النص المفهرس

صفحات 241-260

- ٢٤١ -
((شِراج الحرة )) بكسر الشين المعجمة، واحدها: شرجة - بفتح الشين - مايل الماء
من الحِرار إلى السهل .
والحرة : كل أرض ذات حجارة سود. وذلك لشدة حرها ووَهَج الشمس فيها .
والجدر : بفتح الجيم وسكون الدال المهملة ، أى الجدار.
وقيل : المراد به ههنا : أصل الحائط .
وقيل : أصول الشجر. وقيل: جدر المشارب التى يجتمع فيها الماء فى أصول النخل .
وقيل : الجدر لغة فى الجدار .
وروی « اُدُر)» جمع جدار.
وقيل : الجذر - بفتح الجيم وكسرها - الجدار.
وروى (( الجذر)) بفتح الجيم وسكون الذال المعجمة ، وهو مبلغ تمام الشرب من جذر
الحساب، وهو بالفتح والكسر: أصل كل شىء. والمحفوظ بالدال المهملة .
وفيه دليل : على أن أهل الشِّرب الأعلى مقدمون على من هو أسفل لسبقه إليه ، وأنه
ليس للأعلى أن يحبسه عن الأسفل إذا أخذ حاجته منه .
فأما إذا كان أصل منبع الماء ملك لقوم، وهم فيه شركاء، أو كانت أيديهم عليه معاً.
فإن الأعلى والأسفل فيه سواء ، فإن اصطلحوا على أن يكون نُوَباً بينهم ، فهو على
ما تراضوا به . وإن تشاخُّوا اقترعوا . فمن خرجت له القرعة كان مبدوءا به .
وقد اختلف الناس فى تأويل هذا الحديث .
فذهب بعضهم : إلى أن القول الأول إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه
المشورة للزبير، وعلى سبيل المسألة فى أن يطيب نفساً لجاره الأنصارى ، دون أن يكون
ذلك منه حكماً عليه ، فلما خالفه الأنصارى حكم عليه بالواجب من حكم الدين .
وذهب بعضهم : إلى أنه قد كَفَرَ حين ظنَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم المحاباة
للزبير . إذا كان ابن عمته . وأن ذلك القول منه كان ارتداداً عن الدِّين، وإذا ارتدَّ عن
الإسلام زال ملكه عن ماله. وكان فيئاً. فصرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير.
إذ كان له أن يضع الفى حيث أراه الله تعالى.
وفيه مستند لمن رأى جواز نسخ الشيء قبل العمل به.
م ١٦ - مختصر السنن -7 .

- ٢٤٢ -
وقيل : كان هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه المشورة للزبير: أن يطيب
نفسا لجاره الأنصارى، دون أن يكون ذلك جكما عليه، فلما خالفه الأنصارى حكم
عليه بالواجب .
وقيل: كان الأول حكما . والثانى عقوبة منه صلى الله عليه وسلم للأنصارى لما صدر
عنه ، حيث كانت العقوبة مشروعة فى الأموال .
وقيل : كان ذلك القول منه ارتدادا عن الدين ، فزال ملكه ، وكان فيئا ، فصرفه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير، إذ كان له أن يضع الفىء حيث أراه الله عز وجل
٣٤٩١ - وعن ثعلبة بن أبى مالك (( أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان
له سَهم فى بنى قريظة ، خاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مَهْزُور(١) - السيل الذى
يَقْسِمون ماءه - فقضى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الماء إلى الكعبين ،.
لا يَخْبِسُ الأعلى على الأسفل)»
٣٤٩٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قضَى فى السَّيل المهزور: أن يمسّك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل))
وأخرجه ابن ماجة . والراوى عن عمرو بن شعيب: هو عبد الرحمن بن الحرث المخزومى.
المدنى. تكلم فيه الإمام أحمد .
٣٤٩٣ - وعن أبى طُوالة (٢)، وعمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبى سعيد الخدرى، قال:
((اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فى حريم نخلهٍ - فى حديث أحدهما:
فأمَر بها ، فذُرعتْ ، فَوُجدَتْ سبع أفرع - وفى حديث الآخر: فوجدت خمسة أذرع،.
فقضى بذلك ))
قال عبد العزيز - وهو ابن محمد - ((فأمر بجريدة من جريدها فذُرعت))
((آخر كتاب الأقضية)»
(١) بهامش المنذرى: بفتح الميم وسكون الهاء ، وبعدها زاى مضمومة وواو ساكنة وراء مهملة:
وادى بنى قريظة . وأما مهروز - بتقديم الراء المهملة وآخره زاى - فموضع سوق المدينة. تصدق به
رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين.
(٢) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصارى، قاضى المدينة. وثقه أحمد وابن سعد، وقال :
مات فى آخر سلطان بنى أمية . خلاصة

- ٢٤٣ -
أول كتاب العلم
الحث على طلب العلم [٣: ٣٥٤]
٣٤٩٤ - عن كثير بن قيس، قال («كنت جالساً مع أبى الدَّرداء فى مسجد دِمَشق، فجاءه
رجل فقال: يا أبا الدرداء ، إنى جثْتُكَ من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، لحديثٍ
بلغنى أنك تُحدِّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جئتُ لحاجةٍ ، قال : فإنى سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلِمَا شُلكَ [الله] بهِ
طريقاً منْ طُرق الجنة، وإن الملائكة لتُضْعُ أَجْنِحَتَها رِضاً لطالبِ العلم ، وإنّ العالم
ليستغفرُ لهُ مَنْ فى السمواتِ ومُّنْ فى الأرض ، والحيتانُ فى جَوف الماء، وإنَّ فَضْلَ العالم
عَلى العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ الَبَدْرِ على سائرِ الكواكب، وإنَّ العلماء ورثةُ الأنبياء ،
وإنَّ الأنبياء لم يُورِّثْوا ديناراً ولا درهماً، ورَُّوا العلم، فمنْ أخذهُ أخذَ بحَظٍ وافرٍ ))
وأخرجه ابن ماجة. وأخرجه الترمذى، وقال فيه: عن قيس بن كثير، قال (( قدم
رجل من المدينة على أبى الدرداء - فذكره )) قال : ولا نعرف هذا الحديث إلا من
حديث عاصم بن رجاء بن حيوة . وليس إسناده عندى متصل، وذكر أن الأول أصح .
هذا آخر كلامه .
وقد اختلف فى هذا الحديث اختلافا كثيرا . فقيل فيه : كثير بن قيس. وقيل : قيس
بن كثير ، كما ذكرناه .
٣٤٩٤ - قال الشيخ: قوله ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم)) يُتأول على وجوه:
أحدها: أن يكون وضعها الأجنحة بمعنى التواضع والخشوع ، تعظيما لحقه، وتوقيراً
لعلمه. كقوله تعالى (١٧: ٢٤ واخفِضْ لهما جَناح الدُّلِّ من الرحمة).
وقيل : وضع الجناح معناه: الكَفُّ عن الطيران للنزول عنده: كقوله صلى الله عليه
وسلم (( ما من قوم يذكرون الله إلا حَفَّت بهم الملائكة، وغَشيتهم الرحمة)).
وقيل: معناه بسط الجناح، وفرشها لطالب العلم لتحمله عليها . فتُبِلِغُه حيث يَؤُمُ
:

- ٢٤٤ -
وفيه (( أن كثير بن قيس ذَكر: أنه جاءه رجل من أهل مدينة رسول الله صلى الله
عليه وسلم )) .
وفى بعضها: عن كثير بن قيس قال: ((أتيت أبا الدرداء وهو جالس فى مسجد دمشق
فقلت: يا أبا الدرداء، إنى جئتك من مدينة الرسول، فى حديث بلغنى عنك)).
وفى بعضها ((جاءه رجل من أهل المدينة وهو بمصر)).
ومنهم من أثبت فى إسناده داود بن حُميل . ومنهم أسقطه .
وروی عن کثیر بن قیس عن یزید بن سمرة عن أبى الدرداء .
وروى عن يزيد بن سمرة وغيره من أهل العلم عن كثير بن قيس قال (( أقبل رجل
من أهل المدينة إلى أبى الدرداء.))
وذكر ابن ◌ُميع فى الطبقة الثانية من تابعى أهل الشام ، قال: وكثير بن قيس : أمره
ضعيف، لم يُثبته أبو سعيد، يعنى دُحَيما.
٣٤٩٥ - وعن عثمان بن أبي سودة ، عن أبى الدرداء - يعنى عن النبى صلى الله عليه
وسلم- بمعناه.
٣٤٩٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما مِنْ رجلٍ يَسْكُ
طريقاً يطلبُ فيه علماً إلّ سَهَّلَ الله لهُ به طريقَ الجنة، ومنْ أبطأ به عملهُ لم يُسِرِغْ
به نسبه)).
وأخرجه مسلم أتم منه . وأخرجه الترمذى مختصراً .
ويقصد من البقاع فى طلبه. ومعناه: المعونة، وتيسير السعى له فى طلب العلم. والله اعلم.
وقيل فى قوله (( وتستغفر له الحيتان فى جوف الماء )): أن الله قد قَيَّض للحيتان وغيرها
من أنواع الحيوان بالعلم على ألسنة العلماء أنواعاً من المنافع والمصالح والإرفاق . فهم الذين
بَيَّنوا الحكم فيها فيما يحل ويحرم فيها، وأرشدوا إلى المصلحة فى بابها ، وأوصَوْا بالإحسان
إليها ، ونفى الضرر عنها . فألهمها الله الاستغفار للعلماء، مجازاة لهم على حسن صنيعهم بها،
وشفقتهم عليها .

- ٢٤٥ -
باب رواية حديث أهل الكتاب [٣٥٥:٣]
٣٤٩٧ - عن ابن أبى ◌َمْلَة الأنصارى، عن أبيه (( أنه بينما هو جالس عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وعنده رجل من اليهود ، مُرَّ بجنازة، فقال: يامحمد ، هل تتكلّم هذه
الجنازة؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اللّه أعلم. قال اليهودى: إنها تتكلّم ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماحَدَّثَكم أهلُ الكتاب فلا تُصَدِّقِوم ، ولا تكذبوهم ،
وقولوا: آمنا بالله ورُسُله، فان كان باطلاً لم تصدقوه، وإن كان حقا لم تكذوه ))
٣٤٩٧ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: قد صح عن النى صلى الله عليه وسلم النهى عن الكتابة
والإذن فيها ، والاذن متأخر ، فيكون ناسخاً لحديث النهى ، فان النبى صلى الله عليه وسلم قال
فى غزاة الفتح (اكتبوا لأبى شاه)) يعنى خطبته التى سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله
بن عمرو فى الكتابة، وحديثه متأخر عن النهى. لأنه لم يزل يكتب ، ومات وعنده كتابته،
وهى الصحيفة التى كان يسميها (( الصادقة)) ولو كان النهى عن الكتابة متأخراً لمحاها عبد الله،
لأمر النى صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دل على
أن الإذن فى الكتابة متأخر عن النهى عنها، وهذا واضح . والحمد لله.
٠
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم فى مرض موته ((ائتونى باللوح والدواة
والكتف لأ كتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)).
وهذا إنما كان يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه .
وكتب النبى صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم كتاباً عظيما: فيه الديات ، وفرائض الزكاة
وغيرها . وكتبه فى الصدقات معروفة ، مثل كتاب عمر بن الخطاب ، وكتاب أبى بكر الصديق
الذی دفعه إلى أنس رضي الله عنهم .
وقيل لعلى ((هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء ؟ فقال: لا ، والذى فلق الحبة ،
وبرأ النسمة ، إلا مافى هذه الصحيفة . وكان فيها العقول ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل
مسلم بكافر »
وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة غير القرآن فى أول الإسلام لئلا يختلط القرآن
بغيره. فلما علم القرآن وتميز، وأفرد بالضبط والحفظ ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط :.
أذن فى الكتابة
وقد قال بعضهم : إنما كان النهى عن كتابة مخصوصة ، وهى : أن يجمع بين كتابة الحديث
والقرآن فى صحيفة واحدة ، خشية الالتباس

- ٢٤٦ -
أبو عملة الأنصارى الظّفَرِى(١): اسمه عمار بن معاذ. وقيل: غير ذلك. له صحبة .
وأخوه أبو ذرّة الحرث: له صحبة . ولأبيهما معاذ بن زرارة أيضا صحبة .
وابنه : هو نملة بن أبى نملة روى عنه الزهرى .
٣٤٩٨ - وعن زيد بن ثابت قال (( أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعلّمت له
كتاب يهودَ ، وقال: إنى والله ما آمنُ يهودَ على كتابى. فتعلمته، فلم يمرَّ بي إلا نصفُ
شهرٍ حتى حَذَقْتُهُ، فكنتُ أ كتب له إذا كتَبَ ، وأقرأ له إذا كُتِبَ إليه))
وأخرجه الترمذى ، وقال: حسن صحيح. وأخرجه البخارى تعليقا فى كتاب العلم
٣٤٩٩ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: (( كنت أكتبُ كلَّ شىء أسمعه من رسول الله
صلى الله عليه وسلم أريدُ حفظَه، فَنَهَتْى قريشٌ ، وقالوا: أتكتبُ كل شىء؟ ورسول الله
صلى الله عليه وسلم بَشْرٌ يتكلم فى الغضبِ والرضا، فأمسكتُ عن الكتاب ، فذكرت
ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بإصبعه إلى فيه ، فقال : أكتب ، فوالذى
نفسى بيده ما يخرجُ منهُ إلّ حقٌ))(٢).
٣٥٠٠ - وعن المطّلب بن عبد الله بن حَفْطَب، قال ((دخل زيدُ بن ثابت على معاوية
٣٤٩٩، ٣٥٠٠ - قال الشيخ: يشبه أن يكون النهى متقدماً، وآخر الأمرين: الإباحة.
وقد قيل : إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن فى صحيفة واحدة . لئلا يختلط
به، ويشتبه على القارئ * . فأما أن يكون نفس الكتاب محظوراً وتقييد العلم بالخط
منهباً عنه : فلا .
وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقاً
وكان بعضهم يرخص فيها ، حتى يحفظ فإذا حفظ محاها
وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها ، ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من
السنة إلا أقل القليل .
(١) نسبة إلى بنى ظفر - بفتحات - بطن من الأنصار
(٢) وأخرج الدارمى وغيره عن وهب بن منبه عن أخيه: سمع: أبا هريرة يقول «ليس أحد من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا عن النبى صلى الله عليه وسلم منى، إلا ما كان من
عبد الله بن عمرو ، فانه كان يكتب ولا أكتب))

- ٢٤٧ -
فسأله عن حديث ؟ فأمر إنساناً يكتُبه، فقال له زيدٌ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(أمرنا أن لا نكتبَ شيئاً من حديثه، فمحاه ))
فى إسناده: كثير بن زيد الأسلمى، مولاهم ، المدَنى . وفيه مقال .
والمطلب بن عبد الله بن حنطب : قد وثقه غير واحد . وقال محمد بن سعد : كان
كثير الحديث. وليس يحتج بحديثه. لأنه يُرُسل عن النبى صلى الله عليه وسلم، وليس له
لُفِىٌّ. وعامة أصحابه يدلسون. هذا آخر كلامه .
وقد قيل : إنه سمع من عمر ، وأن الأوزاعى روى عنه .
والظاهر : أنهما اثنان . لأن الراوى عن عمر لم يدركه الأوزاعى .
وقد أخرج مسلم فى الصحيح من حديث أبى سعيد الخدرى : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال (( لا تكتبوا عنى. ومن كتب عنى غير القرآن فلْيَمْحُه - الحديث)).
قال بعضهم : النهى محمول على أن يكتب الحديث مع القرآن فى صحيفة واحدة ،
لئلا يختلط به ، فيشتبه على القارىء .
وقيل : يحتمل أن يكون منسوخا . واختلف السلف فى ذلك .
فكرهه کثیر منهم ، وأجازه الأكثر.
ومنهم من كان يكتب . فاذا حفظ محا .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بالتبليغ. وقال ((ليبلغ الشاهد الغائب))
فاذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ ، ولم يؤمن ذهاب العلم، وأن يسقط أكثر
الحديث ، فلا يبلّغْ آخر القرون من الأمة، والنسيان من طبع أكثر البشر. والحفظ غير
مأمون عليه الغلط .
وقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل شكى إليه سوء الحفظ (( استعن بيمينك)) وقال
(( ا كتبوها لأبي شاه : خطبةً خطبها. فاستكتبها ».
وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتباً فى الصدقات والمعاقل والديات ،
أو كُتبت عنه ، فعملت بها الأمة ، وتناقلها الرواة، ولم ينكرها أحد من علماء
(السلف والخلف.
فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم . والله أعلم .

- ٢٤٨ -
ثم وقع بعدُ الاتفاق على الجواز .
٣٥٠١ - [عن أبى سعيد الخدرى، قال (( ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن)).
٣٥٠٢ - وعن أبى هريرة قال ((لما فتحت مكة قام النبى صلى الله عليه وسلم - فذكر الخطبة
خطبة النبى صلى الله عليه وسلم - قال: فقام رجل من أهل اليمن يقال له : أبو شاه، فقال :
یارسول الله : ا کتبوا لی، فقال: ا کتبوا لأبی شاه »
٣٥٠٣ - وعن الوليد، قال ((قلت لأبى عمرو - يعنى الأوزاعى - ما يكتبوه ؟ قال:
الخطبة التى سمعها - يعنى أبا شاه - يومئذ منه))](١)
التشديد فى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم [٣: ٣٥٧]
٣٥٠٤ - عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قلت للزبير: ((ما يمنعك أن
◌ُحدِّثَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يُحدِّث عنه أصحابك؟ فقال: أما والله لقد
كان لى منه وَجْهٌ ومنزلةٌ ، ولكنى سمعته يقول: من كذبَ علىَّ متعمدًا فَلَيَتَبَوَّأْ مَقْعدهُ
من النار »
وأخرجه البخارى والنسائى وابن ماجة . وليس فى حديث البخارى والنسائى (متعمدا))
والمحفوظ فى حديث الزبير: أنه ليس فيه (( متعمدا)).
وقد روى عن الزبير أنه قال: والله ما قال ((متعمدا)) وأنتم تقولون ((متعمداً)).
٣٥٠٤ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وفى الصحيحين عن على أنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم (( من تعمد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار ))
وفيهما أيضاً : عن المغيرة بن شعبة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
« إن كذبا علي ليس ككذب على غيرى، ثمن، كذب على متعمداً فليتبواً مقعده من النار))
وفيهما أيضاً: عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من كذب على
متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ))
(١) هذه الأحاديث الثلاثة، قال المزى: فى الأطراف: إنها فى رواية أبى الحسن ابن العبد. ولم يذكرها
أبو القاسم اللؤلؤى

- ٢٤٩ -
الكلام فى كتاب الله بغير علم [٣: ٣٥٨
L
لـ
٣٥٠٥ - عن جُنْدَب - وهو ابن عبد الله البَجَلِى رضى الله عنه - قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( من قال فى كتاب الله عزَّ وجلَّ برأيه وأصاب فقد خطأ ))
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: هذا حديث غريب . وقد تكلم بعض
أهل العلم فى سهيل بن أبى حَزْم . هذا آخر كلامه .
وسهيل بن أبى حزم: بصرى . واسم أبى حزم: مهران. وقد تكلم فيه الإمام أحمد
والبخارى والنسائى وغيرهم .
باب تكرير الحديث [٣: ٣٥٨]
٣٥٠٦ - عن أبى سلام - وهو تمطمور الحبشى - عن رجل خدم النبى صلى الله عليه وسلم.
(( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا حَدَّث حديثاً أعاده ثلاث مرات)»
باب فى سرد الحديث [٣: ٣٥٨]
٣٥٠٧ - عن عروة - وهو ابن الزبير - قال ((جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة
رضى الله عنها ، وهي تصلى، فجعل يقولُ: اسمعى، يارَبَّةَ الحُجْرة - مرتين - فلما قَضَتْ
صلاَتَها قالت : ألا تعجبُ إلى هذا وحديثه؟! إنْ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
ليحدِّث الحديثَ لو شاء العادُّ أن يُحصيه أحصاه))
وأخرجه البخارى ومسلم بنحوه
٣٥٠٨ - وعن عروة ((أن عائشة زوجَ النبى صلى الله عليه وسلم قالت: ألا يعجبك
أبو هريرة؟ جاء، فجلس إلى جانب حُجرَ ،، يُحدِّث عن رسول الله عليه وسلم، يُسْمِعنى
وفى صحيح البخارى: عن سلمة بن الأكوع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
(( من يقل علي مالم أقل فليتبوأ مقعده من النار ))

- ٢٥٠ -
ذلك ، وكنتُ أُسَبِّح، فقام قَبَلَ أن أقضِىَ سُبْحَتِى، ولو أدركته لرددت عليه ، إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يَسْرُد الحديث سَرْدَكم))
وهو معنى الحديث المتقدم . وأخرجه الترمذى والنسائى .
باب التَّوَقِى فى الفتيا [٣: ٣٥٩]
٣٥٠٩ - عن معاوية - وهو ابن أبى سفيان رضى الله عنهما- ((أن النبى صلى الله عليه وسلم
نهى عن الغُلُوطات)»
فى إسناده عبد الله بن سعد . قال أبو حاتم الرازى : هو مجهول .
٣٥٠٩ - قال الشيخ: وقد روى («أنه نهى عن الأغلوطات)).
.5
قال الأوزاعى : هى شرار المسائل .
(« والأغلوطات)) واحدها أغلوطة، وزنها أفعولة، من الغلط، كالأحموقة من الحُمق
والأسطورة من السَّطْر .
فأما الغلوطات: فواحدتها: غَوطة، اسم مبنى من الغلط ، كالخلوبة والرّ كوبة:
من الحلب والركوب .
والمعنى: أنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التى يكثر فيها الغلط ليَسْتَزُّوا بها
ويُسْتَسْقَطَ رأيهم فيها .
وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لاحاجة للانسان إليه من المسائل ، ووجوب التوقف
عما لا علم للمسؤل به .
وقد روينا عن أبى بن كعب ((أن رجلاً سأله عن مسئلة فيها غموض. فقال : هل
كان هذا بعد؟ قال : لا. فقال: أمهلنى إلى أن يكون)).
وسأل رجل مالك بن أنس عن رجل شربَ فى الصلاة ناسياً؟ فقال: ولم لم يأكل؟
ثم قال: حدثنا الزهرى عن على بن حسين: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( إن من
حُسْن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)).

- ٢٥١ -
٣٥١٠ - وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ أُفْتِىَ بِغَيْرٍ عِلْم
كَانَ إِثْمُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيه بأمْرٍ يَعْلَمُ أَنْ الرُّشْدَ فِى غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ ﴾
وأخرجه ابن ماجة . مقتصراً على الفصل الأول بنحوه .
باب كراهية منع العلم [٣: ٣٦٠]
٣٥١١ - عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ سُئِلٍ عَنْ عِلْمٍ
فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ الله بِلِجَامٍ مِنْ نَارِ يَوْمَ القِيَامَةِ)»
وأخرجه الترمذى وابن ماجة. وقال الترمذى: حديث حسن . هذا آخر كلامه .
وقد روى عن أبى هريرة من طريق فيها مقال . والطريق التى أخرجه بها أبو داود
٣٥١١ - قال الشيخ: الممسك عن الكلام مُمَثَّلُ بمن ألجم نفسَه. كما يقال: التقىُّ ملجَم.
وكقول الناس: كلَّم فلان فلاناً فاحتجَّ عليه بحجة ألجمته ، أى أسكنته .
والمعنى : أن الملجَم لسانه عن قول الحق والإخبار عن العلم والإظهار له: يعاقب فى
الآخرة بلجام من نار .
وخرج هذا على معني مشا كلة العقوبة الذنب، كقوله تعالى (٢: ٢٧٥ الذين يأكلون
الرَّبا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخَبَّطُه الشيطانُ من المتِّ).
قال: وهذا فى العلم الذى يلزمة تعليمه إياه. ويتعين عليه فرضه. كمن رأى كافراً
يريد الإسلام يقول : علمونى ما الاسلام ، وما الدين ؟ وكمن يرى رجلاً حديث العهد
بالإسلام لا يُحسن الصلاة ، وقد حضر وقتها، يقول: علمونى كيف أصلى؟ وكمن جاء
٣٥١١ - قال المنذرى: اتفق الإمامان على الاحتجاج بعطاء بن أبي رباح . وقال الشيخ ابن القيم
رحمه الله: ولهذا صححه جماعة ، منهم ابن حبان وغيره ، ورواه ابن خزيمة: حدثنا حفص بن
عمرو الربالى حدثنا إسمعيل بن إبراهيم الكرابيسى حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن
أبى هريرة مرفوعاً، وهؤلاء كلهم ثقات .
ورواه ابن ماجة عن محمد بن عبد الله الأنصارى عن إسمعيل بن إبراهيم به .
ومن أجودها أيضاً: حديث عبد الله بن عمرو، رواه الجماعة عن ابن وهب الإمام عن
عبد الله بن عباس عن أبيه عن أبى عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو، يرفعه، وهذا إسناد صحيح.

- ٢٥٢ -
طريق حسن ، فانه رواه عن التَّبوذَ كِيّ ، وقد احتج به البخارى ومسلم - عن حماد بن سلمة -
وقد احتج به مسلم، واستشهد به البخارى - عن على بن الحكم، وهو أبو الحكم البُنَانى،
قال الإمام أحمد : ليس به بأس . وقال أبو حاتم الرازى: لا بأس به، صالح الحديث - عن
عطاء بن أبي رباح - وقد اتفق الإمامان على الاحتجاج به .
وقد روى هذا الحديث أيضا من رواية عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس .
مستغتياً فى حلال أو حرام يقول: أفتوبى، وأرشدونى. فإنه يلزم فى مثل هذه الأمور أن
لا يُمنعوا الجواب عما سألوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك كان آثماً مستحقاً للوعيد والعقوبة(١)
وليس كذلك الأمر فى نوافل العلم التى لا ضرورة بالناس إلى معرفتها .
وسئل الفضيل بن عياض عن قوله صلى الله عليه وسلم ((طلب العلم فريضة على كل مسلم))
وقد ظن أبو الفرج بن الجوزى أن هذا هو ابن وهب النسوى الذى قال فيه ابن حبان :
يضع الحديث ، فضعف الحديث به. وهذا من غلطانه، بل هو ابن وهب الإمام العلم .
والدليل عليه: أن الحديث من رواية أصبغ بن الفرج ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم
وغيرهما من أصحاب ابن وهب عنه. والنسوى متأخر ، من طبقة يحيي بن صاعد ، والعجب من
أبى الفرج كيف خفى عليه هذا؟ وقد ساقها من طريق أصبغ وابن عبد الحكم عن ابن وهب .
وحديث أبى سعيد: أخرجه ابن ماجة من حديث محمد بن داب ، وهو كذاب .
وحديث أنس : رواه ابن ماجة أيضاً من حديث الهيثم بن جميل : حدثنى عمرو بن سليم
حدثنا سيف بن ابراهيم عن أنس - فذكره - وإسناده ضعيف.
وحديث جابر: أجود طرقه : مارواه ابن ماجة حدثنا الحسن عن أبى السرى العسقلاني
حدثنا خالد بن تميم عن عبد الله بن السرى عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كتم حديثاً فقد كتم ما أنزل الله عز
وجل )) وهؤلاء ثقات .
(١) وكذلك إذا عم الناس الجاهلية، وغلبت عليهم الخرافات والبدع والعقائد الفاسدة، والعادات
الخبيثة - كشأن الناس اليوم فقد غلبت عليهم تقاليد الفرنجة وعقائد الكفرة وعاداتهم ومبادئهم الهادمة
للدين والخلق والكرامة - فإن من أوجب الواجب على أهل العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أن يبذلوا أقصى جهدهم فى نشره وتعليمه أهليهم وإخوانهم وعشيرتهم وأممهم ، لعل الله ينقذ الناس
مما هم فيه من ضلال وغضب . والله المستعان وحده .

- ٢٥٣ -
وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبى سعيد الخدرى ، وجابر
بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وعمرو بن عَبَسة، وعلى بن طَلْق . وفى كل منها مقال .
باب فضل نشر العلم [٣: ٣٦٠]
٣٥١٢ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((تَسْمَعُونَ، وَيُسْمَعُ
مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ ثَمّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ))
٣٥١٣ - وعن أبان بن عثمان بن عفان عن زيد بن ثابت ، قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول (( نَضَّرَ اللهُ امْرَءَا ◌َسَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَحَفِظَهُ حَتَّى يؤديه، فَرُبّ
حَامِلٍ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيْهِ))
· وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : حديث حسن .
وأخرجه ابن ماجة من حديث عَبّاد والد يحيى عن زيد بن ثابت .
٣٥١٤ - وعن سهل - يعنى ابن سعد - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((والله لَأنْ
يُهْدَى بِهِدَاكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النّعَرِ)»
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى مطولا فى غزوة خيبر، وقوله هذا لعلى رضى الله عنه
فقال : كل عمل كان عليك فرضاً فطلبُ علمه عليك فرض ، وما لم يكن العمل به عليك
فرضاً فليس طلب علمه عليك بواجب .
٣٥١٣ - قال الشيخ: قوله ((نضر الله معناه: الدعاء له بالنضارة، وهى النعمة والبهجة.
يقال : بتخفيف الضاد وتثقيلها . وأجودهما: التخفيف .
وفى قوله ((رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)» دليل على كراهة اختصار الحديث
لمن ليس بالمتناهى فى الفقه. لأنه إذا فعل ذلك فقد قطع طريق الاستنباط والاستدلال
لمعانى الكلام من طريق التفهم .
وفى ضمنه : وجوب التفقه والحث على استنباط معانى الحديث ، واستخراج المكنون
من سره .

- ٢٥٤ -
الحديث عن بنى إسرائيل [٣: ٣٦١]
٣٥١٥ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((حَدِّثُوا عَنْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ»
٣٥١٦° - وعن أبى حسان - وهو مسلم الأعرج - عن عبد الله بن عمرو، قال ((كان نى الله
صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن بنى إسرائيل حتي يُصْبِحَ، ما نقوم إلا إلى عُظْم صَلاةٍ(١)))
وأخرج البخارى من حديث أبي كبشة السَّولى عن عبد الله بن عمرو : أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال ((بلغوا عنى، ولو آية. وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن
كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار))
باب طلب العلم لغير الله تعالى [٣: ٣٦١]
٣٥١٧ - عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ تَعَلَّمَ عِدّاً يَّا
٣٥١٥ - قال الشيخ : ليس معناه إباحة الكذب فى أخبار بنى إسرائيل، ورفع الحرج عمن
نقل عنهم الكذب، ولكن معناه: الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ، وإن لم
يتحقق صحة ذلك بنقل الإسناد ، وذلك لأنه أمرٌ قد تعذر فى أخبارهم ، لبعد المسافة ، وطول
المدة . ووقوع الفترة بين زمانى النبوة(٢).
وفيه دليل : على أن الحديث لا يجوز عن النبى صلى الله عليه وسلم إلا بنقل الإسناد ،
والتثبت فيه .
وقد روى الدراوردى هذا الحديث عن محمد بن عمرو بزيادة لفظة دل بها على صحة هذا
المعنى ، ليست فى رواية على بن مُشهر التى رواها أبو داود عن أبى هريرة .
ومعلوم أن النكذب على بنى إسرائيل لا يجوز بحال. فإنما أراد بقوله ((وحدثوا عنى
ولا تكذبوا علىّ )) أى تحرزوا من الكذب علىّ، بأن لا تحدثوا عنى إلا بما يصح عندكم
من جهة الإسناد، الذى به يقع التحرز عن الكذب علىّ .
(١) ((عظم صلاة)) عظم الشىء - بضم العين وسكون الظاء - أكثره ومعظمه. كأنه أراد
أنه صلى الله عليه وسلم لا يقوم إلا لصلاة الفريضة
(٢) ولعدم حفظ الله لكتاب وشريعة أنبيائهم، حفظ القرآن وهدى خاتم الأنبياء لأنه حجة الله على
الناس إلى يوم القيامة .

- ٢٥٥ -
يُبْتَفَى بِهِ وَجْهُ اللهِ عَزَّ وَجَلَ ، لا ◌َتَعَلّهُ إلَّ لِيُصيبَ بِهِ عَرَضًاً مِنَ الدِنْيَا. لَمْ يَجِدْ
عَرْفَ الْجَنْةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - يعنى ريحها))
وأخرجه ابن ماجة والترمذى ، وقال : هذا حديث حسن .
باب فى القصص [٣٦٢:٣]
٣٥١٨ - عن عوف بن مالك الأشْجَعَىِّ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ((لا يَقُصُّ إلا أمِيرٌ، أَوْ مَأمُورٌ، أَوْ مُخْتَالٌ)).
فى إسناده : عَبّاد بن عباد الخواص . وفيه مقال .
٣٥١٩ - وعن أبى سعيد الخدرى، قال ((جلست فى عصابة من صُعفاء المهاجرين، إنّ
بَعْضَّهُمْ ليسَتَقِرُ ببعضٍ من الْعُرْى، وقارىء يقرأ علينا، إذ جاء رسولُ الله صلى الله عليه.
وسلم ، فقام علينا ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتَ القارىء، فسأَ، ثم قال :
ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يارسول الله، كان قارىء لنا يقرأ علينا، فكّا نستمع إلى كتاب
الله ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذى جعل من أمتى من أُمرتُ.
أن أصْبِرَ نفسى معهم. قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بنفسه
٣٥١٨ - قال الشيخ: بلغني عن ابن سريج أنه كان يقول: هذا فى الخطبة. وكان الأمراء
يتلون الخطب ، فيعظون الناس ، ويذكرونهم فيها .
فأما المأمور: فهو من يقيمه الإمام خطيباً، فيعظ الناس ويقُصُّ عليهم .
وأما المختال : فهو الذى نصب نفسه لذلك من غير أن يؤمر به ، ويَقُصُّ على الناس
طلباً للرياسة . فهو يرائى بذلك ويختال .
وقد قيل : إن المتكلمين على الناس ثلاثة أصناف : مُذَكِّر ، وواعظ ، وقاص .
فالمذكر: الذى يذكِّر الناس آلاء الله ونعماءه، ويبعثهم بها على الشكر له.
والواعظ : يخوفهم بالله وينذرهم عقو بته ، فيردعهم به عن المعاصى .
والقاص : هو الذى يروى لهم أخبار الماضين، ويسرد عليهم القصص . فلا يؤمن أن
يزيد فيها أو ينقص . والمذكر والواعظ مأمون عليهما هذا المعنى .

- ٢٥٦ -
فينا، ثم قال بيده هكذا، فتحلّقوا، وَ بَرَزَتْ وجوههم له ، قال : فما رأيتُ رسول الله
صلى الله عليه وسلم عَرَفَ منهم أحداً غيرى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبْشِرُوا
يامعشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبلَ أغنياء الناس بنصف
يوم، وذاك بخمسمائة سنة)).
فى إسناده: المعلّى بن زياد أبو الحسن ، وفيه مقال
وقد أخرج الترمذى وابن ماجة من حديث أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ،
نصف يوم)) وقال الترمذى : حسن صحيح .
وفى لفظ الترمذى ((يدخل فقراء المسلمين)) ولفظ ابن ماجة ((فقراء المؤمنين)).
وأخرج مسلم فى صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة
بأربعين خَريفا )».
فُيُجُمع بينهما بأن فقراء المهاجرين يسبقون إلى الجنة قبل فقراء المسلمين بهذه المدة ،
لما لهم من فضل الهجرة، وكونهم تركوا أموالهم بمكة رغبة فيما عند الله عز وجل .
وقد أخرج الترمذى وابن ماجة (( أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم
بخمسمائة عام)) .
وأخرج الترمذى (( يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا )).
غير أن هذين الحديثين لا يثبتان . والله أعلم .
٣٥٢٠ - وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَأَنْ أفعدَ مع
قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداةِ حتى تطلع الشمس أحَبُّ إلىَّ من أن أُعْتِقَ
أربعةً من ولد إسماعيل، ولأن أقعدَ مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب
الشمس أحبُّ إلى من أن أعتق أربعة)).
فى إسناده: موسى بن خلف، أبو خَلَف العَقِى البصرى. وقد استشهد به البخارى.
وأثنى عليه غير واحد من المتقدمين . وتكلم فيه ابن حبان البُسْتِى .

- ٢٥٧ -
٣٥٢١ - وعن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اقرأ
علىَّ سورة النساء: قال: قلت : أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنى أحبُّ أن أسمعه
من غيرى. قال: فقرأت عليه، حتى انتهيتُ إلى قوله (٤: ٤١ فكيف إذا جِثْنَاً من
كلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) الآية، فرفعتُ رأسى فإذا عيناه تَّهْمُلاَنِ))
. وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
((آخر كتاب العلم)»
٠
م ١٧ - مختصر السنن - ج .

- ٢٥٨ -
أول كتاب الأشربة ()
باب فى تحريم الخمر [٣: ٣٦٣]
٣٥٢٢- عن عمر رضي الله عنه قال ((نزل تحريم الخمر، يومَ نزل، وهى من خمسة أشياء:
من العنب، والتمر ، والعسل، والخِنْطة، والشعير. والخمرُ: ما خامَر العقلَ، وثلاثٌ
وَدِدْتُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يَعْهَدَ إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه:
الَجَدُّ ، والكلالة، وأبوابٌ من أبواب الربا)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
٣٥٢٣ - وعنه قال (( لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بَيِّنْ لنا فى الخمر بياناً شِفَاء،
فنزلت الآية التى فى البقرة (٢: ٢١٩ يسألونك عن الخمر والميسر؟ قل: فيهما إثم كبير)
الآية، قال: فَدُعِىَ عمر، فقرئْتْ عليه، قال: اللهم بَيِّنْ لنا فى الخمر بيانا شِفَاء،
فنزلت الآية التى فى النساء (٤: ٤٣ يا أيها الذين آمنوا لا تَقْربوا الصلاة وأتم
سُكَارَى) فكان مُنادِى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادى:
٣٥٢٢ - قال الشيخ فيه البيان الواضح: أن قول من زعم من أهل الكلام : أن الخمر إنما هو
عصير العنب النِّئء الشديد منه ، وأن ما عدا ذلك فليس بخمر : باطل .
وفيه دليل: على فساد قول من زعم أن لا خمر إلا من العنب والزبيب والتمر .
ألا ترى أن عمر رضى الله عنه أخبر ((أن الخمر حُرِّمت يومَ حرمت وهى تُتَّخَذُ من
الحنطة والشعير والعسل)) كما أخبر أنها ((كانت تتخذ من العنب والتمر)) وكانوا يسمونها
كلها خمراً .
ثم ألحق عمر رضى الله عنه بها كل ما خامَرَ العقل من شراب، وجعله خمراً. إذ كان
فى معناها، لملابسته العقل ومخامرته إياه ..
وفيه : إثبات القياس ، وإلحاق حكم الشىء بنظيره .
وفيه دليل: على جواز إحداث الاسم للشىء من طريق الاشتقاق بعد أن لم يكن .
(١) هذا الكتاب مؤخر عند الخطابى فإنه قد جعل بعد العلم: الترجل، ثم الطب ، ثم الأطعمة، ثم
الأشربة .

- ٢٥٩ -
ألاَ لاَ يَقْرَ بَنَّ الصلاةَ سَكْرَانٌ، فَدُعِىَ عمرُ ، فَقُرْتْ عليه، فقال: اللهم بيّن لنا فى الخمر
بياناً شفاء، فنزلت هذه الآية (٥: ٩١ فهل أنتم منتهون؟) فقال عمر: انتهينا))
وأخرجه الترمذى والنسائى. وذكر الترمذى : أنه مرسل أصح .
٣٥٢٤ - وعن على بن أبى طالب ((أن رجلا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف،
فسقاها قَبْلَ أن تُحَرَّم الخمر. فأمَّهِمْ علىُّ فى المغرب، فقرأ ( قل يا أيها الكافرون )
فَخَلَطَ فيها، فنزلت (٤: ٤٣ لا تقربو الصلاة وأنتم سُكارَى حتى تعلموا ما تقولون)))
وأخرجه الترمذى والنسائى . وقال الترمذى: حسن غريب صحيح . هذا آخر كلامه
وفى إسناده: عطاء بن السائب . ولا يعرف إلا من حديثه . وقد قال يحيى بن معين:
لا يحتج بحديثه . وفرَّق مرةً بين حديثه القديم وحديثه الحديث . ووافقه على التفرقة
الإمام أحمد.
وقال أبو بكر البزار : وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن على رضى الله عنه متصل
الإسناد إلا من حديث عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمن - يعنى السلمى - وإنما كان
ذلك قبل تحريم الخمر، فرمت من أجل ذلك . هذا آخر كلامه .
وقد اختلف فى إسناده ومتنه .
فأما الاختلاف فى إسناده : فرواه سفيان الثورى ، وأبو جعفر الرازى عن عطاء بن
السائب مسنداً. ورواه سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن طَهْمان ، وداود بن الزِّبْرِ قان عن
عطاء بن السائب ، فأرسلوه .
وأما الاختلاف فى متنه : ففی کتابی أبى داود والترمذى : ما قدمناه . وفى كتابى
النسائى وأبى جعفر النحاس: ((أن المصلى بهم: عبد الرحمن بن عوف» وفى كتاب أبى بكر
البزار ((أمروا رجلا فصلى بهم، ولم يُسِّه)) وفى حديث غيره ((فتقدم بعض القوم)).
٣٥٢٥ - وعن ابن عباس، قال (٤: ٤٣ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأتم
سُكَارَى) و(٢١٩:٢ يسألونك عن الخمر والميسر؟ قل: فيهما إثم كبير ومنافع للناس)
نسختها فى المائدة (٥: ٩٠ إنما الخمر والميسرُ والأنصاب) الآية)).
فى إسناده: على بن الحسين بن واقد ، وفيه مقال .
٣٥٢٦ - وعن أنس، قال (« كنت ساقى القوم حيثُ حُرِّمت الخمر فى منزل أبِى طَلْحَةَ،

- ٢٦٠ -
وما شَرابُنَا يومئذٍ إلا الْفَضِخُ(١)، فدخل علينا رجلٌ، فقال: إن المخر قد حرمت،
ونادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: هذا منادى رسول الله صلى الله
عليه وسلم )) .
باب العنب يعصر للخمر (١) [٣: ٣٦٦]
٣٥٢٧ - عن أبى علقمة مولاهم، وعبد الرحمن بن عبد الله الغافِقى: أنهما سمعا ابن عمر
يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَمَن الله الخمر، وشاربها، وساقيها ، وبائعها،
ومبتاعها ، وعاصِرِهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وحاملها، والمحمولَةَ إليه))
وأخرجه ابن ماجةٍ، إلا أنه قال (( وأبى طعمة )) مولاهم.
وعبد الرحمن الغافقي - هذا - سئل عنه يحيى بن معين؟ فقال : لا أعرفه . وذكره
ابن يونس فى تاريخه ، وقال: إنه روى عن ابن عمر . روى عنه عبد العزيز بن عمر بن
عبد العزيز وعبد الله بن عياض ، وأنه كان أميراً للأندلس ، فقتلته الروم بالأندلس
سنة خمس عشرة ومائة .
وأبو علقمة، مولى ابن عباس ، ذكر ابن يونس : أنه روى عن ابن عمرو وغيره من
الصحابة ، وأنه كان على قضاء إفريقية. وكان أحد فقهاء الموالى.
وأبو طعمة - هذا - هو مولى عمر بن عبد العزيز، سمع من عبد الله بن عمر . رماه
مكحول الهذلى بالكذب .
باب فى الخمر ◌ُخْلَّل [٣: ٣٦٦]
٣٥٢٨ - عن أنس بن مالك ((أنَّ أبا طلحة سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن أيتام
وَرِثُوا خَمْرًا؟ قال: أهْرِ قْهَا. قال: أفلا أجعلُهَا خَلَّ؟ قال: لا)).
٣٥٢٨ - قال الشيخ: فى هذا بيان واضح أن معالجة المر حتى تصير خلاً غير جائز ولو كان
إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به لما يجب من حفظه وتثميره والحيطة عليه ،
(١) ((الفضيخ)) بفتح الفاء وكسر الضاد المعجمة - شراب يتخذ من البسر المفضوخ، أى:
المكسور، ومراده: أن هذا النوع هو محل نزول الآية ، فتناول الآية له أولى .
(٢) فى عون المعبود ((باب العصير للخمر))