النص المفهرس

صفحات 181-200

: - ١٨١ -
فَخْلِ بَيْسَان، وعين زُغَرَ ، قال: هو المسيح، فقال لى ابنُّ أبى سلمة: إن فى هذا
الحديث شيئًا ما حفظته، قال: شهد جابرٌ أنه ابن صَيَّد، قالت: فانه قد مات،
قال: وإن مات، قلت : فانه أسلم، قال : وإن أسلم، قلت : فانه دخل المدينة
قال: وإن دخل المدينة)).
فى إسناده: الوليد بن عبد الله بن ◌ُيع الزهرى الكوفى، احتج به مسلم
فى صحيحه. وقال الإمام أحمد ويحيى بن معين: ليس به بأس . وقال عمرو بن
على: كان يحيى بن سعيد لا يحدثنا عن الوليد بن ◌ُيع . فلما كان قبل وفاته بقليل
حدثنا عنه . وقال محمد بن حبان البُسْتى: تفرد عن الأثبات بما لم يشبه حديث
الثقات. فلما ◌ُخَش ذلك منه بطل الاحتجاج به .
وذكره أبو جعفر العُقيلى فى كتاب الضعفاء . وقال ابن عدى الجرجانى:
وللوليد بن مُجميع أحاديث . وروى عن أبى سلمة عن جابر. ومنهم من يقول:
عنه عن أبى سلمة عن أبى سعيد الخدرى حديث الجساسة بطوله ، ولا يرويه غير
الوليد بن مجميع هذا .
خبر ابن صائد [٢١٠:٤]
٤١٦٢ - عن سالم، عن ابن عمر رضى الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
مَرَّ بابن صائِّدٍ فى نَفَرِ من أصحابه ، فيهم عمر بن الخطاب ، وهو يَلْعَبُ مع
٤١٦٢ - قال الشيخ: (( الآطم)) بناء من الحجارة مرفوع كالقصر. وآطام المدينة حصونها.
عند رواق البيت يغشى الدخا
و((الدخ)) الدخان، وقال الشاعر:
وقد اختلف الناس فى ابن صياد اختلافاً شديداً ، وأشكل أمره . حتى قيل فيه
كل قول .
وقد يسأل عن هذا . فیقال : کیف یقر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعى

- ١٨٢ -
الثِلْمان عند أُمِ بنِي مَقَالَةَ(١)، وهو غُلام، فلم يشعر ، حتى ضربَ رسول الله
صلى الله عليه وسلم ظَهْرَه بيده . ثم قال: أتشهد أنى رسول الله؟ قال : فنظر
إليه ابنُ صياد ، فقال: أشهد أنك رسولُ الْأُمُّين ، ثم قال ابن صياد للنبي
صلى الله عليه وسلم : أتشهد أنى رسول الله ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
آمنت بالله ورسله . ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم : ما يأتيك؟ قال : يأتينى
صادق وكاذب ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: خُلِطَ عَلَيكَ الأمر ، ثم قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى قَدْ خَتَأْتُ لَكَ خَبِيثَةً، وخبأ له (١٠:٤٤ يوم
تأتى السماء بدُخانٍ مُبين) قال ابن صياد : هو الذُّخُ ، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: اخْسَأْ . فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَك. فقال عمر: يا رسول الله ، ائْذَنْ لى
فَأضرِبَ عُنُقَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنْ يَكُنْ فَلَنْ تُسَلْطَ
عليه - يعنى الدجال - وإلَّ يَكُنْ فلا خير فى قتله)).
النبوة كاذباً ، ويتركه بالمدينة يساكنه فى داره ، ويجاوره فيها؟ وما معنى ذلك ؟ وما وجه
امتحانه إياه بما خبأه له من أنه الدخان ? وقوله بعد ذلك ((اخساً فلن تعدو قدرك))
والذى عندى : أن هذه القصة إنما جرت معه أيام مهادنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
اليهود وحلفائهم . وذلك أنه بعد مَقْدَمه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاباً صالحهم فيه
على أن لا يهاجوا ، وأن يتركوا على أمرهم ، وكان ابن صياد منهم ، أو دخيلاً فى جملتهم .
وكان يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرُه وما يدعيه من الكهانة ، ويتعاطاه من
الغيب. فامتحنه صلى الله عليه وسلم بذلك ليزوِّر به أمره. ويخبرُ شأنه . فلما كلمه علم أنه
مبطل، وأنه من جملة السحرة أو الكهنة ، أوممن يأتيه رِئىٌّ من الجن، أو يتعاهده شيطان
فَيُلْقى على لسانه بعض ما يتكلم به. فلما سمع منه قوله ((الدخ)) زبره. فقال ((اخسأً فان
(١) ((الأطر)) الحصون المرتفعة، أو البيوت العالية. و((بنو مغالة)) من الأنصار.
ومغالة : امرأة نسبوا إليها .

- ١٨٣ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى، وليس فى حديثهم ((وخبأ له (يوم
تأتى السماء بدخان مبين))).
والإسناد الذى خرَّجه به أبو داود رجاله ثقات .
قال بعضهم : كيف ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعى
النبوة كاذباً بالمدينة يساكنه ويجاوره ؟
قيل : إنما جرى هذا معه أيام مهادنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
اليهود وحلفائهم . وكان ابن الصياد منهم ، أو دخيلا فى جملتهم .
وقيل : إنما لم يقتله لأنه كان غلاماً صغيراً فى ذلك الوقت يلعب مع
الصبيان ، كما قارب الحلم.
تعدو قدرك)). يريد أن ذلك شيء اطلع عليه الشيطان فألقاه إليه ، وأجراه على لسانه .
وليس ذلك من قبل الوحى السماوى . إذ لم يكن له قدر الأنبياء الذين أوحى الله إليهم من
علم الغيب ، ولا درجة الأولياء الذين يلهمون العلم ، فيصيبون بنور قلوبهم ، وإنما كانت
له تارات يصيب بعضها ويخطىء فى بعض، وذلك فى معنى قوله (( يأتينى صادق وكاذب ))
فقال له عند ذلك (( قد خلط عليك)).
والجملة : أنه كان فتنة قد امتحن الله به عباده المؤمنين ، ليهلك من هلك عن بينة ،
ويحيى من حَى عن بينة ، وقد امتحن قوم موسى عليه السلام فى زمانه بالعجل ، فاقتتن به
قوم، وهلكوا ، ونجامن هداه الله وعصمه منهم .
وقد اختلفت الروايات فى أمره ، وما كان من شأنه بعد كبره .
فروى أنه قد تاب عن ذلك القول ، ثم إنه مات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه
كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس ، وقيل لهم : اشهدوا .
وروى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أنه قال: ((شتمت ابن صياد فقال:
ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يدخل الدجال مكة . وقد حججت
معك؟ . وقال: لا يولد له، وقد ولد لى؟)).
۔۔

- ١٨٤ -
ولم يأت أنه ادعى مثل هذا بعد بلوغه . بل نشاً بعد على الإسلام . وظهرت
ء
منه علامات الخير .
وترجم الطبرى وغيره عليه فى تراجم الصحابة .
واختلف الناس فى أمره بعد كبره .
فقيل : تاب ومات بالمدينة . ووُقِفٍ على عينه هناك. وقد فقد فى الحرة ،
كما ذكر فى الأصل .
وكان عمر وجابر يحلفان بالله: أنه الدجال كما هو مذكور فى الأصل .
وقال بعضهم : كان فتنة امتحن الله به عباده المؤمنين، ليهلك من هلك
عن بيِّة ويحيى من حَيَّ عن بينة .
٤١٦٣ - وعن نافع، قال: كان ابن عمر يقول ((والله ما أَشَكَّ أن المسيحَ
الدجال ابنُ صياد)).
٤١٦٤ - وعن محمد بن المنْكَدِر، قال ((رأيتُ جابر بن عبد الله يحلف بالله :
أن ابن صائد الدجالُ ، فقلت: نحلف بالله؟ فقال: إِنِى سمعت عمرَ يحلفُ على
ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يُنْكِرُهُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم )) .
وكان ابن عمر وجابر بن عبد الله رضى الله عنهما فيما روى عنهما « يحلفان أن ابن صياد
هو الدجال . لا يشكان فيه، فقيل لجابر: إنه أسلم فقال: وإن أسهم ، فقيل: إنه دخل مكة
وكان بالمدينة ، قال: وإن دخل ٠)) .
وقد روى عن جابر أنه قال ((فقدنا ابن صياد يوم الخَرَّة)).
قلت : وهذا خلاف رواية من روى أنه مات بالمدينة . والله أعلم .

- ١٨٥ -
وأخرجه البخارى ومسلم .
٤١٦٥ - وعن سالم - وهو ابن أبى الحمد - عن جابر - وهو ابن عبد الله رضى الله
عنهما - قال ((فَقَدْنَ ابنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الحُرَّةِ(١))).
٤١٦٦ - وعن العلاء - وهو ابن عبد الرحمن - عن أبيه، عن أبى هريرة
رضى الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
يَخْرُجَ ثلاَثُونَ دَجََّلُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ الله)) .
٤١٦٧ - وعن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلاثُونَ كَذَابَا دَجَّالاً.
كُلُّهُمْ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ وَى رَسُولِهِ)).
٤١٦٨ - وعن إبراهيم - وهو ابن يزيد النخعى - قال: قال عَبِيدَة السَّلْمانى
- بهذا الخبر - قال: فذكر نحوه، فقلت له: ((أترى هذا منهم؟ يعنى المختارَ،
فقال عبيدة(٢): أَمَا إِنه من الرءوس)).
وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث : جابر بن سمرة رضى الله عنه .
(١) الحرة : حجارة سود بين جبلين - ويحيط بالمدينة حرتان - ويوم الحرة: يوم مشهور
من أيام يزيد بن معاوية . كان فى ذى الحجة سنة ثلاث وستين من الهجرة . وسميت الحرة حرة :
لشدة حرها ووهج الشمس فيها .
١
١٠٠
(٢) عبيدة - بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة - وهو ابن عمرو. ويقال ابن قيس
السلمانى الكوفى : أسلم فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره وسلمان - بفتح السين
المهملة وسكون اللام . وقد تحرك. والأول المشهور - حى من مراد على المشهور.
والمختار: هو ابن أبى عبيد الثقفى. ولد عام الهجرة. وليست له صحبة. وكان - كما قيل
فيه -: المختار غير مختار. وله أخبار غير مرضية جداً. كنيته أبو إسحاق. وأبوه: أبو عبيد،
اسمه مسعود. وكان من جملة الصحابة . وأخته: صفية بنت أبى عبيد امرأة عبد الله بن عمر
بن الخطاب . كانت امرأة صالحة .
!
٤
!

- ١٨٦ -
قال: سمعترسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إن بين يدى الساعة كذّابين))
وفى رواية: قال جابر ((فاحذروم)).
باب الأمر والنهى [٢١٣:٤]
٤١٦٩ - عن أبى عبيدة - وهو ابن عبد الله بن مسعود - عن عبد الله بن مسعود
رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن أولَ ما دَخَل النقصُ
على بنى إسرائيلَ : كان الرجُل يلَى الرجُلَ فيقولُ له: اتَّقِ الله، وَدَعْ مَا تَصْنَعْ.
فإنَّه لَا يَحِلُّ لَكَ، ثم يُلْقَاهُ مِنَ الْفَدِ. فَلاَ مِنْتُهُ ذلك أن يكونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ
وقَعِيدَهُ . فلما فعلوا ذلك ضربَ الله ◌ُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْض . ثم قال:
(٥ : ٧٨ لمن الذين كفروا مِنْ بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم
- إلى قوله - فاسقون) ثم قال: كَلاَّ والله، لَتَأْمُرُنَّ بِالمعرُوف، ولَتَنْهَوُنَّ عَنْ
الْمُشْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَىِ الظَّالِ، أوَ لَتَأْطِرُنْهُ عَلَى الْقِّ أَطْرًا،أَوَلَقْصُرُنَّهُ
عَلَى الحقِّ قَصْرًا)).
٤١٧٠ - وفى رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم، بنحوه، زاد ((أو لَيَضْربَنَّ
اللهُ بُقُلُوبٍ بَعْضِكُم على بعضٍ، ثم ◌َلْتَنَّكُمْ كمالعنهمْ)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة. وقال الترمذى : حسن غريب . وذكر
٤١٦٩ - قال الشيخ: قوله ((لتأطرنه)) معناه: لتردنه عن الجور، وأصل الأطر : العطف
أو الثّنى . ومنه تأطّر المصی ، وهو تثنيه ، قال عمر بن أبى ربيعة :
خَرَجَتْ تَأَطَّر فى الثياب كأنها أَنْمُ تسنت عن كثيب أَهْيلا (١)
(١) ((الأيم)) الحية اللطيفة. و((تسنت)) أى علت وارتفعت. وفعلها ((سنا))
((الكثيب) مااجتمع من الرمل واحدودب، و (أهيل)) أفعل تفضيل من الانهيال. هذا
وفى الديوان ((ريح)) مكان ((أيم)).
١

- ١٨٧ -
أن بعضهم رواه عن أبى عبيدة عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا .
وأخرجه ابن ماجة أيضاً مرسلا .
وقد تقدم أن أباعبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. فهو منقطع
٤١٧١ - وعن قيس - وهو ابن أبى حازم - قال: قال أبو بكر - بعد أن حمد الله
وأثنى عليه - يأيها الناسُ، إنكم تقرؤن هذه الآية، وتضمونها على غير موضعها
(٥: ١٠٥ عليكم أنفسكم لا يَضُرَكَم مَنْ ضَلَّ إذا اهتديتم) قال عن خالد - وهو
الطحان - وإنا سمعنا النبى صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم،
فلم يأخذوا عَلَى يديه: أوشَكَ أن يَعُمَّهم الله بعقاب - وقال عمرو - وهو ابن عون -
عن هشيم : وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما مِنْ قَوْمِ
يُعْمَلُ فيهم بالمعاصى ، ثم يَقدروا على أن يُغَيِّروا . ثم لا يغيروا إلا يُوشِك أن
يَعُنَّم الله منه بعقاب)).
٤١٧٢ - وفى رواية: ((ما مِنْ قَوْم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصى هم أكثرُ ممن يَعْمَلُه)).
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه . وقال الترمذى : حسن
صحيح . وذكر أن بعضهم رواه مرفوعا . وبعضهم رواه عن أبى بكر قولَه ـ
ولم يرفعوه.
٤١٧٣ - وعن ابن جرير ، عن جرير - وهو ابن عبد الله البجلی رضى الله عنه -
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ما مِنْ رجُلٍ يكون فى قوم
يُعْمَل فيهم بالمعاصى يقدرونَ على أنْ يُغيّروا | عليه. فلا يغيروا] إلا أصابهم الله
بعقابٍ من قَبْل أن يموتوا)).
ابن جرير - هذا - لم يسم. وقد روى: المنذرى بن جرير عن أبيه أحاديث.
واحتج به مسلم .

- ١٨٨ -
٤١٧٤ - وعن أبى سعيد الخدری رضى الله عنه ،قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول ((مَنْ رأَى مُنكَراً فاسْتطاعَ أن يُغْرِهُ بيده فلْيُغَيِّرْه بيده)).
وقطع هَنَّاد - وهو ابن السَّرى - بقية الحديث - يعنى وأتى به محمد بن العلاء
أبو كريب بتمامه - ((فإن لمْ يستطِعْ فبلسانه ، فإن لم يستطِعِ بلسانه فبقلبهِ،
وذلك أضعفُ الإِيمان)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة مختصراً ومطولا .. وقد
تقدم فى كتاب الصلاة .
٤١٧٥ - وعن أبى أمية الشَّعبانى(١) - واسمه يُحْمِدِ(٢)، شامى - قال ((سألت
أبا ثعلبة اُشَفيَّ فقلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول فى هذه الآية (٥: ١٠٥ عليكم
أَنْفُسَكٍ) ؟ قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: بل اثْتَِرِوا بالمعروفِ، وتَنَهَوْا عن المنكَرَ ، فإذا
(١) ((الشعبانى)) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة، وبعدها باء بواحدة، وبعد
الألف نون : منسوب إلى شعبان بن عمرو بن قيس قبيلة من حمير . واسم شعبان : حان .
وسمى شعبان : لأنه مات ودفن بموضع يدعى : ذا شعبين . وقيل: صعبة . جبل باليمن، وهو
ذو شعبين نزله حسان هذا وولده . فنسبوا إليه. فمن كان منهم بالكوفة يقال لهم : شعبيون .
منهم عامر الشعبي . ومن كان بالشام يقال لهم : شعبانيون . ومن كان بمصر والغرب يقال لهم:
الأشعوبة . ومن كان باليمن يقال لهم : آل ذى الشعبين. وكلهم يريد شعبان هذا .
وقيل : إن عامراً الشعبى منسوب إلى شعب همدان . اهـ من هامش المنذرى.
(٢) ((محمد)) بضم الياء آخر الحروف، وسكون الحاء المهملة وبعدها ميم مكسورة ودال
مهملة . هكذا قيده الأمير أبو نصر وغيره وقيده بعضهم بفتح الياء .
((والخشنى)) منسوب إلى خشين. بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين وياء آخر الحروف
ساكنة ونون . وهو خشين بن النمر بن وبرة ، بطن من قضاعة ، وعامتهم بالشام، وفى
فزارة أيضاً : خشينى . اهـ . من هامش المنذرى .
م

- ١٨٩ -
رأيتَ شُغَّا مِطَاعًا، وهَوَّى مَتْبَعَاً، ودنيا مؤْثَرَةً ، وإعجَبَ كلِّ ذى رأَى بِرَأْيِهِ
فَعَلَيْكَ - يعنى بنفسك - وَدَعْ عَنْكَ المَوَامَّ. فانّ مِنْ ورائِكُمْ أيامِ الصَبْرِالصَّبْرُ فيها
مثْل قَبْضٍ على الجمر ، للعامل فِيهِمْ مثل أجْر ◌َمْسِين رجلاً يعملون مثل عمله -
وزادنى غيره قالوا: يارسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم))
وأخرجه الترمذى وابن ماجة ، وقال الترمذى : حسن غريب .
وأبو ثعلبة: اسمه جرثوم. وأبو أمية: اسمه يُحْيِد . هذا آخر كلامه .
وفى اسم أبي ثعلبة اختلاف كثير. قيل: جرثومة . وقيل : جُرُ . وقيل:
عمرو. وقيل: الأَشَر. وقيل: الأشَقُّ. وقيل : غير ذلك .
وفى اسم أبي أمية اختلاف . قيل فيه: ناشر، وناشب، وجرهم . وقيل :
غير ذلك .
وفى حديث الترمذى: قال عبد الله بن المبارك ((وزادنى غير عتبة - وذكر
ما تقدم))
وعتبة - هذا - هو أبو العباس: عتبة بن أبى حكيم الهمدانى الشامى. وثقه
غیر واحد . وتكلم فيه غير واحد .
٤١٧٦ - وعن عمارة بن عمرو - وهو عمارة بن عمرو بن حزم الأنصارى
النجّارى المدنى - عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما . أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال ((كَيفَ بكم ◌ِزَمَانٍ - أو يُوشِكَ أنْ يَأْتِىَ زَمَن يُغُربَلُ
النَّاسُ فِيهِ غَرِيلة (١)، تبقى حُثالةٌ مِنَ الناس، قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهْ وَأَماناتهمْ،
(١) أى يذهب بخيارهم ، ويبقى أراذلهم، كما يفعل من يغربل الطعام بالغربال. والمغربل:
المنتقى . كأنه نقى بالغربال ، ويجوز أن يكون من الغربلة . وهى: القتل . ومنه :
تقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له
أيدى الملوك عنده مغربلة

- ١٩٠ -
وَاخْتلفُوا، فَكانوا هكذا - وشبك بين أصابعه - فقالوا: كيف بنا يارسول الله؟
قال: تَأْخُذونَ ما تَعِرِفون، وَتَذَرونَ ما تُنِْكِرونَ، وَتُقْبِلونَ عَلَى أَمْرِ خَاصّتكم
وتَذَرُونَ أمرَ عَامْتِكْ)) .
وأخرجه النسائى .
٤١٧٧ - وعن عكرمة -مولى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما - عنه،قال ((بينما
نحن حَوْلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الفتنة، فقال: إذَا رَأَيُم الناسَ
قَدْ مَرَجتْ ◌ُهودهمْ، وَخَفَّتْ أمَاناتهمْ وكانوا هكذا - وشبك بين أصابعه - قال:
فقمتُ إليه ، فقلت : كيف أفعل عند ذلك ، جعلني الله فِداك ؟ قال : الْزُمْ بيتكَ
وَامْلِكْ عليكَ لِسانكَ، وخُذْ بِا تَعَرفُ، وَدَع ما تُنكر. وَعَليك بِأمرِ خَاصَةٍ
نَفَسك، ودعْ عَنكَ أمرَ العَامّة)).
وأخرجه النسائى .
وفى إسناده: هلال بن خَبَّب أبو العلاء، وثقه الامام أحمد ويحيى بن معين
وقال أبو حاتم الرازى : ثقة صدوق. وكان يقال : تغير قبل موته من كبر السن.
وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد .
وقال أبو جعفر العقيلى: كوفى، فى حديثه وَمَ. وتغير بأخَرِةٍ ، وذكر
له هذا الحديث .
٤١٧٨ - وعن عطية العَوْفى، عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال:
٤١٧٨ - قال الشيخ : إنما صار ذلك أفضل الجهاد، لأن من جاهد العدو، وكان متردداً بين
رجاء وخوف لا يدرى: هل يَغْلِبَ أَو يُغْلَبِ؟ وصاحب السلطان مقهور فى يده ، فهو إذا
قال الحق، وأمره بالمعروف، فقد تعرَّض للتلف، وأهدف نفسه للهلاك ، فصار ذلك أفضل
أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف. والله أعلم.
:

- ١٩١ -
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أفضلُ الجِهادِ: كلمةَ عَدْل عِندَ سُلطان جاْ،
أو أمير جائر)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب من هذا
الوجه . هذا آخر كلامه .
وعطية العوفى: لا يحتج بحديثه .
٤١٧٩ - وعن عدى بن عدى ، عن العُرس - وهو ابن عميرة الكندى - عن
النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إذا عملتِ الخِطيئة فى الأرض كانَ مَنْ شهِدهَا
فَكَرِهَها - وقال مرة: أنكرها - كانَ كمِنْ غَابَ عَنْهاَ. ومَنْ غابَ عَنْها
فَرَضِيهاَ كانَ كمن شهدها)).
٤١٨٠ - وعن عدى بن عدى، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، نحوه ، قال
(( من شهدها فكرهَهَا كانَ كمنْ غابَ عَنها))
وهذا مرسل .
٤١٨١ - وعن أبى البَخْتَرى - وهو سعيد بن فيروز الطائى - قال: أخبر نى مَنْ
سمع النبي صلى الله عليه وسلم - وقال سليمان، وهو ابن حرب - قال :
حدثنى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال ((لَنْ يَهْلِكَ الناسُ حتى يَعْذِروا، أَوْ يُعْذِروا، مِنْ أَنْفُسِهِمْ» .
٤١٨١ - قال الشيخ: فسره أبو عبيد فى كتابه ، وحكى عن أبى عبيدة أنه قال : معنى
((يعذروا)) أى تكثر ذنوبهم وغيو بهم ، قال: وفيه لغتان، يقال: أعذر الرجل إعذاراً
إذا صار ذا عيب وفساد ، قال : وكان بعضهم يقول: عذر يعذر بمعناه، ولم يعرفه الأصمعى .
قال أبو عبيد: وقد يكون يَعذِروا - بفتح الياء - بمعنى يكون لمن بعدهم العذر فى ذلك
والله أعلم .
:٠

- ١٩٢ -
[باب قيام الساعة(١) ] [ :: ٢١٩]
٤١٨٢ - وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال (صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذاتَ ليلةٍ صلاةَ العشاء فى آخر حياته ، فلما سلم قام. فقال: أَرَأَ يُمْ لَيْتَكَم
هذه ؟ فان عَلَى رأسِ مائةٍ سَنَةٍ منها لا يبقى ممن هو على ظَهْرِ الأرض أحد .
قال ابن عمر : فَوهِلَ الناسُ من مَقالةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك . فيما
يَتَحَدَّثُونَ عن هذه الأحاديث عن مائة سنةٍ ، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض، يريد أَنْ يَنْخَرِمِ ذلك القَرْن)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
قد أخرج مسلم فى صحيحه ((أن أبا الطفيل، عامر بن واثلة - آخر من
مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأن وفاته : كانت سنة مائة
من الهجرة)).
وذكر غيره : أن أبا الطفيل مات سنة عشر ومائة . وكان تَخَّم ذلك القرن
فى هذا التاريخ، كما أخبر صلى الله عليه وسلم(٣)].
٤١٨٣ - وعن أبى ثعلبة الخشنى، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( لَنْ يَعجزَ الله هذِهِ الأمَّةَ مِنْ نِصْفِ يَوم)).
٤١٨٤ - وعن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، أنّ النبى صلى الله عليه وسلم قال
((إنى لَأَرجو أنْ لا تعجزَ أمَّتِى عِنْدَرَبّها: أنْ يُؤَخِرَمْ نِصْفَ يَوْم. قيل لسعد:
وكم نصف ذلك اليوم؟ قال: خمسمائة سنة)).
((آخر كتاب الملاحم)»
(١) العنوان زيادة من رواية ابن داسة .
(٢) من هامش المنذرى . وهو أشبه بكلام المنذى .

- ١٩٣ -
أول كتاب الحدود
الحكم فيمن ارتد [٢٢٢:٤]
٤١٨٥ - عن عكرمة أن عليا رضى الله عنه ((أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام،
فبلغ ذلك ابنَ عباس ، فقال: لم أكن لأَحَرِّفَهُم بالنار، إن رسول الله صلى الله
٤١٨٥ - قوله ((ويح ابن عباس)) لفظه لفظ الدعاء عليه. ومعناه المدح له والاعجاب
بقوله. وهذا كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أبى بصير(١): ((ويل أمِّه مُسْعِرُ
حَرْبٍ» وكقول عمر رضى الله عنه، حين أعجبه قول الوادعى فى تفضيل سُهمان الخيل على
المفاريف(٢) ((هَبَلَت الوادعيَّ أمه، اقد أُذْ كَرَتْ به)) يريد ما أعلمه، أو ما أصوب رأيه ،
أو ما أشبه ذلك من الكلام. وكقول الشاعر :
هوت أمه ما يبعث الصبحُ غادياً وماذا يرد الليلُ حين يُؤوب
ويقال: ويح، وقَيْس: بمعنى واحد. وقيل ((ويح)) كلمة رخمة. وروى ذلك عن
الحسن .
وقد اختلف الناس فيما كان من على رضى الله عنه فى أمر المرتدين .
فروى عكرمة : أنه أحرقهم بالنار .
وزعم بعضهم: أنه لم يحرقهم بالنار، ولكنه حفر لهم أسرابًا ودَخْن عليهم واستتابهم،
فلم يتوبوا حتى قتلهم الدخان .
(١) أبو بصير: هو عتبة بن أسيد التقفى، حليف بنى زهرة، كان مستضعفا محبوسا بمكة.
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية . فأرسل أهل مكة رجلين إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليرداه ، خرجا به حتى إذا كان بذى الحليفة خدع أحدهما حتى أخذ سيفه
فضرب به عنقه ، ورجع الآخر يشتد حتى أتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((ويل أمه مسعر حرب)) وفى رواية ((ويل أمه محش حرب )» ثم لحق
أبو بصير بسيف البحر - فى قصة طويلة فى أسد الغابة وغيره من كتب السير .
(٢) المقرف من الخيل: الهجين الذى أمه برذونة وأبوه عربى ، أو بالعكس.
م ١٣ - مختصر السنن - ج ٦

- ١٩٤ -
عليه وسلم قال: لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ الله. وكنتُ قاتِلَهُمْ بقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منْ بَدَّل دِينهُ فاقتلوه . فبلغ
ذلك عليا رضى الله عنه . فقال: وَيْحَ امِ ابن عباس )»
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة مختصرا ومطولا .
٤١٨٦ - وعن عبد الله - وهو ابن مسعود رضى الله عنه - قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((لاَ يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، يَشْهد أنْ لا إله إلّ الله، وَأنى
رسول الله ، إلا بإحْدَى ثلاث: الثّيِّبُ الزَّانى. والنَّفْسُ بالنفسِ، والتاركُ لدينه
المفارقُ الجماعةِ)»
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٤١٨٧ - وعن عائشة رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
واحتج أهل الرواية الأولى بقول الشاعر فيهم :
ما أنشدنا ان الأعرابى عن أبى مَيْسرة عن الحميدى عن سفيان بن عيينة عن بعضهم
فى هذه القصة :
إذا لم ترم بى فى الحَضْرتين
لِقَرْم بىَ المنايا حيث شاءت
فذاك الموتُ نَقْداً غير دين
إذا ما قَرَّبوا حطباً وناراً
زعموا: أنه حَفَر لهم حفراً وأشعل النار، وأمر أن يرمى بهم فيها .
واختلف أهل العلم فيمن قتل رجلاً بالنار، فأحرقه بها : هل يفعل به مثل ذلك أم لا ؟
فقال غير واحد من أهل العلم : يحرق القاتل بالنار .
وكذلك قال مالك والشافعى وأحمد بن حنبل واسحق بن راهوية .
وروى معنى ذلك عن الشعبى وعمر بن عبد العزيز .
وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : يقتل بالسيف . وروى ذلك عن عطاء .
----- --
٤١٨٧ - قلت: فى هذا الحديث دلالة على أن الإمام بالخيار فى أمر المحار بين بين أن يقتل ،
أو يصلب ، أو ينفى من الأرض .
:
، --
------- --

- ١٩٥ -
((لا يَحِلُّ دم مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا
بإحدى ثلاث: رجل زَنى بعد إحْصانٍ ، فإنه يُرْجَم، ورجل خرج محاربًا لله
ورسوله. فإنه يُقْلُ، أو يُصْلَبُ، أَو ◌ُنْفَيِ من الأرض، أو يَقْلُ نفساً فيُقتل بها))
ء
وأخرجه النسائى .
٤١٨٨ - وعن حميد بن هلال قال : حدثنا أبو بُردة ، قال: قال أبو موسى
رضى الله منه ((أقبلتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ومعى رجلان من الأشْعَرِيِّن
وإلى هذا ذهب مالك بن أنس وأبو ثور .
وروى عن الحسن ومجاهد وعطاء والنخعى .
وقال الشافعى: تقام عليهم الحدود بقدر جناياتهم . فمن قتل منهم، وأخذ مالاً : قتل
وصلب. وإذا قتل، ولم يأخذ مالا: قتل ولم يصلب ، ودفع إلى أوليائه ليدفنوه . ومن أخذ
مالاً ولم يقتل: قُطعت يده اليُى ورجله اليسرى وخُلِّى، ومن حضر وهَيّب وكَثَّ. أو كان
رِدْءاً يدفع عنهم : ◌ُزِّر وحبس.
وروى معنى ذلك عن ابن عباس، إلا أنه قال ((إن لم يقتل ولم يأخذ مالاً: نفى)).
وممن ذهب إلى قول ابن عباس : قتادة والنخعى .
وقال الأوزاعى نحواً من ذلك .
ومذهب أبى حنيفة وأصحابه قريب من ذلك .
وفى قوله ((أو يقتل نفساً فيقتل بها)) مستَدَلّ من جهة العموم لمن رأى قتل الحر بالعبد.
٤١٨٨ - قلت : الظاهر من هذا الخبر: أنه رأى قتله من غير استتابة.
وذهب إلى هذا الرأى عبيد بن عمير وطاوس .
وقد روى ذلك أيضاً عن الحسن البصرى .
وروى عن عطاء أنه قال: إن كان أصله مسلماً فارتد، فإنه لا يستتاب. وإن كان
مشركاً فأسلم ثم ارتد، فإنه يستتاب .
:

- ١٩٦ -
أحدهما عن يمينى والآخر عن يسارى، فكلاهما سألَ العملَ ، والنبيُّ صلى الله
عليه وسلم ساكت، فقال: ما تقولُ يا أبا موسى؟ أو ياعبدَ الله بن قيس؟ قلت:
والذى بعثك بالحق ما أطلعانى على ما فى أنفسهما ، وما شَعُرتُ أنَّهما يطلبان
العملَ ، قال: فكأَ نى أنظرُ إلى سوا كه تحتَ شَفَتَهُ قَلَصَتْ، قال: لن نَسْتَعمِلَ
أو لا نستعملُ، على عملنا من أراده، ولكن اذهبْ أنتَ ياموسى، أو يا عبد الله
ابن قَيْس. فبعثه على اليمن. ثم أتبعه مُعاذَ بن جَبَلٍ ، قال: فلما قَدِمَ عليه معاذُ
بن جبل قال: انْزِلُ، وأَلَى له وِسادَةً، فإذا رجلٌ عنده مُوثَقٌ ، قال: ما هذا؟
قال: هذا كان يهودياً فأسلم ، ثم راجَعَ دينه دينَ السَّوءِ، قال: لا أجلسُ حتى
يُقْتَلَ ، قَضَاءِ الله ورسوله، قال: اجلس، نعم، قال: لا أجلسُ حتى يقتلَ ،
قضاء الله ورسوله - ثلاثَ مرارٍ - فأمر به فقْتُل، ثم تذاكرا قيام الليل ، فقال
وقال أكثر أهل العلم: لا يقتل حتى يستتاب ، إلا أنهم اختلفوا فى مدة الاستتابة .
فقال بعضهم : يستتاب ثلاثة أيام . فإن تاب وإلا قتل .
روى ذلك عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه . وبه قال أحمد بن حنبل واسحق .
وقال مالك بن أنس : أرى الثلاث حسناً ، وإنه ليعجبنى .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يستتاب ثلاث مرات فى ثلاثة أيام .
وقال الشافعى فى أحد قوليه: يستتاب . فإن تاب وإلا قتل مكانه، قال: وهذا
أقیس فى النظر .
وعن الزهرى : يستتاب ثلاث مرات . فإن تاب وإلا ضربت عنقه .
قلت : وروى أبو داود هذه القصة من طريق الحُمَّانى عن بُر ید بن عبد الله بن
أبى بردة عن أبيه عن أبى موسى فقال فيها: ((وكان قد استقيب قبل ذلك)) فرواها من
طريق المسعودى عن القاسم، قال (( فلم يترك حتى ضرب عنقه، وما استتابه)).

- ١٩٧ -
أحدهما معاذ بن جبل : أما أنا فأنام وأقوم، أو أقوم وأنام ، وأرجو فى نَوْمتى
ما أرجو فى قَوْمَتى ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
٤١٨٩ - وعن طلحة بن يحيى وبُرَيْد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن أبى بردة،
عن أبي موسى رضى الله عنه: قال ((قدم علىَّ معاذ وأنا باليمن ، ورجلٌ كان
يهوديا فأسلم، وارتدَّ عن الإسلام، فلما قدم معاذٌ قال: لا أنزل عن دَابَى حتى
يقتلَ ، فَقُتِلَ ، قال أحدهما : وكان قد اسْتَتَيب قبل ذلك)»
٤١٩٠ - وعن الشيبانى - وهو أبو إسحاق سليمان بن فيروز. ويقال: سليمان
بن خاقان الكوفى - عن أبى بُردة - بهذه القصة - قال ((فَأْىَ أبو موسى برُلٍ
قد ارتد عن الإسلام ، فدعاه عشرين ليلة ، أو قريباً منها ، فجاء معاذّ ، فدعاه ،
فأتي ، فضَربَ مُنقه))
قال أبو داود: ورواه عبد الملك بن مُمير عن أبى بُردة، لم يَذْكُر الاستتابة
وهذا الذى عُلقه أبوداود: قد أخرجه البخارى فى صحيحه مرسلا عن
أبى بردة، قال: (( بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم معاذاً)) بطوله. وليس فيه
ذكر الاستتابة .
قال أبو داود : رواه ابن فضيل عن الشيبانى عن سعيد بن أبى بردة عن
أبيه عن أبى موسى ، لم يذكر فيه الاستتابة .
وهذا الذى علقه أيضاً أخرجه البخارى ومسلم فى صحيحيهما .
٤١٩١ - وعن المسعودى، عن القاسم، بهذه القصة، قال ((فلم يَنْزِل حتى
ضرب عنقه، وما استتابه)»
المسعودى - هذا - هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عُتْبة بن عبد الله بن

- ١٩٨ -
عبد الله بن مسعود الهذلى الكوفى، المعروف بالمسعودى . وقد تكلم فيه غير
واحد . وتَغَيَّر بأَخَرَةٍ . واستشهد به البخارى .
والقاسم - هذا - هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلى
الكوفى. وهو ثقة .
٤١٩٢ - وعن عكرمة، عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال ((كان عبد الله
ابن سعد بن أبى سَرْج يكتبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأَزْلَهُ الشيطانُ،
فَلَحِقِ بالكفار ، فأمَر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أن يقتل يوم الفَتْح
فاستجار له عثمان بن عفان ، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
وأخرجه النسائى.
وفى إسناده : على بن الحسين بن واقد. وفيه مقال . وقد تابعه عليه على بن
الحسين بن شقيق، وهو من الثقات .
٤١٩٣ - وعن سعد - وهو ابن أبى وقاص رضى الله عنه - قال ((لما كان يومٌ
فتح مكة اختبأ عبدُ الله بن سعد بن أبى سَرْح عند عثمان بن عَفَّان ، نجاء به حتى
أوقفه على النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال: يارسول الله، بَايِعْ عَبْدَ الله، فرفع
رأسَه ، فنظر إليه - ثلاثاً - كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبلَ على أصحابه
فقال: أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حين رآنى كَفَفتُ عن بيعته
فيقتله؟ فقالوا: ما نَدْرِى يا رسول الله ما فى نفسك. ألاَّ أَوْمَأْتَ لنا بعينك؟
قال: إنه لا يَنْبغى لنَىّ أن تكون له خائنةُ الأمين)»
وأخرجه النسائى.
وفى إسناده: اسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي. وقد أخرج له مسلم . ووثقه
الامام أحمد. وتكلم فيه غير واحد .
:
F

- ١٩٩ -
٤١٩٤ - وعن الشعبى ، عن جرير - وهو ابن عبد الله البَجَلی رضى الله عنه-
قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول ((إِذَا أَبَقَ الَعَبدُ إلى الشِّرْكِ فَقَدْ
حَلَّ دَمُه »
وأخرجه مسلم والنسائى .
ولفظ مسلم ((أيُّما عبدٍ أَبَق فقد برئت منه الذمة))
وفى لفظ ((إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة))
وفى لفظ ((أيُّما عبد أبق من مواليه فقد كفر، حتى يرجع إليهم))
وأخرجه النسائى باللفظ الذى ذكره أبو داود.
وفى لفظ له ((إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة. وإن مات مات كافرا))
وأبق غلام لجرير فأخذه فضرب عنقه .
وفى لفظ ((إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه)).
باب الحكم فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم [٤: ٢٢٦]
٤١٩٥ - عن ابن عباس رضى الله عنهما ((أن أعمى كانتْ له أمُّ ولدٍ تَشْتَم النبيَّ
صلى الله عليه وسلم، وتقع فيه. فَيَنْهاها. فلا تنتهى، ويَزْجُرها ، فلا تنزجر،
قال: فلما كان ذاتَ ليلةٍ جعلت تَقَعُ فى النبى صلى الله عليه وسلم وتَشْتِه، فأخذ
٤١٩٥ - ((المغول)) شِه المِشمل. ونَصلُه دقيق ماض.
وفيه بيان أن سابَّ النبى صلى الله عليه وسلم مُهْدَر الدم .
وذلك أن السب منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتداد عن الدين . ولا أعلم أحداً
من المسلمين اختلف فى وجوب قتله . ولكن إذا كان الساب ذمياً فقد اختلفوا فيه .
فقال مالك ابن أنس : من شتم النبى صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قتل ،
إلا أن يسلم: وكذلك قال أحمد بن حنبل .

- ٢٠٠ -
المغول، فوضعه فى بطنها، واتكاً عليها فقتلها، فوقعَ بين رجليها طفلٌ ، فَلَطَّحْتْ
ما هناك بالدمِ، فلما أصبحَ ذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، نجمع الناس
فقال: أَنْشُد الله رجلاً فعل ما فعل، لى عليه حَقٌّ، إلا قام . قال: فقام الأعمى
يتخطَّى الناسَ ، وهو ◌َزَلْزَلُ ، حتى قعد بين يَدَى النبى صلى الله عليه وسلم
فقال: يارسول الله، أنا صاحِبُها، كانَتْ تَشْتُمُك وتقعُ فيك. فأنهاها فلا تنتهى
وأزجرها فلا تنزجر، ولى منها ابنان مثلُ اللؤلؤتين ، وكانت بى رَفيقةً ، فلما
كانت البارحة جعلتْ تَشْتِك وتقع فيك. فأخذت المغول فوضَفْتُه فى بطنها
واتَّكَأْتُ عليها حتى قتلتها ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ألا اشْهَدوا: أنَّ
دَمَهَا هَدَرٌ»
وأخرجه النسائى.
٤١٩٦ - وعن الشعبى، عن على رضى الله عنه ((أن يهودية كانت تشتم النبى
صلى الله عليه وسلم، وتقع فيه، فقَقَها (١) رجلٌ، حتى ماتت، فأبطلَ رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم دَمَها)»
ذكر بعضهم: أن الشعبى سمع من على بن أبى طالب. وقال غيره : إنه رآه
وقال الشافعى: يقتل الذمى إذا سَبَّ النبى صلى الله عليه وسلم، وتبرأ منه الذمة .
واحتج فى ذلك بخبر كعب بن الأشرف . وقد ذكرناه فى كتاب الجهاد .
وحكى عن أبى حنيفة أنه قال: لا يقتل الذمى بشتم النبى صلى الله عليه وسلم ، ما هم
عليه من الشرك أعظمُ .
!
(١) ((الخفق)) كل ضرب بشىء عريض. يقال: خفقه بالسيف يخفقه - بكسر الفاء،
وضمها - إذا ضربه به ضربة خفيفة
:
: