النص المفهرس
صفحات 321-340
- ٣٢١ - وسلم، فقال لهم: تأتوني بالبينة عَلَى مَن قتل ؟ قالوا: مالَنَا بَيِّنَة ، قال: فيحلفون لكم؟ قالوا : لا نرضى بأيمان اليهود، فكره نبىُّ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبْظِلَ دَمَه، فَوَدَاه مائة من إبل الصدقة)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. ولم يذكر مسلم لفظ الحديث . يُشير: بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر. الحروف بعدها راء مهملة . ويسار: بفتح الياء آخر الحروف وسين مهملة وبعد الألف راء مهملة . تمسك من قال : إنه يبدأ بيمين المدعَى عليه بظاهر هذا الحديث . وقد قال مسلم بن الحجاج: رواية سعيد غلط. ويحيى بن سعيد: أحفظ منه. وقال البيهقى : وهذا يحتمل أن لا يخالفه رواية يحيى بن سعيد عن بُشير. وكأنه أراد بالبينة: أيمان المدعين، مع اللّوْث، كما فسره يحي بن سعيد. وطالبهم بالبينة، كما فى هذه الرواية . فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان، كما فى رواية يحيى بن سعيد، فلما لم يحلفوا رَدّها على اليهود، كما فى الروايتين جميعاً . والله أعلم. هذا آخر كلامه. وقد ذكرنا فيما تقدم: اتفاق الحفاظ عَلَى البُداءة بالمدعين. ٤٣٥٩ - وعن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، قال ((أصبح رجل (١) من رواية سعيد بن عبيد، فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان، كما فى رواية يحيى بن سعيد. فلما لم يحلفوا ردها على اليهود ، كما فى الروايتين جميعاً. ويدل على ما ذكره البيهقى : حديث النسائى عن عمرو بن شعيب . والصواب: رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات (( أنه بدأ بأيمان المدعين ، فلما لم يحلفوا ثنى بأمان الهود » وهذا هو المحفوظ فى هذه القصة ، وما سواه وهم ، وبالله التوفيق . (١) فى أصل المنذرى ((رجلا)). م ٢١ - مختصر السن - ج ٦ - ٣٢٢ - الأنصار قتيلا يخيبر ، فانطلق أولياؤه إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، فذكروا ذلك له ، فقال : لَكُمْ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قتل صاحبكم؟ قالوا : يا رسول الله لم يكن ثَمَّ أَحَدٌ من المسلمين، وإِنما هم يهود. قد يَثْرئون على أعظمَ من هذا ، قال: فَاخْثَرُوا مِنْهُمْ تَخْسِينَ فَأستحلفهم [فأبوا(١)] فودَاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده )). ٤٣٦٠ - وعن عبد الرحمن بن ◌ُجَيْد، قال ((إن سهلا، والله، أوم الحديثَ ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبَ إِلى يهود: أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ بين أَظْهُركم قتيل . فَدُوه ، فكتبوا يحلفون بالله خمسين يميناً: ما قتلناه، ولا علمنا قائلا ، قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده مائةَ ناقة)). فى إسناده : محمد بن إسحاق . وقد تقدم الكلام عليه . وقال الإمام الشافعى رحمه الله : فقال لى قائل : ما منعك أن تأخذ بحديث ابن يَجَيْد؟ قلت: لا أعلم ابن يجيد سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يكن سمع منه : فهو مرسل. ولسنا وإياك ثبت المرسل . وقد علمتُ سهلا صحب النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه - وساق الحديث سياقا لا يشبه إِلا الأثبات . فأخذت به لما وصفت . ٤٣٦١ - وعن الزهرى ، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار ، عن ٤٣٦١ - قال الشيخ: فى هذا حجة لمن رأى أن اليمين على المدعى عليهم ، إلا أن أسانيد الأحاديث المتقدمة أحسن اتصالاً وأوضح متوناً . ٤٣٦١ - ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : كلام المنذری علی حديث الزهرى عن أبى سلمة - إلى قول الشافعى رحمه الله وكله عندنا بنعمة الله ثقة - ثم قال : (١) ساقطة من أصل المنذرى. ٢ - ٣٢٣ - رجال من الأنصار ((أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لليهود .. وبدأ بهم - تَخْلِفُ مِنْكُمْ تَخْسُونَ رَجُلاً. فأبَوْا، فقال للأنصار: اسْتَحِقُوا. قالوا: نحلِفُ على الغَيْب يارسول الله؟ !! نجملها رسول الله صلى الله عليه وسلم ديةً على يهود. لأنه وُجد بين أظهرهم)» قال بعضهم : وهذا ضعيف ، لا يلتفت إليه . وقد روى ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنه بدأ فى اليمين بالمدعين: سهل بن أبى حَثْمة، ورافع بن خَديج، وسُويد بن النعمان)). وهذا الحديث له علة، وهى أن معمراً انفرد به عن الزهرى ، وخالفه ابن جريج وغيره . فرووه عن الزهرى بهذا الإسناد بعينه عن أبى سلمة ، وسليمان عن رجال من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه فى الجاهلية ، وقضى بها بين ناس من الأنصار فى قتيل ادعوه على اليهود)) ذكره البيهقى . والقسامة فى الجاهلية : كانت قسامة الدم . وفى قول الشافعى : إن حديث ابن شهاب مرسل : نظر . والرجال من الأنصار لا يمتنع أن يكونوا صحابة. فان أبا سلمة وسليمان كل منهما من التابعين ، قد لقى جماعة من الصحابة ، إلا أن الحديث غير مجزوم باتصاله ، لاحتمال كون الأنصاريين من التابعين ، والله أعلم . قال البيهقى : وأصح ما روى فى القتل بالقسامة وأعلاه ، بعد حديث سهل : ما رواه عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: حدثنى خارجة بن زيد بن ثابت قال « قتل رجل من الأنصار -وهو سكران-رجلا آخر من الأنصار من بنى النجار، فى عهد معاوية، ولم يكن على ذلك شهادة إلا لطيخ وشبهة ، قال : فاجتمع رأى الناس: على أن يحلف ولاة المقتول ، ثم يسلم إليهم، فيقتلوه . قال خارجة بن زيد : فركبنا إلى معاوية ، وقصصنا عليه القصة ، فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص، فذكر الحديث - وفيه: فقال سعيد: أنامنفذ كتاب أمير المؤمنين، فاغدوا على بركة الله، فغدونا عليه ، فأسامه إلينا سعيد بعد أن حلفنا عليه خمسين يميناً » وفى بعض طرقه « وفى الناس يومئذ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن فقهاء الناس ما لا يحصى ، وما اختلف اثنان منهم: أن يحلف ولاة المقتول ، ويقتلوا أو يستحيوا، ۔ - ٣٢٤ - وقد قيل للإمام الشافعى رحمه الله : فما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب؟ قلت : مرسل والقتيل أنصارى. والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم. إذ كان كلٌّ ثقة. وكلٌّ عندنا بنعمة الله - ثقة. وقال الشافعى: لا يحلف فى القسامة إلا وارث ، لأنه لا يملك بها إلا دية القتيل. ولا يحلف الإنسان إلا على ما يستحقه الورثة ، يقسمون على قدر موارثيهم . خلفوا خمسين يميناً ، وقتلوا، وكانوا يخبرون: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة)) وأما حديث محمد بن راشد المكحولى عن مكحول ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقض فى القسامة بقود » فمنقطع . وأما مارواه الثورى فى جامعه عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن (( أن عمر بن الخطاب قال: القسامة توجب العقل ، ولا تشيط الدم (١) )) فمنقطع موقوف . وأما حديث الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه استحلف اليهود خمسين يمينا ، ثم جعل عليهم الدية» . فلا يحل لأحد معارضة رواية الأئمة الثقات بالكلى وأمثاله . وأما حديث عمر بن صبيح عن مقاتل بن حيان عن صفوان عن ابن المسيب عن عمر فى قضائه بذلك، وقوله ((إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم صلى الله عليه وسلم)). فلا يجوز أيضاً معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به، وهو ابن صبيح الذى لم يسفر صباح صدقه فى الرواية . وأما حديث سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبى ((أن عمربن الخطاب كتب فى قتيل وجد بين جيزان ووادعة(٢): أن يقاس ما بين الفريقين، فإلى أيهما كان أقرب : أخرج منهم خمسين رجلا ، حتى يوافوه بمكة ، فأدخلهم الحجر ، ثم قضى عليهم بالدية ، فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا ، ولا أيماننا أموالنا. فقال عمر: كذلك الأمر». وفى لفظ قال عمر (( حقنت بأيمانكم دمائكم، ولا يطل دم امريء مسلم)). (١) شاط الدم : أى سفك وأريق، والمعنى: أن القسامة توجب الدية: ولا يؤخذ بها القصاص . (٢) قريتان باليمن ، وهما الآن من مقاطعة عسير. - ٣٢٥ - قال البيهقي : وأظنه أراد بحديث الزهرى : ماروى عنه معمر عن أبى سامة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار - وذكر هذا الحديث . 1 فقال الشافعى : وقد قيل له : هذا ثابت عندك ؟ قال : لا ، إنما رواه الشعبى عن الحارث الأعور ، والحارث مجهول. ونحن نروى عن النبى صلى الله عليه وسلم بالإسناد الثابت ، أنه بدأ بالمدعين، فلما لم يحلفوا قال ((فتبرئكم يهود بخمسين يميناً)) وإذا قال ((فتبرئكم)) لم يكن عليهم غرامة ، ولما لم يقبل الأنصار أيمانهم وداه النبى صلى الله عليه وسلم ، ولم يجعل على يهود شيئا ، والقتيل بين أظهرم . وقال محمد بن إسحق بن خزيمة عن ابن عبد الحكم: سمعت الشافعى يقول: سافرت إلى جيزان ووداعة ثلاثا وعشرين سفرة ، أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب فى القتيل ، وأحكى لهم ماروى عنه ، فقالوا (( إن هذا لشىء ما كان ببلدنا قط)). قال الشافعى : والعرب أحفظ شىء الأمر كان . وأما حديث أبى سعيد الخدرى ((أن قتيلا وجد بين حيين ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاس إلى أيهما أقرب؛ فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر، فألقى ديته عليهم)) فرواه أحمد فى مسنده وهو من رواية أبى إسرائيل الملائى عن عطية العوفى ، وكلاهما فيه ضعف . ومع هذا فليس فيه ما يضاد حديث القسامة . وقد ذهب إليه أحمد فى رواية حكاه ..... (١) فى كتاب الورع عنه. وأما حديث ابن عباس (( لو يعطى الناس بدعواهم لا دعى رجال دماء رجال وأموالهم . ولكن اليمين على المدعى عليه)). فهذا إنما يدل على أنه لا يعطى أحد بمجرد دعواه دم رجل ولا ماله . وأما فى القسامة فلم يعط الأولياء فيها بمجرد دعواهم بل بالبينة ، وهى ظهور اللوث وأيمان خمسين ، لا بمجرد الدعوى ، وظهور اللوث وحلف خمسين بينة بمنزلة الشهادة أو أقوى . وقاعدة الشرع : أن اليمين تكون فى جانبه أقوى المتداعيين. ولهذا يقضى للمدعى بيمينه إذا نكل المدعى عليه ، كما حكم به الصحابة لقوة جانبه بنكول الخصم المدعى عليه، ولهذا يحكم له بيمينه إذا أقام شاهدا واحدا لقوة جانبه بالشاهد ، فالقضاء بها في القسامة مع قوة جانب المدعين باللوث الظاهر أولى وأحرى . وطرد هذا القضاء بها فى باب اللعان: إذا لاعن الزوج ونكات المرأة ، فان الذى يقوم عليه الدليل : أن الزوجة تحد ، وتكون أيمان الزوج بمنزلة الشهود، كما قاله مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة : لا تقبل فى الموضعين . (١) بياض بالأصل بقدر كلمة . ولعله المروزى. 1 - ٣٢٦ - باب يقاد من القاتل | ٤ :٣٠٢ ٤٣٦٢ - عن قتادة، عن أنس - وهو ابن مالك رضى الله عنه - (( أن جاريةً وُجدَتُ قَدْ رُضَّ رَأْسُهاَ بين حَجَرين، فقيل لها: مَنْ فعلَ بِكِ هذا؟ أَفلان؟ أفلان؟ حتى ◌ُتِى اليهودى، فَأَوْمَأَتْ برأسِها، فَأُخِذَ اليهودى، فاعترف ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْ يُرَضَّ رأسُه بالحجارة)) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة. ٤٣٦٣ - وعن أبى قلابة، عن أنس «أنَّ يهوديا قَتَلَ جارية من الأنصار على حُلٍِّ لها، ثم ألقاها فى قَلِيبٍ، وَرَضَخَ رأسَها بالحجارة، فَأُخِذَ، فَأُفِىَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فأمر به أن يُرجَم حتى يموتَ، فُرُجٍ حتى مات)) وأخرجه مسلم والنسائى . ٤٠٦٢، ٤٣٦٤ - قال الشيخ: يريد بالأوضاح: حُلِيًّاً لها. وفيه دليل : على وجوب قتل الرجل بالمرأة، وهو قول عامة أهل العلم، إلا الحسن البصرى وعطاء ، فإنهما زعما أن الرجل لا يقتل بالمرأة . وفيه دليل : على جواز اعتبار القتل ، فيقتص من القاتل بمثل ماقتل . وإلى هذا ذهب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل . وروى ذلك عن الشعبى وعمر بن عبد العزيز . وقال سفيان الثورى وأبو حنيفة وأصحابه: لا يقتص منه إلا بالسيف ، وكذلك قال عطاء . وقال مالك : تقبل فى الموضعين . وقال أحمد : تقبل فى القسامة دون اللعان. وقال الشافعى : تقبل فى اللعان دون القسامة . وقول مالك: أرجح ، وعليه تدل الأدلة . م - ٣٢٧ - ٤٣٦٤ - وعن هشام بن زيد، عن جَدِّه أنس ((أن جاريةً كان عليها أوْضاًٌ لها فَرَضَخَ رَأْسَها يهودىٌّ بَحَجَرِ ، فدخل عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وبها رَمَقُ ، فقال لها : مَنْ قَتَلَكِ ؟ فلانٌ قتلك ؟ فقالت : لا ، برأسها ، قال: مَنْ فَتَلَكِ ؛ فلان قتلك؟ قالت: لا ، برأسها، قال: فلان قتلك؟ قالت : نعم، برأسها، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقُتِلِ بين حَجّرين)) وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . قال الشيخ: ما يوجد فى هذا الحديث [٤٣٦٢] بهذه اللفظة، أعنى قوله ((فاعترف فقتل)). فيها الشفاء والبيان: أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقتل اليهودى بإيماء المدعية أو بقولها . وقد شَغَبَ بَعْضُ الناس فى هذا، حين وجد أ كثر الروايات خالياً عن هذه اللفظة. فقال: كيف يجوز أن يقتل أحد بقول المدعى وبكلامه ، فضلا عن إيمانه برأسه ؟ . وأنكروا هذا الحديث ، وأبطلوا الحكم فى اعتبار جهة المائلة . قال الشيخ : وهذه اللفظة إن لم تكن مروية فى هذه القصة لم يكن ضائراً . لأن من العلم الشائع المستفيض على لسان الأمة خاصهم وعامهم: أنه لا يستحق مالٌ ودم إلا ببينة ، وقد يروى كثير من الأحاديث على الاختصار ، اعتماداً على أفهام السامعين والمخاطبين به . وقد احتج بعض من لا يرى اعتبارجهة المائلة: بنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن المثلة . وهذا معارضة لا تصح ، لأن النهى عن المثلة إنما هو فى ابتداء العقوبة بها . فأما القصاص فلا يتعلق بالمثلة . ألا ترى أن من جَدَع أذناً أو فَقَاً عيناً من كُفء له: اقتص منه، ولم يكن ذلك مُثْلة ؟. وعارضوا أيضاً بنهى النبي صلى الله عليه وسلم ((أن يعذب أحد بعذاب الله)). فقالوا : إذا أحرق رجلاً بالنار. فإنه لا يحرق بها قصاصاً. بل يقتل بالسيف .. وهذا مثل الأول : وباب القصاص من هذا بمعزل . وقد قال صلى الله عليه وسلم لأسامة ((اغْدُ على أَبنَى صباحاً، وحَرِّق ». -- ٣٢٨ - باب أيقاد المسلم بالكافر؟ [ ٣٠٣:٤] ٤٣٦٥ - عن قيس بن عُبَادٍ، قال: ((انطلقتُ أنا والأشْتَرُ إلى على رضى الله عنه فقلنا له : هل عَهِدَ إليكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا لم يَعْهَدْه إلى الناس وأجاز عامة الفقهاء أن يُرمَى الكفار بالنيران إذا خافوهم، ولم يطيقوا دَفَهم عن أنفسهم إلا بها . فعلم أن طريق النهى عن استعمال النار خارج عن باب القصاص المباح . وعن باب الجهاد المأمور به ، وأن من قتل رجلاً بالإحراق بالنار . فإن للولى أن يقتل القاتل بالنار كذلك . وقد تمثلوا أيضاً فى هذا بأمور، كمن قتل رجلاً بالسَّحْر، وكمن سقى رجلاً خمراً أو والى عليه بهما حتى مات، وكمن ارتكب فاحشة من إنسان . فكان فيها تافه . وليس يلزم شىء من هذا ، والأصل فيه الحديث . ثم العقوبات على ضربين : أحدهما : مأذون فيه أن يستعمل فيمن استحقه على وجه من الوجوه . والآخر : محظور من جميع الوجوه . وقد أمرنا بجهاد الكفار ومعاقبتهم على كفرهم: ضرباً بالسلاح ، ورمياً بالحجارة ، وإضرامًاً عليهم بالنيران . ولم يبح لنا أن نقتلهم بسقى الخمر ، وركوب الفاحشة منهم . فأما السحر: فهو أمر يَلْطُفُ ويَدِقُّ. والتوصل إلى علمه يصعب . ومباشرته محظورة. على الوجوه كلها . فإذا تعذرت علينا معرفة جهة الجناية وكيفيتها صرنا إلى استيفاء الحق منه بالسيف ، إذ هو دائرة القتل ، وكان سبيله سبيل من ثبت عند الحاكم: أنه قتل فلاناً عمداً، ولم يبين جهة القتل وكيفيته، فإنه يقتله بالسيف، وكذلك إذا تعذرت جهة المائلة: قتل بالسيف . والله أعلم . ٤٣٦٥، ٤٣٦٦ - قال الشيخ: قوله ((المؤمنون تكافأ دماؤهم)) يريد: أن دماء المسلمين - ٣٢٩ - عامَّة؟ قال: لا ، إلا ما فى كتابي هذا - قال مسدد: فأخرج كتاباً ، وقال أحمد - وهو ابن حنبل - كتابا من قُرابِ سَيّفه، فاذا فيه: الْمُؤْمِنُونَ تَكَفَاً دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدْ على مَنْ سِوَامٍ، ويَسْعَى بِذِمَّتهم أدنام، ألا، لا يُقْتُلُ مؤمن بكافر ، ولا ذُو عَهْدٍ فى عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَث حَدَثَا فعلى نفسه ، ومَنْ أحدث حدثاً أو آوَى مُحدِثًا فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين)) وأخرجه النسائى. وقد أخرج البخارى فى صحيحه من حديث أبى جُحيفة وَهْب بن عبد الله السّوائى قال ((سألت عليا رضى الله عنه: هل عندكم شىء مما ليس فى القرآن؟ فقال : العقل، وفَكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر)) متساوية فى القصاص والقود ، يقاد الشريف منهم بالوضيع ، والكبير بالصغير ، والعالم بالجاهل ، والرجل بالمرأة . وفيه : مستدل لمن رأى أن يقتل الحربالعبد ، لأن قضية العموم تعطى ذلك قوله ((وهم يد على من سواهم)) معناه: النصرة والمعونة من بعضهم لبعض. قوله (( يسمى بذمتهم أدناهم)) معناه: أن الواحد منهم إذا أجار كافراً وآمنه على دمه. حرم دمه على المسلمين كافة ، وإن كان المجير أدناهم، مثل أن يكون عبداً أو امرأة أو عسيفاً تابعاً أو نحو ذلك ، ليس لهم أن يخفروا ذمته . قوله (( لا يقتل مؤمن بكافر)) فيه البيان الواضح: أن المسلم لا يقتل بأحد من الكفار، كان المقتول منهم ذمياً أو معاهداً، أو مستأمناً أو ما كان : وذلك أنه نَفْيٌ فى نكرة. فاشتمل على جنس الكفار عموماً. وقد قال صلى الله عليه وسلم (( لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» فكان الذیی والمستأمن فى ذلك سواء . وقد اختلف الناس فى هذا . - ٣٣٠ - وأخرجه أيضا الترمذى والنسائى وابن ماجة . ٤٣٦٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر نحو حديث على، زاد فيه .- وَيُحِرُ عَلَيْهِمْ أقْصَام، فقال بظاهر الحديث جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار. ثبت ذلك عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت . وروى ذلك عن على رضى الله عنه ورضى عنهم أجمعين . وهو قول عطاء وعكرمة والحسن البصرى وعمر بن عبد العزيز . وبه قال سفيان الثورى وابن شُبرمة . وهو قول مالك والأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق . وقال الشعبى والنخى : يقتل المسلم بالذمى . وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وتأولوا قوله (( لا يقتل مؤمن بكافر)) أى بكافر حر بى، دون من له عهد وذمة من الكفار . وادعوا فى نظم الكلام تقديماً وتأخيراً، كأنه قال: لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد فى عهده بكافر . ٤٣٦٦ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله آخر الباب : وأما الحديث الذى ذكره أبو داود فى كتاب المراسيل عن عبد الله بن عبد العزيز الحضرى قال (( قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر مسلماً بكافر قتله غيلة، وقال: أنا أولى وأحق من أوفى بذمته » فمرسل لا يثبت . ورواه أيضاً من حديث ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلمانى، ولا يصح من الوجهين : الإرسال ، وابن البيلمانى. وقد أسنده بعضهم من حديث ابن البيلمانى عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم. ولا يصح وهذا الحديث مداره على ابن البيلمانى ، والبلية فيه منه ، وهو مجمع على ترك الاحتجاج به فضلا عن تقديم روايته على أحاديث الثقات الأئمة المخرجة فى الصحاح كلها . - ٣٣١ - وَيَرُدُ مُشِدُّغْ عَلَى مُضْعِفِهِم: ومُتَسَرِّيهِمْ عَلَى فَاعِدِهْ )) وأخرجه ابن ماجة . وقالوا : ولولا أن المراد به هذا لكان الكلام حالياً عن الفائدة ، لأن معلوماً بالإجماع أن المعاهد لا يقتل فى عهده ، فلم يجز حمل الخبر الخاص على شىء قد استفيد معرفته من جهة العلم العام المستفيض . واحتجوا أيضاً بخبر منقطع عن ابن البيلمانى (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاد مسلماً بكافر)). قلت: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) كلام تام مستقل بنفسه . فلا وجه لتضمينه بما بعده وإيطال حكم ظاهره، وحمله على التقديم والتأخير، وإنما يُفُعل ذلك عند الحاجة والضرورة فى تكميل ناقص، وكشف عن مُبْهم، ولا ضرورة بنا فى هذا الموضع إلى شىء من ذلك. فأما تحديده ذكر المعاهد ، وأنه لا يقتل مادام مقيماً على عهده : فإن النبى صلى الله عليه وسلم أن يكرر البيان، وأن يظاهر بذكر الشىء مرة بعد أخرى ، إشباعاً فى البيان ، وإقهاماً للمخاطبين بالكلام . وقد يحتمل أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم لما أسقط القصاص عن المسلم إذا قتل كافراً احتاج إلى أن يؤكد حق دم المعاهد ، فيجدد القول فيه. لأن ظاهر ذلك يوجب توهين حرمة دم الكفار ، ولا يؤمن أن يكون فى ذلك الإغراء بهم ، فخشى إقدام المتسرع من المسلمين إلى دمائهم إذا أمن القَوَد، فأعاد القول فى حظر دمائهم رفعاً المشبهة، وقطعاً لتأويل متأول ، والله أعلم . وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر: وهو أن يكون معناه: لا يقتل مؤمن بأحد من الكفار. ولا يقتل معاهد ببعض الكفارة وهو الحربى . ولا ينكر أن لفظة ((واحد)) يعطف عليها شيئان. فَيكون أحدهما: راجعاً على جميعها، والآخر : راجعاً إلى بعضها . t بـ ٣٣٢ - باب من وجد رجلا مع أهله فقتله [٤: ٣٠٥] ٤٣٦٧ - عن أبى هريرة أن سعد بن عُبَادَةَ رضى الله عنه قال (( يارسول الله، الرجل يجد مع أهله رجلا ، أيقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ، قال سعد: كَى، والذى أكرمك بالحق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اسْمُعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُ كم)) وقوله (( من أحدث حدثاً فعلى نفسه)) يريد : أن من جنى جناية كان مأخوذاً بها لا يؤخذ بجرمه غيره . وهذا فى العمد الذى يلزمه فى ماله، دون الخطأ الذى يلزم عاقلته . وقوله (( من آوى محدثاً فعليه لعنة الله)) يريد من آوى جانياً أو أجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يُقْتص منه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . وقوله (( يرد مشدهم على مضعفهم ومُتسريهم على قاعدهم )) مفسر فى كتاب الجهاد من .هذا الكتاب . ٤٣٦٧ - قال الشيخ : يشبه أن تكون مراجعة سعد النبى صلى الله عليه وسلم طمعاً فى الرخصة ، لا رداً لقوله صلى الله عليه وسلم، فلما أبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر عليه قوله ، سكت سعد وانقاد . . وقد اختلف الناس فى هذه المسألة . فكان على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول: إن لم يأت بأربعة شهداء أعطي برُمَّته ، أی أقيد به وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أنه أهدر دمه، ولم يَرَ فيه قصاصاً . قلت : ويشبه أن يكون إنما رأى دمه مباحاً فيما بينه وبين الله عز وجل ، إذا تحقق الزنا منه فعلا . وكان الزانى محصناً . وذكر الشافى حديث على رضى الله عنه . ثم قال : وبهذا نأخذ . غير أنه قال: ويَسَعُه - فيما بينه وبين الله عز وجل -: قتل الرجل وامرأته . إذا كانا ثيبين . وعلم أنه قد نال منها ما يوجب الغسل . ولا يسقط عنه القود فى الحكم. - ٣٣٣ - قال عبد الوهاب - وهو ابن نجْدة - ((اسمعوا إلى ما يقول سعد)) وأخرجه مسلم وابن ماجة . ٤٣٦٨ - وعنه (( أن سعد بن عُبادة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لَوْ وَجَدْتُ مع امرأتى رجلاً أُمْهِلُه، حتى آتىَ بأربعةِ شُهداء؟ قال: نعم)) وأخرجه مسلم والنسائى. باب العامل يصاب على يديه خطأً [٤: ٣٠٥] ٤٣٦٩ - عن عائشة رضى الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بَعثَ أبا جَهْم بن حُذيفة مُصَدِّقًا. فَلَاَحاه(١) رجلٌ فى صدقته، فضربَه أبو جَهم ، فشَجَّه ، فأتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: الْقَوَد يارسول الله ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا. فلم يَرْضَوا، فقال: لكم كذا وكذا . فلم يرضوا، وكذلك قال أبو ثور . وقال أحمد بن حنبل: إن جاء ببينة : أنه قد وجده مع امرأته فى بيته فقتله ، يُهدَر دمه ، وكذلك قال إسحق . ٤٣٦٩ - قال الشيخ: فى هذا الحديث من الفقه: وجوب الافادة من الوالى والعامل إذا تناول دما بغير حقه . كوجوبها على من ليس بوال . وفيه : دليل على جواز إرضاء المشجوج بأكثر من دية الشّجَّة إذا طلب المشجوج القصاص . وفيه : دليل على أن القول فى الصدقة قول رب المال: وأنه ليس الساعى ضربه وإكراهه على ما لم يظهر له من ماله . (١) فى نسخة عون المعبود ((فلاجه)) بجيم مشددة مفتوحه وفسرها بقوله : نازعه وخاصمه من اللجاج . وفى نسخة الخطابى فلاحاه وكذلك فى هامش المنذرى فسرها على أنها ((فلاحاه)) وكانت فى أصل المنذرى ((فلاحه)) بجاء مهملة مشددة. - ٣٣٤ - فقال: لكم كذا وكذا، فرَضُوا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إِنِى خاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ، وَتُخْبِرُهُ بِضَاكم. فقالوا: نعم. خْطَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . فقال: إنَّ هؤلاء اللَّيِّنَ أنَوْنِى يريدون القَوَد، فعرضت عليهم كذا وكذا، فرضوا، أرضيتم؟ قالوا: لا ، فَهَمّ المهاجرون بهم، فأمرم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يَكُفُوا عنهم، فكَفُّوا، ثم دعام، فزادهم، فقال: أرضيتم؟ فقالوا: نعم ، قال: إنى خاطبٌ على الناس، ومُخْرم برضاكم. فقالوا : نعم ، تخطب النبى صلى الله عليه وسلم فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم )). وأخرجه النسائي وابن ماجة . ورواه يونس بن يزيد عن الزهرى منقطعا . قال البيهقى : ومعمر بن راشد: حافظ، قد أقام إسناده. فقامت به الحجة . باب فى عفو النساء [٣٠٦:٤] ٤٣٧٠ - عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال «بينما رسولُ الله صلى الله وفيه: حجة لمن رأى وقوف الحاكم عن الحكم بعلمه . لأنهم لما رضوا بما أعطاهم النبى صلى الله عليه وسلم، ثم رجعوا عنه، لم يلزمهم برضاهم الأول، حتى كان ما رضوا به ظاهراً وقوله (( فلاحاه )) معناه : نازعه وخاصمه . وفى بعض الأمثال ((عاداك من لا حاك)) وروى عن أبي بكر وعمر رضى الله عنهما : أنهما أقادا من العمال . وممن رأى عليهم القود : الشافعى وأحمد واسحق بن راهوية . ٤٣٧٠ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقال الشافعى فى رواية الربيع: وروى من حديث عمر أنه قال ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى القود من نفسه ، وأبا بكر يعطى القود من نفسه، وأنا أعطى القود من نفسي)) احتج به الشافعى فى القصاص في دون النفس. - ٣٣٥ - عليه وسلم يَقْسِمُ قَسَماً أقبل رجلٌ فأكَبَّ عليه ، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعُرْجُونٍ كان معه ، فجُرحَ بوجهه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَعَلَ، فَاسْتَقِدْ فقال: بل عَفَوتُ يارسول الله )) وقد تقدم حديث النعمان بن بشير، وقوله لمدعى السرقة ((إن شئتم أن أضربهم فان خرج منه علم، وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم ، فقالوا : هذا حكمك ؟ فقال : هذا حكم الله ورسوله» . وروى النسائى من حديث محمد بن هلال عن أبيه عن أبى هريرة قال (( كنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد، فإذا قام قمنا، فقام يوما وقمنا معه، حتى إذا بلغ وسط المسجد أدركه أعرابي ، فيذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خشناً ، فمر رقبته . قال : يا محمد، احمل لى على بعيرى هذين، فإنك لا تحمل من مالك ولا من مال أبيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ، وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى تقيدنى مما جبذت برقبشى، فقال الأعرابى: لا والله لا أقيدك، فلما سمعنا قول الأعرابى أقبلنا إليه سراعا، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : عزمت على من سمع كلامى أن لا يبرح مقامه ، حتى آذن له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من القوم: يافلان، احمل له على بعير شعيراً، وعلى بعير تمراً ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انصرفوا)) ترجم عليه القود من الجبذة ، ورواه أبو داود . وروى النسائى أيضاً من حديث سعيد بن جبير أخبرنى ابن عباس (( أن رجلا وقع فى أب كان له فى الجاهلية ، فلطمه العباس ، فجاء قومه ، فقالوا: لتلطمنه كما لطمه، فلبسوا السلاح، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم ، فصعد المنبر ، فقال: أيها الناس، أى أهل الأرض تعلمون أكرم على الله ؟ قالوا : أنت ، قال : فإن العباس مني، وأنا منه ، لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا، فاء القوم ، فقالوا: يارسول الله ؛ نعوذ بالله من غضبك، استغفر لنا)) وترجم عليه القود من اللطمة . وروى النسائى أيضاً حديث أبى سعيد المتقدم وقال « بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا بيننا إذا كب عليه رجل فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه ، فصاح الرجل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعال فاستقد ، فقال الرجل : بل عفوت يارسول الله)) وترجم عليه القود من الطعنة . وفى الصحيحين عن عائشة قالت (( لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه، فأشار - ٣٣٦ - وأخرجه النسائى . ٤٣٧١ -وعن أبى نَضْرة، عن أبى فراس قال ((خطبنا عمرُ بن الخطاب رضى الله أن لا تلدونى ؛ فقلنا : كراهة المريض للدواء ، فما أفاق قال : لا يبقى أحد منكم إلا لد ، وأنا أنظر ، إلى العباس ، فانه لم يشهد » . ومن بعض تراجم البخارى عليه « باب القصاص بين الرجال والنساء فى الجراحات)). وفى الباب حديث أسيد بن حضير (( أن النى صلى الله عليه وسلم طعنه فى خاصرته بعود ، فقال : اصبرنى ، فقال: اصطبر ، قال : إن عليك قیصاً ، وليس على قميص ، فرفع النی صلى الله عليه وسلم عن قميصه . فاحتضنه، وجعل يقبل كشحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله)) رواه أبو داود فى كتاب الأدب ، وسيأتى هناك إن شاء الله تعالى. ((واصبرني)) أى أقدنى من نفسك و ((اصطبر)) أى استقد. والاصطبار: الاقتصاص. يقال : أصبرته بقتيله : أقدته منه . وذكر النسائى من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة (( أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً ، فلاحاه (١) رجل فى صدقته ، فضربه أبو جهم ، فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: القود يارسول الله، فقال، لكم كذا وكذا فلم يرضوا به ، فقال: لكم كذا وكذا ، فرضوا به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم، قالوا : نعم ، خطب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن هؤلاء أنونى يريدون القود ، فعرضت عليهم كذا وكذا، فرضوا ، قالوا : لا ، فهم المهاجرون بهم ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا ، فكفوا، ثم دعاهم فقال: أرضيتم ؟ قالوا : نعم ، قال : فانى خاطب على الناس ومخبرهم رضاكم، قالوا : نعم، خطب الناس ، ثم قال : أرضيتم ؟ قالوا : نعم )) وترجم عليه : السلطان يصاب على يده . فصل وقد اختلف الناس فى هذه المسألة - وهى القصاص فى اللطمة والضربة ونحوها، مما لا يمكن المقتص أن يفعل بخصمه مثل مافعله به من كل وجه - هل بسوغ القصاص فى ذلك ، أو يعدل إلى عقوبته بجنس آخر ، وهو التعزير ؟ على قولين . أصحهما : أنه شرع فيه القصاص ، وهو مذهب الخلفاء الراشدين ، ثبت ذلك عنهم ، حكاه (١) لاحاء : نازعه وجاذبه وخاصمه . - ٣٣٧ - عنه فقال: إنِّى لم أبَعَتْ عُمَّالى ليضربوا أبْشَارَكم، ولا ليأخُذوا أموالكم، فمن فُعَلَ به غير ذلك فَلَيَرْفَعْه إلى. أَقَصُّه منه ، قال عمرو بن العاص : لو أن رجلا عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجانى فى المترجم ، ونص عليه الإمام أحمد فى رواية الشالنجى وغيره ، قال شيخنا رحمه الله: وهو قول جمهور السلف. والقول الثانى: أنه لا يشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعى ومالك وأبى حنيفة، وقول المتأخرين من أصحاب أحمد ، حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه . وليس كما زعم ، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه. ١ فانه ثبت عن الخلفاء الراشدين ، ولا يعلم لهم مخالف فيه . ومأخذ القولين : أن الله تعالى أمر بالعدل فى ذلك ، فبقى النظر فى : أى الأمرين أقرب إلى العدل ؟ . فقال المانعون: الماثلة لا تمكن هنا، فكأن العدل يقتضى العدول إلى جنس آخر ، وهو التعزير ، فان القصاص لا يكون إلا مع المائلة ؛ ولهذا لا يجب في الجرح حتى ينتهى إلى حد ، ولا فى القطع إلا من مفصل، لتمكن الماثلة ، فإذا تعذرت فى القطع والجرح صرنا إلى الدية . فكذا فى اللطمة ونحوها ، لما تعذرت صرنا : إلى التعزير . قال المجوزون : القصاص فى ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل من التعزير أما الكتاب: فإن الله سبحانه قال (٤٠:٤٢ وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقال (٢: ١٩٤ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) . ومعلوم : أن الماثلة مطلوبة بحسب الإمكان ، واللطمة أشد مماثلة للطمة ، والضربة للضربة من التعزير لها ، فإنه ضرب فى غير الموضع، غير مماثل لا فى الصورة ، ولا فى المحل ، ولا فى القدر، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين ، فصرتم إلى أعظم تفاوتاً منه ، بلا نص ولا قياس . قالوا : وأما السنة: فما ذكرنا من الأحاديث فى هذا الباب ، وقد تقدمت ، ولو لم يكن فى الباب إلا سنة الخلفاء الراشدين لكفى بها دليلا وحجة . قالوا : فالتعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية ، ولا قدرها ، بل قد يعزره بالسوط والعصا، ويكون إنما ضربه بيده أو رجله ، فكانت العقوبة بحسب الإمكان فى ذلك أقرب إلى العدل الذى أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله . قالوا : وقد دل الكتاب والسنة فى أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل م ٢٢ - مختصر السنن - ج ٦ ، - ٣٣٨ - أَدَّبَ بعض رَعِيَّته أتقِّصُه منه؟ قال: إى، والذى نفسى بيده إِلا أُقِصُّه منه، وقد رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقَصَّ من نفسه)» وأخرجه النسائى. فى الخير والشر، كما قال تعالى (٨٧: ٢٦ جزاء وفاقا) أى: وفق أعمالهم، وهذا ثابت شرعاً وقدراً . أما الشرع : فلقوله تعالى (٤٥:٥ وكتبنا عليهم فيها : أن النفس بالنفس ، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن ، والسن بالسن، والجروح قصاص )) فأخبر سبحانه : أن الجروح قصاص ، مع أن الجارح قد يشتد عذابه إذا فعل به كما فعل ، حتى يستوفى منه . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه رضخ رأس اليهودى)) كما رضخ رأس الجارية وهذا القتل قصاص ، لأنه لو كان لنقض العهد أو الحرابة لكان بالسيف ، ولا يرضخ الرأس ولهذا كان أصح الأقوال : أنه يفعل بالجانى مثل مافعل بالمجنى عليه ، ما لم يكن محرماً لحق الله ، كالقتل باللواطة ، وتجريع الخمر ونحوه ، فيحرق كما حرق ، ويلقى من شاهق كما فعل، ويخنق كما خنق، لأن هذا أقرب إلى العدل . وحصول مسمى القصاص وإدراك الثأر ، والتشفى، والزجر المطلوب من القصاص . وهذا مذهب مالك والشافعى، وإحدى الروايات عن أحمد . قالوا : وأما كون القصاص لا يجب فى الجرح حتى ينتهى إلى حد ، ولا فى الطرف حتى ينتهى إلى مفصل، لتحقق المائلة - : فهذا إنما اشترط لئلا يزيد المقتص على مقدار الجناية، فيصير المجنى عليه مظلوماً بذهاب ذلك الجزء، فتعذرت المائلة ، فصرنا إلى الدية ، وهذا بخلاف اللطمة والضربة، فإنه لو قدر تعدى المقتضى فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون التعزير مع أن ألمه يكون أضعاف ألم اللطمة، والبرد من سن الجانى مقدار ما كسر من سن المجنى عليه ، مع شدة الألم ، وكذلك قلع سنه وعينه أو نحو ذلك لا بد فيه من زيادة ألم ليصل المجنى عليه إلى استيفاء حقه، فهلا اعتبرتم هذا الألم المقدرة زيادته في اللطمة والضربة ، كما اعتبرتموه فيما ذكرنا من الصور وغيرها؟. قال المانعون : كما عدلنا فى الإتلاف المالى إلى القيمة ، عند تعذر الماثلة ، فكذلك ههنا ، بل أولى لحرمة البشرة ، وتأكدها على حرمة المال . قال المجوزون : هذا قياس فاسد من وجهين . أحدهما : أنك لا تقولون بالمائلة فى إتلاف المال، فإنه إذا أتلف عليه ثوباً لم تجوزوا أن - ٣٣٩ - وأبو فراس: قيل: هو الربيع بن زياد بن أنس الحارثى . وقيل : كنيته أبو عبد الله. وقيل : أبو عبد الرحمن . وسئل أبو زرعة الرازى عن أبى فراس يتلف عليه مثله من كل وجه ، ولو قطع يده أو قتله لقطعت يده وقتل به ، فعلم الفرق بين الأموال والأبشار ، ودل على أن الجناية على النفوس والأطراف يطلب فيها المقاصة بما لا يطلب فى الأموال . والثانى : أن من هو الذى سلم لكم أن غير المكيل والموزون يضمن بالقيمة لا بالنظير ، ولا إجماع فى المسألة ولا نص؟ بل الصحيح : أنه يجب المثل فى الحيوان وغيره، بحسب الإمكان كما ثبت عن الصحابة فى جزاء الصيد : أنهم قضوا فيه بمثله من النعم بحسب الإمكان ، فقضوا فى النعامة ببدنة ، وفى بقرة الوحش ببقرة ، وفى الظى بشاة ، إلى غير ذلك. قال المانعون : هذا على خلاف القياس )) فيصار إليه اتباعاً للصحابة ، ولهذا منعه أبو حنيفة وقدم القياس عليه ، وأوجب القيمة . قال المجوزون : قولكم: إن هذا على خلاف القياس : فرع على صحة الدليل الدال على أن المعتبر فى ذلك هو القيمة ، دون النظير ، وأنتم لم تذكروا على ذلك دليلا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ، حتى يكون قضاء الصحابة بخلافه على خلاف القياس ، فأين الدليل ؟ . . قال المانعون : الدليل على اعتبار القيمة فى إتلاف الحيوان دون المثل: أن النبى صلى الله عليه وسلم (( ضمن معتق الشقص إذا كان موسراً بقيمته)) ولم يضمنه نصيب الشريك بمثله . فدل على أن الأصل هو القيمة فى غير المكيل والموزون . قال المجوزون : هذا أصل ما بنيتم عليه اعتبار القيمة فى هذه المسائل وغيرها ، ولكنه بناء على غير أساس ، فإن هذا ليس مما نحن فيه فى شىء ، فإن هذا ليس من باب ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو من باب تملك مال الغير بالقيمة ، كتملك الشقص المشفوع بثمنه ، فإن نصيب الشريك يقدر دخوله فى ملك المعتق ، ثم يعتق عليه بعد ذلك ، والقائلون بالسراية : متفقون على أن يعتق كله على ملك المعتق ، والولاء له . دون الشريك . واختلفوا: هل يسرى العتق عقب إعتاقه ، أو لا يعتق حتى يؤدى الثمن؟ على قولين الشافعى، وهما فى مذهب أحمد، قال شيخنا: والصحيح : أنه لا يعتق إلا بالأداء. وعلى هذا ينبني : ما إذا أعتق الشريك نصيبه بعد عتق الأول وقبل وزن القيمة ، فعلى الأول : لا يعتق عليه ، وعلى الثانى: يعتق عليه ، ويكون الولاء بينهما . وعلى هذا أيضاً : ينبنى ما إذا قال أحدهما : إذا أعتقت نصيبك فنصبى حر، فعلى القول الأول ٠ - ٣٤٠ - هذا - الذى روى عن عمر، وروى عنه أبو نضرة؟ فقال: لا أعرفه. وقال الحافظ أبو أحمد الكراسى: ولا أعرف أبا نَضْرة روى عن الربيع لا يصح هذا التعليق، ويعتق كله فى مال المعتق . وعلى القول الثانى: يصح التعليق، ويعتق نصيب الشريك من ماله . فظهر أن استدلالكم بالعتق استدلال باطل ، بل إنما يكون إتلافا إذا قتله، فلو ثبت لكم بالنص أنه ضمن قاتل العبد بالقيمة دون المثل : كان حجة ، وأتى لكم بذلك ؟ . قالوا: وأيضاً فالفرق واضح بين أن يكون المتلف عيناً كاملة أو بعض عين . فلو سلمنا أن التضمين كان تضمين إتلاف لم يجب مثله فى العين الكاملة . والفرق بينهما : أن حق الشريك في العين التى لا يمكن قسمتها فى نصف القيمة مثلا أو ثلثها ، فالواجب له من القيمة بنسبة ملكه ، ولهذا يجبر شريكه على البيع إذا طلبه ليتوصل إلى حقه من القيمة، والنبى صلى الله عليه وسلم راعى ذلك ، وقوم عليه العبد قيمة كاملة ، ثم أعطاه حقه من القيمة ، ولم يقوم عليه الشقص وحده ، فيعطيه قيمته . فدل على أن حق الشريك فى نصف القيمة . فإذا كان كذلك فلو ضمنا المعتق نصيب الشريك بمثله من عبد آخر لم تجبره على البيع إذا طلبه شريكه ، لأنه إذا لم يكن له حق فى القيمة بل حقه فى نفس العين فقه باق منها . قالوا : فظهر أنه ليس معكم أصل تقيسون عليه ، لامن كتاب ولا سنة ، ولا إجماع . وقد ثبت فى الصحيح (( أن النبى صلى الله عليه وسلم اقترض بكراً وقضى خيراً منه)) واحتج به من يجوز قرض الحيوان، مع أن الواجب فى القرض رد المثل، وهذا يدل على أن الحيوان مثلى . ومن العجب أن يقال: إذا افترض حيواناً رد قيمته ، ويقاس ذلك على الإتلاف والغصب فيترك موجب النص الصحيح لقياس لم يثبت أصله بنص ولا إجماع ، ونصوص أحمد : أن الحيوان فى القرض يضمن بمثله . وقال بعض أصحابه: بل بالقيمة ، طرداً للقياس على الغصب . واختلف أصحابه فى موجب الضمان فى الغصب والإتلاف على ثلاثة أوجه . أحدها : أن الواجب القيمة فى غير المكيل والموزون . والثانى : الواجب المثل فى الجميع . والثالث: الواجب المثل فى غير الحيوان ، ونص عليه أحمد فى الثوب والقصعة ونحوهما . ونص عليه الشافعى فى الحدار المهدوم ظما يعاد مثله ، وأقول الناس بالقيمة : أبو حنيفة ، ومع