النص المفهرس
صفحات 121-140
- ١٢١ - ٤٥٦٤ - وعن سُليم بن جُبير - مولَى أبى هريرة ، قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية (٤: ٥٨ إن الله يأمرُ كم أن تُؤَدُوا الأماناتِ إلى أهلها - إلى قوله تعالى - سميعا بصيرا) قال (( رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَضَعُ إبهامه على أُذنه ، والتى تَليها على عَيْنِهِ، قال أبو هريرة : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويَضَعُ إصبعيه، قال ابن يونس - وهو محمد النسائى - قال المقرى. - وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد -: وهذا رد على الجهمية)). ٤٥٦٥ - وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يَطْوِى اللهُ السمواتِ يَوْمَ القيامةِ، ثم يأخذُهُنَّ بيده اليُعنَى، ثم يقول: أنا الملكُ، أين الجبارون ؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوى الأرَضين، ثم يأخذهن - قال ابن العلاء، وهو محمد أبو كريبـ: بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملكُ، أين الجبارون؟ أين المتكبرون)»؟ وأخرجه مسلم . وأخرجه البخارى تعليقا . ٤٥٦٦ - وعن أبى هريرة، رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ٤٥٦٤ - قال الشيخ: وضعه إصبعه على أذنه وعينه عند قراءته ( سميعاً بصيراً) معناه : إثبات صفة السمع والبصر الله سبحانه، لا إثبات الأذن والعين، لأنهما جارحتان . والله سبحانه موصوف بصفاته ، مَنْفِىٌّ عنه مالا يليق به من صفات الآدميين وُنُعُوتهم ، ليس بذى جوارح، ولا بذى أجزاء وأبعاض (٤٢: ١١ ليس كمثله شىء وهو السميع البصير) . ٤٥٦٦ - قال الشيخ: وقد رواه الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه ٤٥٦٦ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : - ١٢٢ - ((يَنْكُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثُلُثُ الليل فيقول : مَنْ يدعونى فأستجيبَ له ؟ مَنْ يسألُني فأعطيَه ؟ مَنْ يستغفرفى فأغفرَ له )) ؟ وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة(١). حدثناه إسماعيل الصفار حدثنا محمد بن جعفر الوراق حدثنا ◌ُحاضر عن الأعمش قال : وأرى أبا سفيان ذكره عن جابر. قال: ((وذلك فى كل ليلة)). قلت : مذهب علماء السلف وأئمة الفقهاء : أن يجروا مثل هذه الأحاديث على ظاهرها، وأن لا يريغوا لها المعانى، ولا يتأولوها، لعلمهم بقصور علمهم عن دركها . حدثنا الزعفراني حدثنا ابن أبى خَيتَمة حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدة الخُوطِى حدثنا بقية عن الأوزاعى، قال ((كان مكحول والزهرى يقولان: أَمِرُّوا الأحاديث كما جاءت)» قلت: وهذا من العلم الذى أمرنا أن نؤمن بظاهره وأن لا نكشف عن باطنه . وهو من جملة المتشابه الذى ذكره الله عز وجل فى كتابه فقال (٣: ٧ هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات - الآية). وفى لفظ لمسلم فيه «ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة ، حتى يمضى ثلث الليل الأول ، فيقول : أنا الملك ، أنا الملك ، من ذا الذى يدعونى فأستجيب له ؟ من ذا الذى يسألنى فأعطيه؟ من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له ؟ فلا يزال كذلك حتى يضىء الفجر)). وفى لفظ آخر لمسلم «إذا مضي شطر الليل، أو ثلثاه ، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، فيقول : هل من سائل يعطى ؟ هل من داع فيستجاب له ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ حتى ينفجر الصبح)». (١) بهامش المنذري: قال النسائى: أخبرنى ابراهيم بن يعقوب حدثنا عمر بن حفص بن | غياث حدثنا أبى حدثنا الأعمش حدثنا أبو اسحاق حدثنا أبو مسلم الأغر . قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدرى رضى الله عنهما يقولان : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم «إن الله يمهل ، حتى يمضى شطر الليل الأول . ثم يأمر مناديا ينادى ، ويقول: هل من داع يستجاب له ؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟)) ورجال إسناده ثقات . - ١٢٣ - باب فى القرآن [٣٧٦:٤] ٤٥٦٧ - عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال( كان رسول الله صلی الله عليه وسلم يَعْرِضُ نفسَه على الناسِ بالموقِفِ ، فقال: ألا رجلٌ يَحْمِلَنى إلى قومه، فإنَّ قُريشً قد منعوفى أن أُبَلِّغْ كلام ربى؟)). وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: حسن صحيح غريب ء فالمحكم منه : يقع به العلم الحقيقى والعمل، والمتشابه: يقع به الإيمان والعلم بالظاهر . ونكل باطنه إلى الله سبحانه، وهو معنى قوله ( وما يعلم تأويله إلا الله) وإنما حَظ الراسخين وفى لفظ آخر لمسلم ((من يدعونى فأستجيب له؟ أو يسألنى فأعطيه ؟ ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم؟ )) . وفى لفظ آخر له « ثم يبسط يديه تبارك وتعالى : من يقرض غير عديم ولا ظلوم؟». وفى صحيح مسلم أيضاً عن أبى سعيد وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن الله تعالى يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول، نزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر » . ورواه الترمذى، ثم قال : وفى الباب عن على، وأبى سعيد، ورفاعة الجهنى ، وجبير بن مطعم ، وابن مسعود، وأبى الدرداء، وعثمان بن أبى العاص ، وحديث أبى هريرة حديث حسن صحيح . وقد روى هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبى هريرة عن النى صلى الله عليه وسلم. وروى عنه أنه قال « ينزل الله عز وجل حين يبقى ثلث الليل الآخر» وهو أصح الروايات هذا آخر كلامه . (١) وفى الباب عن عبادة بن الصامت . قال عباد بن العوام (( قدم علينا شريك واسط ؛ فقلنا له : إن عندنا قوما ينكرون هذه الأحاديث (( إن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا)) فقال شريك: إنما جاءنا بهذه الأحاديث من جاءنا بالسنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وإنما عرفنا الله عز وجل بهذه الأحاديث . (١) هنا سقط نصف سطر . - ١٢٤ - ٤٥٦٨ - وعن ابن شهاب الزهرى ، قال : أخبرنى عروة بن الزبير وسعيد بن المسيَّب، وعَلْقَمة بن وَقَّاصٍ، وعبيد الله بن عبد الله، عن حديث عائشة رضى الله عنها - وكلٌّ حدثنى طائفةً من الحديث، قالت ((وَلَتَأْنِي فِى نَفْسِى كان أَحْقَرَ من أن يَتَكَّ اللهَ فَّ بأمرٍ يَْى)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى مطولا ومختصراً. فى العلم أن يقولوا ( آمنا به. كُلٌّ من عند ربنا(١)). قال الشافعى فى رواية الربيع : وليس ينبغى فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اتباعها بفرض الله عز وجل ، والمسألة بكيف ؟ فى شىء قد ثبتت فيه السنة ممالا يسع عالماً . وقال مطرف : سمعت مالكا يقول - إذا ذكر عنده الزائغون فى لدين - : (١) الظاهر - والله أعلم - أن الراسخين فى العلم هم الذين علموا علما يقينياً ثابتاً لا تتزلزل به قلوبهم ، ولا تضطرب به الأهواء ، ولا تعبت به الفتن، لأنهم استقوا علمهم من سنن الله وآياته الكونية والعلمية ، لا من قال فلان ولا رأى فلان، ولا من وراثة عن الآباء والشيوخ، وهؤلاء الراسخون يؤمنون بأن القرآن كله هدى من عند الله ، شفاء لما فى الصدور من أمراض الشهوات والشبهات. فهم يفهمون معانيه بجمع آياته مع بعضها فى كل موضوع لتتآخى وتتآ لف وتؤدى المعنى الذى أنزلها الله من أجله ، لا يفرقونها ولا يبعدونها عن أخواتها فتصبح غريبة لا تؤدى المعنى المقصود، فهم حين يريدون فهم هذه الآية يجمعون إليها كل آية وردت فى الإحكام والحكمة والتشابه من مثل قوله تعالى (١:١١ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) ونحوها وقوله تعالى فى سورة البقرة (٢٥:٢ كما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا : هذا الذى رزقنا من قبل وأنوا به متشابها) وقوله فى سورة الزمر (٣٩: ٢٣ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) وأمثال ذلك . فيخرجون من كل ذلك بالمعانى الصحيحة بمقتضى أسلوب اللغة الفصحى، وأسلوب القرآن الحكيم . فإن لم يجدوا هذا فى أشباه الآيات من القرآن ذهبوا يطلبون المعنى الصحيح من عند سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . لأنه الذى أنزل الله عليه الكتاب يبينه الناس. هذا هو شأن الراسخين فى العلم . ولذلك فهم يسألون ربهم دائما ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) أما مقابلوهم - وهم الذين زاغت قلوبهم بالتقليد والأهواء والآراء والموروث عن الشيوخ والآباء- فهم يدينون بعقائد جاعلية، ثم يذهبون يتتبعون آيات القرآن يطلبون منها - ١٢٥ - ٤٥٦٩ - وعن عامر - وهو الشعبى - عن عامر بن شَهْر رضى الله عنه، قال: ((كنتُ عند النَّجَاشِيِّ. فقرأ انّ له آيةً من الإنجيل، فضحكتُ ، فقال: أنضحك من كلام الله؟ )) . فى إسناده مجالد بن سعيد. ولا يحتج به. وكذلك كل ماجاء من هذا الباب فى القرآن كقوله (٢: ٢١٠ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظُللٍ من الغمام والملائكة؟ وَقُضِىَ الأمر) وقوله (٢٢:٨٩ وجاء ربك والملك صفًّا صَفًّا). والقول فى جميع ذلك عند علماء السلف هو ماقلنا . وقد روى مثل ذلك عن جماعة من الصحابة . وقد زل بعض الشيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال، فحاد عن هذه الطريقة ، حين روى حديث النزول . ثم أقبل يسأل نفسه عنه. قال عمر بن عبد العزيز ((سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاة الأمور بعده سفناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد من الخلق تغییرها ولا تبديلها ، ولا النظر فى شىء خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه اللّه ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً )) . وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل « ينزل ربنا كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا)) أليس تقول بهذه الأحاديث: ((ويرى أهل الجنة ربهم)) و«لا تقبحوا الوجه)) و((اشتكت النار إلى ربها)) و((أن موسى لطم عين ملك الموت))؟ فقال أحمد: هذا كله صحيح . . الأدلة على تصحيح تلك العقائد والدفاع عنها ، مخادعة لأنفسهم وللناس يبتغون الفتنة والوصول إلى تأويل القرآن زعمهم الخاطىء. وتأويله : إنما هو مرجع كلامه ومقصود معانيه لا يعلمه إلا الله الذى أنزله الهدى والرحمة. وأنزله هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فين يطلبونه من عند الله فى آياته أو عند سنة رسوله ويدعون ربهم فى سجودهم، كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ((اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ، اهدنى لما اختلفت فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)). - ١٢٦ - وعامر بن شهر: حمدانی ناعطىٌّ. وقيل: إنه من بَكيل (١) وكلاهما من حمدان . يعد فى الكوفيين. كنيته : أبو الكُنود . ويقال : أبو شهر . روى عنه الشعبى .. وقيل: إنه لم يرو عنه غيره . فقال: إن قال قائل: كيف ينزل ربنا إلى السماء ؟ قيل له : ينزل كيف شاء ، فإن قال : هل يتحرك إذا نزل ، أم لا؟ فقال: إن شاء تحرك، وإن شاء لم يتحرك . قلت : وهذا خطأ فاحش . والله سبحانه لا يوصف بالحركة . لأن الحركة والسكون يتعاقبان فى محل واحد ؛ وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالكون ، وكلاهما من أعراض الحدث ، وأوصاف المخلوقين ، والله جل وعز متعال عنهما ، ليس کثله شىء . قال إسحاق : ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأى . فان قيل : فكيف تصنعون فيما رواه النسائى : أخبرنى إبراهيم بن يعقوب حدثنى عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبى حدثنا الأعمش حدثنا أبو إسحاق حدثنا مسلم الأغر قال : سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدرى رضى الله عنهما يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ، ثم يأمر منادياً ينادى، ويقول : هل من داع يستجاب له ؟ هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من سائل يعطى؟)) وهذا الإسناد ثقات كلهم . قلنا : وأى منافاة بين هذا وبين قوله ((ينزل ربنا ، فيقول)) وهل يسوغ أن يقال : إن المنادى يقول ((أنا الملك) ويقول ((لا أسأل عن عبادى غيرى)) ويقول ((من يستغفرنى فأغفر له)) وأى بعد فى أن يأمر منادياً ينادى ((هل من سائل فيستجاب له؟ )) ثم يقول هو (١) ناعط: بفتح النون وبعد الألف: عين مهملة مكسورة وطاء مهملة . وانما قيل له : ناعط . لأنه نزل جبلا. يقال له : ناعط. فسمى به ، وغلب عليه . وبكيل : بفتح الباء الموحدة وكسر الكاف وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة ولام. اهـ من هامش المنذرى . وفى القاموس: ((ناعط)) كصاحب مخلاف باليمن ، وجبل بصنعاء . وبه لقب ربيعة بن مرثد أبو بطن من حمدان . وفى هذا الجبل حصن يقال له : ناعط أيضا . وبكيل - كأمير - حى من حمدان . - ١٢٧ - ٤٥٧٠ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال ((كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُمَوَّذُ الحسنَ والحسين: أُعِيذ كما بكَلِماتِ الله التامّة، من كل شيطان وهامّة، ومن كل عَيْنِ لامّة. ثم يقول: كان أبوكما يُعَوِّذَ بهما إسماعيل وإسحاق)). وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٤٥٧١ - وعن عبد الله - وهو ابن مسعود رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا تكلم الله بالوخىٍ سمعَ أهْلُ السماءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السلسلة فلوجرى هذا الشيخ - عفا الله عنا وعنه ـ على طريقة السلف الصالح، ولم يدخل نفسه فيما لا يعنيه : لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش. وإنما ذكرت هذا لكى يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع ، فإنه لا يثمر خيراً. ولا يفيد رشداً . ونسأل الله العصمة من الضلال ، والقول بما لا يجوز من الفاسد المحال . ٤٤٧٠ - قال الشيخ ((الهامة)) إحدى الهوام ، وذوات السموم، كالحية والعقرب، ونحوها سبحانه ((من يسألنى فأستجيب له؟)) وهل هذا إلا أبلغ فى الكرم والإحسان: أن يأمر مناديه يقول ذلك، ويقوله سبحانه بنفسه؟ وتتصادق الروايات كلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصدق بعضها، ونكذب ما هو أصح منه ، وباللّه تعالى التوفيق . ٤٥٧١ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : ورواه البخارى والترمذى أيضاً من حديث الحميدى عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم «إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربك ؟ قالوا للذى قال: الحق ، وهو العلى الكبير ، فسمعها مسترقوا السمع، ومسترقوا السمع هكذا - بعضهم فوق بعض - وذكر الحديث)). وقد رواه أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن عبد الله من قوله (( إن الله إذا تكلم بالوحى سمع أهل السماء للسماء صلصلة كبر السلسلة على الصفاء فيصعقون ، فلا يزالون كذلك - ١٢٨ - على الصَّفَا ، فَيُصْعَقُونَ ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريلُ: حتى إذا جاءهم جبريل فزعَ عن قلوبهم . قال: فيقولون: ياجبريل، ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق فيقولون: الحقَّ، الحقَّ)) وقد أخرج البخارى والترمذى وابن ماجة نحوه من حديث عكرمة مولى ابن عباس عن أبى هريرة. وقد تقدم فى كتاب الحروف. وقوله ((من كل عين لامة)) معناه: ذات لَمٍَ ، كقول النابغة: كِلِينِى لهمّ يا أميمةُ ناصب وليلٍ أقاسيه بطىء الكواكب أی ذو نصب . وكان أحمد بن حنبل يستدل بقوله ((بكلمات الله التامة)) على أن القرآن غير مخلوق ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق ، وما من كلام مخلوق إلا وفيه نقص والموصوف منه بألتمام هو غير المخلوق. وهو كلام الله سبحانه . حتى يأتيهم جبريل ، فاذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم ، قال : فيقولون : يا جبريل ، ماذا قال ربك ؟ قال: فيقول : الحق ، قال : فينادون : الحق الحق)). وقد روى هذا مرفوعا ، وليس فيه سمع أهل السماء للسماء ، وهو الحديث الذى ذكره أبو داود. وروى البيهقى من حديث نعيم بن حماد: حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن یزید بن جابر عن أبى زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ((إذا أراد الله أن يوحى بأمره تكلم بالوحى، وإذا تكلم بالوحى أخذت السموات رجفة - أو قال رعدة - شديدة ، خوفاً من الله عز وجل ، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه : جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد ، فيمضى جبريل على الملائكة، كما مر بسماء سأله ملائكتها : ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل : قال الحق ، وهو العلى الكبير ؛ قال: فيقولون كلهم: مثل ما قال جبريل ، فينتهى جبريل بالوحى حيث أمره الله سبحانه من السماء والأرض)). - ١٢٩ - باب فى الشفاعة | ٤ : ٣٧٩ ٤٥٧٢ - عن أشْعَت الحدَّانى ، عن أنس بن مالك رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ((شفاعتى لأهل الكبائر من أُمَّتِى)) وقال أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن معاوية بن أبى صالح عن العلاء بن الحارث عن زيد بن أرطاة عن جبير بن نفير عن أبى ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنكم لن ترجعوا إلى الله بشىء أفضل مما خرج منه)) يعنى القرآن . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ، وقد رواه عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن زيد بن أرطاة عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم. قال البيهقى : يحتمل أن يكون جبير بن نفير رواه عنهما جميعاً . وروی علقمة بن مرتد عن أبى عبد الرحمن السلمی عن عثمان قال : قال رسول الله صلىالله عليه وسلم (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ، وذلك أنه منه)) رواه البيهقى من طريقين . أحدهما : من حديث الحمانى عن إسحق بن سلمان الرازى حدثنا الجراح عن علقمة . والثانى : من حديث يعلى بن المنهال السكونى عن إسحاق بن سليمان به . والجراح : هو الجراح بن الضحاك الكندى . ورواه أيضاً من حديث حامد بن محمود عن إسحاق به . ورواه يحيي بن أبى طالب عن إسحاق بن سلمان . فجعل آخره من قول أبى عبد الرحمن مبيناً ، وتابعه على ذلك غيره . وقد روى عمرو بن قيس عن عطية عن أبى سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من شغله قراءة القرآن عن ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل ثواب السائلين، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه». وقد روى هذا المعنى، وهو ((فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه)) من حديث أبى هريرة ، ولكن فى إسناده عمر الأبح، وقد ضعف . ٤٥٧٢ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : ورواه أبو حاتم بن حبان فى صحيحه من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال ((شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى)). م ٩ - مختصر السنن -ج ٧ - ١٣٠ - وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير بالإسناد الذى أخرجهبه أبو داود . ووقع لنا من حديث زياد الثُّمَيرى عن أنس . وزياد : لا يحتج بحديثه. والمشهور فيه: حديث أشعث عن أنس . وأشعث: هو ابن عبد الله بن جابر الحدَّافى البصرى الأعمى . وثقه يحيى بن معين. وقال الإمام أحمد: مابه بأس . وقال أبو حاتم الرازى: شيخ . وقال أبو جعفر العُقيلى: فى حديثه وم. هذا آخر كلامه حُدَّان: بضم الحاء المهملة ، وبعدها دال مفتوحة مشددة ، وبعدها ألف ونون- بطن من الأزْد . وقد وردت أحاديث الشفاعة عن النى صلى الله عليه وسلم من حديث أنس ، وأبى سعيد ، وجابر ، وأبى هريرة، وعوف بن مالك الأشجعى ، وأبى ذر ، وابن الجدعاء ، ويقال : ابن أبي الجدعاء، وعتبة بن عبد السلمى ، وعمران بن حصين وحذيفة ، وكلها فى الصحيح . ففى الصحيحين عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ((لكل نبى دعوة دعاها لأمته، وإنى اختبأت دعوتي شفاعة لأمتى يوم القيامة)). وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لكل نى دعوة مستجابة ، فتعجل كل نى دعوته، وإنى اختبأت دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة. فهى نائلة إن شاء الله من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئاً)) ولفظه لمسلم، ورواه مسلم من حديث جابر بنحوه وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال «قلت: يارسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال : لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألنى عن هذا الحديث أولى منك، لما رأيت من حرصك على الحديث . أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه » . وفى صحيح البخارى عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إذا حسين يوم القيامة شفعت . فقلت : يارب، أدخل الجنة من فى قلبه خردلة فيدخلون ، ثم أقول يارب أدخل الجنة من فى قلبه أدنى شىء)) قال أنس ((كأنى أنظر إلى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسامٍ )) . ٠- ١٣١٠ -- ٤٥٧٣ - وعن عمران بن حصين رضى الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( يَخْرِجُ قَوْم من النار بشفاعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، فيدخلون الجنة ويُسَمَّون الْجَهَنَّمِيين)) وأخرجه البخارى والترمذى وابن ماجة . ٤٥٧٤ - وعن جابر - وهو ابن عبد الله رضى الله عنهما - قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول ((إنَّ أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون)) وأخرجه مسلم أتم منه . باب فى خلق الجنة والنار (١) [٣٨٠:٤] ٤٥٧٥ - عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى صحيح البخارى عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. فيدخلون الجنة، ويسمون الجهنميين)). وفى الصحيحين عن حماد بن زيد قال : قلت لعمرو بن دينار : أسمعت جابر بن عبد الله يحدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة؟)) قال : نعم. ١ وفى الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك . فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا ، حتى يريحنا من مكاننا هذا - فذكر الحديث - وفيه: ثم أشفع فيحد لى حداً . فأخرجهم من النار ، وأدخلهم الجنة . ثم أعود ، فأقع ساجداً ، فيدعني ما شاء الله أن يدعنى ، ثم يقال لى: ارفع رأسك يا محمد ، قل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع. فأرفع رأسى ، فأحمد ربى بتحميد يعلمنيه. ثم أشفع ، فيحد لى حداً . فأخرجهم من النار ، وأدخلهم الجنة - وذكر باقى الحديث )). وفى الصحيحين أيضاً من حديث أنس عن النى صلى الله عليه وسلم قال (( إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم فى بعض . فيأتون آدم - وذكر الحديث - وقال فأقول : يارب ، أمتى أمتى. فيقال: انطلق ، فمن كان فى قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها (١) هنا فى عون المعبود بعنوان ((باب فى ذكر البعث والصور)) وأما عنوان « خلق الجنة )) ففى [٤: ٣٨٠] - ١٣٢ - قال (( الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه)» وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : حسن. وقد رواه غير واحد عن سليمان - يعنى الَّيمى - ولا نعرفه إلا من حديث أسلم - يعنى المِجْلَىَّ. هكذا ذكره الحافظ أبو القاسم الدمشقى فى الإشراف والذى شاهدناه فى غير نسخة : ولا نعرفه إلا من حديثه . وظاهره: أنه يعود على سليمان التيمى. فأنطلق فأفعل . ثم أرجع إلى ربى، فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجداً ، فيقال لى: يامحمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه ، واشفع تشفع . فأقول : يارب أمتى أمتى ، فيقال لى : انطلق فمن كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود إلى ربى، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً ، فيقال لى: يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفع . فأقول: يارب ، أمتى أمتى ، فيقال لى : انطلق. فمن كان فى قلبه أدنى أدنى أدني من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربى فى الرابعة، فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال لى: يامحمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه، واشفع تشفع ، فأقول: يارب ائذن لى فيمن قال : لا إله إلا الله ، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتى وكبريانى وعظمتى وجبريائى ، لأخرجن من قال : لا إله إلا الله )). وفى الصحیحین عن أبى هريرة قال « آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بلحم . فرفع إليه الذراع ، وكانت تعجبه - فذكر الحديث إلى أن قال - فأنطلق، فآتى تحت العرش ، فأقع ساجداً لربى . ثم يفتح الله على ، ويلهمنى من محامده، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه الأحد قبلى . ثم قال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع ، فأرفع رأسى. فأقول: يارب ، أمتى ، أمتى . فيقال : يا محمد ، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من باب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب». وفى صحيح مسلم عن حذيفة وأبى هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يجمع الله تبارك وتعالى الناس ، فيقوم المؤمنون حتى تزدلف لهم الجنة ، فيأتون آدم، فيقولون : يا أبانا، استفتح لنا الجنة . فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم . لست بصاحب ذلك - فذكر الحديث إلى أن قال - فيأتون مداً صلى الله عليه وسلم ، فيقوم، فيؤذن له ، ويرسل الأمانة والرحم - الحديث)). - ١٣٣ - ٤٥٧٦ - وعن الأعرج، عن أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ((كُلُّ ابن آدم تأكلُ الأرض، إلاَّ عَجْبَ الذنب: منه خُلق .* وفيهِ يُرَكْبُ)) وأخرجه مسلم والنسائى. وأخرجه البخارى ومسلم من حديث أبي صالح ذكوان عن أبى هريرة. ٤٥٧٧ - وعن أبى سلمة -وهو ابن عبد الرحمن- عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لما خلقَ الله الجنةَ قال لجبريل: اذهبْ، فَانْظَرْ إليها، فذهب فنظرَ إليها، ثم جاء ، فقال: إِىْ رَبِّ، وعِزّتِك لا يسمعُ بها أحدٌ إلا دخلها، ثم حَقّها بالمكارِهِ، ثم قال : ياجبريل ، اذهب فانظر إليها ، فذهب فنظر إليها ، ثم جاء. فقال: إِىْ رَبِّ ، وعِزْتِك لقد خشيتُ أن لايدخلها أحد، وفى صحيح مسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنا أول الناس يشفع فى الجنة - الحديث)). وفى الصحيحين عن أبى سعيد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال : لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل فى ضحضاح من النار ، يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه » . وفى الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب: أنه قال (( يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء ؟ فإنه كان يحوطك، ويغضب لك. قال: نعم . هو فى ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار)). فقد تضمنت هذه الأحاديث خمسة أنواع من الشفاعة . أحدها : الشفاعة العامة التى يرغب فيها الناس إلى الأنبياء، نبياً بعد نى، حتي يريحهم الله من مقامهم . النوع الثاني : الشفاعة فى فتح باب الجنة لأهلها . النوع الثالث : الشفاعة فى دخول من لا حساب عليهم الجنة . النوع الرابع : الشفاعة فى إخراج قوم من أهل التوحيد من النار . - ١٣٤ - قال: فلمَّا خلَق الله النار، قال: يا جبريل ، اذهب فانظر إليها ، فذهبَ، فنظر إليها ، ثم جاء فقال: وعزَّتِك، لا يسمعُ بها أحد فيدخلها، ◌َخَفَّها بالشهوات. ثم قال : ياجبريل، اذهبْ فانظر إليها، فذهبَ فنظر إليها، فقال: إىْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لقد خشيتُ أن لا يبقَى أحدٌ إلا دخلها )) وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: حسن صحيح. هذا آخر كلامه وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((حُفَّت الجنة بالمكاره. وحُفَّت النار بالشهوات )). وأخرجه أيضاً من حديث الأعرج عن أبى هريرة . النوع الخامس : فى تخفيف العذاب عن بعض أهل النار . ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس . أحدهما: فى قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها . وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه . وأكثر الأحاديث صريحة فى أن الشفاعة فى أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنماتكون بعد دخولهم النار ، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول ، فلا يدخلون . فلم أظفر فيه بنص . والنوع الثاني : شفاعته صلى الله عليه وسلم اقوم من المؤمنين فى زيادة الثواب ، ورفعة الدرجات . وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبى سلمة، وقوله ((اللهم اغفر لأبى سلمة ، وارفع درجته فى المهديين ». وقوله فى حديث أبى موسى (( اللهم اغفر لعبيد أبى عامر، واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك)). وفى قوله فى حديث أبي هريرة (أسعد الناس بشفاعتى من قال: لا إله إلا الله)) سر من أسرار التوحيد ، وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد. فمن كان أكمل توحيداً كان أحرى بالشفاعة. لا أنها تنال بالشرك بالشفيع. كما عليه أكثر المشركين . وبالله التوفيق . - ١٣٥ - باب فى الحوض [ ٣٨٠:٤ ٤٥٧٨ - عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن أمامَكم حَوْضً ما بين ناحِيَتِيه كما بين جَرْبَاءٍ وَأُذْرُحَ(١)» وأخرجه مسلم . ٤٥٧٩ - وعن زيد بن أرقم رضى الله عنه، قال: ((كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلنا منزلاً، فقال: ما أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يَرِدُ عليّ الحوضَ. قال: قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة، أو ثمانمائة)) ٤٥٧٨ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وقد روى أحاديث الحوض أربعون من الصحابة، وكثير منها، وأكثرها فى الصحيح: عمر بن الخطاب ، وأنس ، وجابر بن عبد الله ، وجابر بن سمرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعقبة بن عامر ، وكعب بن عجرة ، وحارثة بن وهب الخزاعى، والمستورد بن شداد، وأبو برزة الأسلمى ، وحذيفة بن اليمان ، وحذيفة بن أسيد، وأبو أمامة الباهلى، وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن زيد ، وسهل بن سعد، وسويد بن جبلة، وأبو سعيد الخدرى، وعبد الله الصنامحى، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو بكرة، والبراء بن عازب ، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو ، وأبو ذر ، وثوبان ، وأبى بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وسمرة العدوی ، وجندب بن سفيان ، وعائشة، وأم سلمة ، وأسماء بنت أبى بكر ، وخولة بنت قيس ، والعرباض بن سارية ، ولقيط بن صبرة ، وعتبة بن عبد السلمى ، ورواه غيرهم أيضاً ؟ وهل الحوض مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم ، أم لكل فى حوض. فالحوض الأعظم مختص به لا يشركه فيه نى غيره . (١) جرباء - بفتح الجيم وسكون الراء المهملة وبعدها باء بواحدة - مدينة من مدن الشام الشام وأذرح - بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وبعدها راء مهملة مضمومة وجاء مهملة- مدينة من أدائى الشام . وقيل: هى فى فلسطين، وفى صحيح مسلم (( أن بينها وبين جرباء المذكورة مسيرة ثلاثة أيام)) وفى رواية (( ثلاث ليال)) وفيه أيضاً ((حوض مسيرة شهر، وزوایاه سواء)) وفى رواية « حوض ما بين صنعاء والمدينة» وفي رواية ((عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أبلة)) وفى رواية ((كما بين أبلة وصنعاء)) اهـ من هامش المنذرى. - ١٣٦ - ٤٥٨٠ - وعن أنس بن مالك قال «أغْنَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفعَ رأْسَه مُتَبسّما، فإِمَّا قال لهم، وإما قالوا له: يارسول الله مِمَّ تَحكتَ؟ فقال: إنه أُنزلت علىَّ آنِفًا سورةٌ. فقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ، إنا أعطيناك الكَوْثَرَ) حتى ختمها ، فلما قرأها قال: هَلْ تَدْرُونَ ما الكوثر؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال: فانه نَهْرٌ وَعَدَ نِيهِ ربى عز وجل فى الجنة، وعليه خيرٌ كثير، عليه حوضٌ يَرَدُ عليه أمتى يوم القيامة، آنِتُهُ عددُ الكواكب)) وأخرجه مسلم والنسائى. وقد تقدم فى كتاب الصلاة. ٤٥٨١ - وعنه رضى الله عنه، قال ((لما ◌ُرِجَ برسول الله صلى الله عليه وسلم فى الجنةِ ، أو كما قال، عَرض له نهرٌ حافتاه الياقوتُ الْمُجَيَّبُ، أو قال: المجوَّفُ، فضرب الملكُ الذى معه يَدَه، فاستخرجَ مِسْكاً ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم ٤٥٨١ - قال الشيخ: ((المجيّب)) هو الأجوف. وأصله من جيبت الشىء إذا قطعته، والشىء مجيب ومجبوب ، كما قالوا : مشيب ومشبوب ، وانقلاب الياء عن الواو كثير فی کلامهم . وأما سائر الأنبياء : فقد قال الترمذى فى الجامع: حدثنا أحمد بن محمد بن نيزك(١) البغدادى حدثنا محمد بن بكار الدمشقى حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن لكل نى حوضاً ، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة ، وإنى لأرجو أن أكون أكثرهم واردة )) قال الترمذى : هذا حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبى صلى الله عليه وسلم ؛ مرسلا. ولم يذكر فيه عن سمرة ، وهو أصح . وفى مسند البزار من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) نيزك - بكسر النون وفتح الزاى بعد التحتانية الساكنة - أبو جعفر الطوسى. قال ابن عقدة: فى أمره نظر. مات سنة ٢٤٨هـ - ١٣٧ - للملك الذى معه: ما هذا؟ قال : هذا الكوثرُ الذى أعطاك الله عز وجل)) وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: حسن صحيح. ٤٥٨٢ - وعن عبد السلام بن أبى حازم، أبى طالوتَ، قال (( شهدت أبا مَرْزَة دخل على عبيد الله بن زياد ، حدثنى فلان - سماه مسلم ، يعنى ابن ابراهيم - وكان فى السّماط، فلما رآه عبيدُ الله قال: إن مُحَّدِيَّكُمْ هذا ◌َحْدَاحٌ، فقهمَها الْشيخُ فقال: ما كنتُ أحسبُ أَبِّى أَى فى قومٍ يُعَيِّرونى بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم : فقال له عبيد الله: إن صحبةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم لك زَيْنٌ غير شَيْنٍ ، قال : إنما بَعثتُ إليك لأسألك عن الحوض؟ سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرُ فيه شيئاً؟ فقال أبو برزة: نعم، لاَ مَرَّةٌ، ولا ثنتين، ولا ثلاثا، ولا أربعا، ولا مسا، فمن كَذَّب به فلا سقاه الله منه، ثم خرج مُغْضَبا)» فى إسناده رجل مجهول . باب فى المسألة فى القبر وعذاب القبر [٣٨٢:٤] ٤٥٨٣ - عن البراء بن عازب رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إن المسلم إذا سُئل فى القبر، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله فذلك قول اللهعز وجل (١٤: ٢٧ يُثْبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت))) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة بنحوه . ((إن لى حوضاً ما بين بيت المقدس إلى الكعبة، أبيض من اللبن، فيه عدد الكواكب آنية . وأنا فرطكم على الحوض، ولكل نبي حوض ، وكل نى يدعو أمته . فمنهم من يرد عليه فئام من الناس ، ومنهم من يرد عليه ماهو دون ذلك ، ومنهم من يرد عليه العصابة ، ومنهم من يرد عليه الرجلان والرجل ، ومنهم من لا يرد عليه أحد. فيقول: اللهم قد بلغت ، اللهم قد بلغت ـ ثلاثا - وذكر الحديث)). - ١٣٨ - ٤٥٨٤ - وعن أنس بن مالك رضى الله عنه، قال "إن نبي الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ نخلا لبنى النَّجَّار، فسمع صوتا ففزع، فقال: مَنْ أصحابُ هذه القبور ؟ قالوا : يا رسول الله، ناس ماتوا فى الجاهلية، فقال: تَعَوَّذُوا بالله من عذاب النار، ومن فتنة الدَّجَّال، قالوا: ومَّ ذاك يارسول الله؟ قال: إن المؤمن إذا وُضِع فى قبره أتاه ملكٌ، فيقول له: ما كنتَ تعبد؟ فإنِ اللهُ هداهُ قال: كنت أَعبدُ الله فيقال له : ما كنتَ تقول فى هذا الرجل؟ فيقول: عبد الله ورسوله ، فما يُسأل عن شيءٍ غيرها، فَيُنْطَلَقُ به إلى بيت كان له فى النار ، فيقال له : هذا بيتُك كان لك فى النار ، ولكنَّ الله عَصَمَك ورحمك، فَأَبْدَلك به بيتًا فى الجنة فيقول : دعونى حتى أذهب فأُبَشِّرَ أهلى، فيقال له: اسْكُن. وإن الكافر إذا وُضع فى قبره أتاه ملك، فَيَنْتَهْرَهُ، فيقول له: ما كنتَ تعبُد ؟ فيقول : لا أدرى، فيقال له : لا دَرَيْتَ ولَا تَلَيْتَ، فيقال له: فما كنت تقول فى هذا الرجل ؟ فيقول: كنتُ أقول ما يقول الناس ، فيضربُهُ بِطْرَاقٍ من حديد بين أذنيه ، فيصيح صَيْحَةَ يسمعها الخلق غيرَ الثقلين )). ٤٥٨٥ - وفى رواية: ((إن العبد إذا وضع فى قبره، وتَوَلَّى عنه أصحابُه ، إنه ٤٥٨٤ - قال الشيخ: ((لادريت ولا تليت)) هكذا يقول المحدثون وهو غلط . وقد ذ كره القتيبى فى كتاب غريب الحديث ، وقال فيه قولان : بلغني عن يونس البصرى أنه قال: هو (( لا دريت ولا أثليت)) ساكنة التاء، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله ، أى يكون لها أولاد تتلوها: أى تتبعها ، يقال الناقة: قد أتليت ، فهى مُتْلية، وتلاها ولدها . إذا تبعها . قال وقال غيره هو (( لا دريت ولا ابتليت)) بوزن افْتَعَلت من قولك: ما أَلوت هذا، ولا أستطيعه، كأنه يقول : لا دريت ولا استطعت . - ١٣٩ - لِيَسْمَعُ فَرْعَ نِعالهم، فيأتيه ملكان ، فيقولان له - فذكر قريباً من حديث الأول، قال فيه ـ: وأما الكافر والمنافق فيقولان له - زاد: المنافق - وقال: يسمعهما من يليه غير الثقلين)). وأخرج النسائى طرفا منه بنحوه . وقد تقدم فى كتاب الجنائز . ٤٥٨٦ - وعن البراء بن عازب رضى الله عنه، قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القَّبْر، وَلَّا يُلْحَد، فجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله، كأَّما على رءوسنا الطَّيْر،" وفى يده عودٌ يَنْكُت به الأرض، فرفع رأسه، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر- مرتين أو ثلاثاً- زاد فى حديث جرير ، وهو ابن عبد الحميدههنا- وقال : وإِنه لَيَسْمَعُ خَفْق نعالهم، إذا ولَّوْا مدبرين، حين يقال له : يا هذا ، من رَبكَ ؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال هناد - وهو ابن السرى - ويأتيه ملكان، ٤٥٨٦ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وقال أبو حاتم البستى : خبر الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء سمعه الأعمش عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو ، وزاذان لم يسمع من البراء . فلذلك لم أخرجه . فذكر له علتين : انقطاعه بين زاذان والبراء ، ودخول الحسن بن عمارة بين الأعمش والمنهال . وقال أبو محمد بن حزم : ولم يرو أحد فى عذاب القبر أن الروح ترد إلى الجسد إلا المنهال بن عمرو، وليس بالقوى، وقد قال تعالى (٢٨:٢ وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحميكم) فصح أنهما حياتان وموتتان فقط ، ولا ترد الروح إلا لمن كان ذلك آية له ، كمن أحياء عيسى عليه السلام . وكل من جاء فيه نص بذلك . ولم أعلم أحداً طعن فى هذا الحديث إلا أبا حاتم البستى وابن حزم. ومجموع ما ذكراه ثلاث علل . إحداها : ضعف المنهال . - ١٤٠ - فيجلسانه ، فيقولان له : من ربك؟ فيقول: ربى الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول : دينى الإسلام ، فيقولان له : ما هذا الرجل الذى بُعث فيكم ؟ قال : فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما يُدْريكَ؟ فيقول: قرأتُ کتاب الله . فآمنت به وصدَّقت - زادفى حديث جرير : فذلك قولالله عز وجل (١٤ : ٢٧ يثبِّتُ الله الذين آمنوا) الآية ، ثم اتفقا - يعنى جرير بن عبد الحميد وأبا معاوية الضرير - قال فينادى منادٍ مِنَ السماء: أن صَدَقَ عَبْدِى، فَأَفرشُوه من الجنة ، وافتحوا له باباً إلى الجنة ، وألبسوه من الجنة . قال : فيأتيه والثانيّة : أن الأعمش لم يسمعه من المنهال . والثالثة : أن زاذان لم يسمعه من البراء . وهذه علل واهية جداً . فأما المنهال بن عمرو: فروى له البخارى فى صحيحه . وقال يحيى بن معين والنسائى : المنهال ثقة . وقال الدارقطنى : صدوق ، وذكره ابن حبان فى الثقات . والذى اعتمده أبو محمد بن حزم فى تضعيفه : أن ابن أبى حاتم حكى عن شعبة أنه تركه ، وحكاه أحمد عن شعبة. وهذا لو لم نذكر سبب تركه لم يكن موجباً لتضعيفه . لأن مجرد ترك شعبة له لا يدل على ضعفه . فكيف ؟ وقد قال ابن أبى حاتم : إنما تركه شعبة لأنه سمع فى داره صوت قراءة بالتطريب . وروى عن شعبة قال : أتيت منزل المنهال . فسمعت صوت الطنبور . فرجعت . فهذا سبب جرحه . ومعلوم أن شيئاً من هذا لا يقدح فى روايته . لأن غايته أن يكون عالماً به مختاراً له . ولعله متأول فيه. فكيف؟ وقد يمكن أن لا يكون ذلك بحضوره ، ولا إذنه ولا علمه. وبالجملة : فلا يرد حديث الثقات بهذا وأمثاله (١). وأما العلة الثانية : وهى أن بين الأعمش فيه وبين المنهال : الحسن بن عمارة - نجوابها : أنه قد رواه عن المنهال جماعة ، كما قاله ابن عدى . فرواه عبد الرزاق عن معمر عن يونس بن حباب عن المنهال . ورواه حماد بن سلمة عن يونس عن المنهال . فبطلت العلة من جهة الحسن بن عمارة . ولم يضر دخول الحسن شيئاً . ١) بل الصواب من جعل هذا جرحاً. .