النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١ -
كان يتختم فى يمينه)) أخرجه الترمذى فى الشمائل. وأخرجه النسائى فى سننه
ورجال إسناده ثقات .
وأما حديث العشاء : فقد روى من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه،
وعبد الله بن عمر رضى الله عنهما ، وعائشة رضى الله عنها ، وغیرم من طرق ليس
فى شىء منها ذكر هذه الزيادة . وهى زيادة غريبة .
وفى كلام الدار قطنى ما يدل على غرابتها . فانه جوز على مسلم أن لا يكون
بلغته، مع معرفة الدار قطنى بسعة رحلة مسلم، وكثرة ما حَصَّل من السنن، وقولِه
(( صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة)) والله عز
وجل أعلم.
باب فى الجلاجل [
٤ : ١٤٧
٤٠٦٦ - عن عامر بن عبد الله بن الزبير: ((أن مولاةً لهم ذهبت بابنة الزبير إلى
عمر بن الخطاب، وفى رجلها أجْرَاسٌ ، فقطعها عمر ، ثم قال: سمعتُ رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَانًا)).
((مولاة لهم)) مجهوله. وعامر بن عبد الله بن الزبير لم يدرك عمر.
٤٠٦٧ - وعن بُنانة - مولاة عبد الرحمن بن حَسَّان الأنصارى - عن عائشة
رضى الله عنها قالت: ((بينما هى عندها إذدُخِلَ عليها بجاريةٍ، وعليها جَلَاجِلُ
يُصَوِّنْنَ، فقالت: لا تُدْخْلَهَا عَلَىَّ ، إِلَّا أن تقطعوا جلاجلها، وقالت : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لَا تَدْخُلُ الملائكةُ بَيْاَ فِهِ جَرَسٌ)).
[ بنانة - بضم الباء الموحدة وبعدها نون مفتوحة، وبعد الألف مثلها،
وتاء تأنيث .. وقد تقدم فى الجزء السادس عشر من حديث أبى هريرة (رقم ٢٤٤٥)
.
٠

- ١٢٢ --
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تصحب الملائكة رُفقة فيها كلب،
أو جرس)). وأخرجه مسلم والترمذى. وتقدم الكلام عليه هناك.
والجلجل : كل شىء علق فى عنق دابة أو رجل صبى يُصَوّت. وجمعه :
جلاجل. وصوته: الْجُلْجَةُ(١)].
باب ربط الأسنان بالذهب [٤: ١٤٨]
٤٠٦٨ - عن عبد الرحمن بن طَرَفة: ((أن جده عَرْلَة بن أسعد قُطِعَ أنْفُهُ يوم
الكُلَابِ، فاتّخَذَ أنفاً من وَرِق، فَأَنَنَ عليه، فَأَمَرَهُ النبى صلى الله عليه وسلم ،
فاتخذ أنفاً من ذهب» .
٤٠٦٩ - وفى رواية قال يزيد - يعنى ابن هارون - قلت لأبى الأشهب: أدرك
عبدُ الرحمن بنُ طَرَفة جَدَّه عَرْفجة؟ قال : نعم .
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : حسن ، إنما نعرفه من
٤٠٦٨ - قال الشيخ (( يوم الكلاب)) يوم معروف من أيام الجاهلية، ووقعة مذكورة
(١)
من وقائعهم(١) .
و ((الورق)) مكسورة الراء: الفضة، والورَق بفتح الراء: المال من الإبل والغنم.
وفيه : إباحة استعمال اليسير من الذهب للرجال عند الضرورة ، كربط الأسنان به ،
وما جرى مجراه مما لا يجرى غيره فيه مجراه .
(١) ما بين المربعين من هامش المنذرى. وهو بكلامه أشبه .
(٢) فى اللسان ((الكلاب)) بضم الكاف وتخفيف اللام: اسم ماء كانت عنده وقعة العرب.
قال الرماح بن خالد التغلبى :
إن الكلاب ماؤنا نخلوه وساجراً والله لن تحلوه
وساجر اسم ماء يجتمع من السيل . وقالوا : الكلاب الأول والكلاب الثانى ، وهما يومان
مشهوران . قال أبو عبيد : يومان بين ملوك كندة وبنى تميم

- ١٢٣ --
حديث عبد الرحمن بن طَرَفة. وقد روى سَلْم بن زُريد عن عبد الرحمن بن طَرَفةِ
نحو حديث أبى الأشهب. هذا آخر كلامه.
وأبو الأشهب - هذا - هو جعفر بن الحرث ، أصله من الكوفة. سكن
واسط ، وكان مكفوفاً . ضعفه غير واحد .
وسلم بن زَرَيد، أبو يونس العطاردى البصري: احتج به البخارى ومسلم .
ءُ
والكلاب - بضم الكاف وتخفيف اللام ، وباء بواحدة : موضع كان فيه
يومان من أيام العرب المشهورة . الكلاب الأول، والكلاب الثانى. واليومان
فى موضع واحد. وقيل : هو ما بين الكوفة والبصرة على سبع ليال من اليمامة.
فكانت به وقعة فى الجاهلية .
والكلاب أيضاً : اسم واد بنهلال لبنى العرجاء من بنى مير . به نخل ومياه.
باب فى الذهب للنساء [٤: ١٤٨]
٤٠٧٠ - عن عائشة رضى الله عنها، قالت: «قدمَتْ على النبى صلى الله عليه
وسلم حليةٌ من عند النجاشى، أهداها له فيها خاتم من ذهب ، فيه فِصٌّ حَبَشِيٌّ،
فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بِعُودٍ ، مُعْرِضً عنه ، أو ببعض أصابعه،
ثم دعا أمامةَ ابنةَ أبي العاص، ابنة ابنته زينب، فقال: تَحَلَىْ بهذا يا ◌ُبِنَّةَ)).
وأخرجه ابن ماجة .
وفى إسناده: محمد بن إسحاق بن يسار(١).
٤٠٧١ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
(( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحَلِّقَ حَِبَهُ بِحِلْقَةٍ مِن نَارٍ فَلْيُحَلَقْهُ حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ
(١) قال فى عون المعبود: لكنه صرح هنا بالتحديث فيكون حديثه هذا حجة. والله أعلم.

- ١٢٤ -
أَحَبَّ أَنْ يُطَوِّقَ حَبِبَهُ طَوْقً مِنْ نَارٍ فَلْيُطَوِّنْهُ طَوْقَاً من ذهب، ومن أحبَّ
أن يُسَوِّر حبيبه سِوَاراً من نار فَلَيُسَوِّرْهُ بِسوَار من ذهب ، ولكن عليكم
بالفضة فَلَعَبُوا بها)).
٤٠٧٢ - وعن رِبْبىّ بن خِراش عن امرأته، عن أختٍ لحذيفة، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال ((يَعْشَرَ النساء، أما لَكُنَّ فِى الْفِضَّةِ ما تَحَلَّيْنَ به؟
أمَا إنّهُ لَيْسَ مِنْكُنَّ امرأة تَحَلَّى ذهبًا تُظْهِرُهُ إِلَّ عُذِّبَتْ بِهِ)).
وأخرجه النسائى .
وامرأة ربعى: مجهولة. وأخت حذيفةَ اسمها: فاطمة. وقيل: خَوّلة .
وفى بعض طرقه : عن ربعى عن امرأة عن أخت حذيفة . وكان له
أخوات قد أدركن النبى صلى الله عليه وسلم .
وذكرها أبو عمر النمرى ، وسماها فاطمة ، وقال : ورُوى عنها حديث
فى كراهية تحلى النساء بالذهب - إن صح - فهو منسوخ . وقال: ولحذيفة
أخوات قد أدركن النبى صلى الله عليه وسلم . هكذا ذكرها فى حرف الفاء .
وقال فى حرف الحاء: خولة بنت التمان أخت حذيفة . روى عنها أبوسامة
ابن عبد الرحمن، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لا خیر فی
جماعة النساء إلا عند ميت . فانهن إذا اجتمعن قلن وقلن)»
فهما عنده اثنتان خلاف ما تقدم .
وخِراش : بكسر الحاء المعجمة وفتح الراء المهملة وبعد الألف شين .

- ١٢٥ -
٤٠٧٣ - وعن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((أمَامْرَأَة
تَقَلَّدَتْ فِلَادَةً مِنْ ذَهَبَ قُلِّدَتِ فِ عُنُقُهَا مِثْلَها مِنَ النَّارِ يَوْمَ القيامة، وأيَُّ
امْرَأَةٍ جَعَلَتْ فِ أُذُنِاَ خُرْصَا مِنْ ذَهَبِ جُمِلَ فِي أُذُنِها مِثْلَه من الناريوم
القيامة )).
٤٠٧٣ - قال الشيخ :. ((الخرص)) الحلقة. وهذا يتأوَّل على وجهين.
أحدهما : أنه إنما قال ذلك فى الزمان الأول ، ثم نسخ وأبيح للنساء التحلى بالذهب .
٤٠٧٣ - ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله : حديث (أيما امرأة جعلت فى أذنها خرصاً من ذهب»
ثم قال المنذرى: وأخرجه النسائى ثم قال :
قال ابن القطان: وعلة هذا الخبر أن محمود بن عمرو - راويه عن أسماء - مجهول الحال،
وإن كان قد روى عنه جماعة .
وروى النسائى عن أبى هريرة قال (( كنت قاعداً عند النبى صلى الله عليه وسلم. فأتته
امرأة فقالت : يارسول الله ، سواران من ذهب؟ قال: سواران من نار . قالت : طوق من
ذهب ؟ قال: طوق من نار . قالت : قرطان من ذهب ؟ قال قرطان من نار . قال : وكان
عليها سواران من ذهب فرمت بها فقالت : يارسول الله، إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت
عنده (١) . فقال: ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة، ثم تصفره بزعفران أو بعبير)
قال ابن القطان : وعلته أن أبا زيد راويه عن أبى هريرة مجهول ، ولا نعرف روى عنه
غير أبى الجهم . ولا يصح هذا .
وفى النسائي أيضاً عن ثوبان قال «جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفى يدها فتخ. فقال: كذا، فى كتاب أى: خواتيم ضخام . فجعل رسول الله صلى الله عليه
وسلم يضرب يدها . فدخلت على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليها الذى
صنع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانتزعت فاطمة سلسلة فى عنقها من ذهب. قالت :
هذه أهداها إلى أبو حسن . فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلسلة فى يدها . قال :
(١) هكذا فى الأصل، ولعله من الصلف، ومعناه: ثقلت عليه فلم تحظ عنده.
-------
. -- .. . . .-

- ١٢٦ -
وأخرجه النسائى .
والخرص : الحلقة . وحمله بعضهم على أنه قال ذلك فى الزمان الأول ، ثم
نسخ، وأبيح للنساء التحلى بالذهب، لقوله صلى الله عليه وسلم ((هذان حرام على
ذكور أمتى، حِلٌّ لإِناتها)).
وقد ثبت « أنه صلى الله عليه وسلم قام على المنبر ، وفى إحدى يديه ذهب ، وفى
الأخرى : حرير ، فقال : هذان حرام على ذكور أمتى حلال لإ ناثها )).
يا فاطمة أيغرك أن يقول الناس : ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى يدها سلسلة من نار؟
ثم خرج، ولم يقعد. فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها ، واشترت بثمنها غلاماً -
وقال مرة عبداً. وذكر كلمة معناها: فأعتقته ، حدث بذلك. فقال: الحمد لله الذي أنجى
فاطمة من النار »
قال ابن القطان وعلته: أن الناس قد قالوا: إن رواية يحى بن أبى كثير عن أبى سلام
الرحبى منقطعة على أن يحي قد قال: حدثنى أبو سلام، وقد قيل: إنه دلس ذلك ، ولعله كان
أجازه زيد بن سلام فجعل يقول: حدثنا زيد
وفى النسائى أيضا عن عقبة بن عامر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم . كان يمنع أهله الحلية
والحرير ويقول : إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوها فى الدنيا )»
فاختلف الناس فى هذه الأحاديث وأشكلت عليهم .
فطائفة : سلكت بها مسلك التضعيف ، وعلمتها كلها ، كما تقدم
. طائفة : ادعت أن ذلك كان أول الإسلام ثم نسخ . واحتجت بحديث أبى موسى عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال ((أحل الذهب والحرير للاناث من أمتى، وحرم على ذكورها))
قال الترمذى : حديث صحيح
ورواه ابن ماجة فى سننه من حديث على وعبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم
وطائفة : حملت أحاديث الوعيد على من لم يؤد زكاة حليها. فأما من أدته فلا يلحقها
هذا الوعيد
واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (( أن امرأة من اليمن أنت رسول الله

.
- ١٢٧ --
وقيل: هذا الوعيد فيمن لا يؤدى زكاة الذهب ، دون من أداها . والله
عز وجل أعلم .
والوجه الآخر : أن هذا الوعيد إنما جاء فيمن لا يؤدى زكاة الذهب ، دون من
أداها . والله أعلم .
صلى الله عليه وسلم، ومعها ابنة لها، وفى يد ابنتها مسكتان (١) غليظان من ذهب فقال لها:
تؤدين زكاة هذا؟ قالت : لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟
قال: خلعتهما، فألفتهما إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقالت: هما لله ولرسوله))
وبما روى أبو داود عن أم سلمة قالت ((كنت ألبس أوضاحاً (٢) من ذهب. فقلت:
يارسول الله أ كنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى، فليس بكنز)) وهذا من
أفراد ثابت بن عجلان ، والذى قبله من أفراد عمرو بن شعيب وطائفة من أهل الحديث
حملت أحاديث الوعيد على من أظهرت حليتها وتبرجت بها ، دون من تزينت بها لزوجها
قال النسائى فى سننه وقد ترجم على ذلك الكراهة للنساء فى إظهار الحلى والذهب - ثم
ساق أحاديث الوعيد . والله أعلم
ثم ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله: حديث ميمون، وفيه ((وعن لبس الذهب إلا
مقطعاً)) إلى قول المنذرى: ففيه الانقطاع فى موضعين ثم قال:
وقد رواه النسائى من حديث أبى البيهس بن فهدان (٣) عن أبى شيخ الهنائى عن معاوية
وقد تقدم الكلام على هذا الاسناد فى الحج ورواه عن أبى شيخ عن أبى حمان أنه سمع معاوية
ورواه النسائی أیضاً من حديث بهنس بن فهدان انا ابو شیخ قل : سمعت ابن عمر قال « نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الذهب إلا مقطعاً)
(١) المسكة - بفتحات - السوار والخلخال ونحوها.
(٢) الوضح - بفتح الواو والضاد - الظهور والبيان. والوضح: نوع من الحلى أصله
يعمل من الفضة البيضاء ، سمى بذلك لبياضه .
(٣) بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناء وفتح الهاء بن فهدان - تثنية فهد. الهنائى
عن أبى شيخ الهنائى. وقد رواه النسائي عن قتادة وعن مطر عن أبى شيخ عن معاوية .

- ١٢٨ -
٤٠٧٤ - وعن ميمون القَنَّاد، عن أبى قلابة، عن معاوية بن أبى سفيان ((أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم نَّهَى عن ركوب النّار، وعن لُبْسِ الذهب إلا
مُقَطَعَا )) .
وأخرجه النسائى، وقال الإمام أحمد بن حنبل: ميمون القناد : قد روى
هذا الحديث. وليس بمعروف .
وقال البخارى: ميمون القناد عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة : مراسيل.
وقال أبو حاتم الرازى: أبو قلابة: لم يسمع من معاوية بن أبي سفيان .
هذا آخر كلامه .
٤٠٧٤ - قال الشيخ: أراد بالمقطَّع الشيء اليسير، نحو الشِّنْفِ والخاتم للنساء. وكره من ذلك
الكثير الذى هو عادة أهل السرف وزينة أهل الخيلاء والكبر .
واليسير : هو مالا تجب فيه الزكاة .
ويشبه أن يكون إنما كره استعمال الكثير منه ، لأن صاحبه ربما ضَنَّ بإخراج الزكاة
منه ، فيأثم ويخرج ، وليس جنس الذهب بمحرم عليهن ، كما حرم على الرجال ،
قليله وكثيره .
وقد روي فى حديث آخر احتج به أحمد فی رواية الأثرم ( من تحلی جریصة (١) کوی بها
يوم القيامة: فقال الأثرم : فقلت: أى شىء خريصة؟ قال شيء صغير مثل الشعيرة
وقال غيره : من عين الجرادة
وسمعت شيخ الاسلام يقول : حديث معاوية فى إباحة الذهب مقطعاً : هو فى التابع غير
المفرد ، كالزر والعلم ونحوه وحديث الخريصة : هو فى الفرد، كالخاتم وغيره . فلا تعارض
بينهما . والله أعلم .
(١) الخريصة: تصغير الخرص وهو القرط الصغير

F
- ١٢٩ -
ففيه الانقطاع من موضعين .
والقناد: بفتح القاف . وبعدها نون مفتوحة مشددة ، وبعد الألف دال
مهملة .
ويريد بالمقطَّع: اليسير من الذهب، نحو الشّنْفِ والخاتم للنساء. وكره
الكثير الذى هو عادة أهل الترف والخيلاء.
واليسير : ما لا تجب فيه الزكاة .
ويشبه أن يكون إنما كره صلى الله عليه وسلم استعمال الكثير منه : أنَّ
صاحبه ربما ضَنَّ بإخراج الزكاة منه، فيأثم .
((آخر كتاب الخاتم))
:
م ٩ - مختصر السنن .- ج ٦

- ١٣٠ -
أول كتاب الفتن
ذكر الفتن ودلائلها [٤: ١٥٠]
٤٠٧٥ - عن حذيفة - وهو ابن اليمانى رضى الله عنهما - قال ((قام فينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم قائما . فما ترك شيئاً يكون فى مقامه ذلك إلى قيام الساعة
إلا حَدَّثه، حَفِظَهُ مَنْ حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابُه هؤلاء، وإنه
ليكون منه الشىء ، فأذَكُره ، كما يذكر الرجل وجهَ الرجل ، إذا غاب عنه .
ثم إذا رآه عَرَفه)).
وأخرجه البخارى ومسلم .
٤٠٧٥ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وقد روى مسلم فى صحيحه من حديث حذيفة قال :
((والله إنى لأعلم الناس بكل فتنة هى كائنة ، فيما بينى وبين الساعة . وما بى أن لا يكون
رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى فى ذلك شيئاً لم يحدثه غيرى ، ولكن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال - وهو يحدث مجلساً أنا فيه عن الفتن - فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو يعد الفتن: منهن ثلاث لا يكن يذرن شيئاً. ومنهن فتن كرياح الصيف . منها
صغار . ومنها كبار . قال حذيفة : فذهب أولئك الرهط كلهم غيرى »
وفى الصحيحين عن شقيق عن حذيفة قال (( كنا عند عمر ، فقال: أيكم يحفظ حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الفتنة كما قال؟ قال قلت: أنا . قال: إنك لجرى .. قال :
وكيف ؟ قال قلت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فتنة الرجل فى أهله وماله
ونفسه وولده وجاره ، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
فقال عمر : ليس هذا أريد: وإنما أريد التى تموج كموج البحر . قال فقلت : ومالك ولها،
يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال: أفيكسر الباب، أم يفتح؟ قال قلت :
لا ، بل يكسر . قال : ذلك أحرى أن لا يغلق أبداً. قال فقلنا لحذيفة : هل كان عمر يعلم من
الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد ليلة. إنى حدثته حديثاً، ليس بالأغاليط . قال: فهبنا
أن نسأل حذيفة من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله . فسأله . فقال : عمر )

- ١٣١ -
٤٠٧٦ - وعن رجل ، عن عبد الله - وهو ابن مسعود رضى الله عنه - عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال (( يَكُونُ فِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَرْبَعُ فِتَنِ، فى آخرها الْقَاءِ» .
فیه رجل مجهول .
٤٠٧٧ - وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال ((كنا قُعوداً عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن، فأكثر فى ذكرها، حتى ذكر فِتِنَة الأحلام(١)
فقال قائل: يارسول الله وما فتنة الأَحْلاَس؟ قال: هِىَ هَرَبٌ وَحربٌ، ثُمَّ
فتنةُ السَّرَاءِ ، دَخَُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ يْتِىِ، يَزْعُمُ أَنّه مِنِّى ،
وليس منى ، وإنما أَوْلِيَائِى الْمَّقُون ، ثُمَّ يصطلِحُ الناسُ عَلَى رجلٍ كَوَرِكٍ على
ضِلَعٍ(٢) ثُمَّفتنةُ الدُّهيماء(٢)، لا تدعُ أَحداً منْ هذِهِ الأمةِ إلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمة. فإذا
٤٠٧٧ - قال الشيخ: قوله ((فتنة الأحلاس)) إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها،
وطول لبثها. يقال للرجل، إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه: هو حِلْس بيته، لأن الحلس
يُفترش، فيبقى على المكان ما دام لا يرفع .
وقد يحتمل أن تكون هذه الفتنة إنما شبهت بالأحلاس لسواد لونها وظلمتها .
و((الحرب)) ذهاب المال والأهل، يقال: حَرِب الرجل فهو حريب، إذا سُلب أهله وماله
و ((الدخن)) الدخان يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه.
وقوله (« كورك على ضلع)) مثل ومعناه: الأمر الذى لا يثبت ولا يستقيم، وذلك:
أن الضلع لا يقوم بالورك ولا يحمله ، وإنما يقال في باب الملامة والموافقة إذا وصفوا : هو
ككف فى ساعد، وكساعد فى ذراع، أو نحو ذلك .
(١) ((الأحلاس)) جمع حلس - بكسر الحاء وسكون اللام. وهو الكساء الذي يلي
ظهر البعير تحت القتب.
(٣) الضلع : بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام، وتسكن أيضاً.
(٣) الدهماء : تصغير الدهماء، وهى الداهية . وصغرها على مذهب المذمة لها ، ويحتمل أن
يكون لتعظيمها ، وسميت بذلك لاظلامها .

- ١٣٢ -
قيل : انْضتْ، تمادتْ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ فيها مُؤْمِنَاً وَيمسى كافراً ، حتى يصير
النّاسُ إِلَى فُسْطَاطْنِ(١) فُسْطاطِ إِيمان، لا نِفاق فيهِ، وَفُسْطَاطِ نفاق لا إيمان
فيه، فإذا كان ذاَكُمْ فانْتَظِرُوا الدََّّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ غَدِهِ)).
٤٠٧٨ - وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال ((والله ما أدرى: أنسيَ أصحابى
أم تَنَاسَوْا؟ والله ماترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائدٍ فتنةٍ إلى أن
تنقضى الدنيا ، يبلغُ مَنْ معه ثلاثمائة فصاعدا : إلا قد سَّاه لنا باسمه، واسم أبيه،
واسم قبيلته )»
فى إسناده: ابن فَرُّوخ . وهو عبد الله بن فروخ ، كنيته : أبو عمر ،
خراسانى: من أهل مرو، قدم مصر، وخرج إلى المغرب . ومات بها . وقد
تكلم فيه غير واحد .
٤٠٧٩ - وعن سُبيع بن خالد، قال ((أتيت الكوفَة فى زمن فُتِحَتْ تُشْتَ(٣) أَجْلِبُ
يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك ، ولا مستقل به .
((والدهماء)) تصغير الدهاء. وصغرها على مذهب المذمة لها . والله أعلم.
٤٠٧٩ - قال الشيخ: وروى أبو داود فى غير هذه الرواية: أنه قال ((هدنة على دخن
وجماعة على أقذاء )).
(١) الفسطاط : المدينة التى فيها يجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط ، ويكون الفسطاط
مجتمع أهل الكورة حول جامعها ، ومنه : فسطاط مصر . وقيل : هو ضرب من الأبنية فى
السفر دون السرادق، ويقال أيضاً للبصرة: الفسطاط ، وفيه ست لغات بضم الفاء ، وبالتاء
بدل الطاء الأولى ، وبإسقاطها ، وكسر الفاء لغة فيهن .
(٢) بضم التاء وبعدها سين مهملة ساكنة وفاء مفتوحة وراء مهملة: مدينة مشهورة
من بلاد خوزستان. فال الصحابة فى فتحها جهد شديد. لأنها كانت من البلاد الحصينة .
وهى المسماة بين العامة ((ششتر) فتحت فى سنة عشرين فى أيام عمر رضى الله عنه. من
هامش المنذرى .

•
- ١٣٣ -
منها بغالا ، فدخلتُ المسجدَ ، فإذا صَدَع من الرجال، وإذا رجلٌ جالس ، تعرفُ
إذا رأيتَه : أنه من رجال أهل الحجاز ، قال: قلت: من هذا؟ فتجَهَّمنى القومُ،
وقالوا: ما تعرف هذا؟ هذا حذيفة صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقال حذيفة : إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير،
وكنت أسألُه عن الشر، فأَحْدَقَهُ القومُ بأبصارهم ، فقال: إنى قد أرَى الذى
تنكرون ، إنى قلتُ: يارسول الله، أرأيتَ هذا الخير الذى أعطانا الله، أيكونُ
بعده شَرٌ، كما كان قبله؟ قال: نعم، قلت: فما العِصْمَةَ من ذلك؟ قال: السيف
قلت: يارسول الله، ثم ماذا؟ قال: إن كان لله خليفةٌ فى الأرض، فضربَ ظَهْرَك
وأخذ مالك، فأطِعْه، وإلا فمُتْ وأنت عاضٌ يُحَذْل شجرة. قلت: ثم ماذا ؟ قال:
ثم يخرج الدجال، معه نهر ونار. فمن وقع فى ناره وجب أجْرُه وخُطَّ وزْرُه
الصدع من الرجال مفتوحة الدال : هو الشاب المعتدل القناة ، ومن الوعول الفتى .
وقوله ((هدنة على دخن)) معناه: صلح على بقايا من الضغن ، وذلك أن الدخان
أثر من النار دال على بقية منها .
وقوله ((جماعة على أقذاء)) يؤكد ذلك. وقد جاء تفسيره فى الحديث: قال ((قلت:
:
يا رسول الله ، الهدنة على الدخن. ما هى ؟ قال : لا ترجع قلوب أقوام على الذى
كانت عليه)).
وأخبرنى إسماعيل بن راشد عن إسحق بن إبراهيم عن بعض رجاله أو عن نفسه قال :
قات الأعرابى : كيف ما بينك وبين قومك ؟ فأنشدنى :
وبين قومى ورجالها إحَن إذا التقوا تحاملوا على ضَغَن
تحامُل النبتِ على وَغْسِ الدِّمَن(١)
(١) ((الإحن)) جمع إحنة وهى الحقد فى الصدر. و((الضغن)) بفتح الضاد والغين
مصدر ضغن. وهو أثر العداوة والبغضاء. و((الوعس)) السهل اللين من الأرض.
و ((الدمن)) جمع دمنة. وهى الأرض السبخة من آثار البحر والروث والأبوال . ويكنى
بها عندهم عن الأرض الخبيثة المنبت الوخيمة .

- ١٣٤ -
ومن وقع فى نهره وجب وزره وحُطّ أجره. قال: قلت : ثم ماذا؟ قال : ثم هى
قيام الساعة )»
٤٠٨٠ - وعن خالد بن خالد اليَشْكُرى عن حذيفة - بهذا الحديث - قال:
قلت (( بعد السيف ؟ قال: تَقَيَّةٌ على أقذاء ، وهُدْنة على دَخَن - ثم ساق
الحديث)).
قال: وكان قتادة يَضَّمُه على الرّدة التى فى زمن أبى بكر ((على أقذاء))
يقول ((قَذَى، وهدنة)) ثم يقول: ((صلح على دخن)) على ضغائن.
٤٠٨١ - وفى رواية، قال: قلت ((يارسول الله، هل بعد هذا الخير شر؟ قال:
فتنة وشر. قال: قلت : يارسول الله، هل بعد هذا الشر خير؟ قال: ياحذيفة،
◌َّمَّ كتابَ الله، وأَّبِعْ ما فيه(١) - ثلاث مرار . قال: قلت : يارسول الله،
هل بعد هذا الشر خير؟ قال: هُدنة على دَخَن . وجماعة على أقذاء ، فيها ،
أو فيهم . قلت: يارسول الله، الهدنةُ على الدَّخَن ما هى؟ قال: لا ترجعُ قلوبُ
أقوام على الذى كانت عليه قال: قلت: يارسول الله، بعد هذا الخير شر؟ قال
فتنة عمياء صماء، عليها دُعاة على أبواب النار ، فإن تَمُتْ ياحذيفةُ ، وأنت عاضٌّ على
جَذْلٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحداً منهم))
وأخرجه النسائى .
((والجدل)) أصل الشجرة إذا قطع أغصانها ، ومنه قول القائل من الأنصار
((أنا جُذَيلها المحَكَّكُ))
وكان قتادة يتأول هذا الحديث فيجعله على الردة فى زمن أبى بكر رضى الله عنه
(١) فى أصل المنذرى ((وابتغ)) بياء موحدة ثم تاء مثنة ثم غين معجمة.
م

- ١٣٥ -
٤٠٨٢ - وفى رواية، عن سبيع بن خالد - بهذا الحديث - عن حذيفة، عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال ((فان لم تجد يومئذ خليفةً فاهرب حتى تموت ، وأنت
عاضٌّ - وقال فى آخره -: قال: قلت: فما يكون بعد ذلك؟ قال : لو أن رجلا
نَتَّجَ فرسا لم تُنْتَج حتى تقوم الساعة )).
وقد أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى إدريس الحولانى
عائدِ الله عن حذيفة رضى الله عنه قال (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافةً أن يُدركنى ذلك - الحديث
بنحوه مختصرا))
وأخرج مسلم من حديث أبى سَلام تمطور قال : قال حذيفة طرفا منه أيضا
وذكر الدارقطني أن أبا سلام لم يسمع من حذيفة ، فهو مرسل . وقد قال
فيه : قال حذيفة .
١٠٨٣ - وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال
((مَنْ بَعَ إِمَامَا فَأَعْطَهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِمْهِ مَا اسْتَطَعَ ، فَإِنْ
جَاءَ آخَرُ يُتَزِعُهُ فَضْرِبُوا رَقَبَةَ الآخَرِ، قلت: أنتَ سمعت هذا من رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ قال: سَمِعَتْه أُذُناى، ووعاه قلبى، قلت : هذا ابنُ عمك
معاوية يأمرنا أن نفعلَ ونفعلَ ، قال : أَطِعْه فى طاعة الله، واعْصِه فى
معصية الله(١))
(١) عبد الله بن عمرو بن العاص: قرشى سهمى. ومعاوية بن أبى سفيان: قرشى أموى.
ولهذا قال (( ابن عمك)»
وقوله ((أن نفعل ونفعل)) قد جاء مفسراً فى صحيح مسلم ((أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل
وتقتل أنفسنا، والله عز وجل يقول (٤: ٢٩ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، ولا تقتلوا أنفسكم إنه كان بكم رحيما )

- ١٣٦ -
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه مطولا بمعناه .
٤٠٨٤ - وعن أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((وَيْلٌ للعربِ منْ
شَرِّ قِدِ اقتربَ، أفلحَ منْ كَمْتٌ يَدَهُ»
قوله صلى الله عليه وسلم (( ويل للعرب من شر قد اقترب)) أخرجه
البخارى ومسلم والترمذى من حديث زينب بنت جحش رضى الله عنها ، زوج
النبى صلى الله عليه وسلم ، عن رسول صلى الله عليه وسلم مطولا .
ورجال إسناد حديث أبى هريرة هذا محتج بهم.
٤٠٨٥ - وعن ثوبان رضى الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((إن الله زَوى لى الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها ، وإن مُلكَ أمتى سيبلغ
٤٠٨٥ - قولهُ ((زوى لى الأرض)) معناه: قبضها وجمعها، ويقال: انزوى الشىء إذا
انقبض وتجمع .
وقوله ((ما زوى لى منها)) يتوم بعض الناس أن حرف ((مِنْ)) ههنا معناه التبعيض
فيقول: كيف اشترط فى أول كلام الاستيعاب، ورد آخره إلى التبعيض .
وليس ذلك على ما يقدرونه ، وإنما معناه التفصيل للجملة المتقدمة. والتفصيل
لا يناقض الجملة ، ولا يبطل شيئاً منها. لكنه يأتى عليها شيئاً شيئا، ويستوفيها جزءا جزءا
وقيل : إنما أورده حينما سمعه يذكر الحديث فى منازعة الخلافة. فاعتقد ذلك فيه لمنازعته
=
علياً رضى الله عنه ، وقد تقدمت بيعته ، فرأى أن النفقة فى حربه ومنازعته والقتال فيه من
أكل أموال الناس بالباطل وقتل النفس .
وقول عبد الله بن عمرو لعبد الرحمن بن عبدرب الكعبة «أطعه فى طاعة الله، واعصه فى
معصية الله)) بدل على أن هذا لازم فى الملوك الثوار الذين لم يتقدمهم خليفة ولا تقدموا بإجماع
ولا عهد، والأحاديث الصحيحة كلها حجة فى منع الخروج على أمراء الجور ، ولزوم طاعتهم
وبذل النصيحة لهم. انتهى من هامش المنذرى .

٢
-١٣٧ --
ما زَوَىَ لى منها، وأُعطيتُ الكنزين: الأحمر والأبيض، وإنى سأَلتُ ربى
لأمتى: أن لا يُهلكها بسَنةٍ بعامَّةٍ؛ ولا يُسَلِّط عليهم عدوًّا منْ سِوَى أنفسهم
فيستبيحَ بَيْضَتهمْ ، وإن ربى قال لى: يامحمد، إنى إذا قضيتُ قضاء فانه لاُرَدُّ،
ولا أهلكهم بسَنةٍ بعامةٍ ، ولا أُسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم .
فيستبيح بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم مَنْ بين أقطارها - أو قال : من
بأقطارها - حتي يكونَ بعضُهم يُهلك بعضا ، وحتى يكون بعضهم يَسْبِى
بعضا ، وإنما أخافُ على أمتى الأيمة المُضِلّين، وإذا وُضِع السيف فى أمتى
لم يُفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحَقَ قبائلُ من أُمتى
بالمشركين، وحتى تَعْبُد قبائلُ من أمتى الأوثان ، وإنه سيكون فى أمتى كذابون
ثلاثون: كلهم يزعم أنه نبى، وأنا خاَّم النبيين، لا نَبِىَّ بعدى، ولا تزال طائفة
والمعنى: أن الأرض زويت جملتها له مرة واحدة. فرآها . ثم يفتح له جزء جزء منها،
حتى يأتى عليها كلها . فيكون هذا معنى التبعيض فيها .
والكنزان : هما الذهب والفضة .
وقوله (( لا يهلكها بسنة بعامة)) فإن السنة القحط والجدب. وإنما جرت الدعوة
بأن لا تعمهم السنة كافة ، فيهلكوا عن آخرهم ، وأما أن يجدب قوم ويخصب آخرون :
فإنه خارج عما جرت به الدعوة . وقد رأينا الجدب فى كثير من البلدان وكان عام الرَّمادة
فى زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه(١). ووقع الغلاء بالبصرة أيام زياد. ووقع ببغداد
فى عصرنا الغلاء ، فهلك خلق كثير من الجوع، إلا أن ذلك لم يكن على سبيل العموم
والاستيعاب لكافة الأمة. فلم يكن فى شىء منها خُلْف للخبر .
(١) كان فى السنة الثامنة عشرة من الهجرة. وسميت الرمادة . لما علا الوجوه من الغبرة
من أثر الجوع، حتى كأن عليها الرماد .

- ١٣٨ -
من أمتى على الحق - قال ابن عيسى، وهو محمد: ظاهرين - ثم اتفقا - لا يضرم
من خالفهم ، حتی یأتی أمر الله))
وأخرجه مسلم والترمذى مختصرا.
وأخرج مسلم قوله صلى الله عليه وسلم ((لا تزال طائفة)) فى موضع آخر،
وأخرجه ابن ماجة بتمامه.
((زوى)) بفتح الزاى، وبعدها واو مفتوحة مخففة: أى جمعت وقبضت لى
وفى هذا الحديث : عَلَم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ، لظهوره كما
قال صلى الله عليه وسلم ، وأن مُلك أمته اتسع فى المشارق والمغارب، كما أخبر به
صلى الله عليه وسلم، من أقصى بحر طَنْجَة ومنتهى عمارة المغرب إلى أقصى المشرق
مما وراء خراسان ونهر جَيْجُون، وكثير من بلاد الهند والتند. ولم يتسع ذلك
الانساع من جهة الجنوب والشمال الذى لم يذكر صلى الله عليه وسلم أنه أُرِيَهُ ،
وأن ملك أمته سيبلغه .
وقال بعضهم: وقوله ((ما زوى لى منها)) يتوهم بعض الناس: أن ((من))
ههنا معناه التبعيض . فيقول : كيف اشترط فى أول الكلام الاستيعاب، ورد
آخره إلى التبعيض ؟
وليس ذلك على ما يقدرونه ، وإنما معناه : التفصيل للجملة المتقدمة .
والتفصيل لا يناقض الجملة، لكنه يأتى عليها شيئاً شيئاً . والمعنى: أن الأرض
زُويت جملتها له مرة واحدة . فرآها . ثم يفتح له جزء جزء منها ، حتى يأتى
عليها كلها . فيكون هذا معنى التبعيض فيها .
وقوله ((بعامَّة)) أى بشدة تستأصلهم، وتُهلك جميعهم. والباء فى ((بعامة)»
زائدة. زيادَهَا فى قوله تعالى (٢٢: ٢٥ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادِ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ
.

- ١٣٩ -
عذاب أليم) ويجوز أن لا تكون زائدة، ويكون قد أبدل ((عامة)) من ((سنة))
بإعادة العامل . تقول: مررت بأخيك بعمرو. ومنه قوله تبارك وتعالى
(٧: ٧٥ قال الذين استكبروا للذين استُضْعِفوا: لمن آمن منهم
و ((بيضتهم)) أى جماعتهم، وأصلهم، وأصله: من بَيْضة الطائر. لأنها
أصله، والبيضة أيضاً: العِزّ. والبيضة أيضاً: الملك.
وقيل: أراد الحوْذة. فكأنه شبه مكان إجماعهم والتآمهم ببيضة الحديد .
وقيل : موضع سلطانهم . وبيضة الدار : وسطها ومعظمها .
و ((الكنزان)) الذهب والفضة، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا
منعت العراق درهمها وقتفيزها، ومنعت الشام درهمها ودينارها)) فأضاف الفضة
إلى العراق، وهى مملكة كسرى. والدينار الأحمر إلى الشام. وهى مملكة قيصر.
وقيل أراد بالكنزين : كنز كسرى وقيصر وقصورهما وبلادهما . يدل
عليه قوله صلى الله عليه وسلم (( وَلْتُفْقَنَّ كنوزهما فى سبيل الله)) وقوله (( لتفتحن
عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذى بالأبيض )).
فقد بان أن الكنز الأبيض كنز كسرى، ويكون الأحمر كنز قيصر
و (( السنة)) الجدب. وقد يقع الجدب فى بعض البلاد إلا أنه لا يعم.
٤٠٨٦ - وعن أبى مالك - يعنى الأشعرىّ - رضى الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((إنّ الله أَجَارَ كُمْ مِنْ ثلاث خِلال: لا يَدْعُوَ عليكم نبيكم
فتهلكُوا جميعاً، وأَنْ لَا يُظهرَ أهل الباطل عَلَى أهل الحق، وأن لا يجتمعوا
على ضلالة )).
فى إِسناده: محمد بن إسماعيل بن عياش الحمصى عن أبيه . قال أبو حاتم الرازى:
لم يسمع من أبيه شيئاً، حملوه على أن يُحَدِّث عنه حدَّث. هذا آخر كلامه.

- ١٤٠ -
وأبوه إسماعيل بن عياش : قد تكلم فيه غير واحد .
وأبو مالك الأشعرى : اسمه عبيد . ويقال: عمرو. ويقال: كعب .
ويقال: الحرث . له صحبة يُعَدُّ فى الشاميين .
٤٠٨٧ - وعن البراء بن ناجية ، عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال ((تدور رَحَى الإسلام لخمس وثلاثين، أوستّ وثلاثين،
٤٠٨٧ - قال الشيخ: قوله (( تدورحى الإسلام دوران الرحى» كناية عن الحرب والقتال .
شبهها بالرحى الدوَّارة التى تطحن الحب، لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس
قال الشاعر يصف حرباً :
فدارت رحانا ، واستدارت رحاهم سَراة النهار ما تولى المناكب(١)
وقال زهير :
فَتَعْرَ كَكم عَرْك الرحَى بشِفِالهَا وَتَلْفَحْ كِثَافًا ثم تَنْتُجُ فَتَيْتِمِ(٢)
وقال صعصعة جدُّ الفرزدق (( أتيت علىَّ بن أبى طالب رضى الله عنه حين رفع يده
عن مَرحَى الجمل )) يريد حرب الجمل.
وقوله (( وإن يقم لهم دينهم )) يريد بالدين ههنا الملك ، قال زهير:
لْن حللتُ بِجَوّ فى بنى أسد فى دِيْنِ عمرو، وحالت بيننا فَدَكُ (٣)
(١) فى اللسان : سراة النهار: وسطه يعنى حين ترتفع الشمس إلى كبد السماء ويعم ضوؤها
كل شىء فيتضح .
(٢) التفلل: الجلدة تجعل حول الرحى تمسك الدقيق. وفى اللسان: وتلقح كشافا ثم
تحمل فتثم .
(٣) ((الجو)) الأرض الفضاء الواسعة. و«فدك)) قرية بخير. وقيل: بناحية الحجاز،
فيها عين ونخل أفاءها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ، وكان على والعباس يتنازعانها . وسلمها
عمر رضى الله عنه اليهما. فذكر على أن النبى صلى الله عليه وسلم كان جعلها فى حياته لفاطمة
وولدها . وأبى العباس ذلك. ولعل زهيرا يريد عمرو بن العاص رضى الله عنه. والله أعلم.