النص المفهرس
صفحات 121-140
- ١١٣ - ٥١٠٦ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما: ((أنَّ النَِّيَّ صلى الله عليه وسلم: نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعِ مِنَ الدَّوابِّ: النملةِ، والنحلةِ، والهدْهُدِ، والصُّرَهِ(١))). - ٥١٠٦ - قال الشيخ: يقال: إن النهى إنما جاء فى قتل النمل فى نوع منه خاص . وهو الكبار منها ، ذوات الأرجل الطوال . وذلك: أنها قليلة الأذى والضرر . ونهى عن قتل النحلة لما فيها من المنفعة . فأما الهدهد والصرد : فتهيه فى قتلهما يدل على تحريم لحومهما . = ويدل عليه قوله: ((فهلاًّ نملةً واحدةً ؟)) فلم يعاتب على إحراق واحدة. وفيه دليل : على جواز قتل النمل وكل مؤذ، ولكن الله عاتبه على التشفى لنفسه بقتله هذه الأمة العظيمة المسبّحة بسبب واحدة منها . ويدل على أنه لم يأت محظورا ولا ذنباً: أنه لم يُعَنّف على ذلك بأكثر مما تقدم. وقيل : كان عَتْبُه تعنيفا له لما تقدم منه من سؤاله عما لا يجب ، لأنه جاء فى خبره ( أنه مر بقرية النمل - أو بمدينة أهلكها الله - فقال: يا رب ، قد كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنبا، ثم إنه نزل تحت شجرة)» فجرت له هذه القصة التى قدرها الله عز وجل على يديه تنبيها له على اعتراضه على قَدَرربه، وفعله مايشاء فى عبيده، فقال له تعالى ((فهلا نملة واحدة ؟)) إذ إنما قرصتك ملة واحدة. قال: وقد يكون قتل النمل في شرع هذا النبى مباحا ، أو مأمورا به ، لكنه عاتبه على ذلك بسبب أذى واحدة . وفيه تنبيه على أن بلاد المعاصى والمنا كير لا تأمن العقاب العام . (١) بهامش المنذري: قيل: إنما جاء فى النهى عن قتل النمل فى نوع خاص، وهو: الكبار ذوات الأرجل الطوال ، لأنها قليلة الأذى والضرر. = والنحلة : فلما فيها من المنفعة ، وهو العسل والشمع. ٠ ٨ - مختصر الن - ج ٨ - ١١٤ - وأخرجه ابن ماجة . ٥١٠٧ - وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه رضى الله عنه، قال: ((كُنَّا مَعَ رَسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ فِ سفَرٍ ، فانطلق لحاجته، فرأينا مُخَّرَةً معها فَرْغَانِ فأخذناً فَرْخَيْهَا، جاءت الُمَّرَة ، فَجَعَلَتْ تُعَرِّشُ، بنجاء النبى صلى الله عليه وسلم. فقال: مَنْ فَجَعَ هذِهِ بِوَلَِّها؟ رُدُوا وَلَها إليها . ورأى وذلك : أن الحيوان إذا نهى عن قتله ، ولم يكن ذلك لحرمته ، ولا لضرر فيه ، كان ذلك لتحريم لحمه . ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذبح الحيوان إلا لما كلة . ويقال: إن الهدهد مُنتِ اللحم. فصار فى معنى الجلالة المنهى عنها . وأما الصرد : فان العرب تتشاءم به ، وتتطير بصوته وشخصه . ويقال: إنهم إنما كرهوا من اسمه معنى التصريد. انشدنى بعض أصحابنا عن ابن الأنبارى عن أبي العباس المبرد : بصَرم ، وصِرِدانُ العَشِتى نصيح غرابٌ وظَبِى أعضب القَرْن باديا = والهدهد والصرد: لتحريم أكلهما، لأن الحيوان إذا نهى عن قتله، ولم يكن ذلك لاحترامه أو لضرر فيه، كان لتحريم لحمه، كما نهى عن ذبح الحيوان لغير ما كلة . وقيل : الهدهد : منتن اللحم ، فصار فى معنى الجلالة . والصرد : تتشاءم به العرب وتتطير بصوته وشخصه. وقيل: إنما كرهوه من اسمه من التصريد . والصرد : بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبعدها دال مهملة: طائر ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود . - ١١٥ - قرية نَمْلٍ قَدْ حَرَّفْنَهَا، فقال: مَنْ حَرَّقَ هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنّهُ لا ينبغى أن يُعَذِّبَ بالنار إلا ربُّ النّارِ(١))). باب فى قتل الضفدع [٤: ٥٤٠] ٥١٠٨ - عن عبد الرحمن بن عثمان - وهو القرشى التيمى رضى الله عنه - ((أن طبيباً سَأَلَ النَِّيَّ صَّى اللهُ عليهِ وسلم عن ضِفْدِعٍ يَحْمَلُهَا فِىِ دَوَاءِ ؟ قنهاهُ النبى صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِهاً(٣) )). وأخرجه النسائى. باب فى الخذف [ ٤: ٥٤٠] ٥١٠٩ - عن عبد الله بن مُغَفَّل رضى الله عنه، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الَّذْف، وقال: إنه لا يَصيدُ صَيْدًا، ولا يَتْكَأُ عَدُوًّا. وَإِنما ء.(٣) يَفْقَا الَيْنَ ويكسر السِّنَّ(٣))). (١) بهامش المنذرى ((الحمرة)) بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وفتحها وبعدها راء مهملة وتاء تأنيث ، وقد تخفف الميم: طائر صغير كالعصفور : وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الجهاد (٢) بها مش المنذرى: قال الجوهرى: الضفدع: مثال الخنصر: واحد الضفادع، والأنتى: ضفدعة. وناس يقولون: ضِفْدَع بفتح الدال ـ قال الخليل: ليس فى الكلام فِعْلَل إلا أربعة أحرف: درهم ، ومجرع، وهبلع، وقنعم. وهو إسم . وقال الجوهرى: الهبلع : - مثال الدرهم - الأكول. وقال الجوهرى أيضا: الهجرع - مثال الدرهم - الطويل . (٣) بهامش المنذرى ((الحذف)) بفتح الخاء المعجمة، وبعدها ذال معجمة ساكنة. قال الليث : الحذف : رميك حصاة إلى الأرض، ثم تأخذها بين سبابتيك ، أو تجعل مُحْذفة من خشب ترمى بها بين إبهامك والسبابة . - ١١٦ - وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة . ومغفل : بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء وفتحها ولام .. باب فى الختان [ ٤: ٥٤٠] ٥١١٠ - عن أم عطية الأنصارية رضى الله عنها ((أَنَّ امرأةٌ كَانَتْ تَخْتِنُ بالمدينةِ. فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم: لا تَنْهِى، فإنّ ذلكِ أَحْظَى لِلِمَرْأَةِ، وَأَحَبَّ إلى البَْل(١))) . ٥١١٠ - قال الشيخ: قوله ((لا تنهكى)) معناه: لا تبالغى فى الخفض. والنهك: المبالغة فى الضرب والقطع والشتم، وغير ذلك، وقد نهكته الحمى: إذا بلغت منه وأضَرَّت به. = وقال غيره : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه إذ لم يره من آلات الحرب، فيتمرن به المتمرن على رمى السهام، ولا هو من آلات الصيد فينتفع بذلك، لأنه إنمايَرُضُّ رَضًّا. فقتيلُه موقوذ فلم تكن فيه منفعة ، ولم يكن اللهو به مباحا ، مع ما يخشى من عقباه من كسر السن وفقء العين . وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ينكأ العدو)) بفتح الياء آخر الحروف وسكون النون وفتح الكاف ، وبعدها همزة، ورواه بعضهم بكسر الكاف . قال: ورجحه القاضى عياض ههنا: لأن المهموز إنما هو من نكأتِ القَرْحَة ، وليس هذا موضعه ، إلا على تَجَوُّز. وإنما هذا من النكاية . يقال منه: نكيت العدو أنكيه نكاية . وقال صاحب العين: ونكأت لغة - يعنى فى نكيت - فعلى هذا : تتوجه رواية شيوخنا فى هذا الحرف . (١) بها مش المنذرى: قال أبو سليمان الخطابى: ((لا تنهكى)) معناه: لا تبالغى فى الخفض . والنهكُ: المبالغة فى الضرب والقطع والشتم وغير ذلك . وقد نهكته الحمى : إذا بلغت منه وأضرت به . هذا آخر كلامه. وقد جاء فى رواية أخرى (( أشِئِى ولا تنهكى)) قيل : شبه القطع اليسير باشمام الرائحة = - ١١٧ - قال أبو داود: روى عن عبيدالله بن عمرو عن عبد الملك - يعني ابن عمير - عمناه. قال أبو داود : وليس هو بالقوى . باب فى مشى النساء فى الطريق [٥٤٣:٤] ٥١١١ - عن حمزة بن أبى أُسيد الأنصارى، عن أبيه رضى الله عنهما: ((أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء فى الطريق - فقال النبى صلى الله عليه وسلم للنساء: اسْتَأْخِرْنَ؛ فإنه ليسَ لَكن أن تَحْتُقْنَ الطَّرِيقِ (١) عَلَيكُنَّ بِحَافّاتِ الطريق، فكانت المرأة تلصَقُ بالجدار ، حتى إِن ثوبها ليتعلق بالجِدَارِ مِنْ لُصُوتِهِا به)). أبو أسيد: بضم الهمزة، وفتح السين المهملة . وقيده بعضهم: بفتح الهمزة وكسر السين. والصواب: الأول. واسمه مالك بن ربيعة . وقال بعضهم : اسمه هلال. والأكثر: أنه مالك . ٥١١٢ - وعن داود بن أبى صالح عن نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهم: ((أن = وشبه الَّهْكَ بالمبالغة فيه ، أى اقطعى بعض النواة ولا تستأصليها أهـ. وقال الإمام ابن القيم فى تحفة الودود . وفى الحديث ما يدل على الأمر بالاقلال من القطع. قال صلى الله عليه وسلم (أشمى ولا تنهكى)) أى اتركى الموضع أشَمَّ. والأثم: المرتفع اهـ. ومنه العرنين الأشم : المرتفع . (١) ((فاختلط الرجال الخ)) مسبب عن محذوف. أى يقول كيت وكيت، فاختلط الرجال والنساء (فقال)) و((يحققن)) بسكون الحاء المهملة وضم القاف الأولى وسكون الثانية. قال فى النهاية: هو أن يركبن حُقها، وهو وسطها. يقال: سقط على حَاقِّ القَّفا وحُقِّه. - ١١٨ - النبى صلى الله عليه وسلم نهى: أن يمشى - يعنى الرجل - بين المرأتين)). داود بن أبى صالح - هذا - هو المدنى. قال أبو حاتم الرازى: هو مجهول. حدث بحديث منكر . وقال أبو زرعة الرازى: لا أعرفه إِلا فى حديث واحد يرويه عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث منكر . وذكر البخارى هذا الحديث فى تاريخه الكبير من رواية داود هذا، وقال : لا يتابع عليه . وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات، حتى كأنه يتعمدلها. وذكر له هذا الحديث . باب فى الرجل يسب الدهر [٥٤٣:٤] ٥١١٣ - عن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((يؤذِنى ابنُ آدَمَ: يَسُبُّ الدَّهرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِى الأمرُ، أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ )). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. ٥١١٣ - قال الشيخ: تأويل هذا الكلام : أن العرب إنما كانوا يسبون الدهر على أنه هو المُّ بهم فى المصائب والمكاره، ويضيفون الفعل فيما ينالهم منها إليه ، ثم يسبون فاعلها . فيكون مرجع السب فى ذلك : إلى الله سبحانه وتعالى، إذ هو الفاعل لها . فقيل على ذلك ((لا تسبوا الدهر، فان الله هو الدهر)) أى إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التى تضيفونها إلى الدهر . وكان أبو بكر ابن داود ينكر رواية أهل الحديث هذا الحرف مضموم الراء ، ويقول: لو كان كذلك لكان الدهر اسماً معدوداً من أسماء الله عز وجل. وكان يرويه ((وأنا - ١١٩ - آخر الجزء الثانى والثلاثين، وهو آخر السفر الثانى من مختصر السنن . وبتامه : تم جميع الکتاب بحمد الله وعونه . الدهرَ - بالنصب - أقلَّب الليل والنهار)) مفتوحة الراء على الظرف، فيقول: أنا: طولَ الدهر والزمان : أقلب الليل والنهار . والمعنى الأول: هو وجه الحديث . والله أعلم(١) . وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم . فى آخر نسخة تهذيب السنن للإمام ابن القيم : ما نصه : تم الكتاب بحمد الله ومنه. وصلى الله على عبد الله ورسوله محمد وآ له ورأيت في النسخة المنقول منها هذه النسخة ماصورته : قال كاتبه محمد بن أحمد المسعودى: هذا آخر ما كتبته مما زاده الشيخ الإمام العلامة ، الحافظ الحجة ، إمام الدنيا ، شمس الدين أبو عبد الله محمد ، الشهير بابن القيم الجوزية، تغمده الله تعالى بغفرانه، وأسكنه بحبوحة جناته . (١) بهامش المنذرى - بعد أن ذكر كلام الخطابى -: وقال غيره: ((إن الله هو الدهر )» على المجاز. قيل: يعنى إنه من مفعولات الله تعالى. وقيل: من فعله. ومعنى الحديث : فإن .معرف الدهر وموجد أحداثه هو الله تعالى. قال بعضهم: وقد يقع ((الدهر)) على بعض الزمان. يقال: أتى علىَّ كذا دهر: أى مدة . وأما فى الرواية الأخرى ((فإنى أنا الدهر » فروى بالرفع والنصب. واختيار الأكثر: النصب على الظرف ، وقد يكون على الاختصاص . وأما الرفع : فعلى التأويل الأول . وذهب بعض من لم يحقق إلى أنه إسم من أسماء الله تعالى . ولا يصح اهـ . ويشير بالبعض إلى ابن حزم . فإنه هو الذى قال: إن الدهر اسم من أسماء الله. - ١٢٠ - نجَزَ تعليقاً - هو والذي قبله - على يدى العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن أقشى الحِرَّانى. عفا الله عز وجل عنهما. ولست أدعى الإحاطة بجميع ما كتبه، بل الغالب والأكثر. وقد سقط منه القليل جداً لتعذر كتابته . فعساه زاد لفظة أو لفظات فى أثناء الكلام ؛ فلم يمكننى إفرادها، لاتصالها بكلام کتبه المنذری. ولم يمكن كتب ذلك الكلام الذى للحافظ المنذرى كله . خذفت الزيادة قصداً لذلك. وكل ما كان عليه علامة (م) فهو من كلام المنذرى . ولا أذكر من كلام المنذرى إلا ماقوي اتصاله بكلام الحافظ ابن القيم ، فلم يمكن فهمه إلا بذكره عقباه . وكل ما كان عليه ( ش) فهو إشارة إلى الشيخ شمس الدين، لأن أول لقبه الشين (١). ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت لأعلمت للامام ابن القيم بعلامة ( ق) إذ هو مشهور بأبيه، ولم أكتب هذا إلا فى الجزء الثانى لما طال اسمهما وتكرر. ولقد تعبت فى تجريد هذه الزوائد ، ولكنى استفدت منه مقصدين من أعظم المقاصد . أحدهما : مطالعة الكتاب . والثانى : تسهيل هذه الزيادات على الطلاب . واعلم أن هذا التجريد أفاد أمراً حسناً ، وفضلاً بينا . وذلك أن الناظر فى كتاب الحافظ المنذرى لا يستغنى عما زاده عليه الحافظ ابن القيم . والناظر فى كلام الحافظ ابن القيم لا يستغنى عن كتاب الحافظ المنذرى . لأن الشيخ ابن القيم لم يكتب فى كتابه جميع ما حَتَّى به الإمام المنذرى بل كثيراً ما يحذف منه فوائد لا تعد ولا تحصى لكثرتها . فاذا كان عند الإنسان كتاب المنذرى وهذا التجريد: استغنى به عن طول النظر فى كتاب الحافظ ابن القيم . ثم لو نظر فى كتاب ابن القيم وحده . فإنه لا يقدر على التميز بين كلامه وكلام المنذرى ، (١) لما كان الجمع بين كلام الإمام المنذرى وبين كلام الإمام ابن القيم فى صفحة واحدة مرتبطين بما جعلناه لذلك من الترقيم ، مغنياً عن إعادة كلام المنذرى، الذى كان يأتى به لربطه بكلام الشيخ ابن القيم : لم يكن ثم داع لعلامة (م) وذكرت فى أول كل كلام لابن القيم ((قال الإمام ابن القيم، أو قال الشيخ شمس الدين ابن القيم)» بدلا من علامة ( ش) ولعلنا فى الطبعة الثانية إن شاء الله نوفق لوضع وترتيب أجود من هذا . لأن هذا الوضع هو أول إخراج للكتاب . والله الموفق للصواب . وكتبه: محمد حامد الفقى . - ١٢١ - وذلك فى خامس عشر ذى القعدة سنة سبع وعشرين وسبعمائة . أحسن الله تقضِّيها بمنه وكرمه . حتى يقابل البابين اللذين ينظر فيهما معاً، كما فعل كاتبه ، فتتبين له الزيادة ، فيحتاج إلى طول زمان . والعمر قصير ، والشغل كثير، والأجل فى مسير . ثم إن الإمام الحافظ أبا عبد الله محمد شمس الدين ابن القيم رحمه الله: ختم كتابه بألفاظ تروق الأسماع والأبصار ، ويحصل بها لناظرها وسامعها اتعاظ واعتبار ، فقال: ووقع الفراغ منه فى الحجر - حجر اسماعيل - شرفه الله تعالى، تحت الميزاب . ميزاب الرحمة فى بيت الله . آخر شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة . وكان ابتداؤه فى رجب من السنة المذكورة . وتضرع كاتبه إلى الله تعالى فى بيته : أن يجعله زاداً له ولإخوانه من أهل السنه إلى جنته ، وبلاغا له ولهم إلى مرضاته ، وعوناً له ولهم على طاعته، وسبباً لنيل مغفرته ورحمته ، وأن يجعلهم من المؤمنين به ، المقدمين على غيره ، المحكمين له ، المتحاكمين إليه عند التنازع التاركين غيره له ، وأن لا يجعلهم من التاركين له لغيره، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على فاتح باب الهدى؛ ومخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وهاديهم إلى صراط العزيز الحميد الذى أبان الله به المحجة، وأقام به الحجة ، وأنار به السبيل، وأوضح به الدليل، وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة ، وأرشد به من الغى ، وفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صما ، وقلوباً غلفاً ، فلم يدع باباً من أبواب الهدي والعلم إلا فتحه، ولا مشكلا إلا أوضحه، ولا طريقاً تقرب إلى الجنة وتباعد من النار إلا بينها وأرشد أمته إليها، ودلهم عليها فاستغنى به الموفقون المهديون من أمته عن كل ماسواه . ولم تكن بهم إلى أحد سواه حاجة ، ومن جاءثم بشيء من العلم عرضوه على قوله وسنته ؛ فإن زكاه قبلوه وارتضوه، وإن لم يزكه طرحوه وتركوه ، فهم الأغنياء به، المفتقرون إلى ماجاء به أشد من افتقار الجسد والروح إلى حياتهما . قد انتسبوا إليه وإلى سنته بأقرب نسب ، وتمسكوا منها بأقوى سبب، غيرهم فى هذا النسب دعى زنيم، ومن التعلق بهذا السبب عديم، قد استمسك من الباطل بغير العروة الوثقى وهبط به إلى الحضيض الأدنى، من حيث ظن أنه يصعد به ويرقى ، قد أنفق أنفاسه وأوقاته فى غير زاد، ووصل صفر اليدين مزجى البضاعة إلى المعاد، طاف عمره على أبواب الآراء والمذاهب ففاز منها بأدنى المراتب ، وأخس المطالب ، لم تثبت قدمه فى العلم حيث ثبتت أقدام الراسخين ولا نفذت بصيرته إلى حيث نفذت بصائر المستبصرين، ولا أحسن ظناً بغيره ممن هو على خلاف - ١٢٢ - والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . وحسبنا الله ونعم الوكيل . قوله من الأئمة المجتهدين ، بل أحسن الظن بنفسه وبطائفته من المقلدين. فتولد من ذلك الخذلان والحرمان ، والحمية والعصبية لأقوال وآراء ما أنزل الله بها من سلطان ، فياله من سعى ضائع، وعلم غير نافع. ستبدو له حقيقته إذا بعثر مافى القبور ، وحصل ما فى الصدور ، وانجلى الغبار، وعرف: أفرس تحته أم حمار؟. وبالله المستعان وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم . فرغ مجرده من تجريده يوم الأربعاء النصف من شهر ربيع الأول سنة تسعين وسبعمائة ختم الله له بالحسنى وزيادة . آمين . صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . وكاتبه يلتمس من إخوانه : أن يدعوا له بالموت على الإسلام والسنة ، وبعد موته بالرحمة والرضوان . بلغ مقابلة على أصله المنقول منه الذى بخط مجرده ، فصح جهد الطاقة ولله الحمد ، وكتبه مجرده محمد المسعودى . الحمد لله على إحسانه طالع غالب هذا الكتاب المبارك مترحماً على مؤلفه: كاتب هذه الأحرف إبراهيم بن محمد بن التقى المقدسى عام ٨٤٨ وهو حامد شاكر مستغفر محتسب محوقل مضل مسلم على سيد الرسل الكرام وآله وصحبه وأسأل الله أن يحشرنا وأهل السنة معهم فى دار السلام بمنه وكرمه . تمت كتابتى هذا الكتاب فى يوم ثمانية وعشرين من شهر صفر سنة ١٣٤٧ والحمد ش . يقول محمد بن عبد الرزاق آل حمزة: قد تم على يدى مقابلة هذا الكتاب على أصله المنقول منه على قدر الإمكان، والأصل غير منقوط غالبا، وقد ينقط الكامة أحياناً خطأ . فكنت أقف فى الكلمة وقوفاً طويلا ؛ حتى تظهر ، ولا أدعى العصمة . فقد يظهر لمن يقرؤه بعدى خطأ ، غير أنى لم أدخر وسعا ، ولا آليت جهداً ، وقد كنت أرجع فيما أشتبه فيه إلى الأصول من الكتب الستة ؛ وإلى الخلاصة من كتب الرجال، وإلى النهاية من كتب الغريب. ولاحول ولا قوة إلا بالله. وكتبته فى اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٤٧. - ١٢٣ - خاتمة لا بد منها قد ذكر الشيخ شمس الحق العظيم أبادى مؤلف عون المعبود ، شرح سنن أبي داود هذه التنبيهات المهمة . وقد كان من أهم ما اعتمدت عليه فى عملى فى طبع مختصر السنن والتهذيب والمعالم - عون المعبود، لأنه أجمع شرح لسنن أبى داود ، بل لعله أنفع شرح للأحاديث مطبوع وأوسعها ، إذا استثنينا فتح البارى . تنبيهات جليلة عظيمة ، وفوائد نافعة مهمة لا يستغنى عنها الطالب التنبيه الأول: فى ذكر تنقيد أحاديث السنن وتخريجها : قال الإمام الحافظ عبد العظيم المنذرى فى مختصر السنن : لما يسر الله تعالى اختصار محیح الإمام مسلم بن الحجاج القشیری رضىالله عنه، استخرت الله تعالیبعده ، فترجح عندى أن أختصر كتاب السنن للإمام أبى داود رضى الله عنه . فإنه أحد الكتب المشهورة فى الأفطار، وحفظ مصنفه وإتقانه وتقدمه محفوظ عند حفاظ الأمصار، وثناء الأئمة على هذا الكتاب، وعلى مصنفه. مأثور عن رواة الآثار. فأختصر الكتاب على ما رتبه مصنفه فى الكتب والأبواب ، وأذكر عقيب كل حديث: من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه ، بلفظه أو بنحوه. انتهى كلامه مختصراً . وقال الإمام الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله - فى حواشى السنن: ولما كان كتاب السنن لأبى داود سليمان السجستانى - رحمه الله تعالى - من الإسلام بالوضع الذى خصه الله به بحيث صار حكما بين أهل الإسلام ، وفصلا فى موارد النزاع والخصام . فإليه يتحاكم المنصفون ، وبحكمه يرضى المحققون . فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام ، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام ، مع انتقائها أحسن الانتقاء ، واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء. - ١٢٤ - وكان الإمام العلامة الحافظ زكى الدين أبو محمد عبد العظيم المنذرى رحمه الله قد أحسن فی اختصاره وتهذيبه ، وعزو أحاديثه و إيضاح علله وتقر یبه . فأحسن ، حتى لم یکد یدع للإحسان موضعاً، وسبق، حتى جاء من خلفه له تبعاً . انتهى . ولذلك إنى أكثرت النقل من كلام الحافظ المنذرى، حتى قلت تحت كل حديث السنن: قال المنذرى : كذا وكذا ، لأن الإمام المنذرى: قد اختصر كتاب السنن من رواية. اللؤلؤى ، فأحسن فى اختصاره . وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة - البخارى، ومسلم، والترمذى، والنسائي، وابن ماجة - على تخريجه، ثم بين ضعف الحديث، وعلته إن كان الحديث ضعيفاً ومعلولا ، وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان ، أو أحدهما ، أو أهل السنن الثلاثة ، أو واحد منهم ، وليس فيه ضعف، فيقتصر على قوله : أخرجه فلان وفلان، وهذا تصحيح من المنذرى رحمه الله لذلك الحديث ، وإن كان الحديث مما تفرد به أبوداود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذرى . وسكوته أيضاً تصحيح منه لذلك الحديث . وأقل أحواله : أن يكون حسناً عنده . وإنى نقلت سكوته أيضاً ملتزماً به . فقلت: والحديث سكت عنه المنذرى ، إلا فى بعض المواضع فى أول الكتاب . فقد فاتنى هذا الأمر، ومع ذلك فإنى نقلت قدراً كثيراً من كلام أئمة الحديث فى تنقيد أحاديث الكتاب من الصحة والضعف ، وبيان عللها ، وجرح الرواة وعدالتهم ما يشفى الصدور ، وتلذ الأعين . فصار هذا الشرح بحمد الله تعالى - مع اختصاره وإيجازه - مغنياً عما سواه. فكل حديث الكتاب فرداً فرداً - من (( أول باب التخلى عند قضاء الحاجة)) إلى آخر ((باب الرجل يسب الدهر)) بيَّنْت حاله من القوة والضعف، إلا ما شاء الله تعالى فى أحاديث يسيرة - كما رأيت فى موضعها - مع أنه ليس فى سنن أبى داود حديث اجتمع الناس على تركه . قال الإمام الحافظ أبو سليمان الخطابی فی ( معالم السنن )) شرح سنن أبى داود : إن - ١٢٥ - الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام : حديث صحيح، وحديث حسن ، وحديث سقيم . فالصحيح عندهم : ما اتصل سنده وعدلت نقلته . والحسن : ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله . وعليه مَدارُ أكثر الحديث ، وهو الذى نقله أكثر العلماء، ويستعمله عامة أكثر الفقهاء ، وكتاب أبى داود: جامع لهذين النوعين من الحديث . وأما السقيم منه : فعلى طبقات . فشرها : الموضوع ، ثم المقلوب ، ثم المجهول. و کتاب أبى داود : خلىّ منها، برىء منجملة وجوهها ، وإن وقع فيه شىء من بعض أقسامها ، لضرب من الحاجة يدعوه إلى ذكره. فإنه لا يألوا أن يبين أمره، ويذكر علته، ويَخرُج من عهدته. ويحكى لنا أبو داود أنه قال (( ما ذكرت فى كتابى حديثاً اجتمع الناس على تركه )) انتهى كلامه . وفى تذكرة الحفاظ الذهبى. قال ابن داسة: يقول أبو داود (( ذكرت فى كتابى: الصحيح وما يشبهه، وما يقاربه، وما كان فيه وهَنَ شديد بينته)) انتهى. ثم اعلم أن قول المنذرى فى مختصره ، وقول المزى فى الأطراف : الحديث أخرجه النسائى . فالمراد به: السنن الكبرى للنسائى ، وليس المراد به السنن الصغرى للنسائى، الذى هو مروج الآن فى أقطار الأرض من الهند والعرب والعجم . وهذه السنن الصغرى المروجة مختصرة من السنن الكبرى ، وهى لا توجد إلا قليلا . فالحديث الذى قال فيه المنذرى والمزى : أخرجه النسائي ، ولم تجده فى السنن الصغرى : فاعلم أنه فى السنن الكبرى ، ولا تتحير لعدم وجدانه . فان كل حديث هو موجود فى السنن الصغرى يوجد فى السنن الكبرى لا محالة من غير عجز . ويقول المزى فى كثير من المواضع: وأخرجه النسائى فى التفسير . وليس فى السنن الصغرى تفسير . والله أعلم . - ١٢٦ - التفسير الثانى: فى ترجمة المؤلف الإمام أبى داود ، وذكر رواة السنن عن أبى داود، على سبيل الاختصار قال الإمام محيى الدين النووى فى تهذيب الأسماء : أبو داود السجستانى صاحب السنن والسجستانى: بكسر السين وفتحها ، والكسر أشهر، والجيم مكسورة فيهما . واسم أبى داود: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر . كذا نسبه ابن أبى حاتم ، وقال محمد بن عبد العزيز الهاشمى : هو سليمان بن بشر بن شداد . وقال أبو عبيد الآجرى، وأبو بكر بن داسة البصريان ، والخطيب البغدادى : هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد، وزاد الخطيب، فقال : ابن شداد بن عمرو بن عمران الأزدى . قال الحافظ أبو طاهر السلفى : هذا القول أمثل . سمع أبو داود عبد الله بن مسلمة القعنبى، وأبا الوليد الطيالسى ، وأبا عمرو الحوضى، وإبراهيم بن موسى الفرَّاء ، وعمرو بن عون ، وسلیمان بن حرب ، وموسى بن إسماعيل ، . وأحمد بن عبد الله بن يونس ، وأبا بكر وعثمان ابنى أبى شيبة، وأبا سعيد الأشج ، وأبا كريب ، وهشام بن عمار، وأبا الجماهر محمد بن عثمان ، وسليمان بن عبد الرحمن، ومحمد بن وزير، وهشام بن خالد الأزرق، وأبا النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسى ، وأبا الطاهر أحمد بن عمر بن شريح، وأحمد بن صالح، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وإسحاق بن راهويه ، وأبا ثور، وقتيبة بن سعيد، وخلائق غيرهم . انتهى . وزاد الذهبى فى تذكرة الحفاظ : وأباعمر الضرير، واسمه حفص بن عمر ، ومسلم بن إبراهيم، وعبد الله بن رجاء ، وأبا جعفر النفيلى ، وأبا توبة الحلبى . وخلقاً كثيراً بالحجاز والشام، ومصر، والعراق. والجزيرة ، والثغر وخراسان انتهى. وزدت عليه رجالا من شيوخ المؤلف فى مقدمة : غاية المقصود ، شرح سنن أبى داود . قال النووى : روى عنه الترمذى ، والنسائى، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفرائینی ، وعلى بن عبد الصمد علان ، وابنه أبو بكر عبد الله بن أبى داود ، وأحمد بن محمد بن هارون الخلال الحنبلى، ومحمد بن المنذر، وأبوسعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابى، وأبو الحسن على بن محمدبن العبد، وإسماعيل الصفار ، وأحمد بن سليمان النجاد ، ومحمد بن - ١٢٧ - أبى بكر بن عبد الرزاق بن داسة التمار ، وأبو على محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤى ، وما اللذان يرويان عنه كتاب السنن وخلائق غيرهم . انتهى . وقال الذهبي : حدث عنه الترمذى والنسائى، وابنه أبو بكر بن أبى داود، وأبو بشر الدولابى، وعلى بن الحسن بن العبد، وأبوأسامة محمد بن عبد الملك، وأبوسعيد بن الأعرابى وأبو على اللؤلؤى، وأبو بكر بن داسة ، وأبو سالم محمد بن سعيد الجلودى ، وأبو عمرو أحمد بن على . فهؤلاء السبعة رووا عنه سننه . وحدث أيضاً عنه محمد بن يحيى الصولى، ومحمد بن أحمد بن يعقوب المنقرى . وغيرهم اه قال النووى : واتفق العلماء على الثناء على أبى داود، ووصفه بالحفظ التام ، والعلم الوافر والإتقان والورع ، والدين، والفهم الثاقب فى الحديث وغيره . قال الحافظ أحمد الهروى : كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلمِهِ وعلله وسنده، فى أعلى درجات النسك والعفاف والورع. ومن فرسان الحديث فى عصره بلا مدافعة. سمعه بمصر والحجاز، والشام، والعراقين، وخراسان. وقال علان بن عبد الصمد : كان أبو داود من فرسان هذا الشأن . وقال موسى بن هرون : خُلق أبو داود فى الدنيا للحديث . زاد الذهبى وغيره : وما رأيت أفضل منه . وقال أبو حاتم بن حبان: أبو داود: أحد أئمة الدنيا: فقها، وعلما، وحفظا، ونسكا، وإتقانا جمع وصنف . وقال إبراهيم الحربى: لما صنف أبوداود هذا الكتاب - يعنى كتاب السنن ـ ((ألين لأبى داود الحديث. كما ألين لداود النبى صلى الله عليه وسلم الحديد)). وقال أبو عبد الله محمد بن مخلد: لما صنف أبو داود كتاب السنن . وقرأه على الناس صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف، يتبعونه ولا يخالفونه. وأقرّ له أهلُ زمانه بالحفظ والتقدم فيه . وقال أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول ((كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث ، انتخبت منها كتاب السنن فى أربعة آلاف وثمانمائة حديث. ذكرت الصحيح وما يشبهبه وما يقار به)). - ١٢٨ - وقال الخطابی : سمعت أباسعيد بن الأعرابی۔ ونحن نسمع منه کتاب السنن لأبى داود ، وأشار إلى النسخة وهى التى بين يديه - يقول: ((لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف ، ثم هذا الكتاب. لم يحتج معهما إلى شىء من العلم ألبتة )). وقال الخطابي: ((إن كتاب السنن لأبى داود كتاب شريف، لم يُصَنّف فى علم الدين كتاب مثله : وقد رزق القبول من الناس كافة . فصار حكما بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ، وعليه معول أهل العراق ومصر والمغرب. وكثير من أقطار الأرض . وكان تصنيف علماء الحديث قبل أبى داود: الجوامع والمسانيد ونحوها . فيجمع تلك الكتب مع السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآدابا . فأما السنن المحضة : فإ يقصد أحد منهم جمعها واستيفائها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة. كما حصل لأبى داود . ولهذا حلّ كتابه عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محلّ العجب. فضُربت فيه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحّل )) انتهى. وقال الخطابى أيضاً: ((وقد جمع أبو داود فى كتابه هذا من الحديث فى أصول العلم وأمهات السنن، وأحكام الفقه: ما لا نعلم متقدما سبقه إليه، ولا متأخرا لحقه فيه)) انتهي. وقال الذهبى فى تذكرة الحفاظ: أبو داود: الإمام الثبت ، سيد الحفاظ ، صاحب السنن ولد اثنتين ومائتين . وكان من العلماء العاملين، حتى إن بعض الأئمة قال : كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل فى هديه ودَلِه وَسَمْتِه . قال الحاكم أبو عبد الله: أبو داود : إمام أهل الحديث فى زمانه بلا مدافعة . مات أبو داود : فى سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة انتهى . وفى الخلاصة للعلامة صفى الدين الخزرجى: هو الإمام الحافظ العلم، نزيل البصرة . طوّف وسمع بخراسان والعراق والجزيرة والشام والحجاز ومصر. وروى عنه الترمذى والنسائى، وروى عنه السنن: ابن داسة واللؤلؤى، وابن الأعرابى، وأبو عيسى الرملى: ومات عن ثلاث وسبعين سنة . انتهى . - ١٢٩ - التفيه الثالث: فى ذكر اختلاف نسخ السنن . قال السيوطى في مرقاة الصعود ، حاشية سنن أبى داود : قال الحافظ أبو جعفر بن الزبير. روى هذا الكتاب عن أبى داود ممن اتصلت أسانيدهم به أربعة رجال: أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق التمار البصرى ، المعروف بابن داسة - بفتح السين وتخفيفها - نص عليه القاضى أبو محمد. وألفيته فى أصل القاضى أبي الفضل عياض من كتاب الفُنية: مشددا . وكذا وجدته فى بعض ماقيدته عن شيخنا أبى الحسن الغافقي شَكْلاً من غير تنصيص . وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر. المعروف بابن الأعرابى . وأبو على محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤى البصرى . وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملى ورّاق أبى داود . ولم تتشعب طرقه . كما اتفق فى الصحيحين . إلا أن رواية ابن الأعرابى سقط منها: ((كتاب الفتن، والملاحم ، والحروف ، والخاتم)) ونحو النصف من كتاب اللباس. وفاته أيضاً من كتاب ((الوضوء، والصلاة، والنكاح)» أوراق كثيرة . ورواية ابن داسة : أ كمل الروايات . ورواية أبى عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملى : تقار بها . ورواية اللؤلؤى: من أصح الروايات . لأنها من آخر ما أملى أبو داود، وعليها مات . انتهى كلامه . فَعُلِمَ من مجموع كلام النووى والذهبى والخزرجى والسيوطى رحمهم الله تعالى: أن ثمانية من الحفاظ - أعنى: أبا على محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤى البصرى، وأبا بكر محمد بن بكر ابن محمد بن عبد الرزاق بن داسة البصرى الثمار، وأبا سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابى، وأبا الحسن على بن محمد بن العبد . المعروف بابن العبد، وأبا عيسى إسحق بن موسى بن م ٩ مختصر السنن - ج ٨ % %٠ - ١٣٠ - سعيد الرملى، وأبا أسامة محمد بن عبد الملك ، وأبا سالم محمد بن سعيد الجلودى ، وأما عمرو أحمد بن على ، رحمهم الله تعالى: رووا هذا السنن عن الإمام أبى داود . فنسخة السنن : من رواية اللؤلؤى: هى الرائجة فى ديارنا الهندية وبلاد الحجاز، وبلاد المشرق من العرب، بل أكثر البلاد، وهى المفهومة من السنن لأبى داود، عند الإطلاق . وهذه النسخة هى التى لخصها المنذرى ، وخرَّج أحاديثها، وعلى هذه النسخة شرح لابن رسلان والحافظ العراقى، وحاشية لابن القيم، والسندى، والسيوطى ، وغيرهم . وهذه الرواية : هى المرادة فى قول صاحب المنتقى ، وصاحب جامع الأصول ، وصاحب نَصْب الراية، وصاحب المشكاة ، وصاحب بلوغ المرام ، وغيرهم من المحدثين ، حين يقولون : أخرجه أبو داود . وأخذ هذه النسخة الإمام الحافظ أبو القناسم على بن الحسن المعروف بابن عساكر الدمشقى، فى كتابه («الأشراف، على معرفة الأطراف)) حتى قال السيوطى: إن رواية اللؤلؤى من أصح الروايات . والله أعلم . والنسخة الثانية هى : رواية ابن داسة . وروايته أكمل الروايات . قاله السيوطى : وهى مشهورة فى بلاد المغرب، وتقارب نسخته نسخة اللؤلؤي. وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير. دون الزيادة والنقصان . قاله الشيخ المحدث عبد العزيز الدهلوى فى (( بستان المحدثين) . وما قاله الدهلوى : - من ذكر الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير .. فهو أمر صحيح، لأن فى رواية ابن داسة (( كتاب الجنائز)) واقع بعد (( كتاب الصلاة )) وقبل (( كتاب الزكاة)). وفى رواية اللؤلؤى: ((كتاب الجنائز)) بعد ((كتاب الخراج، والامارة)). وفى رواية ابن داسة: ((كتاب الزكاة ، ثم اللقطة، ثم الصيام، ثم المناسك ، ثم الضحايا، ثم الجهاد، ثم الإمارة، ثم البيوع، ثم كتاب النكاح)). وفى رواية اللؤلؤى: ((كتاب الزكاة، ثم اللقطة، ثم النكاح والطلاق، ثم الصيام، ثم الجهاد، ثم الضحايا والصيد، ثم الوصايا، ثم الفرائض، ثم الخراج والإمارة ، ثم الجنائز، - ١٣١ - ثم الأيمان والنذور، ثم كتاب البيوع)) وقس على هذا : غير ذلك من الكتب الباقية. وأما قول الدهلوى رحمه الله تعالى (( دون الزيادة والنقصان )) فهو مسامحة وسهو من العلامة الدهاوى ، لأن كثيراً من الروايات موجود فى رواية ابن داسة . وليس هو فى رواية اللؤلؤى. كما نبهت على ذلك فى مواضعها من هذا الشرح ((عن المعبود)). وشرح الإمام الحافظ أبى سليمان الخطابى المسمى ((بمعالم السنن)) إنما هو على رواية بن داسة . والخطابى رحمه الله تعالى تلميذ لابن داسة ، يروى سنن أبى داود بواسطة ابن داسة . كما صرح بذلك فى مقدمة شرحه . والله أعلم . والنسخة الثالثة: رواية ابن الأعرابى. قال السيوطى: وليس فى روايته من رواية أبى داود (( كتاب الفتن، والملاحم، والحروف، والخاتم)) ونحو النصف من (( كتاب اللباس)» وفاته أيضاً من ((كتاب الوضوء، والصلاة، والنكاح)» أوراق كثيرة . انتهى. وفى بستان المحدثين: أن نقصان رواية ابن الأعرابى بَيِّن بالنسبة إلى رواية اللؤلؤى وابن داسة . انتهى . قلت : فى هذه النسخة أيضاً - مع نقصانها .. بعض الأحاديث الذى ليس فى رواية الؤلؤى. ويذكر الحافظ المزى روايته فى الأطراف . والنسخة الرابعة : رواية ابن العبد ، وهى موجودة فى أطراف المزى. ويذكر روايته أيضاً: الحافظ ابن حجر فى فتح البارى ، ولم يذكر هذه الرواية النووى فى تهذيب الأسماء . والنسخة الخامسة: رواية الرملى. قال السيوطى: ونسخته تقارب نسخة ابن داسة. انتهى . ولم يذكر هذه الرواية الذهبى فى تذكرة الحفاظ، ولم يذكرها المزى أيضا فى الأطراف وأما النسخ : السادسة، والسابعة ، والثامنة: فلم أقف على روايتها إلا من كلام الحافظ الذهبي . ولم يذكر روابتها أيضاً الحافظ المزى فى الأطراف . والله أعلم. - ١٣٢ - التفي الرابع: اعلم رحمك الله تعالى وإياى : أن الإمام الحافظ أبا القاسم على بن الحسن - المعروف بابن عساكر الدمشقى(١) - ألف كتابه الذى سماه «الأشراف، على معرفة الأطراف» وهو فی مجلدین . جمع فيه أطراف سنن أبى داود من رواية اللؤلؤى، وأطراف جامع الترمذى ، والنسائى ، وابن ماجة ، وأسانيدها ، ورتبها على حروف المعجم ، وترك أطراف الصحيحين . ثم جاء بعده الإمام الحافظ أبو الحجاج جمال الدين يوسف المزى(٢). فألف كتابا سماه (١) هو الإمام الحافظ الكبير محدث الشام فخر الأئمة. ولد فى أول سنة ٤٩٩. سمع فى سنة خمس وخمسمائة باعتناء أبيه وأخيه ضياء الدين . ورحل سنة عشرين . وعدد شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ. ونيف وثمانون امرأة. عمل تاريخ دمشق فى ثمانين مجلدا. والموافقات فى ست مجلدات ، والأطراف الأدبية فى أربع مجلدات، وعوالى مالك فى خمسين جزءا وغير ذلك كثيراً جدا . كان كثير العلم، غزير الفضل محيح القراءة متثبتا ، رحل وتعب ، وبالغ فى الطلب ، وجمع مالم يجمعه غيره وأربى على الأقران . ما كان يسمى ببغداد إلا شعلة نار، من ذكائه وتوقده وحسن إدراكه . أخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لا تأخذه فى الله لومة لائم ، وأعرض عن الرئاسة وبناء الدور، وتفرغ للعلم ونشره ولعبادة الله توفى فى حادى عشر رجب سنة ٥٧١ . ودفن بباب الصغير. اهـ ملخصا من تذكرة الحفاظ (ج ٤ ص ١١٨ - ١٢٤). (٢) هو الحافظ الأوحد ، محدث الشام : جمال الدين يوسف بن الزكى عبد الرحمن بن يوسف المزى القضاعى الدمشقى. ولد بظاهر حلب سنة ٦٥٤ . ونشأ بالمزة . ثم رحل فى سنة ٦٨٣. أسخ بخطه المليح المتقن كثيرا لنفسه ولغيره . ومهر فى التصريف والعربية وكان حامل لواء معرفة الرجال والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله. عمل كتاب تهذيب الكمال فى مائتى جزء. وكتاب الأطراف ، فى بضعة وثمانين جزءا. وأملى مجالس وأوضح مشكلات وحل معضلات لم يسبق إليها فى علم الحديث ورجاله . وولى المشيخة بأماكن منها : الدار الأشرفية. وكان ثقة حجة ، كثير العلم، حسن الأخلاق ، كثير السكوت، قليل الكلام، صادق اللهجة. رافق شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً فى السماع للحديث، وفى النظر =