النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
لفتة نظر إلى الروح
٠٠.
...
٠٠
..
...
دقيق واسع الارجاء ، ولشيخنا رحمه اللّه مذكرة خاصة بهذا الموضوع أفردها
بالبحث والتحقيق ، وذكر هناك من الأدلة والشواهد ما لا يتسع المحل لذكره
هنا .
وقد بحث الشاه ولى اللّه فى كتبه "كألطاف القدس" و"حجه اللّه" و
"التفهيمات" عن حقيقة الروح، وقال فى "الحجة اللّه البالغة": وليست الآية نصاً
فى أنه لا يعلم أحد من الأمة المرحومة حقيقة الروح كما يظن ، وليس كل ما
سكت عنه الشرع لا يمكن معرفته ألبتة ، بل كثيراً ما يسكت عنه لأجل أنه معرفة
دقيقة ، لا يصلح نتعاطيها جمهور الأمة ، وإن أمكن لبعضهم الخ . وقد أفرد
العلماء هذا "باب بالتآليف قديماً، حديثاً، وأول من ألف فى هذا الباب هو "أرسطو"
من فلاسفة اليونان . قال صاحب "كشف الظنون": "كتاب الروح" ثلاث
مقالات لأرسطواهـ. وذكره فى "كتاب النفس" أيضاً مع عدة تلخيصات
وتراجم، ولأبى العباس أحمد السرخسى المتوفى ٣٨٦ هـ " كتاب النفس والروح"،
ولخصه محمد العلائى، وللشيخ صدقة الدمشقى المتوفى ٢٦٠ هـ "كتاب الروح"
وللمسعودى المؤرخ المتوفى ٣٤٦ هـ كتاب"سر الحياة" ذكره فى "المروج" (١ -
٣٤٠). وأول ما وصل إلينا من تأليف علماء الإسلام "معارج القدس" للإمام
الغزالى المتوفى ٨٥٠٥ فى الروح والنفس وهو مطبوع بمصر، ثم للإمام الرازى
المتوفى ٦٠٦ هـ أبحاث ممتعة مشبعة فى "المطالب العالية" (مخطوط) وفى تفسيره
("الكبير" وهو متداول، وكذلك للغزالى فى "معراج السالكين" وغيره فى عدة
مواضع ، بيد أن كل ذلك أبحاث على منهاج الفلاسفة والحكماء والصوفية و
أرباب الحقائق ، ثم للشيخ محى الدين بن عربى المتوفى ٦٣٨ هـ تأليف مفرد ساه
"كتاب الروح" ذكره صاحب "الكشف"، وهو غير مطبوع، ولم نطلع
عليه . والحافظ ابن القيم المتوفى ٧٥٢ هـ "كتاب الروح" مطبوع بحيدرآباد،
وهو كتاب حافل مستوعب ، وقد لخصه الحافظ برهان الدين البقاعى المتوفى
( ٢ - ٦)
٤٢
معارف السنن
٠٠٠
٠٠٠
..
٠٠٠
...
٠٠٠
٨٨٥ هـ فى نحو ثلثه، وسماه "سر الروح" وهو كتاب فى غاية النفاسة، وله
زيادات جيدة على الأصل ، فجاء كتابه أنفع وأحسن من أصله وهو مطبوع
بمصر. والح فظ أبى القاسم السهيلى المتوفى ٥١١ م بحث جيد فى الروح والنفس
على منحى أهل التحقيق من المحدثين فى كتابه "الروض الأنف شرح السيرة"
قال شيخنا رحمه الله: وهو من أحسن من حقق هذا الموضوع على ما يقتضيه
قواعد الشريعة. ولشيخنا العثمانى طال بقاؤه (١) رسالة لطيفة فى تحقيق "الروح"
باللغة الأردوية تكاد تكون مبتكرة فى تحقيق الروح وأسلوب التحقيق . و
الجوهرى طنطاوى "كتاب الأرواح". ولبعض أفاضل المصريين "كتاب الفتوح
لمعرفة أحوال الروح". وللدوانى رسالة فى الروح ولفريد وجدى والبستانى
وغيرهما من ألف فى "دائرة المعارف" أبحاث مسهبة تحوى أفكاراً جديدة،
ونظريات حديثة ، من تحقيق أهل أوروبا ؛ ولم أحاول استيفاء مواقع البحث
عن الروح، وإنما غرضى التعريف والإعلام بالمصادر الصحيحة والمراجع المهمة،
من تأليف مفردة فى الباب وغيرها ، حتى يسهل التحقيق لمن أراده ، ويفتح له
أبواب التفكير إن شاء . وراجع "العمدة" (١ - ٦١١). وكان شيخنا رحمه
الله يقول: إن عامة المفسرين قالوا: إن اللّه لم يصدع لهم بالجواب عن الروح،
بل ردعهم ومنعهم ، قال: وأرى أنه أومى إلى حقيقة الروح إيماء ، وإن لم
يفصل حيث أن المخلوق - كما يقوله أرباب الحقائق - نوعان ، خلق وأمر، فأشار
إلى أنه من عالم الأمر دون عالم الخلق ، وقد اختلفوا فى تفسيرهما على أقوال
للغزالى والشيخ ابن عربى والشيخ أحمد السرهندى ، ومن جملة تفاسيرهما : أن
المشهود من عالم الخلق وغير المشهود من عالم الأمر ، فيكون عالم الشهادة هو
عالم الحلق .
(١ ) كان عند تأليفهذه الصفحات شيخنا العثمانی حیاً یرزق، و ذاك قبل ٢٦
سنة، والآن انتقل إلى رحمة الله سنة ١٣٦٩ هـ، فإذن نقول رحمه الله رحمة واسعة.
٤٣
٤
حديث حسن صحيح
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح .
قوله : هذا حديث حسن صحيح . قد أشكل على القوم قول الترمذى" هذا
حديث حسن صحيح" حيث جمع الحسن والصحيح فى الحكم على حديث واحد ،
والمشهور عند الجمهور فى تعريف الصحيح : ما اتصل سنده من المبدأ إلى
الختام برواية رجال كلهم عدول ثقات أصحاب ضبط وإتقان ، ولا يكون فيه
شذوذ ولا علة قادحة ولا نكارة، والحسن ما لم يبلغ رجاله درجة رجال الصحيح
فى كمال الضبط والإتقان، مع اشتراكها فى السلامة عن الشذوذ والنكارة والعلة .
فظهر أن الحسن تقاصر عن درجة الصحيح فكيف يتحدان ؟ !
ولهم فى التفصى عنه بضعة عشر جواباً استوفاها الشيخ الجلال السيوطى
فى حاشيته على "الجامع الترمذى" وقد حكاها شيخنا العمانى عنه بأسرها فى "مقدمة
فتح الملهم" .
منها : ما قال الحافظ ابن حجر فى "شرح النخبة" ما ملخصه: حصل
هناك تردد فى تحقق شروط الصحة أو عدمه ، فساغ للمجتهد أن يصفه
بو صفين حسن عند قوم، وصحيح عند آخرين، غير أنه حذف هناك حرف الترديد
أو حرف العطف ، وفيه أن هذا مستبعد من أمثال الترمذى، حتى يتردد فى صحة
حديث أو حسنه ، وحذف العطف غير مطرد فى مثل هذه المواضع . علا أن
مصطلحه هذا فى سائر الكتاب، ولن تجد صحيحاً من غير ضم حسن أو غريب، فهل
هو تردد فى جميع مروياته ، وإنها دائرة بين كونها صحيحة أو حسنة ، فهذا
بعيد كل البعد والله أعلم .
ومنها : ما قال الحافظ ابن كثير : ان الحديث الحسن الصحيح رتبة
متوسطة بين الصحيح والحسن ، وتشرب من كل منها شبهاً كانز ما فيه حلاوة
وحموضة معاً. وفيه أنه كثيراً ما يكون الحديث الذى يحكم عليه بأنه حسن صحيح
حديث «الصحيحين"، فكيف يصح أن ينزل الحديث ما اتفق على تخريجه الشيخا
٤٤
أقسام الصحيح
..
٠
...
٠٠٠
عن أن يكون صحيحاً ؟ قال العراقى فى "نكته على ابن الصلاح": ما قاله ابن
كثير تحكم لا دليل عليه آهـ . ومنها : ما أفاده الحافظ تقى الدين ابن دقيق العيد
فى كتابه "الإقتراح فى أصول الحديث" ما محصله: أن الصفات التى تقتضى
قبول رواية من التيقظ والحفظ والإتقان درجات بعضها فوق بعض ، فوجود
الأدنى كالصدق وعدم التهمة لا ينافى وجود الأعلى ، كالحفظ مع الصدق ، فصح
وصفه بالحسن بالنظر إلى الأدنى، وبالصحيح بالنظر إلى الأعلى ، فاتحدا من جهة
المصداق فى الصحيح ، واختلفا فى المفهوم ، وتحقق بينهما العموم والخصوص
فكل صحيح حسن من غير عكس كلى وهذا كالظاهر والنص عند علماء أصول
الفقه . وهذا الجواب هو الصواب عند شيخنا رحمه الله تعالى ، وهو من أحسن
ما أجيب به .
والحافظ ابن حجر فى "نكته" على ابن الصلاح أيضاً قد قوى جواب
ابن دقيق العيد ، فلعل ما أجاب به الحافظ فى "شرح النخبة" غير مرضى عنده
أيضاً، و"نكته" على ابن الصلاح رسالة شريفة له، وكان شيخنا رحمه اللّه يثنى
عليها ، وأرى والله أعلم أن "نكته" آخر تاليفاً عن "شرح النخبة" وإن كان
"شرح النخبة" من كتبه التى ارتضاها الحافظ نفسه، وقد اعترض الشيخ
تاج الدين التبريزى على جواب ابن دقيق العيد أيضاً ، كما حكاه العراقى فى
"نكته" على ابن الصلاح راجع ( ص ٣١) من "المقدمة لابن الصلاح" مع
"النكت" وقد فرغنا عن ذلك فى المقدمة بكل تفصيل .
وللبحث بقية تأتى عند الكلام على قوله : "حن غريب".
-: فائدة فى أقسام الصحيح :-
الصحيح عند شيخنا رحمه الله على أربعة أقسام :
١ - ما كان رواته عدولاً ثقات أصحاب ضبط واتقان ، ثم مع هذا ساعده
تعامل السلف ، وهذا عند شيخنا أرقى منازل الصحيح .
٤٥
أقسام التواتر
٠٠٠
٠٠٠
٠٠
٢ - ما صححه إمام من أئمة الحديث صراحة
٣ - ما أخرجه من التزم الصحة فى كتابه كابن خزيمة ، وابن السكن ، وابن
حبان ، وأبى عوانة وغيرهم فى صحاحهم ، وكالنسائى فى "الصغرى"
فكل حديث أخرجه أحد هؤلاء الأعلام فى كتبهم التى اشترطوا على
أنفسم رواية الصحيح فيها يكون صحيحاً ، وإن لم يصرحوا خاصة على
تحته ، نعم هناك مراتب بعضها فوق بعض .
٤ - ما كان سالماً عن الجرح بالشذوذ والنكارة ، ويرويه ثقات ، ويؤيده
تقسم قدماء المحدثين الحديث إلى صحيح وضعيف ، فكثيراً ما يكون
حسناً عند المتأخرين يكون صحيحاً عند قدماء المحدثين ، وأول من قسم
الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف هو الخطابى صاحب المعالم" كما قيل
والله أعلم
-: فائدة أخرى فى اقسام التواتر :-
التواتر عند شيخنا رحمه الله أيضاً أقسام أربعة :
١ - تواتر الإسناد ، وهو أن يروى الحديث من البداية إلى النهاية جماعة
يستحيل عادةً أن يتواطئوا على كذب فى كل قرن من القرون الثلاثة ،
وهذا هو تواتر المحدثين كحديث: «من كذب على متعمداً» الخ، حيث
رواه ثلاثون نفساً من الصحابة بطرق صحيحة أو حسنة ، كما فى "الفتح"
الحافظ ابن حجر ، وكأحاديث ختم النبوة ، جاوزت مائة وخمسين
حديثاً، منها نحو ثلاثين فى "الصحاح السنة". وكأحاديث نزول عيسى
عليه السلام، ما يربو على ستين حديثاً، بين صاح وحسان ، ومن
هذا القبيل أحاديث المسح على الخفين ، حيث بلغت إلى سبعين حديثاً ،
كما قاله تفى الدين ابن دقيق العيد فى "الإمام" حكاه الزيلعى فى "نصب
٤٦
معارف السنن
٠٠٠
٠٠
الرأية" والعراقى فى "التقييد والإيضاح". وأحاديث: من كذب على
الح. أوصلها ابن الجوزى إلى ثمانية وتسعين ، كما قاله العراقى فيما كتبه
على المقدمة ( ص ٢٢٩ ) من "التقييد والإيضاح" وراجعه من ( ص
٢٢٦ إلى ص ٢٣٢ ) تجد هنك أبحاثاً وفوائد وكذا (ص ٨٤ وص ٨٥)
وحكى النووى عن بعضهم ، رواه مائتان من الصحابة راجع "شرح
مسلم" للنووى من الأوائل، ومقدمة "فتح الملهم" من بحث التوائر.
٢ - تواتر الطبقة وهو أن يأخذه طبقة عن طبقة، وهكذا من بدئه إلى ختامه
من دون التزام لتواتر الإسناد فيه ، كتواتر القرآن على بسيط الأرض،
شرقاً وغرباً ، درساً وتلاوةً، حفظاً وقراءةً، فتلقاه الكافة عن الكافة،
طبقةً بعد طبقة ، وقرناً بعد قرن ، وهو فوق توائر الإسناد ، بحيث
لو جز أناه قطعاً وأجزاءً لكفى جزء من ألف جزئه لإفادة العلم اليقين ،
وجزء من ألف جزء أقوى وأتقن من توابر إسنادهم وهذا التواتر هو
ما يعنوله فى كثير من كتب الفقه ، فهو تواتر الفقهاء فى أكثر تعبيراتهم،
ومصطلحاتهم ، ولا يحتاح هذا القسم من التواتر إلى إسناد يكون عن فلان
عن فلان ، بل لو طلبنا تواتر اسناد كل آية من التنزيل لأعوزنا ذلك ،
ولعجزنا عنه ، ومع هذا فلا يوازيه تواثر الإسناد .
٣ - توائر العمل، وبلفظ آخر هو التعامل والتوارث ، وهو أن يتوارث
فى المسلمين عمل في كل قرن من القرون، من أعمال العبادات والشرائع،
فيستبعد خطأه كل الإستبعاد ، بل يكاد يكون خطأه مستحيلاً، ومن
هذا القبيل عند شيخنا رحمه الله العمل برفع اليدين وترك الرفع عند الركوع
وبعد الركوع كلاما متواتر بهذا التواتر ، وهذا القسم الثالث يقرب
من الثانى .
٤١
اختلاف اسم أبى هريرة
وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيد عن أبى هريرة . وأبو صالح والد
سهيل : هو أبوصالح السمان واسمه: ذكون. وأبو هريرة اختلفوا فى اسمه
فقالوا : عبد شمس ، وقالوا : عبد الله بن عمرو .
٤ - تواتر القدر المشترك ، وهو أن تكون أمور مروبة بطرق كثيرة ، غير
أن كل أمر منها يكون مروياً بالآحاد ثم هذه الأمور المروية بطريق
الآحاد تتفق على قدر مشترك فى جميعها وهذا كتوار المعجزة ، فإن
افرادها وإن كانت من أخبار الآحاد ، ولكن القدر المشترك فيها واحد
وهو متواتر ؛ وحكم الثلاثة الأول تكفير جاحدها ومنكرها ، وأما
الرابع فحكمه كذلك إن كان بديهياً، وإن كان نظرياً فلا . هذا ما أفاده
شيخنا رحمه الله فى أوائل "إكفار الملحدير" وفى "نيل الفرقدين" من
(ص ٨٨) وراجع لتفصيل الثالث "نيل الفرقدين". قال شيخنا العثمانى
فى مقدمة "فتح الملهم" بعد إيضاح الأقسام هذه وأول من ربع
المتواتر وسمى كل قسم منه باسم هو: العلامة الشيخ الأنور ( رحمه الله
تعالى ) .
قوله : وهو حديث مالك عن سهيل ، كان فى الإسناد المذكور غنى عن
إعادته ، ولكنه أعاد إشارةً إلى أن مالكاً تفرد بالرواية ، وعنه اشتهر ولم يتابعه
أحد بهذا الطريق عن أبى هريرة .
قوله: وأبو هريرة اختلفوا فى اسمه: اختلفوا فى اسم أبى هريرة على نحو ثلاثین
قولاً، فقيل: عبد شمس فى الجاهلية، وعبد الله أو عبد الرحمن فى الإسلام ، قال
ابن الصلاح فى "مقدمته": اختلفوا فى اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً لم يختلف
مثله فى اسم أحد فى الجاهلية والإسلام ، وذكر ابن عبد البر أن فيه نحو عشرين
قولاً ، لم يصح عنده فى اسمه شئى يعتمد عليه إلا أن عبد الله أو عبد الرحمن هو
الذى يسكن إليه القلب فى اسمه فى الإسلام . وقال محمد بن اسحاق وأبو أحمد
٤٨
معارف السنن
٠٠
...
الحاكم: عبد الرحمن بن مضر آهـ. ملخصاً، وراجع التفصيل " تهذيب التهذيب"
الجزء الثانى عشر من (الكنى ). قال البخارى : روى عنه ثمان مائة رجل أو
أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم . حكاه ابن حجر . وذكر
الحافظ بقى بن مخلد الأندلسى فى "مسنده" لأبى هريرة خمسة آلاف حديث و
ثلاث مائة وأربعة وسبعين حديثاً ، كما حكاه النووى فى "شرح مسلم" ، أسلم
عام خيبر ، وتوفى سنة تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة ، ودفن بالبقيع .
وذكر النووى الإختلاف فى اسمه واسم أبيه نحو ثلاثين قولاً ، قال الحافظ
ابن حجر فى "الإصابة": وعند التأمل لا يبلغ إلا إلى عشرة، ومرجعها من
صرة النقل إلى ثلاثة عمير، وعبد اللّه، وعبد الرحمن ، حكاه السيوطى فى
"زهر الربى"، وهناك أبو هريرة آخر من رجال "التهذيب" محمد بن فراس
الصير فى راجع "التهذيب".
واختلفوا فى انصراف "أبى هريرة" وعدمه، فحكى على القارى عن ابن
حجر عدم انصرافه ، فقال : وجدناه غير منصرف والقياس الإنصراف اهـ.
وما قال القياس الإنصراف فلعله زعم أن من شروط عدم انصراف أمثال هذه
الأسماء كون المضاف إليه علماً غير منصرف قبل إضافة كلمة "أبى" إليها ، لكن
هذا الوجه غير صحيح ؛ حيث جرى عملهم على عدم انصراف أبى صفرة وأبى
حمزة، وهو كنية أنس بن مالك كناه به رسول اللّه فَلّ حيث أرسله إلى أن
يأتى بيقلة الحمقاء، وتسمى حمزة فأبطأ فذهب فَّ لّ على عقبه فناداه يا أبا حمزة
الخ. واختلفوا فى وجه كنيته "بأبى هريرة". فقيل: لما نقل عنه أنه قال :
كنت أرعى غنم أهلى، وكانت لى هرة صغيرة ، فكنت أضعها بالليل فى
شجرة ، فإذا كان النهار ذهبت بها معى ، فلعبت بها ، فكنونى أبا هريرة . و
هو فى "جامع الترمذى" من ( المناقب ) وقيل غير ذلك أيضاً.
٤٩
معارف السنن
وهكذا قال محمد بن اسماعيل ، وهذا أصح . وفى الباب من عمان و
ثوبان والصنابحى وعمرو بن عيسة وسلمان وعبد الله بن عمرو ، والصنابحى هذا
الذى روى عن النبى معَّ ◌ُّ فى فضل الطهور هو: عبد الله الصنابحى، والصنابحى الذى
روى عن أبى بكر الصديق ليس له سماع من النبى عَ ل﴾، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة،
ويكنى أبا عبد اللّه، رحل إلى النبى عَلّ فقبض النبى عَلّ وهو فى الطريق،
وقد روى عن النبى عَ ◌ّج أحاديث. والصنابح بن الأعسر الأحمسى صاحب النبى
رجل يقال له الصنابحى أيضاً، وإنما حديثه قال سمعت النبى
عَلّ يقول: إنى
مكاثر بكم الأمم فلا تقتتلن بعدى .
قوله : والصنابحى، خلاصة ما قاله: أن الصنابحى يعرف به ثلاثة ، أحدهم
هو: عبد اللّه الصنابحى، وهو صحابى. والثانى: عبد الرحمن الصنابحى ، وهو
تابعى والثالث: صنابتح من غير باء النسبة ، وقد يقال له صنابحى أيضاً ،
وهو أيضاً صحابى . قال النووى فى "شرح مسلم": الصنابح بطن من مرادآهـ.
وعبد الرحمن الصنابحى لم يسمع من النبى معَّ اللّ كما قاله الترمذى والبخارى وغير
واحد ، وقال يحيى بن معين : عبد الله يروى عنه المدنيون يشبه أن تكون له
صحبة، حكاه السيوطى فى «اسعاف المبطأ" ( ص ٢٠١) ( المطبوع مع "الموطأ"
بمصر) راجع للتفصيل "تهذيب التهذيب" (٦ - ٩٠) وما بعدها و (٦ -
٢٢٩) و"الإصابة" وكلام ابن حجر فى "الإصابة" صريح فى أن عبد الله
الصنابحى وأبا عبد الله الصنامحى رجلان، وفى "طبقات ابن سعد" (٧ - ١٤٢
عن عطاء بن يسار قال : سمعت عبد اللّه الصنابحى يقول :
ق ٢ ) .
سمعت رسول اللّه حَا: "إن الشمس تطلع من قرن شيطان فإذا طلعت قارنها"
الخ. وهذا صريح فى سماعه عنه عَ ل٣. وفى "التقريب": عبد الرحمن بن
عسيلة - بمهملة - المرادى أبو عبد الله الصنابحى ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة
( م - ٧)
٠
مفتاح الصلاة الطهور
( باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور)
حدثنا هناد وقتيبة ومحمود بن غيلان قالوا نا وكيع عن سفيان وثنا
محمد بن بشار نا عبد الرحمن نا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن
محمد بن الحنفية عن على عن النبى عَّ اللّ قال: مفتاح الصلاة الطهور
بعد موت النبي صَ لّم بخمسة أيام، مات فى خلافة عبد الملك اهـ.
وبالجملة عبد الله الصنابحی وأبو عبد الله الصنابحی رجلان ، الأول صحابی،
والثانى تابعى، وهذا هو الظاهر والله أعلم بالصواب .
قوله : عن سفيان . سفيان مدار فى الإسنادين ، وبعده تحويل ، فكان
حق العبارة هكذا : ح وحدثنا محمد بن بشار، غير أنه لم يذكر فى هذه النسخة
المطبوعة "بأيدينا"، وذكر فى نسخة الترمذى المطبوع عند الحلبى بمصر. وقد
أشكل تعيين "سفيان" فى هذا السند ، هل هو الثورى أو ابن عيينة ، والتمييز
يحصل بالنسب أو بالنسبة ، والمذكور غير منسوب هنا نسباً ونسبة ، أو يكون
التمييز بالطبقة والأصحاب والشيوخ وقد اشتركا فى أكثر الأصحاب والشيوخ
إلا أن الثورى أكبر سناً من ابن عيينة وأعلى طبقة فاشتبها اشتباهاً كاملاً ،
فاستقرى شيخنا رحمه الله طرق هذا الحديث ، فوجد فى تخريج الهداية للإمام
الحافظ الزيلعى ، "نصب الرأية" (١ - ٣٠٧) (باب صفة الصلاة)
برواية الطبرانى والبيهقى من طريق أبي نعيم عن سفيان الثورى الخ ، فعلم أنه
ثورى لا ابن عيينة .
قوله : مفتاح الصلاة الطهور كلمة فى بيان بعض ما يفيد القصر تمهيداً
لشرح الحديث لمهد أولاً مسألة من علم البلاغة كى تتفرع عليها مسائل موضوع
الباب بكل وضوح ، قد تقرر فى موضعه من كتب البلاغة أن الخبر إذا كان
معرفاً بلام الجنس فيفيد القصر أحياناً لادائماً ، كما نبه عليه العلامة التفتازانى
٥١
معارف السنن
فى "شرح التلخيص" حيث قال فى "المطول" حاكياً عن "دلائل الإعجاز":
وقد لا يفيد القصر كقوله :
٠٠
وإن سنام المجد من آل هاشم
بنوبيت مخزوم ووالدك العبد
وقال الإمام الرازى فى "نهاية الإيجاز": أنه لا يفيد القصر حقيقةً أو
مبالغةً نحو: المنطلق زيدآهـ. كما حكاه السيوطى فى "الإتقان" (٢ - ٥١).
قال شيخنا رحمه الله: إن تعريف الطرفين يفيد القصر إذا كان الطرف الآخر
مشتملاً على معين القصر، " كاللام" أو كلمة "فى" بل قد يفيذ تعريف أحد
الطرفين القصر أيضاً ، من غير أن يشتمل الطرف الآخر بما يعين القصر كما فى
شطربيت ، قاله كعب بن زهير فى قصيدته المعروفة :
تخدى على يسترأت وهى لاحقة: ذوابل مسهن الأرض تحليل.
يريد لا تمس الأرض إلا تحلق للقسم ، فأفاد التركيب القصر مع خلوه عن
معين القصر. وربما تجد ◌ّالطرفين كلاهما معرفاً باللام، ومع هذا لا تكون الجملة
مفيدة للقصر كمافى قولهم: "الكرم الخلق الحسن"، قال: ويدلنا هذا على أن هذه
القواعد والضوابط لا تجدها مطردة دائماً ، ومن أجل هذا كان يشبه هذه الضوابط
شيخ شيخنا مولانا الشيخ محمود حسن بعكازة العميان قال : ويستفاد من كلام
الزمخشرى فى "الفائق" (١): إن عند تعريف الطرفين يفيد التركيب قصر المسند
إليه على المسند، حيث فسر قوله عَ ل "فإن الله هو الدهر" بقوله هو الجالب
الحوادث لا غير الجالب ، ويستفاد من كلام التفتازانى فى "المطول": إن فى
مثل هذا التركيب قصر المسند على المسند إليه .
قال شيخنا : الإطراء غير صحيح، وتعريف الطرفين يصلح لكل من
(١) (ص ٢٠٨) مادة دهر (طبع دائرة المعارف) وراجع للتفصيل نفس
المصدر .
٥٢
مفتاح الصلاة الطهور
...
ذلك. قال الراقم : قال البنانى فى "التجريد": والصواب أن يقال: إنه إن
كان أحدهما - أى المبتدأ أو الخبر ـ أعم من الآخر فهو المقصور، وإذا كان
بينها عموم وخصوص من وجه يفوض إلى القرائن وإن لم توجد قرينة فالأظهر
قصر المبتدأ على الخبر لأن القصر مبنى على قصد الاستغراق وشمول جميع
الأفراد ، وذلك أنسب بالمبتدأ لأن القصد فيه إلى الذات ، وفى الخبر إلى
الصفة اهـ. والراجح عند السيد الجرجانى هذه الصورة الأخيرة مطلقاً. وقال
التفتازانى ما ملخصه : المقصود هو المعرف بلام الجنس ، سواء كان مبتدأ أو
خبراً "فالأمير زيد وزيد الأمير" عنده واحد ، ومن شاء تفصيل هذا الموضوع
فليراجع إلى ما قاله التفتازانى فى "المطول" وابن التقى السبكى فى "عروس
الأفراح" وابن يعقوب فى "المواهب" كل منهم فى بحث "تعريف المسند" تجد
هناك ما يشفى الغليل .
استطراد فى أقسام حرف اللام ، اللام عند علماء المعانى قسمان : لام العهد
الخارجى ، ولام الحقيقة ، وينقسم الأول إلى أقسام ثلاثة :
١ - العهد الذكرى: وهو ما سبق ذكر المعهود إما لفظاً وإما تقديراً.
٢ - العهد الحضورى : وهو ما يكون المعهود حاضراً، إما لفظاً وإما حساً،
مثل "اليوم أكملت لكم دينكم"
٣ - العهد العلمى: وهو ما يكون المعهود معلوماً بين المتكلم والمخاطب.
وكذلك الثانى ينقسم إلى أقسام ثلاثة :
١ - لام الجنس: وهى ما يشير به إلى نفس حقيقة مدخولها.
٢ - لام العهد الذهنى: وهى ما يراد به حقيقة الشئ من حيث وجودها فى
بعض غير معين .
٣ - لام الاستغراق: وهى ما يراد به الحقيقة من حيث وجودها وتحققها
٥٣
معارف السنن
٠٠٠
٠٠٠
٠٠.
...
...
فى ضمن جميع ما يتناوله المسمى ، من حيث اللغة إما حقيقةً أو ادعاء
ومبالغةً .
وأما علماء النحر فالعهد العلمى الذى هو قسم من الخارجى يسمونه :
لام العهد الذهنى ، ولام العهد الذهنى عند علماء المعانى هو الذى يسمى عند
النحويين : لام الجنس . والراجح عند شيخنا رحمه الله فيه مسلك أهل النحو،
من أراد تفصيل الموضوع فليراجع "عروس الأفراح" لابن التقى السبكى و
"الد سوقى شرح مختصر السعد" من بحث إيراد "المسند إليه" معرفة بلام التعريف
من أحوال المسند إليه . و"الأشمونى" وغيره من شروح "الألفية"، وإذ قد
تقرر هذا فقال رحمه الله: إن قوله عَ الج "مفتاح الصلاة الطهور": تفيد القصر
وهذه الجملة موضع اتفاق بين الأئمة ، حيث لاصلاة بغير طهور وإن قرينتيه
كذلك كل منها يفيد القصر على ما تقتضيه قواعد البلاغة ، وإن لم تكن مطردة،
فدل ذلك على أن التحريم لا يكون إلا بالتكبير ، والتحايل لا يكون إلا بالتسليم
ولكن فيها وقع الخلاف بين الأئمة ، فهل حكم الشريعة مقصور على هاتين
الصيغتين أو ما يرادفهما ؟ أو ما يقوم مقامهما ؟ ففيه مذاهب . ثم اختلفوا فى
كون تكبيرة التحريم هل هى شرط لافتتاح الصلاة أم ركن منها ؟ .
فههنا عدة مسائل (١).
المسألة الأولى : ذهب مالك والشافعى وأحمد إلى فرضية "الله أكبر" فى
الإفتتاح، وعن الشافعى روى "اللّه الأكبر" أيضاً، وذهبوا إلى فرضية "السلام
(١) ومنها: هل تنعقد الصلاة بالنية فقط من غير تكبيرة ؟ ومنها : هل
حكم باقى التكبيرات فى الصلاة حكم التكبيرة الأولى فى الوجوب ؟ فاختلفوا
فيها إلى آراء، أنظر "شرح البدر العينى على الصحيح" (٣ - ٣) ومسألة أخرى
من الإكتفاء بتسليمة أو تسليمتين، وراجع لها "العمدة" (٣ - ١٩٠ و١٩١)
واكتفيت بالمذكور اقتفاء الأثر الشيخ فى "أماليه".
٥٤
مفتاح الصلاة الطهور
٠٠٠
...
...
٠٠.
...
عليكم" فى الإختتام، وقال أبو حنيفة كل ذكر مشعر بتعظيم اللّه سبحانه مثل " الله أكبر"
أو "اللّه أجل" أو "اللّه أعظم" وغيرها من الكلمات التى تؤدى مؤداها يكفى لصحة
افتتاح الصلاة ، وهو القدر المفروض الذى لا تصح الصلاة إلا به ، وأما لفظ :
"الله أكبر" خاصةً فسنةمؤكدة لرسول اللّه عَ لٍ، وسنة متبعة للأمة، غير أنه
تأكده فى الشريعة ما بلغت رتبة لا تصح الصلاة بغيره ﴿ والحنفية سموه واجهاً
لشدة تأكده يأتى معنى الواجب عندهم .
استدل الجمهور لمذهبهم بحديث الباب لدلالته على الحصر ولغيره من
أخبار الآحاد التى ورد فيها الإفتتاح "بأنله أكبر"، واحتج أبو حنيفة وأتباعه
بقوله عز وجل : "وذكر اسم ربه فصلى" حيث دل بمجرد ذكر الله من
غير أن يكون هناك تقييد أو تخصيص "بالله أكبر"، بل صح الإفتتاح بأى اسم
أفاد هذا المعنى ، وقوله : "وربك فكبر" والتكبير لغة التعظيم، وبما رواه ابن
أبى شيبة عن أبى العالمية أنه سئل بأى شئء كان الأنبياء عليهم السلام يستفتحون
الصلاة ؟ قل بالتوحيد والتسبيح والتهليل ، وبما روى عن الشعبى قال : بأى
شئى من أسماء الله افتتحت الصلاة أجزاك ، وبما روى عن ابراهيم النخعى :
إذا سبح أو كبر أو هلل أجزا فى الإفتتاح ، حكاها البدر العينى . واحتج
أيضاً من جهة النظر والفقه بقوله عَّ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا
لا إله إلا الله". وظاهر أن من قال صيغة تشبهه مثل: "لا إله إلا الرحمن" أو
غيره كان مسلماً ، فإذا جاز فى الإيمان الذى هو أصل وأساس للدين فأولى أن
يجوز فيما كان من فروعه . ثم إن هذه المسألة تبتنى على عدة أصول وقواعد
هى أساس لاستنباط الأحكام من النصوص فى نظر فقيه الأمة أبى حنيفة :
الأولى : مسألة المفهوم المخالف هل هو حجة شرعية مثل المنطوق أم لا؟
الثانية : مسألة الزيادة على كتاب الله بأخبار الآحاد هل تجوز ذلك؟
الثالثة : مسألة اختلاف مراتب الدلالة والثبوت قطعية وظنية .
معارف السنن
٠٠
...
...
٠٠٠
الرابعة : مسألة اثبات مرتبة بين مرتبتى الفرض والسنة ما يسمى عنده واجباً .
الخامسة: مسألة تنقيح المناط وتخريج المناط وما للنصوص من الصلة القوية
بها فى نظر المجتهد .
فهذه خمسة مسائل تجرى فى الفقه الحنفى مجرى القواعد والأصول الأساسية
نبحث عنها هنا بقدر ما لها صلة بهذا المقام وقد أشار إليها الشيخ باجمال ولكن
رغبت فى تفصيلها فأقول وبالله التوفيق :
المسألة الأولى: الكلام له منطوق: وهو ما دل عليه صريح اللفظ ، و
سياق العبارة دلالة لغوية . ومفهوم : يستنبط من فحرى الكلام ، فإن كان
لإثبات حكم موافق للمنطوق يسمى "مفهوم الموافقة" و"فحوى الخطاب"، و
إن كان لإثبات ضد حكم المنطوق ونقيضه المسكوت يسمى "مفهوم المخالفة"
و"دليل الخطاب". وينقسم مفهوم المخالفة إلى مفهوم الصفة والشرط والعلة
والغابة والعدد واللقب والإستثناء والحصر والزمان والمكان . فاتفقوا فى قبول
مفهوم الموافقة ، واختلفوا فى مفهوم المخالفة ؛ فالشافعى وأتباعه ذهبوا إلى حجية
المفهوم المخالف بأقسامه بشروط بينت فى محلها ، نعم على اختلاف من بعضهم
فى بعض الأقسام . فالمفهوم المخالف عندهم حجة شرعية وإن كانت ظنية
فجعلوا التنصيص على الشئ والتخصيص بذكره دليلاً شرعياً عندهم على نفى ما
عداه . والحنفية لا يعتبرونه حجةً شرعيةً بهذه المثابة، والحق أن نفيه مطلقاً
غير صحيح ، كما أن اثباته مطلقاً كذلك غير صحيح ، بل يحتاج إلى بيان نكات
وفوائد للشروط والقيود والصفات التى وردت فى النصوص ، نعم لاتدل
نفيها على نفى الحكم المنصوص حتى يكون دليلاً شرعياً فى المسكوت ، وإنما
قال شيخنا رحمه الله باعتباره فى مرتبة الحكمة والنكتة والفائدة لأن الكلام
٥٦
مفتاح الصلاة الطهور
٠٠٠
...
البليغ يقتضى ذلك ، لكيلا يشتمل على حشو فى الكلام ، ولغو فى الغرض ،
وأيضاً لو لم نعتبره فى هذه المرتبة لألغيت فائدة القيود والصفات فى كلام
البايغ، وكلام اللّه سبحانه ثم كلام رسول اللّه عَ لّم أجل من أن تكون هناك زيادة
غير محتاج إليها فى المقصود ، وعلى كل حال فهو محوج إلى النكتة فى ذكر
القيد ، وإليه جنح الشاه ولى الله فى "المصفى شرح المؤطا"، ولعله أخذه من
صاحب "المدارك" فى تفسير قوله تعالى: "الحر بالحر" الآية. وقد أطا
بعض الكلام فيه أبو البقاء فى "كلياته" (ص ٣٤٦).
ومن جملة فوائد القيود والشروط أن تكون أحياناً لتحسين الغرض المقصود
والحث على اتيانه كما تكون أحياناً لتقبيح الأمر وتبشيع الحال إيعازاً فى تركه،
وقد نبه على ذلك الشيخ أحمد بن المنير المالكى فى حاشيته على "الكشاف" حيث
قال فى بيان فائدة الشرط فى قوله تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن
أردن تحصناً" ما لفظه: إن فائدة ذلك والله أعلم أن يبشع عند المخاطب الوقوع
فيه لكى يتيقظ أنه كان ينبغى له أن يأنف من هذه الرذيلة وإن لم يكن زاجر
شرعى آه ، منى هامش "الكشاف" (٢ - ٩٤). وأشار إلى هذا المعنى أبوسعود
فى "تفسيره" أيضاً فى تفسير هذه الآية، وهذا ألطف وأولى مما قاله ابن تيمية
فى "كتاب الإيمان" (ص ٢٤) هذا بيان الوصف المناسب لك، اخ. فالحاصل
أن مفهوم المخالفة لم يعتبره معاشر الحنفية فى نصوص الشارع ، ومنشأ ذلك غاية
احتياطهم فى غرض الشارع حيث أن أغراضه تكون دقيقة ، ربما يجل ادراكها
عن العقول وقد اعتبروه فى عبارات الفقهاء ، ومتفاهم أهل العرف ، حيث
تكون أغراضهم أقرب إلى الفهم ، وأسهل للتناول، قال المحقق الشيخ ابن الهام
فى "تحريره": والجنفية ينفون مفهوم المخالفة بأقسامه فى كلام الشارع فقط آهـ.
ويقول شارحه ابن أمير الحاج حاكياً عن شمس الأئمة الكردرى : إن تخصيص
٥٧
معارف السنن
وتحريمها التكبير و تحليلها التسليم .
الشئى بالذكر لا يدل على نفى الحكم عما عداه فى خطابات الشارع ، فأما فى
متفاهم الناس وعرفهم ، وفى المعاملات والعقليات فيدل اهـ حكاه ابن عابدين
فى "رد المحتار" (ص ١١٤ و١١٥) فى الوضوء من (الجزء الأول) وفصل
الموضوع بعض تفصيل فى ( الجزء الثالث ) ( ص ٦٤٤ ) أيضاً . وحكاه هناك
عن البيرى عن "المصفى" و"خزانة الروايات" و"السراجية" وذكره فى
"شرح الرقابة" فى (باب المهر)، وفى "النهاية شرح الهداية" فى
(باب الرجوع عن الهبة) وفى "كتاب الطهارة" فى (فصل الغسل)، وفى "الطحطاوى
شرح المراقى" فى ( الأذان ) ولفظه: ومفاهيم الكتب حجة الخ . وكذا ذكره
الشيخ عبد الحى اللكنوى فى الدراسة الخامسة من "مقدمة عمدة الرعاية" ببسط
وتفصيل فراجعه . ومن أراد وجوه إبطال المفهوم فى نصوص الشارع فليراجع
إلى "تحرير الأصول" لابن الهام، وشرحيه "التقرير والتحبير " لابن أمبر الحاج
و"التيسير" للشيخ أمير البخارى؛ فإذا تقرر هذا فقال شيخنا رحمه الله: إن من
مناط الخلاف هذه المسألة ، فهم اعتبروا المفهوم فقالوا بعدم جواز ما عدا
التكبير فى التحريم ، وما عدا التسليم فى التحليل ، وقلنا الحجة غير ناهضة فى
المسكوت، وهو عدم الجواز فيما عدا المنصوص، بل يحتاج هذا إلى دليل آخر .
المسألة الثانية: الزيادة على كتاب الله بأخبار الآحاد . وليعلم أولاً
أن الخبر المروى عن رسو اللّه عَلَّ إما يرويه جم غفير عن النبى عَل يستحيل
تواطؤهم على الكذب فهو : المتواتر ، أو يرويه واحد فصاعداً من غير
أن يبلغ إلى تلك المرتبة ثم ارتقت حاله إلى حالة المتواتر فى القرن الثانى فهو:
المشهور ، وإن لم ترتق فى الثانى ولا فى الثالث فهو: خبر الواحد ، ولا عبرة
بالإشتهار والتواتر فى ما بعد القرون الثلاثة . والأحسن عند شيخنا رحمه الله
فى تعريف هذه الأقسام ما قاله بعض أهل الأصول بأن الخبر إن تلقاه الأمة
(م - ٨)
٥٨
مسألة : الزيادة على كتاب الله
...
٠٠٠
٠٠
...
...
بالقبول فى القرن الأول فهو: المتواتر، أو فى القرن الثانى فهو: المشهور أو
فى القرن الثالث فهو: خبر الواحد . والمتواتر موجبه القطع ، وخبر الواحد
موجبه الظن ، فقال الحنفية : لما كان كتاب الله سبحانه قطعياً لايشويه شك،
وخبر الواحد بالنظر إلى وسائط وصوله إلينا ظنياً يدور حوله شك ، ففرق
جلى بين مرتبة هذا وذاك ، فإن أثبت كتاب الله شيئاً من العموم والإطلاق - و
ظاهر أنه قطعى وأثبتنا أمراً يخالف إطلاقه أو عمومه ـ يكون هذا زيادة على ما
لم يثبته كتاب اللّه، فلا يجوز هذا فى تلك المرتبة حيث يكون هذا زيادة على
المقطوع بالمظنون ، والفرق بينهما جلى واضح . نعم وجب العمل بما أثبته خبر
الواحد وجوباً دون وجوب ما يثبته كتاب الله، فنحن لا نلغى العمل بخبر الواحد،
ولانترك حكمه سدىً كما زعم بعض من لاحظ له من الإنصاف، وهو النواب صديق
حسن خان القنوجى . بل قلنا بموجبه فى مرتبة يستحقها شأنه إعطاء لكل ذى جق
حقه فرقاً بين المراتب، ووضعاً للحقائق فى ممالها ، فكل أمر قطعى يحتاج فى اثبات
أركانه وشروطه إلى قطعى مثله ، فالرك والشرط للأمر القطعى لا يثبتان بالظنى،
نعم إذا ثبت أمر بالنص الظنى صح اثبات ركنه وشرطه بالظنى مثله ، ومن
أجل هذا الأوضح والأحسن أن يعبر عن هذه المسألة بأنه تجوز الزيادة على
كتاب الله بخبر الواحد فى مرتبة الوجوب والسنية لا فى مرتبة الفرض المقطوع
به ، وهذا التعبير أولى مما قالوا : "إنه لا تجوز الزيادة بأخبار الآحاد على كتاب
الله" حيث يوهم إلغاء العمل بها ! أجل! و"الحق قد يعتريه سوء تعبير" وأما
الشافعية فأثبتوا لأخبار الآحاد حكماً يساوى حكم آيات التنزيل المقطوع بها ،
وهكذا عاملوا بالظنى معاملة القطعى فسوغوا إثبات الأركان والشرائط بها لأمر
ثبت فى كتاب الله فخصصوا بها عمومه، وقيدوا بها اطلاقه، فانظر هداك الله
بتدقيق النظر فى الموضوع ، أيهم أهدى إلى الصواب ؟ وأيهم أسعد بالدليل و
البرهان ؟ فمن هناك وضعنا ما أثبته كتاب الله فى مرتبة الفرض المقطوع به الذى
٥٩
معارف السنن
٠٠٠
...
...
٠٠٠
لا تصح الصلاة بدونه، وجعلنا ما أثبته الخبر فى مرتبة الواجب الذى تصح بدونه
الصلاة مع نقص أو مرتبة السنية على اختلاف بين الحنفية كما يأتى .
المسألة: الثالثة فى اختلاف مراتب الدلالة ، فنقول: دلالة النص على حكم
لها أقسام أربعة .
الأول : ما كانت الدلالة على الحكم الذى أريد إثباته قطعية ، ويكون ثهوت
النص قطعياً أيضاً .
الثانى : ما كانت الدلالة قطعية والثبوت ظنياً .
الثالث : على عكس الثانى .
الرابع : ما كانت الدلالة ظنية وكذلك الثبوت ظنياً، وهذه أقسام للأدلة السمعية
كما قاله ابن الهمام .
فالقسم الأول منها : يفيد إثبات الفرضية فى جانب الأمر ، والحرمة
فى جانب النهى ، والثانى والثالث : يفيدان الوجوب حيناً ، والسنية حيناً فى
جهة الأمر، والكراهة تحريماً فى جهة النهى ، والرابع: يفيد الندب والاستحباب
فى الأمر والكراهة تنزيهاً فى النهى .
المسألة الرابعة: وهى إثبات مرتبة الواجب بين الفرض والسنية ، وهى فرع
المسألة الثانية والثالثة ، فالواجب عند الحنفية مرتبة مستقلة دون الفرض المقطوع
به وفوق السنة ، أفادها ظنية الدليل من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة . و
حقيقته أنه لاستكمال الفرض مثل السنن، إلا أن الواجب أدخل فى الاستكمال ،
و الاحتیاج إلیه أ کثر وأشد ، ومع هذا إن فات فیکون هناك وسيلة لا نجبار هذا
النقص ، ولا تفوت حقيقة الشئ بقواته ، كما نبه عليه الشيخ بحر العلوم اللكنوى
فى "رسائل الأركان" فى صفة الصلاة، وعامة علمائنا من أرباب أصول الفقه
يستعرضون صورة الواجب دون حقيقته ، فهذا الواجب إما أن يكون حقيقة
مسألة - اثبات مرتبة الواجب
...
مستقلة لا تفتقر فى وجودها إلى حقيقة أخرى فهو "الشئ الواجب" عند شيخنا
رحمه الله، وإن كان تحتاج فى وجودها إلى الانضمام بحقيقة ويكون تابعاً له فهو
واجب الشئء، والأول كثير والثانى قليل لا يوجد إلا فى الصلاة، ومناسك الحج،
ولم يذكروا هذا الواجب ولا الفرض فى المعاملات ، بل يذكرون هناك شروطاً
وأركاناً ، فالجمهور من الأئمة لا يثبتون هذه المرتبة صراحةً ، ولا يقولون بها
إلا أن الشافعية قالوا بهذه المرتبة فى مناسك الحج فقط ؛ غير أن الحافظ ابن
تيمية فى "المنهاج" يذكر عن الأئمة كلهم ما عدا الشافعية القول : بأن فى
الصلاة فرائض وواجبات وسنناً، وهذه بدلنا على أنهم قالوابها أيضاً مثل الحنفية،
نعم إن فى كتب المالكية جعلوا الواجب قسماً من السنة ، والحنابلة جعلوا قسماً
من الفرض ، والحنابلة قالوا بافتراض القعدة الأولى ، ومع هذا قالوا بانجبارها
بسجدة السهو عند الفوات ، وهذا الذى سميناه واجب الشئ ؛ فاتضح أنه
يلزمهم القول بذلك وإن لم يلتزموه ، بقى الاختلاف فى التسمية والتلقيب دون
الحكم، فالأمر هين، والمقصود واضح، ولم يبق هناك كثير نزاع . وقد قامت
عند شيخنا رحمه الله دلائل كثيرة من الأحاديث ما يدل على إثبات الواجب ،
كحديث السرقة من الصلاة ، وكما ورد مثله كالجائع يأكل تمرة أو تمرتين .
فدل ذلك على بقاء أصل الصلاة مع فقدان الواجب، وهو التعديل والطمانينة فى
الأركان ( ١ ).
ثم إن الواجب إن كان من جهة ظنية الدليل ثبوتاً لا دلالةٌ لم يتحقق فى حق النبى
عَّ بل ولا فى حق من سمعه عنه عَ لّ والمسألة منقحة فى "التحرير" لابن الهام.
حيث لا ظن فى حقه كما قاله ابن الهام . فاستفاد من هاتين المسألتين
(١) وانظر تخريج الحديثين فى الجزء الثانى فى (باب ما جاء فى وصف
، الصلاة ) .