النص المفهرس
صفحات 201-220
- ٢٠١ - ٤١٩٧ - وعن أبى بَرْزة - واسمه : نَضْلة بن عبيد وقيل غير ذلك رضى الله عنه- قال ((كنت عند أبى بكر رضى الله عنه. فتَغَيَّظَ على رجل، فاشْتَدَّ عليه ، فقلت تأذنُ لى ياخليفةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أضربْ عُنُقَه؟ قال: فأذهبتْ كَلِى غَضَبَه. فقام فدخل. فأرسل إلىَّ، وقال: ما الذى قلتَ آنفاً؟ قلت : اثْدَنْ لى أضرب عنقه، قال: أكنتَ فاعلاً، لو أمرتُك؟ قلت: نعم، قال: لا . والله ما كانت لِبَشَرِ بعد محمدٍ صلى اللّه عليه وسلم)) وأخرجه النسائى. قال أحمد بن حنبل ، فى معنى هذا الحديث: أرى أنه لم يكن لأبى بكر أن يقتل رجلا إلا باحدى الثلاث التى قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس )) وكان للنبى صلى الله عليه وسلم أن يقتل . وقال غيره: فيه دليل على أن التعزير ليس بواجب . وللامام أن يعزر فيما يستحق به التأديب. وله أن يعفو ولا يفعل ذلك. ويحتمل أن يقال : إن تغيّظه واشتداده عليه تعزير مثله . وفيه حجة على ذلك (١)] ٤١٩٨ - قلت : أخبربى الحسن بن يحيى عن ابن المنذر قال : قال أحمد بن حنبل فى معنى هذا الحديث (( أى لم يكن لأبى بكر أن يقتل رجلاً إلا بإحدى الثلاث التى قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان ، وقتل نفس بغير نفس . وكان للنبى صلى الله عليه وسلم أن يقتل)). قلت : وفيه دليل على أن التعزير ليس بواجب. وللامام أن يعزر فيما يستحق به التأديب . وله أن يعفو فلا يفعل ذلك . (١) من هامش الأصل ويشبه كلام المنذرى . - ٢٠٢ - باب فى المحاربة [٢٢٧:٤] ٤١٩٨ - عن أنس بن مالك رضى الله عنه ((أن قوماً من حُكْلٍ، أو قال: من غُرَينة، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَاجْتَوَوا المدينَة، فَأَمَر لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِلَقَاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا ، فلما صَثُوا قتلوا راعىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا النََّ ، فبلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَبرُهم من أول النهار، فأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم فى آثارهم، فما ارتفعَ النهارُ حتى چِىء بهم ، فأمر بهم : فقطعتْ أيديهم وأرجلُهم . وسَر أعينهم، وأُلقوا فى الحَرَّة يَسْتَسْقون فلا يُسْقَون)). قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا ، وقتلوا ، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله )). [ (سمر أعينهم)) بالميم المخففة. وقيدها بعضهم بالتشديد. والأول: أوْجَه، يعنى كلهم بمسامير محماة . و ((سمل)) باللام والراء. قيل: هما بمعنى واحد . والراء تبدل من اللام. وقيل : باللام: فقؤها بشوك أو غيره. وقيل: بحديدة محماة تَدنى من العين ، حتى ٤١٩٨ - قوله ((فاجتووا المدينة)) معناه عافوا المقام بالمدينة. وأصابهم بها الجَوَى فى بطونهم . يقال : اجتويت المكان: إذا كرهت الاقامة به لضرر يلحقك فيه . واللقاح ذوات الدَّرِّ من الإبل واحدتها : لَقْحة . قوله ((سمر أعينهم)) يريد أنه كحَلهم بمسامير محماة. والمشهور من هذا فى أكثر الروايات ((سمل)) باللام ، أى فقأ أعينهم . قال أبو ذؤيب: سُمِلَت بِشَوْك. فهى ◌ُور تَدْمَعُ فالمین بعدمے کان حِداقها - ٢٠٣ - يذهب نظرها. وعلى هذا تتفق مع رواية من قال: بالراء ، وقد تكون هذه الحديدة مسمارا. وكذلك أيضا: قد يكون فقؤها بالمسمار. وسملها به، كما يُفعل ذلك بالشوك . ٠ وقوله ((وما حسمهم)) الخْم: كيُ العِرْق بالنار، لينقطع الدم. قيل: لم يحسمهم النبى صلى الله عليه وسلم لأن قتلهم كان واجبا بالردة . فلا يحسم من تَطْلَب نفسُه. فان حسمَ نفسه لم يُمنع. وأما من وجب عليه قطع يد: فالعلماء مجمعون على أنه لابد من حَسْمها. لأنه أقرب إلى البُرْءِ وأبعد من التلف. و ((القافة)) جمع القائف. وهو ههنا الذى يتبع الآثار ويعرفها، ويطلب الضالّة والهارب . والقائف أيضا : الذى يعرف الأشباه : فيعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه . و ((يكدم الأرض)» يتناولها بفيه، ويَعَضُّ عليها بأسنانه. والكَدْم: العض بأدنى الفم . يقال : كَدَمه يَكْدمه ويكدمه. وروى فى الحديث ((فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إبل الصدقة)) وفى رواية (( ما أجِدُ لكم إلا أن تلحقوا يابل رسول الله صلى الله عليه. وسلم، فأتوها )) وفى الحديث من الفقه: أن إبل الصدقة قد يجوز لأبناء السبيل شرب ألبانها . وذلك أن هذه اللقاح كانت من إبل الصدقة ، روى ذلك فى هذا الحديث من غير هذا الطريق . حدثناه ابن الأعرابى حدثنا الزعفرانى حدثنا عمر حدثنا حماد حدثنا حميد وقتادة وثابت عن أنس - فذكر القصة - وقال ((فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إبل الصدقة)). وفيه إباحة التداوى بالمحرم عند الضرورة . لأن الأبوال كلها نجسة من مأكول اللحم وغير مأكولَه . - ٢٠٤ - والروايتان صحيحتان. ووجه الجمع : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له إبل من نصيبه من المغنم. وكان يشرب لبنها . وكانت ترعى مع إبل الصدقة ، فأخبر مرة عن إبله، ومرة عن إبل الصدقة . وتَرَكُ سقى النبى صلى الله عليه وسلم لهم الماء عقوبةٌ لمّا جازَوْا سَقِيَ النبى صلى الله عليه وسلم اللبنَ بالردة والحِرابة . أراد أن يعاقبهم على كفر هذا السقى بالإعطاش . وروى عن سعيد بن المسيَّب ـ وذكر هذا الحديث - فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((عَطْشَ الله من عَطْش آل محمد الليلة(١))) فكان ترك سقيهم إجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم. و ((عكل)) - بضم العين المهملة وسكون الكاف وبعدها لام - قبيلة نسبت إلى ◌ُكْل ، وهى امرأة حَضَنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مَناة بن أُدّ بن طابِخَةَ ، فغلبت عليهم . فنسبوا إليها . و ((عرينة)) بطن من تجيلة. وهى بضم العين وفتح الراء المهملتين، وسكون الياء آخر الحروف ، وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث . و((اجتووا المدينة)) أصابهم الجوَى. وهو داء الجوف إذا تطاول. وقيل: ((اجتووها)) استوبلوها واستوخموها. وجاء ذلك مفسرا. ومعناه: كرهوها للمرض الذى أصابهم بها. ومنهم من فرق بين ((اجتووا)) و ((استوبلوا)) جعل ((اجتووا)) كرهوا الموضع، وان وافق و ((استوبلوا)) إذا لم يوافقهم. (١) وهذا - والله أعلم - بعيد. لأن النبى صلى الله عليه وسلم لا يدعو على ضيفه. وما كان يعلم الغيب . -٢٠٥ - و((اللقاح)) ذوات الألبان من الإبل. واحدها لقحة - بكسر اللام وفتحها . وقيل : إنما يقال لقحة: بعد شهر أو شهرين، أو ثلاثة بعد ولادتها. ثم هى بعد ذلك لبون . وقد روى عن سليمان التيمى عن أنس بن مالك قال ((إنما سمل النبى صلى الله عليه وسلم أعين العرنيين ، لأنهم سملوا أعين الرعاء، رعاء النبي صلى الله عليه (١) وسلم (١)]. ٤١٩٩ - وفى رواية: ((فَأَمَرَ بمسامير فَأْخِيَتْ، فَكَحَلَهُمْ، وقطَعَ أيديهم وأرجلهم، وما حسّمَهم )). ٤٢٠٠ - وفى رواية: ((فبعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى طلبهم قَافَةً. قال: فأُتِىَ بهم، قال: فأنزل الله تبارك وتعالى فى ذلك (٥: ٣٣ إنما جَزَاء الذين يُحاربونَ الله ورسولَه ويَسْعَون فى الأرض فساداً - الآية)). ٤٢٠٠ - ((القافة)) جمع القائف. وهو الذى يتبع الأثر، ويطلب الضالة والهارب. قلت : وقد اختلف الناس فيمن نزلت فيهم هذه الآية . فرُوى مدرجاً فى هذا الخبر: أنها نزلت فى هؤلاء، وقد ذكر أبو قلابة (( أن هؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله)). وذهب الحسن البصرى أيضاً : إلى أن الآية إنما نزلت فى الكفار دون المسلمين. وذلك : أن المسلم لم يحارب الله ورسوله . وقال أكثر العلماء: نزلت الآية فى أهل الإسلام ، والدليل على ذلك قوله (٥: ٣٤ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) والإسلام يَحقِنُ الدم قبل القدرة وبعدها. فعلم أن المراد به المسلمون. (١) ما بين المربعين كان بطيارة ملحقة بأصل المنذرى. وهى أشبه بكلام المنذرى - ٢٠٦ - وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ٤٢٠١ - وعن ثابتٍ وقتادة ومُحميد، عن أنس بن مالك - ذكر هذا الحديث - فقال أنس ((لقد رأَيْتُ أحدَم يَكْدِمُ الأرضَ بِيهِ عَطَشًا، حتى ماتوا)). وأخرجه مسلم من حديث حميد الطويل وعبد العزيز بن صُهيب عن أنس. وأخرجه البخارى تعليقا من حديث قتادة عن أنس . وأخرجه الترمذى عن ثلاثتهم . فأما قوله ((يحار بون الله ورسوله )) فمعناه يحار بون المسلمين الذين هم حزب الله وحزب رسوله . فأضيف ذلك إلى الله وإلى الرسول ، إذ كان هذا الفعل فى الخلاف لأمرها راجعاً إلى مخالفتهما، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث القدسى ((من آذى لى ولياً فقد بارزته بالمحاربة)) . ٤٢٠١ - قوله ((يكلم الأرض)) أى يتناولها بفمه، ويعض عليها بأسنانه، وأصل الكدم: العض، والعرب تقول فى قِلّة المرعى: ما بقيت عندنا إلا كدامة ترعاها الإبل. أى مقدار ما تتناوله بمقاديم أسنانها . وقد اختلف الناس في تأويل هذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روى عن ابن سيرين : أن هذا إنما كان منه قبل أن تنزل الحدود . وعن أبى الزناد أنه قال: (( لما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم أنزل الله الحدود. فوعظه ونهاه عن المثْلَة. فلم يعد)). قلت: وروى سليمان التيمى عن أنس ((أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما سمل أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة» . حدثفيه الحسن بن يحيى عن أبى المنذر عن الفضل بن سهل الأعرج عن يحيى بن غيلان عن يزيد بن زريع عن سليمان التيعى . يريد أنه إنما اقتص منهم على مِثال فعلهم . مـ - ٢٠٧ - وأخرجه النسائى من حديث قتادة وثابت . وأخرجه ابن ماجة من حديث حُميد عن أنس . ٤٢٠٢ - وعن قتادة ، عن أنس بن مالك ، بهذا الحديث ، نحوه ، زاد فيه: ((ثم نهى عن المُثْلَة)). وأخرجه النسائى . ٤٢٠٣ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما ((أن ناسًا أغاروا على إبل النبى صلى الله عليه وسلم. فاستاقوها ، وارْتَدَّوا عن الإسلام . وقتلوا راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً، فبعثَ فى آثارِمٍ، فأُخذوا، فقطعَ أيديهم وأَرجَلَهم، وسَمَلَ أعينهم ، قال : ونزلت فيهم آية المحاربة ، وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الحجّاج حين سأله )) . وأخرجه النسائى . ٤٢٠٤ - وعن أبى الزِّناد ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطعَ الذين سرقوا لِقَاحَهُ، وَسَلَ أَعِينَهم بالنار، عائَهُ الله تعالى فى ذلك، فَأَنْزِلَ الله تعالى (٣٣:٥ إنما جَزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويَدْعَوْنَ فى الأرض فساداً أن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيديهم وأَرْجُهم من خلافٍ، أو يُنْفَوْا) الآية)). ٤٢٠٣ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: قد ذكر مسلم فى صحيحه عن أنس قال « إنما سمل التى صلي الله عليه وسلم أعين أولئك، لأنهم سملوا أعين الرعاء)) وذكر ابن إسحق : أن هؤلاء كانوا قد مثلوا بالراعى ، فقطعوا يديه ورجليه ، وغرزوا الشوك فى عينيه ، فأدخل المدينة ميتاً على هذه الصفة. وترجمة البخارى فى صحيحه تدل على ذلك، فانه سلقه فى باب (( إذا حرق المسلم، هل يحرق؟)) فذكره . وذكر البخارى أيضاً أنهم كانوا من أهل الصفة ، وذكر أنه لم يحسمهم حتى ماتوا . - ٢٠٨ - وهذا مرسل . وأخرجه النسائى مرسلا . ٤٢٠۵ - وعن محمد بن سیرین، قال: « کان ھذا قبل أن تنزل الحدود - يعني حديث أنس )). ٤٢٠٦ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أَو تَقْطَعَ أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوا من الأرض - إلى قوله - غفور رحيم). نزلت هذه الآية فى المشركين، فمن تابَ منهم قبلَ أن يَقْدَرَ عليه لم يمنعه ذلك أن يُقامَ فيه الحدّ الذى أصابه )) . وأخرجه النسائى. وفى إسناده : على بن الحسين بن واقد . وفيه مقال . باب فى الحد يُشفع فيه [٢٣٠:٤] ٤٢٠٧ - عن عائشة رضى الله عنها ((أَنَّ قُرَيْشَا أَعْمَّهَمْ شأنُ المخزوميةِ التى سَرقتْ فقالوا: مَنْ يُكَلِم فيها ؟ تعنى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - قالوا: ومَنْ مـ ٤٢٠٧ - إنما أنكر عليه الشفاعة فى الحد: لأنه إنما تَشْفَّع إليه بعد أن بلغ ذلك رسول الله صلى عليه وسلم ، وارتفعوا إليه فيه ، فأما قبل أن يبلغ الإمام فإن الشفاعة جائزة ، والستر على المذنبين مندوب إليه . وقد روى ذلك عن الزبير بن العوام ، وابن عباس رضى الله عنهما . وهو مذهب الأوزاعى . وقال أحمد بن حنبل: تَشَفّع فى الحد مالم يبلغ السلطان . -------- -- - ٢٠٩ - يَحَتَرِىء إلا أسامةُ بن زيد، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلَّه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا أُسَامَة، أَتَشْفَعُ فِى حَذٍ منْ حدود الله؟ ثم قام، فاخْتَطَبَ ، فقال: إنماَ هَلَكُ الذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهُمُ الشَّرِيفُ تَرَ كُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَأَيْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَدٍ سَرَفَتْ لَقَطَمْتُ يَدَهَا)) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٤٢٠٨ - ومنها رضى الله عنها، قالت ((كانت امرأةٌ خْزومية(١) تَسْتَعير المتاعَ وَجْحَده، فأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقطع يدها - وقَصَّ نحو حديث الليثِ، يعنى الحديث الذى قبله - قال (( فقطعَ النبى صلى الله عليه وسلم يدها)) وأخرجه مسلم . وقال مالك بن أنس: من لم يُعرف بأذى الناس. وإنما كانت تلك منه زَلَّةً فلا بأس أن يشفع له ، مالم يبلغ الإمام. وفيه دليل: على أن القطع لا يزول عن السارق بأن يوهب له المتاع ، ولو كان ذلك مسقطاً عنه الحد لأشبه أن يطلب أسامة إلى المسروق منه أن يَهَبَه منها. فيكون ذلك أعود عليها من الشفاعة . ٤٢٠٨ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه اللّه حديث المخزومية ثم قال: وهذا الحديث قد ذهب إليه الإمام أحمد وإسحق . وأعل بعض الناس الحديث بأن معمراً تفرد من بين سائر الرواة بذكر ((العارية)» ١ فى هذا الحديث . وأن الليث ويونس وأيوب بن موسى رووه عن الزهرى، وقالوا ((سرقت)) ومعمر لا يقاومهم. قالوا: ولو ثبت ، فذكر وصف العارية إنما هو للتعريف المجرد لا أنه سبب القطع. (١) المخزومية هذه: هى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، عمها أبو سلمة رضى الله عنه. م ١٤ - مختصر السنن -ج ٦ ----------- - ٢١٠ - قال أبو داود : روى ابنُ وهب هذا الحديث عن يونس عن الزهرى ، وقال فيه، كما قال الليث ((إن امرأةً سرقت فى عَهْدِ النبى صلى الله عليه وسلم فى غَزْوةِ الفَتح)» وحديث ابن وهب - هذا - الذى علقه أبو داود: أخرجه البخارى ومسلم والنسائى. وقال أيضا : ورواه الليث عن يونس عن ابن شهاب ، بإسناده ، فقال (( استعارت امرأة)). وهذا الذى علقه أيضا: قد ذكره البخارى تعليقا ، ولم يذكر لفظه . فأما تعليله بما ذكر : فباطل . فقد رواه أبو مالك عمرو بن هاشم الجنى الكوفى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ( أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتقب هذه المرأة إلى الله ورسوله ، و ترد ما تأخذ على القوم - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يابلال نفذ بيدها ، فاقطعها)) ذكره النسائى ، ورواه شعيب بن إسحق عن عبيد الله عن نافع بنحوه سواء، ذكره النسائى أيضاً وقال فيه «لتتب هذه المرأة، ولتؤدى ماعندها، حراراً، فلم تفعل . فأمر بها فقطعت) وهو يبطل قول من قال: إن ذكر هذا الوصف للتعريف المجرد . ورواء سفيان عن أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت «كانت مخزومية تستعير متاعاً وتجحده، فرفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلم فيها، فقال : لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها)) ذكره النسائى. ورواه بشر بن شعيب: أخبرنى أبى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت ((استعارت امرأة - على ألسنة أناس يعرفون؛ وهى لا تعرف - حلياً، فاعته وأخذت منه، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث - وقال في آخره: ثم قطع تلك المرأة)) ذكره النسائى أيضاً . ورواء هشام عن قتادة عن سعيد بن يزيد عن سعيد بن المسيب (( أن امرأة من بني مخزوم استعارت حلياً على لسان أناس ، جحدته ، فأمر بها النبى صلى الله عليه وسلم فقطعت)) ذكره النسائي أيضاً . - ٢١١ - وقال أبو داود أيضا: وروى مسعود بن الأسود عن النبى صلى الله عليه وسلم نحو هذا الخبر، قال ((سَرَقَتْ قطيفةً من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وهذا الذى علقه أيضا قد أخرجه ابن ماجة فى سننه . وفى إسناده محمد ابن إسحاق بن يسار . وقد تقدم الكلام عليه . وقال أبو داود أيضا: ورواه أبو الزبير عن جابر (( أن امرأة سرقت ، فعادَتْ بزينبَ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . هكذا ذكر عن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكر مسلم فى صحيحه والنسائى فى سننه من حديث أبى الزبير عن جابر «فعادت بأم سامة زوج النبي صلى الله عليه وسلم » ويحتمل أن تكون ماذت بهما . فذكر مرة إحداهما . وذكر مرة الأخرى . والله عز وجل أعلم . فقد صح الحديث ولله الحمد . ولا تنافى بين ذكر جحد العارية وبين السرقة، فان ذلك داخل فى اسم السرقة . فان هؤلاء الذين قالوا (« إنها جحدت العارية)» وذكروا أن قطعها لهذا السبب، قالوا : ((إِنها سرقت)) فأطلقوا على ذلك اسم السرقة. فثبت لغة أن فاعل ذلك سارق ، وثبت شرعاً أن حده قطع اليد . وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس فى اللغة . فيثبت كون الخائن سارقاً لغة ، قياساً على السارق ، ثم يثبت الحكم فيه . وعلى ما ذكرناه: يكون تناول اسم السارق للجاحد لغة ، بدليل تسمية الصحابة له سارقاً . ونظير هذا سواء: ما تقدم من تسمية نبيذ التمر وغيره خمراً، لغة لا قياسا. وكذلك تسمية النباش سارقا . وأما قولهم: إن ذكر جحد العارية للتعريف، لا أنه المؤثر: فكلام فى غاية الفساد ، لو صح مثله - وحاشى ، وكلا - لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على الأوصاف، وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يردون بمثلها السنن، وإنما يسلكها بعض المقلدين من الأتباع. ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمى سارقاً لكان قطعه بهذا الحديث جارياً على وفق القياس. ---- --- ---- ---- ! : - ٢١٢ - [ ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية إلى ظاهره . وقال : من استعارَ ما يجب فيه القطع ، ثم جَحَده : فعليه القطع . وخالفهم أهل المدينة والشافعى وأهل الكوفة ، وجمهور العلماء. وقالوا : لا قطع فى المستعير . واحتجوا بحديث الليث بن سعد المذكور أولَ هذا الباب. وفيه ((التى سرقت)) وتابع الليث على روايته يونس بن يزيد وأيوب بن موسى ، فروياه عن الزهري کرواية الليث . وقد قيل : إن معمر بن راشد تفرد بذكر العارية فى هذا الحديث من بين سائر الرواة . وقد ذكر أن بعضهم وافقه . لكنه لا يقاوم من ذكرناه. وقد قيل : إن ذكر العارية ههنا إنما هو على قصد التعريف بالمرأة ، لا على أن القطع كان بسبب ذلك . بدليل الأحاديث التى صرح فيها بسرقتها . وذهب جماعة من العلماء إلى أن الحد إذا بلغ الإمام : أنه يجب عليه إقامته. ولا يجوز الشفاعة فيه لهذا الحديث . فان ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، إذ يمكن الاحتراز من السارق بالإحراز والحفظ وأما العارية : فالحاجة الشديدة - التى تبلغ الضرورة - ماسة إليها، وحاجة الناس فيما بينهم إليها من أشد الحاجات . ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى وجوبها. وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين ، وأحد القولين فى مذهب أحمد . فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس ، وترك لباب هذا المعروف مفتوحاً وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فانه يفضى إلى سد باب العارية فى الغالب . وسر المسألة : أن السارق إنما قطع - دون المنتهب والمختلس - لأنه لا يمكن التحرز منه، بخلاف المنتهب والمختلس ، فإنه إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك . وقد ذكرنا أن العارية فيما بين الناس أمر تدعو إليه الحاجة ، فلا يمكن سده والاحتراز منه ، فكان قطع اليد فى جنايته كقطعها فى جناية السرقة ؛ وبالله التوفيق . -- ٢١٣ - وأجازاً كثر أهل العلم الشفاعة فى الحدود قبل وصولها إلى الإمام. وكره ذلك طائفة . وفرق مالك. فقال: لا بأس أن يشفع ما لم يبلغ الإمام . فأما من عُرف بشر وفساد فى الأرض فلا أحب أن يشفع له أحد . ولكن يترك حتى يقام عليه الحد . وقال بعضهم : إن الشفاعة فیما ليس فيه حد ، وليس فيه حق لآدمى . فاما هو التعزير ، نجائز عند العلماء، بلغ الإمام أم لا (١)] ٤٢٠٩ - وعن عائشة رضى الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أَقِلُوا ذَوِى الْهَيْئَتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّ الْحُدُودَ)) وأخرجه النسائى. وفى إسناده: عبد الملك بن زيد العدوى . وهو ضعيف الحديث. وذكر ابنُ عَدي: أن هذا الحديث منكر بهذا الإسناد، لم يروه غير عبد الملك بن زيد . قلت : وقد رُوى هذا الحديث من أوجه أخر ، ليس منها شىء يثبت . باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان [٢٣٢:٤] ٤٢١٠ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن ١ ٤٢٠٩ - قلت: قال الشافعى فى تفسير ((الهيئة)) مَنْ لم يظهر منه ريبة. وفيه دليل : على أن الإمام مخير فى التعزير، إن شاء عزر، وإن شاء ترك . ولو كان التعزير واجباً كالحد لكان ذو الهيئة وغيره فى ذلك سواء . (١) زيادة من هامش الأصل، أشبه بكلام المنذرى. وفى أصل المنذرى قبل حديث عائشة عنوان (( باب الستر على أهل الحدود )» وسيجىء هذا العنوان بعد باب - ٢١٤ - رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((تَفَرُوا الُْدُودَ فِيما بَيْنَكُمْ، فَا بَلَغَنِى مِنْ حَدٍ فَقَدْ وَجَبَ» وأخرجه النسائى. وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب . باب فى الستر على أهل الحدود [٤: ٢٣٣] .... ٤٢١١ - عن يزيد بن نعيم، عن أبيه ((أن ماعزاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأفرَّ عنده أَرْبَعُ مَرَّاتٍ ، فأمر بِرْجِهِ، وقال لَزَّال: لَوْ سَتَرْتَهُ بِشَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ)) .. وأخرجه النسائى ونعيم : هو ابن هزال الأسلمى. وقد قيل: لاصحبة له ، وإنما الصحبة لاییه، وصو به بعضهم (١) . وقد قيل: إن ((ما عزا)) لقب. واسمه : عُريب. (١) هزال ـ بفتح الهاء وتشديد الزاى وفتحها، وبعد الألف لام - أسلمى له صحبة. سكن المدينة . وكان مالك - أبو ماعز - قد أوصي هزالا بابنه ماعز. وكان فى حجره يكفله . وماعز بن مالك الأسلمى - هذا - معدود فى المدنيين. كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بإسلام قومه . روى عنه ابنه عبد الله بن ماعز حديثا واحدا . وذكر أبو القاسم البغوى : أن الذى كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا هو ماعز ، رجل آخر . غير صاحب الذنب . وأنه أبو عبد الله بن ماعز . وفى الرواة أيضاً ماعز التميمى، سكن البصرة. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أن رجلا سأل النى صلى الله عليه وسلم: أى الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد فى سبيله . ثم حجة بارة )) . وفى الحديث : الحض على ستر المسلم. وقد جاءت فيه أحاديث . وكلها محمول على المواضع التى يجوز الستر فيها . والمرأة التى وقع عليها ماعز. هى فاطمة جارية هزال . اهـ من هامش المنذرى . -- ٢١٥ - ٤٢١٢ - وعن ابن المنكدر - وهو محمد - ((أن هَزَّالاً أمرَ ماعزاً أن يأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فيخبره)» هكذا ذكره أبو داود عن ابن المنكدر عن هَزّال. وبعضهم يقول: إن بين هزال وبين ابن المنكدر: نعيم بن هزال . وذكر النَّمَرى: أن هزالا روى عنه ابنه ومحمد بن المنكدر حديثا واحدا، قال: ما أظن له غيره: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يا هزال لو سترته بردائك)» . وقال أبو القاسم البغوى: روى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثاً-وذكر له هذا الحديث . باب فى صالحب الحد يحمىء فيقر [٢٣٣:٤] ٤٢١٣ - عن علقمة بن وائل، عن أبيه (( أن امرأة خرجتْ على عهدِ النبى صلى الله عليه وسلم تريد الصلاةَ، فَتَلَقّاهَا رجلٌ، فَتَجَلَهَا ، فقضى حاجَتَه منها، فصاحَتْ ، وانطلق، ومَرَّ بها رجلٌ، فقالت: إنّ ذاك فعل كذا وكذا، ومَرَّت عِصابةٌ من المهاجرين ، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بى كذا وكذا ، فانطلقوا ، فَأَخذوا الرجلَ الذى ظَنَّت أنه وقع عليها ، فأتوها به ، فقالت : نعم، هو هذا ، فَأَتَوا به النبى صلى الله عليه وسلم ، فلما أمرَ به قام صاحبُها الذى وقعَ عليها ، فقال: يارسول الله، أنا صاحبُها، فقال لها: اذْهَبِى، فَقَدْ غَفَرَ اللهُلَكِ. وقال للرجل قولا حسناً، فقالوا للرجل الذى وقع عليها: ازُجْه. فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهلُ المدينة لُقُبل منهم » . وأخرجه الترمذى والنسائى . وقال الترمذى: حسن صحيح غريب . هذا آخر کلامه. - ٢١٦ - وعلقمة بن وائل بن حُجْر سمع من أبيه . وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل . وعبد الجبار بن وائل : لم يسمع من أبيه . هذا آخر كلامه . وأخرجه الترمذى وابن ماجة من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه بنحوه مختصراً . وقال الترمذى : غريب. وليس إسناده بمتصل . وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه ، وقال : سمعت محمداً - يعنى البخارى - يقول : عبد الجبار بن وائل بن حجر: لم يسمع من أبيه، ولا أدركه. يقال : إنه وُلِدَ بعد موت أبيه بأشهر. | فيه: دليل عَى جواز خروج النساء إلى المساجد، مع إمكان أن يصيبهن مثل هذا . وصياحها : يدل عَلَى جواز الشهرة عند الغلبة . وقوله: ((فأَتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أمر به ليُرْجم قام صاحبها)) قال بعضهم: وفى هذا حكمة عظيمة، وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أمر به ليرجم قبل أن يُقرّ بالزنى. أو يثبت، ليكون ذلك سبباً فى إظهار ذلك لنفسه، حين خشى أن يرجم . وهذا من غريب استخراج الحقوق . ولا يجوز ذلك لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم . لأن غيره لا يعلم من البواطن ما علم هو صلى الله عليه وسلم الظاهر والباطن له فى ذلك(١)]. باب فى التلقين فى الحد [٤: ٢٣٤] ٤٢١٤ - عن أبى المنذر مولى أبى ذر، عن أبى أمية المخزومى رضي الله عنه ((أن ٤٢١٤ - قلت: وجه هذا الحديث عندى - والله أعلم - أنه ظن بالمعترف بالسرقة غَفْلَة ، أو (١) زيادة من الهامش تشبه كلام المنذرى. ٠ ٠ .. - ٢١٧ - النبى صلى الله عليه وسلم أُتى بلصّ قد اعترف اعترافاً. ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا إِنَالُكَ سَرَقْتَ . قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر بهِ فَقُطِع، وجيء به. فقال: اسْتَغْفِرِ الله ، وَتُبْ إِلَيْهِ . فقال: أستغفر الله وأتوب إليه ، فقال: اللهُمَّ تُبْ عليه - ثلاثًاً)). ٤٢١٥ - وفى رواية: عن أبى أمية رجل من الأنصار عن النبى صلى الله عليه وسلم . وأخرجه النسائى وابن ماجة . وذكر الخطابى : أن فى إسناد هذا الحديث مقالا والحديث إذا رواه رجل مجهول: لم يكن حجة ، ولم يجب الحكم به . هذا آخر كلامه . يكون قد ظن أنه لا يعرف معنى السرقة. ولعله قد كان مالاً له، أو اختلسه ، أو نحو ذلك مما يخرج من هذا الباب عن معانى السرقة ، والمعترف به قد يحسب أن حكم ذلك حكم السرقة ، فوافقه رسول الله صلى الله عليه وسلم. واستثبت الحكم فيه ، إذ كان من سنته: أن الحدود تُدْرأ بالشبهات، وروى عنه أنه قال ((ادْرَؤُا الحدود ما استطعتم)) وأمرنا بالستر على المسلمين، فكره أن يهتكه ، وهو يجد السبيل إلى ستره . فلما تبين وجود السرقة منه يقيناً أقام الحد عليه ، وأمر بقطعه . على أن فى إسناد هذا الحديث مقالاً . والحديث إذا رواه رجل مجهول لم يكن حجة . ولم يجب الحكم به . وقد روى تلقين السارق عن جماعة من الصحابة ، وأتي عمر بن الخطاب رضى الله عنه. برجل، فسأله ((أسرقت؟ قل: لا. قال: فقال: لا. فتركه . ولم يقطعه)). وروى مثل ذلك عن أبى الدرداء وأبى هريرة رضى الله عنهما . وكان أحمد وإسحاق لا يريان بأساً بتلقين السارق إذا أتى به ، وكذلك قال أبو ثور :. إذا كان السارق امرأة أو مصعوفاً . - ٢١٨ - وكأنه يشير إلى أن أبا المنذر - مولى أبى ذر - لم يرو عنه إلا إسحاقُ بن عبد الله بن أبي طلحة من رواية حماد بن سلمة عنه . باب فى الرجل يعترف بحمد ولا يسميه | ٤ : ٢٣٤ ٤٢١٦ - عن أبى أمامة - وهو صُدَىّ بن عُجلان الباهلى رضى الله عنه - (( أن رجلا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنِّى أصبتُ حَدَاً فَأَقِه علىّ، قال: تَوَضَّأْتَ حِينَ أَقْبَلْتَ؟ قال: نعم، قال: هَلْ صَلَيْتَ مَعَنَاَ حِيْنَ صَلَيْنَا؟ قال: نعم. قال: اذْهَبْ فإِنَّ اللهَ تَعَلَى قَدْعَفَا عَنْكَ)). وأخرجه مسلم والنسائى مختصراً ومطولا . وقد أخرجه البخارى ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ، وسيأتى فى الجزء الذى بعد هذا إن شاء الله . وهذا الرجل هو أبو اليَسَر كعب بن عمرو الأنصارى الشُّلمي . باب فى الامتحان بالضرب [٢٣٥:٤] ٤٢١٧ - عن أزهر بن عبد الله الحرازى ((أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْكِلاَعِيِّينَ سُرقَ لهم متاع، فأَّهموا أناساً من الحاكَة ، فأتوا النعمان بن بشير صاحب النبى صلى الله عليه وسلم، حبسهم أيامً، ثُمْ خَلَى سَبِيلَهم، فأتوا النعمان، فقالوا: خَلَّيت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان ، فقال النعمان: ما شِئْتُمْ، إن شنّم أَنْ أَصْرِبَهُم ، فإن خرج متاعكم فذاك، وإلا أخذتُ من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم، فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وأخرجه النسائى . وفى إسناده بقية بن الوليد. وفيه مقال . - ٢١٩ - باب ما يقطع فيه السارق |٢٣٥:٤ ٤٢١٨ - عن عمرة، عن عائشة رضى الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَقْطَعُ فِىِ رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعداً)). وأخرجه البخاري ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٤٢١٩ - وعن عروة وعَمْرة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِ رُبْعِ دِينَارٍ فصاعِداً)» قال أحمد بن صالح : القطع فى ربع دينار فصاعداً . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى . ٤٢٢٠ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَطَعَ ، فِ مَنّ ثمنه ثلاثةَ دِرامٍ » . ٤٢١٨، ٤٢١٩ - قوله ((القطع فى ربع دينار فصاعداً)) معناه القطع: الذى أوجبه الله فى السرقة إنما يجب فيما بلغ منها ربع دينار. وكان مورده مورد التهديد، ولذلك عَرَّفه بالألف واللام ، ليعقل أنه إشارة إلى معهود . ؟ وهذا الحديث هو الأصل فيما يجب فيه قطع الأيدى ، وبه تعتبر السرقات ، وإليه ترد قيمتها ، ما كانت : من درام أو متاع أو غيرها . وروى ذلك عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وعائشة رضى الله عنهم. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الأوزاعى والشافعى رحمهم الله . وفيه إبطال مذهب أهل الظاهر فيما ذهبوا إليه من إيجاب القطع فى الكثير والقليل ، وهو مذهب الخوارج . ٤٢٢٠ - قلت: وذهب مالك إلى هذا، وجعل الحد فيما يجب فيه القطع ثلاثة دراهم ، ورد إليها قِيَم السرقات ، ما كانت: ذهباً، أو متاعاً، أو ما كان من شىء . - ٢٢٠ - وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ٤٢٢١ - وعنه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قطَعَ يَدَ رَجُلٍ سَرَقَ ثُرْساً من صُفّةِ النساء، ثمَنُهُ ثلاثةُ درامٍ ». ء وأخرجه مسلم والنسائى بمعناه . ٤٢٢٢ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: ((قطعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدَ رجل فى حَجَنّ ، قيمتُهُ دينار، أو عشرة دراهم)). وقال أحمد بن حنبل: إن سرق ذهباً فبلغ ربح دينار قطع ، وإن سرق فضة كان مبلغها ثلاثة دراهم قطع. وإن سرق متابعاً بلغ قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم، قولاًبالخبرين معاً. قلت : المذهب الأول فى رد القيم إلى ربع الدينار: أصح . وذلك أن أصل النقد فى ذلك الزمان الدنانير ، فجاز أن يُقَوَّم بها الدراهم . ولم يجز أن يُقَوَّم الدنانير بالدراهم، ولهذا كُتب فى الصكوك قديماً ((عشرة دراهم وزن سبعة)) فصرفت الدراهم بالدنانير وحصرت بها ، والدنانير لا يختلف فيها اختلاف الدراهم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ ((خذ من كل حالم ديناراً)). وقد روى عن عثمان بن عفان رضى الله عنه: أنه ((قطع سارقً فى أَنْزُجَّةَ قُوِّمت ثلاثة دراهم من صرف اثنى عشر درهماً )). فدل على أن العبرة للذهب . ومن أجل ذلك قومت الدراهم بها . فقيل : من صرف اثنى عشر درهماً بدينار . وأما تقويم الجَنّ بالدراهم : فقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن الشىء التافه قد جرت العادة بتقويمه بالدراهم ، وإنما تقوم الأشياء النفيسة بالدنانير . لأنها أنفس النقود وأكرم جواهر الأرض . فتكون هذه الدرام الثلاثة التى هى ثمن المجن قد تبلغ قيمتها ربع دينار. والله أعلم . ٤٢٢٢ - قلت: وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وجعلوه حداً فيما يقطع فيه اليد . وهو قول سفيان الثورى . ٢