النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
به رجلٌ آخرُ فَلاَ، ثم أخذ به رجلٌ آخرُ فعلاً، ثم أخذ به رجلٌ آخرُ فانقطع
ثم وُصِلَ، فَعَلَاَ به، قال أبو بكر: بأبى وأمى، لَتَدَعَنِى فَلأُعَبِّرَنِها، فقال، اعْبُرها
قال: أما الُلَةُ: فظُلَّةَ الإسلام، وأما ما يَنْطِف من السمن والعسل: فهو القرآن
لِينُهُ وحَلاوته، وأما المستكثر والمستقلُّ: فهو المستكثر من القرآن، والمستقلُّ
منه، وأما السببُ الواصل من السماء إلى الأرض : فهو الحقُّ الذى أنت عليه :
و ((السبب)) الحبل، و (( الواصل)) معناه: الموصول، فاعل بمعنى مفعول .
وفى قوله لأبى بكر رضى الله عنه (( لا تقسم )) ولم يخبره عن مسألته : دليل على أن
قول القائل ((أقسمت)) ليس بيمين، حتى يقول: أقسمت بالله، أو أقسم بالله، فيصل القسم
باسم الله، ولو كان ذلك بمجرده يميناً لكان يَبَرُّه فيها، لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمى
بإيرار القسم ، فدل ذلك على أنه مع التجريد ليس بيمين .
وقد اختلف الناس فى معنى قوله (( أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً)).
فقال بعضهم : أراد به الإصابة فى عبارة بعض الرؤيا، وأخطأت فى بعض .
وأما الثانى : فيجاب عنه : بأن عمر رضى الله عنه لم ينقطع به السبب من حيث علا به .
وإنما انقطع به بالأجل المحتوم ، كما ينقطع الأجل بالسم وغيره ، وأما عثمان فانقطع به من حيث
وصل له من الجهة التى علا بها، وهى الخلافة، فإنه إنما أريد منه أن يخلع نفسه ، وإنما قتلوه
لعدم إجابتهم إلى خلع نفسه، نفلعوه هم بالقتل ظلما وعدواناً، فانقطع به من الجهة التى أخذ به
منها، ثم وصل لغيره رضى الله عنه، وهذا سر سكوت التى صلى الله عليه وسلم عن تعيين
موضع خطأ الصديقٍ .
فان قيل: فلم تكلفتم أنتم بيانه، وقد منع النبى صلى الله عليه وسلم الصديق من تعرفه،
والسؤال عنه ؟ .
قيل : منعه من هذا : ما ذكرناه من تعلق ذلك بأمر الخلافة ، وما يحصل الرابع من
المحنة ، وانقطاع السبب به ، فأما وقد حدث ذلك ووقع ، فالكلام فيه كالكلام فى غيره : من
الوقائع التى يحذر الكلام فيها قبل وقوعها ، سداً للذريعة؛ ودرءاً للمفسدة ، فإذا وقعت زال
المعنى الذى سكت عنها لأجله.

- ٢٢ -
تأخذ به، فيُعليك الله، ثم يأخذ به بعدك رجلٌ فيعلو به، ثم يأخذ به رجلٌ آخر
فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع، ثم يُوصل له فيمالو به، أىْ رَسُولَ اللهِ
لتُحَدِّثَنِى: آصِبتُ أم اخطأْتُ؟ فقال: أصبتَ بعضًاً وأخطأت بعضاً، فقال:
أقسمتُ يارسول الله ، لَتُحَدِّثَنِّى: ما الذى أخطأتُ ، فقال النبى صلى الله عليه
وسلم: لا تُقْسِمِ))
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة.
٤٤٦٨ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بهذه
القصة - قال ((فأبى أنْ يُخبره)»
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة.
٤٤٦٩ - وعن الحسن، عن أبى بَكْرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال-ذاتَ
يوم - ((مَنْ رَأَى مِنكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا، رأيتُ كَأَنَّ ميزانا نزل من السماء
فوزنت أنتَ وأبو بكر. فرجحتَ أنتَ بأبى بكر، ووُزِن عمر وأبو بكر
فرجحَ أبو بكر ، وؤُزن عمر وعثمان فرجح عمر ، ثم رُقع الميزان ، فرأينا
وقال آخرون: بل أراد بالخطأ حهنا: تقديمه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومسألته، والإذن له فى تعبير الرؤيا . ولم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون هو الذى
يسبرها، فهذا موضع الخطأ.
وأما الإصابة: فهى ماتأوله فى عبارة الرؤيا ، وخروج الأمر فى ذلك على وفاق
ماقاله وعبره .
وقد بلغنى عن أبى جعفر الطحاوى رواية عن بعض السلف أنه قال : موضع الخطأ
فى عبارة أبى بكر رضى الله عنه: أنه مخطىء في أحد المذكورين: من السمن والعسل، فقال
((وأما ما ينطِفُ من السمن والعسل: فهو القرآن. لينه وحلاوته)) وإنما أحدهما: القرآن،
والآخر السنة. والله أعلم .

- ٢٣ -
الكراهية فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم))
وأخرجه الترمذى . وقال : حسن .
٤٤٧٠ - وعن عبد الرحمن بن أبى بكرة، عن أبيه رضى الله عنهما، أن النبى
صلى الله عليه وسلم - فذكر معناه، ولم يذكر الكراهية - قال ((فاستاء لها
رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى: فساءه ذلك - فقال: خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ، ثم
يُؤْمِى الله الملكَ من يشاء)»
فى إسناده : على بن زيد، وهو ابن جُدْعان القرشى التَّيى: ولا يحتج
بحديثه .
٤٤٧١ - وعن ابن شهاب الزُّهرى، عن عمرو بن أبان بن عثمان ، عن جابر بن
عبد الله رضى الله عنهما : أنه کان يحدث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
(( أُرِىَ الََّةَ رَجُلٌ صالح: أن أبا بكر نِيْطَ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونِيْطَ
عمرُ بأبی بکر ، ونیط عمان بعمر . قال جابر: فلما قُنا من عند رسول الله صلى الله
عليه وسلم، قلنا: أمَّا الرجلُ الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قَنَوَّطُ
بعضهم ببعض: فهم وُلاة هذا الأمر الذى بعث الله به نَبَيَّه صلى الله عليه وسلم))
قال أبو داود: ورواء يونس وشعيب - يعنى عن الزهرى - لم يذكرا عمرو
ابن أبان.
٤٤٧٠ - قال الشيخ: قوله ((فاستاء لها)) أى كرمها، حتى تبينت المساءة فى وجهه .
ووزنه افتَعَل من السوء .
٤٤٧١ - قال الشيخ: قوله ((نيط)) معناه عُلِّقَ، والنَّوط: التعليق، والتنوط: التسلق،
ومنه المثل : عاطٍ لغير أنواط .

- ٢٤ -
فعلى ما ذكره أبو داود عنهما يكون الحديث منقطما. لأن الزهرى لم يسمع
من جابر بن عبد الله.
٤٤٧٢ - وعن سُرة بن جُنْدَب رضي الله عنه (( أن رجلا قال: يارسول الله،
رأيتُ كَأنَّ دَلْوَاَ دُلِّىَ من السماء، جاء أبو بكر، فأخذَ بَعَراقَها ، فَقَرِبَ
شُرباً ضعيفاً، ثم جاء عمر، فأخذ بعراقَها. فشرب، حتى تَضَّلَّع، ثم جاء عثمان
فأخذ بعراقيها، فتَرِبَ حتى تَضَّلَع، ثم جاء علىّ، فأخذ بعراقيها، وانْتُشِطَتْ
وانْتُضِحَ عليه منها شىء))
٤٤٧٣ - [ وعن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، قال ((لَتَمْخُرَنَّ الرومُ
الشامَ أربعينَ صباحاً. لا يمتنع منها إلا دِمَشق وعُمان (١)))
٤٤٧٢ - قال الشيخ: قوله ((على من السماء)) يريد أرسل ، يقال: أوليت الدلو إذا
أرسلتها فى البئر، وَدَلَوْتُها : إذا نزعتها .
و((العراقى)) أعواد يخالف بينها. ثم تُشَدُّ فى عُرَى الدلو، ويعلق بها الحبل.
واحدتها : عُرْقوة .
وقوله « تضلع » يريد الاستیفاء فى الشرب، حتی روی فتمدد جنبه وضلوعه .
وانتشاط الدلو : اضطرابها ، حتى ينتضج ماؤها .
وأما قوله فى أبى بكر ((شرب شرباً ضعيفاً)) فإنما هو إشارة إلى قصر مدة أيام
ولایته . وذلك لأنه لم یمش أیام الخلافة أ کثر من سنتين وشىء . وبقی عمر عشر سنين
وشيئاً . فذلك معنى تضلعه . والله أعلم .
(١) ((عمان)) كغراب: بلد باليمن. وكشداد: بها بالشام. والحديث ليس فى نسخة
النذرى. وأورده المزى: فى المراسيل، وقال: أخرجه أبو داود. ولم ينسبه إلى أحد من الرواة

- ٢٥ -
٤٤٧٤ - وعن أبى الأغْيَس عبد الرحمن بن سلمان قال «سيأتى ملك من ملوك
العجم يظهر على المدائن كلها إلا دمشق (١)))
٤٤٧٥ - وعن مكحول، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((موضع فسطاط
المسلمين فى الملاحم: أرضٌ يقال لها الفُوْطَة(٣)))
٤٤٧٦ - وعن عوف - وهو ابن أبى جميلة الأعرابى - قال: سمعت الحجَّاج
يخطب، وهو يقول ((إنَّ مثلَ عثمان عند الله كمثلٍ عيسى ابن مريم، ثم قرأ
هذه الآية، يقرؤها ويُفَسِّرها (٥٥:٣ إذ قال الله ياعيسى إنى مُتَوفِيك ورافعك إلىَّ
ومُطَهِّرُك من الذين كفروا) يشير إلينا بيده، وإلى أهل الشام (٣)))
٤٤٧٧ - وعن الربيع بن خالد الضّ ، قال: سمعت الحجاج يخطبُ ، فقال فى
خطبته « رسولُ أحدِكم فى حاجته أكرمُ عليه أمْ خَلِيفَتُهُ فى أهله ؟ فقلت فى
نفسى: لله علىَّ أنْ لا أصَلىَ خَلْفَك صلاةً أبداً ، وإن وجدت قوماً يُجاهدونك
لأُجامِدَنَّك معهم -زاد إسحاق فى حديثه قال: فقاتل فى الجماجم حتى قُل (٤)»
٤٤٧٨ - وعن عاصم، قال: سمعت الحجاج - وهو على المنبر - يقول ((اتقوا الله
(١) أبو الأعيس - بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الياء المثناة ، ثم سين مهملة. كما فى
القاموس وتقريب التهذيب. والحديث ليس عند المنذرى . وأورده المزى فى المراسيل . وقيل:
إنه فى رواية اللؤلؤى وحده .
(٢) ((الغوطة)) بفتح الغين المعجمة: اسم البساتين التى حول دمشق، والحديث ليس عند
المنذرى. وأورده المزى فى المراسيل . وقيل: هو فى رواية اللؤلؤى وحده . وقد تقدم متصلا
مرفوعا من حديث أبى الدرداء فى باب المعقل من الملاحم .
(٣) ليس هذا الأثر عند المنذرى. وقال المزي فى المراسيل: هو في رواية ابن داسة.
(٤) ((الجماجم)) جمع جمجمة - بضم الجيم - وهى قدح من خشب. كانت تعمل بهذا
المكان. وكان فيه وقعة عبد الرحمن بن الأشعث مع الحجاج بالعراق ، قتل فيها خلق كثير من
قراء المسلمين. وليس هذا الأثر عند المنذرى. وقال المزى: هو من رواية اللؤلؤى وحده .

- ٢٦ -
ما استطعتم ، ليس فيها مَثْتَوِيّةٌ، واسمعوا وأطيعوا، ليس فيها مَثْتَوِيَّةٌ، لأميرٍ
المؤمنين عبدِ الملك ، والله لو أمرتُ الناسَ أَن يخرجوا من بابٍ من أبواب
المسجد، خرجوا من باب آخر ◌َلَّتْ لى دماؤهم وأموالهم، والله لو أخَذْتُ
ربيعةً بُمُضَرَ لكان ذلك لى من الله حلالا ، وياعَذيرى من عبدِ هُذيل - يعنى
عبد الله بن مسعود رضى الله عنه - يزعم أن قراءته من عند الله، والله ما هى
إلا رَجَز من رَجَز الأعراب، ما أنزلها الله على نبيه عليه الصلاة والسلام، وعذيرى
من هذه الحمراء (١) يزعم أحدُم أنه يرمى بالحجر ، فيقول: إلي أن يقعَ الحجرُ قد
حَدَثَ أمرٌ ، فوالله لَأَدَعَنْهُمْ كالأمس الدابر )»
قال: فذكرتُه للأُعمش ، فقال: أنا والله سمعتُه منه (٢).
٤٤٧٩ - وعن الأعمش ، قال: سمعت الحجاج يقول على المنبر ((هذه الحمراء
هَبْرْ هَبْرُ(٣)، أما والله لقد قَرَعْتُ عصاً بعصا، لأذَرَنَّهم كالأمس الذاهب،
يعني الموالى »
٤٤٨٠ - وعن سليمان الأعمش، قال ((َّعْتُ مع الحجاج، خطب - فذكر
حديث أبى بكر بن عياش - قال فيها: فسموا وأطيعوا الخليفة الله وصَفِيُّه
(١) المثنوية: الاستثناء. والحمراء: هم العجم: لأن العرب تسمى الموالى الحمراء. وسيأتى
تفسيره فى الحديث التالى .
(٢) كذب الحجاج. فلقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين. أن يقرؤا القرآن
على قراءة ابن أم عبد - عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه. وإنما سياسة الدنيا والرياسات،
حملت الحجاج أن يقول هذا. وإنما قال ذلك الحجاج : لأن ابن مسعود أبى أن يعطى مصحفه
لعثمان رضى الله عنهما - ليحرقه، حين جمع الناس على مصفحه الامام - كما أعطى غيره، وثبت
على قراءته . ولقد كان ابن مسعود بهذا الثبات حريا . وهذا الأر ليس عند المنذرى . وقال
المزى : قيل : إنه من رواية اللؤلؤى وحده .
(٣) الهبر: القطع والضرب، أى: هم يستحقون ذلك.

- ٢٧ -
عبد الملك بن مروان .. وساق الحديث - قال: ولو أخذتُ ربيعة بمضَر، ولم
يذكر قصة الحمراء (١)))
٤٤٨١ - وعن سعيد بن جُهان ، عن سَفينة رضى الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( خلافة النبوة: ثلاثون سنة، ثم يؤتى اللهُ الملك من يشاء))
قال سعيد: قال لى سفينة: أمْسِكْ عليكَ: أبا بكر سنتين، وعمر: عشرا،
وعثمان: اثنتى عشرة، وعلى: كذا . قال سعيد: قلت لسفينة: إن لهؤلاء يزعمون
أن علياً رضى الله عنه، لم يكن بخليفة، قال: كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بنى الرَّرقاء(٢)،
یعنی بنی مروان )» .
وأخرجه الترمذى والنسائى ، وقال الترمذى : حسن لا نعرفه إلا من
حديث سعيد . هذا آخر كلامه .
وسعيد بن جمهان: وثقه يحيى بن معين وأبوداود السجستانى. وقال أبو حاتم
الرازى : شيخ يكتب حديثه، ولا يحتج به . هذا آخر كلامه.
وجهان : بضم الجيم، وسكون الميم، وهاء مفتوحة ، وبعد الألف نون .
وسفينة : لقب ، واسمه مهران، وقيل: رومان ، وقيل : نجران، وقيل :
قيس ، وقيل : عمير ، وقيل : غير ذلك ؛ وكنيته : أبو عبد الرحمن ، وقيل :
أبو البخترى . والأول أشهر وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل:
مولى أم سلمة رضى الله عنها .
(١) وهذا الأثر ليس عند المنذرى. وقال المزى: هو من رواية اللؤلؤى وحده،
وما كان للحجاج أن يخالف صريح أمر الله فى قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولكن
قاتل الله السياسة ورياسة الدنيا فهى التى جعلته وغيره يتأولون التأويلات التى توقع فى هذه
المخالفات الصريحة لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونسأل الله العافية للأمة من ذلك.
(٢) ((أستاه)) جمع (((است)) وهو العجز. ويطلق على حلقة الدبر. وأصله: ((سنه))
ويقصد أنها كلمة خرجت من أدبارهم، كالضرطة: فلا قيمة لها . و «الزرقاء)» امرأة من أمهات
بنى أمية . اهـ عون المعبود .

- ٢٨ -
٤٤٨٢ - وعن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (( خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتى الله الملكَ من يشاء، أو ملكه
(١)
من يشاء (١)))
٤٤٨٣ - وعن عبد الله بن ظالم المازنى، قال : سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن
تقفيل رضى الله عنهما قال:((لما قدم فلان الكوفة أقام فلانٌ خطيباً(٢) فأخذ بيدى
سعيد بن زيد، فقال: ألا تَرَى إلى هذا الظالم ، فاشْهَدْ على القسمة: أنهم فى الجنة
ولو شهدتُ على العاشر لم إيَمْ- قال ابن إدريس وهو عبد الله ـ والعرب تقول
أثََّ ، قلتُ : ومن التسعة؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو على
حِراءٍ: أَثْبُتْ حِرَاءٍ ، إنه ليس عليك إلا نى، أو صِدِّيق أو شهيد. قلت: ومن
التسعة؟ قال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ، وعمر، وعثمان، وعلى
وطلحة، والزبير ، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. قلت : ومن
العاشر؟ فتلَكَأْ هُنَيَّة ثم، قال: أنا)»
٤٤٨٣ - قال الشيخ: قوله ((لم إثم)) هو لغة لبعض العرب. يقولون ((إيثم)) مكان
((أثم)) وله نظائر فى كلامهم. قالوا «تيجع، وتِيجل)) مكان يوجع ويوجل.
((وحراء)» جبل بمكة وأصحاب الحديث يقصرونه وأكثرهم يفتحون الحاء، ويكسرون
الراء .
سمعت أبا عمر يقول (( حراء)) اسم على ثلاثة أحرف . وأصحاب الحديث يغلطون منه
فى ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء، وهي مكسورة. ويكسرون الراء، وهى مفتوحة ويقصرون
الألف ، وهى ممدودة وأنشد :
وراق فى حِراء ونازل
(١) هذا الحديث ليس عند المنذرى، لأنه من رواية ابن داسة وأبى الحسن بن العبد، كما
(٢) قال فى فتح الودود: لقد أحسن أبو داود فى الكتابة عن
قال المزى فى الأطراف .
إسم معاوية والغيرة بفلان ، ستراً عليهما لأنهما محابيان . اهـ عون المعبود.

- ٢٩ -
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة ، وقال الترمذى : حسن صحيح
وقد أخرجه مسلم والترمذى والنسائى من حديث سهيل بن أبى صالح عن
أبيه عن أبي هريرة بنحوه
٤٤٨٤ - وعن عبد الرحمن بن الأخنس ((أنه كان فى المسجد، فذكر رجلٌ عليًّا
٢
رضى الله عنه ، فقام سعيدُ بن زيد، فقال : أشهدُ على رسول الله صلى الله عليه
وسلم أتى سمعته، وهو يقول: عشرة فى الجنة: النبيُّ فى الجنة، وأبو بكر فى الجنة
وعمر فى الجنة ، وعثمان فى الجنة ، وعلى فى الجنة ، وطلحة فى الجنة ، والزبير بن
العوام فى الجنة ، وسعد بن مالك فى الجنة ، وعبد الرحمن بن عوف فى الجنة .
ولو شئتُ لسميتُ العاشر ، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت ، قال : فقالوا : من
هو ؟ قال: سعيد بن زيد)).
وأخرجه الترمذى والنسائى.
٤٤٨٥ - وعن رياح بن الحارث، قال: ((كنت قاعداً عند فلان فى مسجد الكوفة
وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيدُ بن زيد بن عمرو بن ثقيل، فرحَّب به وحَياه
وأقعده عند رِجْله على السرير ، جاء رجل من أهل الكوفة يقال له : قيس
ابن علقمة، فاستقبله، فسَبَّ وسب، فقال سعيد: من يسبُّ هذا الرجلُ؟ قال:
يسبُّ عليًّا، قال: ألا أرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَبُّون عندك
ثم لاتنكر، ولا تُغيِّرُ ؟! أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وإِنى
لَغَنِىٌّ أن أقول عليه مالم يقل، فيسألنى عنه غداً إذا لقيتُه -: أبو بكر فى الجنة ،
وعمر فى الجنة - وساق معناه ، ثم قال: لَمَشْهَدُ رجل منهم مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم تَنَبَّرَ فيه وجهه خير من عمل أحدكمُمُرَهُ، ولو عُمِّر عمرَ نوح)).
وأخرجه النسائي وابن ماجة

- ٣٠ -
٤٤٨٦ - وعن أنس بن مالك رضى الله عنه (( أن نى الله صلى الله عليه وسلم
صَعَد أُحُداً. فتبعه أبو بكر ، وعمر، وعثمان، فرجَفَ بهم ، فضربه نىُّ الله
صلى الله عليه وسلم بِرِجْلِه، وقال: اثْبُتْ أُحُدُ، فَبِيٌّ وصِدِّيق وَشَهِيدان))
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى.
٤٤٨٧ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((أتانى جبريل، فأخذ بيدى ، فأرانى باب الجنة الذى تدخل منه أمتى .
فقال أبو بكر: يارسول الله، وَدِدْتُ أنى كنت معك حتى أنظرَ إليه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنك يا أبا بكر أوَّلُ من يدخل الجنة من أمتى))
فى إسناده: أبو خالد الدَّالائِيُّ، يزيد بن عبد الرحمن، وثقه أبو حاتم الرازى،
وقال ابن معين : ليس به بأس .
وعن الإمام أحمد نحوه. وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق
الثقات ، فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات؟!
٤٤٧٨ - وعن جابر -وهو ابن عبد الله رضى الله عنهما - عن رسول الله صلى الله
٤٤٨٧ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله حديث (( أما إنك يا أبا بكر لأول من يدخل الجنة
من أمتى)) وكلام النذرى عن ابن حبان فى أبى خالد الدالانى - إلى قوله - فكيف إذا
انفرد بالمعضلات ؛ ثم زاد ابن القيم :
وقد روى ابن ماجة فى سننه من حديث دواد بن عطاء المدينى عن صالح بن كيسان عن
الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((أول من يصاحه الحق عمر، وأول من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة)).
وداود بن عطاء هذا ضعيف عندهم .
وإن صح فلا تعارض بينهما، لأن الأولية فى حق الصديق : مطلقة، والأولية فى حق عمر :
مقيدة بهذه الأمور فى الحديث .

- ٣١ -
عليه وسلم أنه قال ((لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أحد ممن بايع تحت الشجرة)).
وأخرجه الترمذى والنسائى ، وقال الترمذى: حسن صحيح . هذا
آخر كلامه .
وقد أخرجه مسلم فى صحيحه من حديث جابر بن عبد الله عن أم مبشر : أنها
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة (( لا يدخل النار إن شاء الله من
أصحاب الشجرة أحد - الذين بايعوا تحتها)).
وذ کر قصة حفصة بنت عمر رضى الله عنهما.
٤٤٨٩ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
قالَ مُوسَى - وهو ابن إسماعيل: (( فلعل الله . وقال ابن سنان، وهو أحمد -
اطَّع اللهُ على أهل بَدْرٍ ، فقال: اعملوا ماشئتم. فقد غفرت لكم))
وهذا الفصل قد أخرجه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى
فى الحديث الطويل من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه (١).
٤٤٩٠ - وعن المِسْوَر بن مخرمة رضى الله عنهما قال: ((خرج النبى صلى الله عليه
وسلم زَمَنَ الْدَيبية - فذكر الحديث - قال: فأتاه - يعني مُروة بن مسعود -
فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما كله أخذ بلحيته ، والمغيرةُ بن شعبة
قأم على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيف ، وعليه المِنْفَر ، فضرب
بده بنَعْل السيف، وقال: أخِّرْ يَدك عن لحيته، فرفع عُروةُ رأسه، فقال: مَن
هذا؟ قالوا : المغيرة بن شعبة)).
وأخرجه البخارى مطولا ، وقد تقدم فى كتاب الجهاد .
٤٤٩١ - وعن الأفرع مؤذن عمر بن الخطاب، قال: ((بمثنى عمر إلى الأسْقُفَّ
(١) فى قصة حاطب بن أبي بلتعة والكتاب الذى كتبه لقريش ، وبعث به مع الظعينة

- ٣٢ -
فدعوته ، فقال له عمر : وهل تجدُنى في الكتاب ؟ قال : نعم ، قال: كيف
تجدنى؟ قال: أجدُكُ قَرْنًا، فرفع عليه الدِّرَّة، فقال: قَرْنَ مَهْ؟ فقال: قرن
حديدُ، أمينٌ شديدٌ ، قال: كيف تجد الذى يجىء مِنْ بعدى؟ فقال : أجده
خليفة صالحا، غير أنه يُؤْثِر قرابته، قال عمر: يرحم الله عثمان - ثلاثا - فقال: كيف
تجد الذى بعده؟ قال: أجده صَدّأَ حديدٍ ، فوضع عمر يده على رأسه. فقال:
يادَفْراه يادَفْراه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه خليفة صالح، ولكنه يُسْتَخلف
حين يُسْتخلف والسيفُ مسلولٌ، والدم مُهْرَاقٌ)) (١)
قال أبو داود : الدفر النتن .
باب فى فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [٤: ٣٤٦]
٤٤٩٢ - عن زرارة بن أَوْفَى، عن عمران بن حصين رضى الله عنهم، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خيرُ أَمَّتِى: القَرْن الذى بُعِشْتُ فيهم ، ثم الذين
يَلَونهم ، ثم الذين يلونهم - والله أعلم: أذكر الثالث أم لا؟ -ثم يظهر قومٌ يَشْهَدُون
٤٤٩١ - قال الشيخ: ((الصدأ)) ما يعلوا الحديد من الدرن، ويركبه من الوسخ.
وقوله ((يادفراه يادفراء)» فان الدفر بفتح الدال غير المعجمة وسكون الفاء النتن ، ومنه
قيل للدنيا : أم دَفْر.
فأما(الذفر)) بالذال المعجمة وفتح الفاء فانه يقال لكل ريح ذكية شديدة من طيب أونتن.
٤٤٩٢ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله الحديث الذى فى الباب ، ثم ذيل عليه ، قال الشيخ:
هذا الحديث قد روى من حديث عمران بن حصين ، وعبد الله بن مسعود ، وأبى هريرة
وعائشة ، والنعمان بن بشير .
(١) ((الأسقف)) رئيس النصارى الدينى. و((القرن)) بفتح القاف. الحصن. ولذا قيل
لها : صياحى. وقول عمر رضى الله عنه ((قرن مه)) أى ماذا تعنى بالقرن ؟
وهذا الحديث ليس عند المنذرى لأنه ليس من رواية اللؤلؤى ، وإنما هو من رواية
أبى بكر بن داسة. ولذا ذكره الخطابى. وعزاه المزى فى الأطراف لأبى داود ، وقال ؛ ولم
بذكره أبو القاسم الدمشقى .

- ٣٣ -
ولا يُسْتَشْهَدُون ، ويَنْذِرُون ولا يُوفون، ويَخونون ولا يُؤْتَمَنُون، ويفشو
فيهم السَّمَنُ )) .
وأخرجه مسلم والترمذى . وقد أخرجه البخارى ومسلم والنسائى من
حديث زهْدَم بن مُضَرِّب عن عمران بن حصين .
فأما حديث عمران : فمتفق عليه ، واختلف فى لفظه، فأكثر الروايات : أنه ذكر بعد
قرنه قرنين، ووقع فى بعض طرقه فى الصحيح (( ثم الذين يلونهم - ثلاث مرات)) ولعل هذا
غير محفوظ ، فإن عمران قد سئل فيه، فقال «لا أدرى: أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد
قرنه : مرتين أو ثلاثاً ؟))
وأما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجاه فى الصحيحين ولفظه ((خير أمنى : القرن الذين
يلونى، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم، ثم يجىء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه
شهادته » .
وفي لفظ لهما « سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أى الناس خير؟ قال : قرنى، ثم الذين
يلونهم، ثم الذين يلونهم )) فلم يختلف عليه فى ذكر ((الذين يلونهم)) مرتين.
وأما حديث أبى هريرة : فرواه مسلم فى صحيحه، ولفظه « خير أمتى الذين بعثت فيهم، ثم
الذين يلونهم ، والله أعلم: أذكر الثالث أم لا ؟ قال : ثم يخلف قوم يحبون الشماتة ، يشهدون
قبل أن يستشهدوا »
فهذا فيه قرن واحد بعد قرنه ، وشك فى الثالث ، وقد حفظه عبد الله بن مسعود وعمران
١ وعائشة .
وأما حديث عائشة: فرواه مسلم أيضاً عنها قالت ((سأل رجل النبى صلى الله عليه وسلم:
أى الناس خير ؟ قال: القرن الذى أنا فيه. ثم الثانى. ثم الثالث»
وأما حديث النعمان بن بشير: فرواه ابن حبان فى صحيحه. ولفظه عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال (( خير الناس قرنى ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ، ثم يأتى قوم تسبق أيمانهم
شهادتهم، وشهادتهم أيمانهم)).
فقد اتفقت الأحاديث على قرنين بعد قرنه صلى الله عليه وسلم ، إلا حديث أبى هريرة .
فإنه شك فيه .
وأما ذكر القرن الرابع: فلم يذكر إلا فى رواية فى حديث عمران. لكن فى الصحيحين
له شاهد من حديث أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال « يأتى على الناس
زمان - فيغزو فئام من الناس . فيقال لهم: هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
م .٣ - مختصر السنن - ج ٧

- ٣٤ -
باب النهى عن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ٤: ٣٤٦]
٤٤٩٣ - عن أبى سعيد - وهو الخدرى - رضى الله عنه، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((لا تَسُبُوا أصحابى، فوالذي نفسي بيده، لو أنْفَقَ أحدُكم
مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفه)) .
٤٤٩٣ - قال الشيخ: ((النصيف)) بمعنى النصف، كما قالوا: التمين بمعنى الثمن. قال الشاعر:
فما طارلى فى القسم إلا ثمينها.
وقال آخر :
لم يعدها مُدّ ولا نصيف
والمعنى: أن جهد المقل منهم واليسير من النفقة الذى أنفقوه فى سبيل الله مع شدة العيش
والضيق الذى كانوا فيه: أوفَى عند الله وأزكى من الكثير الذى ينفقه مَنْ بعده (١).
فيقولون : نعم، فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم : هل فيكم من رأى من محب
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال
لهم : هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم.
فيفتح لهم » .
فهذا فيه ذكر قرنين بعده . كما فى الأحاديث المتقدمة .
ورواه مسلم. فذكر ثلاثة بعده . ولفظه « يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث ،
فيقولون : انظروا : هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيوجد
الرجل ، فيفتح لهم به ، ثم يبعث البعث الثانى، فيقولون: هل فيكم من رأى أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ فيفتح لهم . ثم يبعث البعث الثالث . فيقال : انظروا ، هل ترون فيهم من.
رأى من رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيفتح لهم. ثم يكون البعث الرابع .
فيقال : انظروا ، هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم ؟ فيوجد الرجل فيفتح له » .
(١) لم يكن ذلك لذواتهم ولا لزمانهم. وإنما كان لما فى قلوبهم من صدق الإيمان واخلاص.
وصفاء السريرة ، وطهارة القلوب ، وزكاء النفوس ، والله الموفق .

- ٣٥ -
ء
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٤٤٩٤ - وعن عمرو بن أبى قُرَّة، قال ((كان حذيفة بالمداين، فكان يذكر
أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه فى الغضب ، فينطلق
ناسٌ ممن سمع ذلك من حذيفة، فيأتون سلمان، فيذكرون له قولَ حذيفة، فيقول
سَلْمانُ: حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة، فيقولون له: قدذكرنا قولك
لسلمان. فما صدَّقك ولا كَذَّبك، فأتى حذيفةُ سلمانَ، وهو فى مَبْقَلَةٍ (١) ، فقال:
ياسلمان ، ما يمنعك أن تُصَدِّقنى بما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال سلمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضبُ، فيقول فى الغضب
الناس من أصحابه، ويرضى، فيقول فى الرضَي لناس من أصحابه، أما تنتهى حتى
تُؤَرِّتَ رجالاً حُبَّ رجال، ورجالا بُغْضَ رجال، وحتى تُوقِع اختلافًا وفُرقة؟
ولقد علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: ((أيما رجل من أمتى
سَبَبْتُهُ سَبّةً، أو لعنته لعنة فى غضبى، فإنما أنا من بنى آدم، أغضب كما يغضبون،
وإنما بعثتنى رحمةً للعالمين، فاجْعَلَها عليهم صلاة يوم القيامة)) والله كَتَنْتَمِيَنَّ
أَوْلَأَ كْتُبَنَّ إلى عمر )).
وهذا الفعل الأخير قوله صلى الله عليه وسلم: ((فأيما مؤمن سبيته)) قد
أخرجه البخاري ومسلم فى صحيحيهما من حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة.
باب فى استخلاف أبى بكر رضى الله عنه [٤: ٣٤٨]
٤٤٩٥ - عن عبد الله بن زَمَعَة، قال: ((لما اسْتُعِزَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم
٤٤٩٥ - قال الشيخ: يقال: ((استعزّ بالمريض)) إذا ◌ُغلب على نفسه من شدة المرض.
(١) المبقلة : مزرعة البقل .

- ٣٦ -
وأنا عنده فى نفر من المسلمين - دعاه بلالٌ إلى الصلاة، فقال: مُروا مَنْ يصلى
للناس، خرج عبدُ الله بن زَمّعة ، فإذا عمرُ فى الناس ، وكان أبوبكر غائباً. فقلت:
ياعمر ، ثُمْ فَصّلَّ بالناس، فتقدم فكبر ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
صَوْتَهُ، وكان عمر رجلا مِجْهَراً؛ قال: فأين أبو بكر؟ يأبَى اللهُ ذلك والمسلمون،
يأبى الله ذلك والمسلمون، فبعث إلى أبى بكر، فاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة
فصلى بالناس )) .
فى إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم الاختلاف فيه .
٤٤٩٦ - وعنه - بهذا الخبر، قال: ((لما سمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم صوتَ عمر،
قال ابن زَمعة: خرج النبى صلى الله عليه وسلم حتى أطلع رأسَه من حُجرته ، ثم
قال: لا ، لا، لا. لِيُصَلِّ للناس ابنُ أبى قُحافة)» يقول ذلك مُغْضَبًا.
فى إسناده: موسى بن يعقوب الزمَعي ، قال النسائى : ليس بالقوى.
وأصله من العَزِّ. وهو الغلبة والاستيلاء على الشىء، ومن هذا قولهم ((مَنْ عَزّ بزّ))
أى من غلب سَب(١).
وقوله ((وكان رجلاً مجهراً)) أى صاحب جَهْرُ ورَفْعِ لصوته ، يقال: جهر الرجل
صوته ، ورجلٌ جهير الصوت ، وجَهير المنظر، وأجهر: إذا عُرف بشدة جهر الصوت ،
فهو مجهر .
وفى الخبر دليل : على خلافة أبى بكر رضى الله عنه .
وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم (( يأبى الله ذلك والمسلمون)) معقول منه: أنه لم يرد
به نفى جواز الصلاة خلف عمر، فان الصلاة خلف عمر رضى الله عنه ومَنْ دونه من المسلمين
جائزة، وإنما أراد به الإمامة التى هي دليل الخلافة ، والنيابة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى القيام بأمر الأمة بعده .
(١) ومن هذا قوله تعالى فى سورة ص (٣٨: ٢٣ وعزنى فى الخطاب).

- ٣٧ -
وفى إسناده أيضاً : عبد الرحمن بن إسحق ، ويقال له : عباد بن إسحق ،
وقد تكلم فيه غير واحد . وأخرج له مسلم. واستشهد به البخارى .
باب مايدل على ترك الكلام فى الفتنة [٣٤٩:٤]
٤٤٩٧ - عن أبى بكرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
للحسن بن على (إِنَّ ابَنِی هُذَا سَيِّدٌ ، وإني لأرجو أن يُصلح الله به بين فئتين
من أمثی - وقال فى حديث حماد -: ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من
المسلمين عظيمتين)).
وفى إسناده: على بن زيد بن جُدعان، رواه عن الحسن البصرى، ولا يحتج به.
وأخرجه أبو داود والترمذى من حديث أشعث بن عبد الملك الخمرانى عن
الحسن ، وقد استشهد به البخارى ، وو ثقه غير واحد .
وأخرجه البخارى والنسائى من حديث أبى موسى إسرائيل بن موسى
عن الحسن .
٤٤٩٧- قال الشيخ ((السيد)) يقال: اشتقاقه من السواد، أى هو الذى يلى السواد العظيم.
ويقوم بشأنهم .
وقد خرج مصداق هذا القول فيه بما كان من إصلاحه بين أهل العراق وأهل الشام
وتَخَلِّيه عن الأمر ، خوفاً من الفتنة، وكراهية لإراقة الدم، ويسمى ذلك العامُ سنةَ الجماعة
وفى الخبر دليل : على أن واحداً من الفريقين لم يخرج بما كان منه فى تلك الفتنة من
قول أو فعل: عن مِلة الإسلام ، إذ قد جعلهم النبى صلى الله عليه وسلم مسلمين .
وهكذا سبيل كل متأول فيما تعاطاه من رأى ومذهب دعا إليه، إذا كان قد تأوَّله شبهة
وإن كان مخطئاً فى ذلك.
ومعلوم أن إحدى الفئتين كانت مصيبة والأخرى مخطئة .

- ٣٨ -
٤٤٩٨ - وعن محمد - وهو ابن سيرين - قال: قال حذيفة: ((ما أحدٌ من الناس
تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مَسْلَمة . فانى سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : لا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةِ)).
٤٤٩٩ - وعن ثَعلبة بن ضُبَيعة، قال: ((دخلنا على حذيفة، فقال: إنى لأعرف
رجلا لا تضره الفتى شيئا، قال: خرجنا، فإذا فُسطاط مضروب ، فدخلنا، فاذا
فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل علىَّ شىءٍ من
أمصاركم حتى تَنْجَلىَ ما انجلت))
٤٥٠٠ - وعن طبيعة بن حصن الثعلبى ، بمعناه.
وفى كلام البخارى : ما يدل على أن ثعلبة وضُبيعة واحد اختلف فيه .
وضبيعة : بضم الضاد المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر
الحروف ، وعين مهملة مفتوحة . وتاء تأنيث .
٤٥٠١ - وعن قيس بن عُبَاد، قال: قلت لعلى رضى الله عنه ((أخبِرْنا عن مَسيرك
هذا ، أعهدٌ عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم رأى رأيته؟ قال:
ما عهد إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء، ولكنه رأى رأيته)).
٤٥٠٢ - وعن أبى سعيد - وهو الخدرى - رضى الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْتُسْلِينَ يَقْتُلِهَا أَوْلَى
الطائفتين بالحقّ)).
باب فى التخيير بين الأنبياء [٤: ٣٠٠]
٤٥٠٣ - عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم
((لا تَخَيِّرُوا بين الأنبياءِ))
٤٥٠٣ - قال الشيخ : معنى هذا : ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم ، فإنه ربما

- ٣٩ -
وأخرجه البخارى ومسلم أتمَ منه .
٤٥٠٤ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال
((مَا يَنْبَغَى لعبدٍ أن يقول: إِنَّى خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بَنِ مَتَّى))
وأخرجه البخارى ومسلم .
أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم ، والإخلال بالواجب من حقوقهم، وبفرض الإيمان بهم
وليس معناه : أن يعتقد التسوية بينهم فى درجاتهم ، فإن الله سبحانه قد أخبر أنه قد
فاضل بينهم ، فقال عز وجل (٢٥٣:٢ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كَلّم
ورفع بعضهم درجات ).
٤٥٠٤ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله حديث ابن عباس (( ما ينبغى لعبد أن يقول: أنا خير
من يونس بن متى )» ثم قال :
وفى حديث ابن عباس - فى بعض طرق البخارى فيه عن النبى صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه
عن ربه عز وجل ((لا ينبغى لعبد - الحديث)) ورواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبى
صلي الله عليه وسلم قال - يعنى الله عز وجل - (( لا ينبغى لعبد لى أن يقول : أنا خير من يونس
بن متى ).
وفى رواية « لعبدی » .
وفى حديث ابن عباس نسبه إلى أيه .
وفى صحيح البخارى عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( لا يقولن أحدكم
إنى خير من يونس بن متى )).
وعنه أيضا عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( ما ينبغى لعبد أن يكون خيراً من يونس
بن متى » .
وفى لفظ آخر (( أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) ذكره البخارى أيضاً.
وفى صحيح البخارى عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((الكريم ابن الكريم
ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم )) ونحوه في الصحيحين من حديث
أبى هريرة .

- ٤٠ - .
٤٥٠٥ - وعن عبد الله بن جعفر رضى الله عنهما، قال ((كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : ما ينبغى لنبيّ أن يقول: إنى خيرٌ من يونس بن مَتَّى))
فى إسناده: محمد بن إسحاق بن يسار
٤٥٠٦ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رجل من اليهود ((والذى
اصطفى موسى، فرفعَ المسلمُ يدَه ، فَلَطَمَ وَبْهَ اليهودىِّ، فذهبَ اليهودىُّ إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
لاَ تُخَّرُوْفِى عَلَىَ مُوسَى، فإنَّالنَّاسَ يُصْعَقُونَ، فَأْكُونُ أوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإذَا
مُوسَى بَطِشُ فِى جَانِبِ الْعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِى: أكان ممن صَحِقَ فأفاق قبلى ،
أو كانَ ممن استثنى الله عز وجل (١) »
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
٤٥٠٨،٤٥٠٥ - قال الشيخ: قد يتوهم كثير من الناس أن بين الحديثين خلافاً .
وذلك: أنه قد أخبر فى حديث أبى هريرة ( أنه سيد ولد آدم)) والسيد أفضل من المسود
وقال فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما ((ما ينبغى لعبد أن يقول : أنا خير من
يونس بن متى )) .
وأخرج البخارى أيضاً عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((خفف علي داود
القرآن . فكان يأمر بدوابه فتسرج ، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه . ولا يأكل إلا
من عمل يده» .
والمراد بالقرآن ههنا: الزبور. كما أريد بالزبور القرآن في قوله تعالى (٢١ : ١٥٠
ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر: أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).
(١) الرجل الذى لطم اليهودى: هو أبو بكر الصديق رضى الله عنه. وجاء فى بعض طرقه
((أنه رجل من الأنصار)) وهو خلاف ماتقدم، إلا أن تكونا قضيتين. واسم اليهودى
فنحاص . من هامش المنذرى .
1