنا مأخوذ من قوله تعالى: ( غفرانك ربنا وإليك
المصير) فإذن أشير بهذا إلى لطيفة ، وليس هذا موضع تقريرها ، واستعى
بفكرتك فى استخراجها والله الموفق، وقد وردت تلك القطعة كلها فى
رواية البيهقى فى « سننه» مرفوعاً غير أن الرواية ضعيفة .
ثم فى طلب المغفرة وجوه ثلاثة، ذكرها صاحب "المنهل" والمشهور
منها أنه لأجل انقطاع ذكر الله فى مثله استغفر الله سبحانه ، وعندى وجه
رابع هو: إنه عَ لٍ كان لايخلو عن مراقبة الله جل جلاله وملاحظة ذاته
وصفاته ، وكانت تلك الملاحظة والمراقبة فى مثل ذلك الوقت ما يوجب الخجل
طبعاً ، وينافى كبريائه وجلاله تعالى ، فاستغفر لذلك حيث وقع ملاحظته جل
ذكره فى وقت ما كان يليق بجلال ذاته، وهذا ألطف عندى والله أعلم . فكأنه
لعدم انقطاع الذكر القلبى والحالة هذه استغفر الله تعالى.
يحكم أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض واضطر إلى التغوط
فأحس رائحة كريهة منتنة فاستغفر ربه ، وقال : "غفرانك" زعماً منه أنه
أثر ما أكله من الشجرة ، فجرت هذه السنة فى أولاده كما حكاه على بن
سليمان المغربى فى " درج مرقاة الصعود إلى شرح سنن أبى داؤد"، ولخص
هذه الحاشية من "شرح الجلال السيوطى" كما لخص سائر حواشيه على
"السنة" غير أنه لا يوثق بنقله كما يوثق على السيوطى، وإن كان السيوطى أيضاً
فى محل النقد ليس بذاك القوى، نعم مثل ابن حجر العسقلانى والبدر العينى ممن
يوثق بنقلهم فى المتأخرين، قاله الشيخ الإمام رحمه الله .
وعلى كل حال أياً كان أصله فهو الآن تشريع للأمة من النبي ◌ٌَّ﴾ خرج
مخرج التعليم والإرشاد ، أرشد الأمة إلى أذكار وأدعية تناسب الأحوال

٨٦
معارف السنن
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريبلانعر فه إلا من حديث إسرائيل
عن يوسف بن أبى بردة .
والأوقات تارة نظراً إلى شكر النعمة، وتارة نظراً إلى إزالة الغفلة ، وتارة
اعتباراً للحفظ والكلاءة عن الشياطين والجن وغير ذلك من فوائدها ما بين
فى مجلها .
قوله : حسن غريب. هنا بتقديم الحسن على الغريب، وقد يكون فى
مواضع على عكس ذلك ، فقال أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمرى: يقدم ما هو
الأعنى فى ذلك الموضع. وقد أشكل على القوم جمع الترمذى للغربب والحسن
معاً فى موضع، كما أشكل جمعه للصحيح والحسن ، وذلك لأن من شرط
"الحسن" عنده أن يكون مروباً من غير وجه، فاشترط فيه التعدد، و
" الغريب" ما انفرد به أحد رواته ؛ فبينهما تناف عنده فكيف اجتمعا ؟
وأما عند الجمهور فلا إشكال ، حيث لم يشترطوا فى الحسن تعدد الطرق کما
اشترطه الترمذى فيما ذكره فى " العلل الصغرى" وأجيب عن ذلك بوجوه :
أحدها : أن الترمذى لم يعرف الحسن مطلقاً بل كل ما كان غير مقرون
بالغريب، ولفظه فى " العلل الصغرى" بدل على ذلك حيث قال : وما ذكرنا
فى هذا الكتاب " حديث حسن " فإنما حسن إسناده عندنا ، فکل حدیث یروی
لایکون فى إسناده من یتهم بالكذب، ولا يكون شاذاً ؛ ويروى من غير وجه
نجوذاك فهو عندى حديث حسن اهـ. وإذا كان مقروناً بالغريب لم يرد
هذا المعنى .
وثانيهما : أن الغرابة نظراً إلى مدار الإسناد ، والحسن بالنظر إلى تعدد
من يروى عن المدار، وهذا الجواب مدفوع باشتراطه تعدد الطرق فى الحسن،
وإذا كان المدار واحداً فلايقال هناك أن طرقه متعددة . والجواب على رأى
شيخنا : أن للغريب عند الترمذى ثلاثة معان :

٨٧
بحث الغريب والحسن
..
الأول : هو الذى لايروى إلا من طريق واحد كما هو عند الجمهور .
الثانى: ما يستغرب لزيادة تكون فى الحديث ولاتكون هى فى المشهور.
الثالث: ما يستغرب لحال الإسناد وإن كان يروى من أوجه كثيرة .
فالغريب بالمعنى الثانى والثالث يجتمع مع الحسن من غير ما شك ، وأماً
المنافاة بينها فهو باعتبار المعنى الأول فقط .
قال الراقم : كلام الترمذى صريح فى هذه المعانى للغريب فى " العلل
الصغرى » وقد راجعته عند تحرير هذا الموضوع ، وجواب حضرة الشيخ
يطمئن به القلب، وقد ظهر له ما خفى على القوم، والعجب من ابن حجر
والزركشی کیف خفى عليها هذا وذكرا ما لاطائل فيه . نعم كلام الزركشی
أقرب ما يكون إلى هذا الجواب، حيث قال : الغريب يطلق على أقسام :
غريب من جهة المت، وغريب من جهة الإسناد، والمرادهنا الثانى دون الأول
الخ يريد عنه الاقتران مع الحسن ، ولو أحال على كلام الترمذى نفسه لكان
أوضح وأحسن ، كما فعله الشيخ رحمه الله .
ثم إن ما ذكره الحافظ ابن الصلاح من حمل تعريف الحسن عند الخطائى،
وتنزيله على الحسن لذاته ، ومن تنزيل كلام الترمذى فى تعريف الحسن على
الحسن لغيره، فبعيد عن الصواب، قاله فى "المقدمة" (ص - ٣٣و٣٤)
نقل تعريف الخطابى للحسن ثم تعريف الترمذى له ، ثم حاكم بعد إمعان نظره
بينهما بعبارة طويلة ، وذكرهنا تلخيص كلامه، وقد اعترض عليه أيضاً الشيخ
تقى الدين ابن دقيق العيد، وقال عليه فيه مواخذات ومناقشات كما حكاه
العراقى فى " نكته على ابن الصلاح" فراجعه. وبالجملة ما قال ابن الصلاح
غير صالح حيث يضطر إلى أن يدخل فى الحسن عند الترمذى ما كان فى إسناده
مستور الحال ، ومنشأ ما زعمه عدم ذكر الترمذى فى الحسن شرط اتقان الرواة
وغيره وهذا الزعم غير صحيح؛ لأن ذلك مراد عند الكل ، ولكون معرفة هذا

٨٨
معارف السنن
وأبوبردة بن أبى موسى اسمه عامر بن عبد الله بن قيس الأشعرى،
ولا يعرف فى هذا الباب إلا حديث عائشة .
الشرط واشتهاره لم يصرح به الترمذى، لا أنه صرح بعدم هذا .
وحقيقة الأمر أن الترمذى اشترط التعدد فى الحسن إذا كان هناك تفرد
مضر مثل أن يتفرد راو زيادة لم يروها سائر من اشترك وهو فى الرواية عن
شيخ واحد ، وأما إذا كان تفرد غير مضر مثل أن يتفرد راو بروابة حديث
بتمامه من غير أن يرويه غيره فلا يشترط لحسنه تعدد الطرق، والتفرد فى القسم الأول
إذا كان راويه ثقة ، بعضهم يقبلونه مطلقاً وبعضهم يقبلونه جیناً ولا يقبلونه حينا
آخر. وينجبر التفرد بوجود متابع أو شاهد، والمتابعة يكون فى رواة سلسلة الإسناد،
والشهادة تتحقق برواية صحابى آخر مثل ما رواه ، والمتابعة قد تكون قريبة
بأن يتابع الراوى عن شيخه ، وقد تكون بعيدة بأن يتابعه فوق شيخه ،
وتسمى الأول تامة ، والثانية غير تامة أيضاً راجع لتفصيل زيادة الثقات
"مقدمة ابن الصلاح" (ص ٩٢ و ٩٣) و " مقدمة فتح الملهم" (ص ١٠)
و " نصب الرأية" (ص ٣٣٦) و " شرح تحرير الأصول" للأمير البخارى
(٣ - ١٠٨) وراجع لتحقيق الشاهد والمتابعة والاعتبار "مقدمة ابن الصلاح"
(ص ٩٠) و "مقدمة فتح الملهم" (ص ١٣).
استطراد: قال شيخنا: إذا ذكرت عند بيان مذاهب الأئمة لفظ
الحجازيين فأريد بهم الشافعية والمالكية ، وإذا ذكرت العراقيين أردت بهم
الحنفية ، ومذهب أحمد دائر بين الفريقين ، فلا أخصه باسم ، ومن دأب
الترمذى فى " جامعه" وأبى داؤد والنسائى فى "سننهما" تخريج أحاديث
الفريقين، وأحياناً مسلم فى "صحيحه" يفعل ذلك، والبخارى يخرج ما وافق
اجتهاده وعليه يبوب التراجم .
ـه : حديث حسن غريب وقوله : لايعرف فى هذا الباب إلاحديث

٨٩
النهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول
(باب فى النهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول)
حدثنا: سعيد بن عبد الرحمن المخزومى نا سفيان بن عيينة عن الزهرى عن
عطاء بن يزيد الليثى عن أبى أيوب الأنصارى قال قال رسول اللّه فَخَلّ: إذا أتيتم
الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولابول، ولا تستدبروها ولكن شرقرا غربوا .
عائشة. كلا القولين ظهره محل نظر، فالحديث أخرجه أصحاب " السنن" ما عدا
النسائى وأخرجه أحمد والدارمى فى "مسنديها" وابن حبان وابن خزيمة وابن
الجارود والحاكم فى "صحاحهم" وصححه الحاكم وأبو حاتم الرازى؛ وقال النووى
فى "شرح المهذب": هو صحيح، فكيف يصح ما قاله الترمذى؟ وفى هذا المعنى
حديث أنس عند ابن ماجه، وحديث أبى ذر عند النسائى، وحديث ابن
عباس عند الدارقطنى، وكذا حديث ابن عمر عنده ، وحديث سهيل بن
أبى خيثمة عند ابن الجوزى فى "العلل" هذا ملخص ما فى "العمدة" (١-٧٠٠)
و "المنتقى" للمجد، و "حاشية السيوطى على الترمذى" فلا يصح على ظاهره
قول الترمذى إلا أن يراد بقوله لا يعرف أى من طريق قوى ثابت ، وهذه
الروايات ضعيفة من جهة الإسناد وفيه نظر أيضاً ، لأن من دأب الترمذى
عند ما يقوله : وفى الباب عن فلان الخ ، يشير إلى جميع ما یکون فى الباب
من ضعيف وقرى، فإذن يعم قوله عند النفى أيضاً فتْمل فى ذلك والله أعلم .
قوله : أتيتم الغائط. الغائط فى اللغة الأرض المطمئنة ، كان يأتيها من
أراد قضاء الحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث وقد يطلق على العذرة أيضاً .
راجع للتحقيق والتفصيل "شرح البدر العينى" (١ - ٧٠٢) و (١ - ٧٠٣).
قوله : شرقوا أو غربوا . الخطاب والأمر لأهل المدينة ومن فى سمتها ،
واستدل الغزالى فى "الإحياء" فى الربع الثانى من آداب المسافر على هذا
الحديث على وجوب استقبال جهة الكعبة على المصلى دون عينها ، وتفصيل
( ٢ - ١٢ )

٩٠
:أد معارف السنن
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة
فلنحرف عنها ونستغفر الله. وفى الباب عن عبد الله بن الحارث ومعقل بن أبى
الهيثم، ويقال معقل بن أبى معقل وأبى أمامة وأبى هريرة وسهل بن حنيف. قال
أبو عیسی حدیث أبى أيوب أحسن شئى فى هذا الباب وأصبح، وأبو أيوب اسمه: خالد
بن زيد والزهرى اسمه: محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهرى، وكنيته:
أبوبكر . قال أبو الوليد المكى : قال أبو عبد الله الشافعى إنما معنى قول
النبى معَ لي لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبر وها: إنما هذا فى القيافى، فأما
فى الكنف المبنية له رخصة فى أن يستقبلها ، وهكذا قال إسحاق . وقال أحمد
ابن حنبل: إنما الرخصة من النبى ◌َّ له فى استدبار القبلة بغائط أو بول، فأما
استقبال القبلة فلا يستقبلها، كأنه لم ير فى الصحراء ولا فى الكنيف أن يستقبل القبلة.
هذه المسألة يأتى فى موضعها والعبرة فى الاستقبال للعضو خاصة لا الوجه كما
قاله ابن عابدين وغيره .
قوله فوجدنا مرا حيض. المراحيض جمع مرحاض من الرحض وهو الغسل
يكنى به عن بيت الخلاء وكذا بقال للمغتسل .
قوله : فنتحرف عنها . الضمير إما يرجع إلى القبلة فالمعنى: كنا نتخلى
فيها ونميل عن سمت القبلة قدر ما أمكن لنا، ونستغفر الله تعالى من عدم تحويل
السمك كاملاً وهو الأقرب؛ أويرجع إلى المراحيض فالمعنى: ننصرف عنها
ولانتخلى ، وكنا نستغفر من فعلهم الشنيع بيناء المراحيض نحو القبلة .
قوله: قال إسحاق. هو الإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه (١)
وكلمة " راهويه" و "نفطويه" و"سيبويه" و"خالوبه" وأخواتها يقرؤها
(١) توفى سنة ٢٣٨ - ه عن سبع وسبعين سنة. راجع ترجمته من"تذكرة
الحفاظ" الذهنى (٢ - ١٩) و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (١ - ١٦) وما
عدا ذلك من كتب الطبقات .

٩١
ما جاء من الرخصة فى ذلك
( باب ما جاء من الرخصة فى ذلك )
حدثنا : محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالانا وهب بن جرير نا أبى عن
محمد بن إسحاق
المحدثون: راهوية ونفطوبة، وهكذا بضم حرف قبل الواو والتاء فى آخرها ،
والنحويون يقرؤنها كما هو المشهور على الألسنة "راهويه" بفتح الواو وما قبلها
وبسكون الماء فى آخرها كذا قاله شيخنا : وجعل ابن خلكان الأول مسلك
أهل العربية والثانى مسلك العجم ، انظر " ابن خلكان " من ترجمة سيبويه من
حرف العين (١ - ٣٨٦).
-: باب ما جاء من الرخصة فى ذلك :-
الحديث فى الباب من متمسكات الحجازيين كما كان الحديث السابق من
أداة العراقيين .
قوله: محمد بن إسحاق (١) اختلف فيه أهل الجرح والتعديل، وقلما
اختلفوا مثله فى غيره . فقال مالك بن أنس : دجال من الدجاجلة ، وقال :
إن قمت بين الحجر الأسود وباب الكعبة لحلفت أنه دجال كذاب. وقال شعبة:
أمير المؤمنين فى الحديث. ووثقه ابن المبارك ، وابن سعد ، وابن معين ،
والبخارى، والعجلى؛ وتكلم فيه البيهقى فى "كتاب الأسماء والصفات" واعتمد
عليه فى "كتاب القراءة " فلم يتكلم فيه ، واستدل بروايته وهذا يقضى العجب
منه. والحق عند شيخنا أنه من رواية الحسان، وفى حفظه شىء كما فى "الميزان"
(٣ - ٢٤) (٢) .
(١) راجع ترجمته فى الجزء التاسع من "التهذيب" (ص ٣٨) وما بعدها
و (ص - ٢٧٨) من " الخلاصة" الخز رجى و"والميزان" (٣ - ٢١) إلى
(٣-٢٤) وقال ابن حجر فى "التقريب": صدوق بدلس ورمى بالتشيع والقدر.
(٢) وما قال صاحب " تحفة الأحوذي" بعد نقل عبارة "العرف الشذى"
قلت : جروح من جرح فى ابن اسحاق كلها مرفوعة الخ إنما هى فخفخة

٩٢
معارف السنن
عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: نهى النبي عَِّّ أن
نستقبل القبلة بي ل، فرأيت، قبل أن يقبض بعام يستقبلها . وفى الباب عن
أبى ققادة وعائشة وعمار. قال أبو عيسى : حديث جابر فى هذا الباب حديث
حسن غريب ، وقد روى هذا الحديث ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر عن
أبى قتادة أنه رأى النبى معَِّّ يبول مستقبل القبلة، أخبرنا بذلك قتيبة قال أنا
ابن لهيعة وحديث جابر عن النبى عَاللَّ أصح من حديث ابن لهيعة وابن لهيعة
ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره.
حدثنا هنادنا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه
قوله : أبان بن صالح، أبان إن كان على وزن الفعل فغير منصرف، وإن
كان على وزن "فعال" فمنصرف، الهمزة تكون زائدة على الأول ، وأصلية
على الثانى، قال النووى فى "شرح مسلم": وصر فه هو الصحيح، وهو الذى
اختاره الإام محمد بن جعفر فى كتابه "جامع اللغة" والإمام محمد بن السيد
البطليوسى اهـ .
قوله : وابن لهيعة ضعيف . هو عبد الله بن لهيعة لا شك فى علمه وفضله
وورعه ، ومنشأ تضعيفه أن كتبه احترقت سنة سبعين ومائة، فكان يروى
من حفظه فاخباط. ويحكى عن سفيان الثورى أنه قصد المحج مرة للقاء إذ سمع
أنه يريد الحج العام. انظر ترجمته فى "التهذيب" من (٥ - ٣٧٣) و "الخلاصة"
(ص ١٧٩) "وابن خلكان" (١ - ٢٤٩) وهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة
الحضرمى المصرى .
وقعقعة، مالها من حقيقة حيث أن الشيخ رحمه الله نفسه حاكم بقول هو أعدل
الأقوال فيه ، فكأن المسكين لايدرى ما يقول ولايعى ما يقال .
مغارف التن - دول

د
مذاهب العلماء فى استقبال القبلة واستدبارها
٩٣
واسع بن حبان عن ابن عمر قال: رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت النبى
على حاجته مستقبل الشام مستدير الكعبة هذا حديث حسن صحيح .
قوله : بيت حفصة، وقع فى رواية عند البخارى: "على ظهر بيت لنا"
وكذا فى رواية عنده "على ظهر بيتنا" وعند مسلم: "على بيت أختى حفصة"
والكل صحيح، فإن باب الإستاد واسع نعم الإسناد الحقيقى هو فى رواية الترمذى
وكشفت رواية مسلم منشأ الإسناد إلى نفسه .
-: مذاهب علماء الأمة فى استقبال القبلة واستدبارها عند التخلى
وترجيح ما هو الراجح منها :-
قد أخرج الترمذى أحاديث الفريقين مع بيان عدة من المذاهب فى المسألة،
والمذاهب من علماء الأمة والأقوال المروية فيها كلها سبعة .
الأول : عدم جواز الاستقبال والاستدبار مطلقاً ، سواء كان فى الصحراء أو
فى البنيان . وإليه ذهب أبو أيوب الأنصارى ، ومجاهد ، وإبراهيم
النخعى ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثوری ، وأبوثور ، وأحمد بن حنبل
فى رواية، فيكره الاستقبال والاستدبار عند أهل هذا القول تحريماً، لا
يختلف بالفضاء والحلاء، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين كما سيأتى.
الثانى: جوزها مطلقاً. وإليه ذهب عروة بن الزبير، وربيعة الرأى شيخ
مالك ، وداؤد الظاهرى .
الثالث : عدم جواز الاستقبال مطلقاً فى الأبنية والفضاء ، وجواز الاستدبار
فيهما. وإليه ذهب أبو حنيفة فى إحدى الروايتين كما فى "الهداية" و
أحمد فى رواية كما فى "جامع الترمذى".
الرابع : عدم جوازهما فى الصحراء ، وجوازهما فى العمران، وهو المروى عن
ابن عباس ، وابن عمر، والشعبى وإليه ذهب مالك ، والشافعى وأحمد
فى رواية ، وإمحاق بن راهويه .
٨

٩٤
معارف السنن
٠٠٠
...
...
...
الخامس: جواز الاستدبار فى البنيان فقط، وإليه ذهب أبويوسف .
السادس: التحريم فيها مطلقاً ، وكذلك حكم بيت المقدس ، وهو مروى عن
ابن سيرين ، وإبراهيم النخعى .
السابع : التحريم فيها لأهل المدينة خاصة ، ومن على سمنهم ، وهو قول
أبى عوانة صاحب المزنى ، ذكرها البدر العينى فى "شرح الصحيح"
(١ - ٧٠٥) وما بعدها، والحافظ فى "الفتح" (١ - ١٧٤ )
والأربعة الأول منها ، ذكر النووى فى " شرح المهذب" وفى
"شرح مسلم" (ص ١٣٠) (طبع الهند).
وهناك قول ثامن أيضاً : أن الاستقبال والاستدبار كلاما مكروه تنزيهاً،
وهى رواية عن أبى حذيفة أيضاً ، حكاه البدر العينى فى "البناية"، وعنها فى
"النهر الفائق وذكرها الشاه ولى اللّه فى "المصفى والمسوى" (١ - ٤) ولعل
منشأ نقله رواية البناية والله أعلم .
وبين الكراهة تحريماً والكراهة تنزيهاً واسطة تسمى إساءة أثبتها صدر
الإسلام أبو اليسر أخو فخر الإسلام أبى العسر ، ويمكن الجمع بين الروايتين
الأوليين عن أبى حنيفة بأن كراهة الاستدبار أخف من كراهة الاستقبال ،
فيكون الكراهة فى الاستدبار تنزيهاً ، ومنشأ الاختلاف اختلاف الأخبار المروية
فى ذلك ، وتعارض بعضها بعضا فى الظاهر ، ومدار الاختلاف على حديث
أبى أيوب، وابن عمر، وجابر وقد أخرجها الترمذى ، وأشار إلى سائر ما
فى الباب .
واحتج أهل القول الأول بحديث أبى أيوب الأنصارى وهو حديث متفق
على صحته أخرجه الشيخان .
واحتج أهل القول الثانى بحديث جابر ، وزعموه ناسخاً لحديث أبى أيوب .
وقال فى "المحرر" (ص ٢٢): وقال ابن عبد البر: وليس حديث جابر مما

٩٠
أدلة المذاهب
٠٠٠
٠٠٠
يحتج به عند أهل العلم بالنقل اهـ .
واحتج أهل القول الثالث بظاهر حديث ابن عمر فزعموه ناسماً لعموم النهى
فی حدیث أبى أيوب .
وتمسك أهل القول الرابع بحديث ابن عمر فخصوا جواز الاستدبار و
الاستقبال بالمبانى فى الأمكنة المعدة للخلاء . وأيضاً تمسك أصحاب هذا القول
بحديث عراك عن عائشة وسنتكلم عليه ، وراجع تمسكات أصحاب الأقوال الباقية
من شرحى الصحيح "العمدة" و"الفتح".
ومن أدلة أهل القول الأول غير حديث أبى أبوب أحاديث:
منها: حديث عبد الله بن حارث بن جزء عن النبى حَ الٍ "لا يبولن أحدكم
مستقبل القبلة". رواه "ابن ماجه" و"ابن حبان" وصححه، وفى "الزوائد"
إسناده صحيح .
ومنها حديث معقل بن أبى معقل "نهى رسول اللّه عَّل أن يستقبل القبلتين
ببول أو غائط" أخرجه " ابن ماجه" و"أبو داؤد" وفى المدينة استقبال بيت
المقدس يستلزم استدبار البيت ، فلعله منشأ النهى عن القبلتين جميعاً أو لاحترام
بيت المقدس لأنه كان أيضاً قبلة .
ومنها حديث سلمان : لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ، رواه
"مسلم" وغيره. ومنها حديث أبى هريرة: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ،
فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ، ولا يستدبرها ، أخرجه "مسلم" و
"النسائى" و"أبوداؤد" و"ابن ماجه" فهذه أحاديث مرفوعة صماح صراح كلها
بدل على ترجيح هذا القول .
وأيضا يؤيد هذا القول : حديث حذيفة مرفوعاً : من تفل تجاه القبلة
جاء يوم القيامة وتفله بين عينية ، رواه ابن خزيمة وابن حبان فى "صحيحيهما"
وراجع لمزيد التفصيل من "شرح البدر العينى" (٢ - ٣٢٦). وكذلك حديث

٩٦
معارف السنن
٠٠.
٠٠٠
...
٠٠٠
...
ابن عمر فى هذا المعنى عند ابن خزيمة ؛ وحديث السائب بن خلاد عند أبى داؤد
وحديث جابر عنده ؛ وهذه بدل ظاهرها على أن النهى لأجل احترام القبلة .
نعم ! حديث ابن عمر عند البخارى : "إذا كان أحدكم يصلى فلا يبصق
قبل وجهه، فإن اللّه قبل وجهه إذا صلى". وحديث أنس عنده: "إن أحدكم
إذا قام فى صلاته فإنه يناجى ربه" الخ؛ وأيضاً حديث آخر عن أنس عنده :
"إن المؤمن إذا كان فى الصلاة فإنما يناجى ربه" الخ. يقيد الأمر بحالة الصلاة
ويسرى هذا الاحتمال إلى الأحاديث السابقة أيضاً ، فلا يقوى الاحتجاج بها .
انظر تفصيل الأقوال فى "شرح العينى" (٢ - ٣٢٩) وقد يخطر بالبال : أن
من قواعد أصول الفقه الحنفي : أن المطلق يجرى على إطلاقه ، والمقيد على
تقييده فى مثل هذه النصوص ، فاعتباراً إلى هذا لا تقيد ما ورد مطلقاً ، وأيضاً
لا ينكر تعدد أسباب النهى فيمكن الحكم لهذا وذاك ، نعم ! إن البصق أقبح
فى الصلاة منه فى غيرها ، لأنها حالة المناجاة بينه وبين ربه والله أعلم . ومها
يكن من أمر فلا أقل من أن يستأنس بها على ذلك . ويكفى للاستيناس أدنى
رائحة من عبيرها ، وهذا من جهة الرواية، وأما من جهة النظر والفقه فهو أقوى
ما یکون لا يتطرق إليه أدنى ربب وذلك من وجوه :
الأول : أن حديث أبى أيوب الصحيح صريح فى الحكم على وصف معلوم
مطرد معقول ، فإيراد الحكم وهو النهى عن الاستقبال والاستدبار
إلى القبلة على سبب معقول وهو إتيان الغائط .
الثانى : أنه تشريع للأمة وقانون لهم بقول صريح لا يتطرق إليه وهم من
الخصوصية .
الثالث: أنه محرم للاستقبال والاستدبار، وعند التعارض يقدم على المبيح كما
تقرر فى الأصول

٩٧
معارف السنن
٠٠٠
...
٠٠.
...
الرابع : إنه لا فرق بين الصحارى والعمران فقهاً ، حيث إن الآكام والجبال
والظراب كم وكم حائلة بينه وبينها ، والأرض كروية مستديرة ، فأنى
يفيد الفصل بين العمران والفضاء الحالى ؟
وعلى ضد ذلك حديث ابن عمر فهو حكاية حال لا عموم لها ، تحتمل
معامل قد تخالف المتمسكين به من أن العبرة للعضو خاصة لا للوجه ؛ ويؤيده
ما فى بعض ألفاظ أبى أيوب عند مالك والشافعى وغيرهما : " فلا يستقبل القبلة
ولا يستدبرها بفرجه" كما فى " الكنز" (٥ - ٨٦) وإن التى ◌َّ كان
محجوباً عليه بابن ، كما فى رواية لابن خزيمة ، وعند الحكيم الترمذى فى
"نوادر الأصول»: فرأيته فى كنيف، ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبى
◌َّكُلّ فى مثل تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له ، فحانت منه التفائة
من غير قصده، كما فى رواية البيهقى عن ابن عمر حكاه فى "الفتح" (١-١٧٥)
و "العمدة" (١ - ٧٠٩) وهذا يدل على أنه لم يتمكن من الإدراك التام
ما لا يدخله شك، ويحتمل أن يكون هذا من خصائصه بَّ الجٍ مع أنه واقعة واحدة
جزئية عرضت له خاصة ، أين هى من الشرع الموضوع للأمة والتشريع العام
الكلى ؟ ويؤيد كونه من خصائصه ما أخرجه القاضى عياض فى " الشفا" (ص٤٠)
طبعه الحابى من نظافة جسمه، والسمهودى فى "الوفا" والسيوطى فى "الخصائص
الكبرى" (١ - ٧٠ و ٧١) عن عائشة: "كان النبى عَ ل إذا دخل الغائط
دخلت فى أثره فلا أرى شيئاً إلا كنت أشم رائحة الطيب، فذكرت ذلك له
فقال : أما علمت أن أجسادنا تنبت على أرواح أهل الجنة ، فما خرج منها
شئ ابتلعته الأرض"، وقد روى هذا من عدة طرق عند " ابن سعد" و
"البيهقى" و "أبى نعيم" و"الدار قطنى" فى " الأفراد" و"الحاكم" فى
( م - ١٣ )

٩٨
ترجيح المحرم على المبيح
...
٠٠.
٠٠٠
٠٠
"المستدرك" و"الحكيم الترمذى" مرسلاً وغيرها. وأقوى طرقها طريق الدارقطنى،
وسنده ثابت كما قاله " دحية"، وقد صرح أهل المذاهب الأربعة بطهارة
فضلات الأنبياء ، ومن الشافعية ابن حجر فى " التلخيص الحبير" ومن الحنفية
ابن عابدين فى " رد المحتار" وعزا القسطلانى إلى البدر العينى أنه قال: وبه
قال أبو حنيفة. قل الراقم ذكره العينى فى "العمدة" (١ - ٨٢٩) صراحة
وفى (١ - ٧٧٧) إجمالاً، وراجع "رد المحتار" (١ - ٢٩٣) والمجموع
(١-٢٣٣) فمنشأ النهى غير موجود فى فعلهمحلّ فيكاد يكون من خصائصه،
ومن ههنا ظهر ضعف ما قاله الحافظ فى " الفتح" (١ - ١٧٣) ودعوى
خصوصية ذلك بالنبى حَّجُلٍ لا دليل عليها، إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال اهـ.
فليس هناك احتمال محض ، بل وجد ما يؤكده، ويكاد يكون قولاً فضلاً فى
الباب ، فإن محائل الاختصاص شمعة ساطعة . نعم وما قيل فى وجه اختصاصه
صَ لٍّ من أن الحقيقة المحمدية أعلى من حقيقة الكعبة، فنكنة من أرباب التصوف
لا يكاد يقتنع به محدث وفقيه، فإن التشريع غير أمر التكوين، وهو ◌َخالٍ وأمته
سواء فى أمور التشريع إلا ما قام دليل واضح على اختصاصه فَ الجِ ، أفاده
الشيخ رحمه الله .
وأيضا حديث ابن غمر مبيح لا محرم، وهو مرجوح عند تعارضها كما
أسلفناه، ومن أجل ذلك قال الإمام القاضى أبوبكر ابن العربى فى "العارضة":
والمختار أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار فى الصحراء ولا فى البنيان ، لأنا
إن نظرنا إلى المعانى فقد بينا أن الحرمة للقبلة ، ولا يختلف فى البادية ولا فى
الصحراء ، وإن نظرنا إلى الآثار فإن حديث أبى أيوب عام فى كل موضع
معلل بحرمة القبلة ، وحديث ابن عمر لايعارضه ولاحديث جابر لأربعة أوجه:
أحدها : أنه قول وهذان فعلان ولا معارضة بين القول والفعل ؛ الثانى : أن
الفعل لا صيغة له وإنما هو حكاية حال ، وحكارات الأحوال معرضة للأعذار

٩٩
معارف السنن
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠
والأسباب ، والأقوال لا محتمل فيها من ذلك. والثالث: أن القول شرع مبتدأ،
وفعله عادة ؛ والشرع مقدم على العادة . الرابع: أن هذا الفعل لوكان شرعاً
لما تستربه آهـ. ومن هنا قال شيخنا رحمه الله فى هذا المعنى:
ن له سمات قبوله
يا من يؤمل أن تكو
ص نبيه ورسوله
خذ بالأصول ومن نصو
بالساكت المجهوله
نصاً على سبب أتى
بالبين المنقوله
دع ما يفوتك وجهه
لا عرضه أو طوله
وخذ الكلام بغوره
ئعه كمثل أصوله
ليس الوقائع فى شرا
لتطرق الأعذار فى
فعل خلاف مقوله
فهذا الإمام القاضى أبوبكر ابن العربى مع كونه مالكياً اختار مذهب
الإمام أبى حنيفة ، وقواه بدلائل ، وهذا حافظ المغرب ابن حزم الأندلسى مع
شدة شكيمته على الحنفية اختارما اختاروه فى هذه المسألة ، وقال: هو قول السلف
من الصحابة والتابعين جملة. راجع "المحلى" (١ - ١٩٤) وهذا الحافظ
ابن القيم الحنبلى قد أيد ذلك المذهب فى " تهذيب السنن شرح سنن أبى داؤد"
الذى لخصه من " شرح المحافظ المنذرى" صاحب " الترغيب والترهيب" فى
ستة أعوام رواية وفقهاً ونظراً على أن هذا المذهب حق وصواب، وقال إن
ذلك مذهب جمهور الصحابة والتابعين كما حكاه شيخنا ، وشى منه ذكره فى
" المدى" أيضاً فراجعه. فهل بعد ذلك مساغ للقيل والقال ؟ ومن ههنا ظهر
تهور الحافظ ابن حجر حيث قال لمذهب الشافعى ومالك: أنه مذهب الجمهور
" فتح البارى" (١ - ١٧٤) أللهم إلا أن يراد بالجمهور من جملة الأمة
الأربعة ، وما كان ذلك يليق بقدره الرفيع ومكانته الجميلة .

١٠٠
الكلام على حديث عراك عن عائشة
....
٠٠٠
...
٠٠٠
٠٠٠
فتلخص أن مذهب الحنفية فى هذا الباب قوی جداً، وهو مذهب الجمهور
من الصحابة والتابعين ، وحديث أبى أبوب نص فى الباب وتشريع فى المسألة ،
وحكم على وصف معلوم منضبط ، وحديث ابن عمر وجابر وماشاكنها لم يعلم
سببه فكيف يترك ما هو معاوم السبب ومكشوف المراد بما جهل سببه ، ولم
ينكشف وجهه ؟ وكيف يهدر الناطق بالساكت؟ وكيف يقدم الفعل على
القول ؟ وأنى يستحق المهيح الترجيح عند وجود المحرم ؟ وأين الفارق بين
الفضاء والبنيان ! ؟
( الكلام على حديث عراك عن عائشة )
وقد يستدل لمذهب مالك والشافعى بحديث عراك عن عائشة : وهو ما
يرويه "ابن ماجه" (ص - ٢٨) من طريق خالد بن أبى الصلت عن عراك بن
مالك عن عائشة قالت: ذكر عند رسول اللّه فَّله قوم يكرهون أن يستقبلوا
بفروجهم القبلة ، فقال أراهم قد فعلوها ، استقبلوا بمقعدتى القبلة ، وأخرجه
أحمد فى " مسنده" والدار قطنى فى "سننه" (ص - ٢٢) والبيهقى فى "سلنه"
(١ - ٩٣) وحسنه النووى فى "شرح مسلم" (١ - ١٣٠) وكذا يستفاد تحسينه
من صنيع ابن الهام فى " فتح القدير» (١ - ٢٩٨) وفيه مغامز من جهة
سنده ومتنه ، والكلام عليه من وجوه :
أما أولاً: فوقع فى سنده خالد بن أبى الصلت، قال الذهبى فى "الميزان":
هو منكر، وقال ابن حزم: هو مجهول، وقال عيد الحق: ضعيف، كما فى
" التهذيب" .
وأما ثانياً : ففيه إرسال من وجهين ، قال البخارى: خالد بن أبى الصلت
عن عراك مرسل ، وقال أحمد بن حنبل : عراك من أين سمع عن عائشة ؟
وقال : إنما هو عراك عن عروة عن عائشة، ولم يسمع عراك منها . ومثله قال
البخارى وأبو حاتم وقال : من قال فيه عراك سمعت عائشة مرفوعاً وهم فيه