النص المفهرس

صفحات 221-240

- ٠ ٢٢١ -
وأتيا الأشْعَريَّ - هو أبو موسى - فأخبراه، وقدِما بتركته ووصيته، فقال الأشعرى : هذا
أمر لم يكن بعدَ الذى كان فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحلفهما بعد العصر بالله
ماخانا ، ولا كذبا، ولا بدَّلا ، ولا كتما، وَلا غيَّرًا، وإنها لوصيةُ الرجل ورِكَتُهُ ،
فأمضى شهادتهما ))
٣٤٦٠ - وعن ابن عباس، قال ((خرج رجل من بنى سَهْمٍ مع تميم الدارِىِّ وعدىٍّ
بن بَدًّا. (١) ، فمات السَّهمى بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدُوا جَامَ فِضَّةٍ
وقال الشافعى : لا تقبل شهادة الذمى بوجه ، لا على مسلم، ولا على كافر ، وهو
قول مالك .
وقال أحمد : لا تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض .
وقال أصحاب الرأى: شهادة بعضهم على بعض جائزة . والكفر كله ملةٍ واحدة .
وقال آخرون : شهادة اليهودى على اليهودى جائزة . ولا تجوز على النصرانى
والمجوسى ، لأنها ملل مختلفة ، ولا تجوز شهادة أهل ملة على ملة أخرى .
وهذا قول الشعبى وابن أبى ليلى وإسحاق بن راهوية ، وحكى ذلك عن الزهرى ،
قال : وذلك للعداوة التى ذكرها الله بين هذه الفرق .
٣٤٦٠ - قال الشيخ : فيه حجة لمن رأى رد اليمين على المدعى، والآية محكمة لم تنسخ فى قول
٣٤٦٠ - ذكر المنذرى حديث تميم الدارى وعدى بن بداء ، ثم قال المنذرى : وأخرجه
البخارى ، فقال: وقال لى على بن عبد الله - يعنى ابن المديني - حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن
زائدة عن محمد بن القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس - فذكره.
قيل : وهذا يدل على أنه ليس من شرط البخارى . وهذه عادته فيما ليس من شرطه : أن
لا يصرح بالتحديث ، بل يقول (( قال لى)» ونحوه .
(١) ((بداء)) بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال المهملة وفتحها، وهو ممدود. ومات عدى بن بداء
نصرانياً. والسهمى الذى مات : هو بديل بن أبى مارية السهمى ، مولاهم. وقيل: بديل بن أبى حيم ،
مولى بنى هاشم ، والأول أشهر. وقيل: إن الرجلين اللذين حلفا ؛ هما : عبد الله بن عمرو بن العاص،
والمطلب بن أبى وداعة السهمى ، وقيل: عمرو بن العاص ورجل آخر . وفي إسناد ذلك مقال. اهـ من
هامش المنذرى .

- ٢٢٢ -
مُخُوَّصاً بالذهب، فأحْلفهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا:
اشتريناه من تميمٍ وَعَدِىّ ، فقام رجلان من أولياء السَّهى، حلفا: لَشهادتُنا أحقُّ من
شهادتهما ، وإن الجام لصاحبهم ، قال: فنزلت فيهم (٥: ١٠٦ يا أيها الذين آمنوا شهادةُ
بينكم إذا حضر أحدَ كم الموتُ) الآية.
وأخرجه الترمذى ، وقال: حسن غريب. وأخرجه البخارى، فقال: وقال لى علي
بن عبد الله - يعنى ابن المدينى - فذكره - وهذه عادته فيما لم يكن على شرطه ، وقد تكلم
عائشة ، والحسن البصرى، وعمرو بن شرحبيل، وقالوا: المائدة آخر مانزل من القرآن ،
لم ينسخ منها شىء.
وتأول من ذهب إلى خلاف هذا القول الآية على الوصية ، دون الشهادة ، لأن نزول
الآية إنما كان فى الوصية، وتميم الدارى ، وصاحبه عدى بن بَدَّاء: إنما كانا وصيين
لاشاهدين، والشهود لا يحلّون، وقد حلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما عَبّر
بالشهادة عن الأمانة التى تحملاها. وهو معنى قوله تعالى (٥: ١٠٦ ولا نكم شهادة الله)
أى أمانة الله .
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وهذا تعليل فاسد ، فان البخارى رواه فى صحيحه
مسنداً متصلا .
وقوله (( قال لى)) طريق من طرق الرواية، ليس بموجب لتعليل الإسناد. فالتعليل
به تعنت .
وقال على بن المدينى : هذا حديث حسن ، ولا أعرف ابن أبي القاسم .
وقال غيره : هو محمد بن أبى القاسم الطويل ، قال يحيى بن معين : ثقة ، كتبت عنه .
وقد تأول قوم الآية تأويلات باطلة .
فمنهم من قال : كلها فى المسلمين ، وقوله ( أو آخران من غيركم) يعنى من غير قبيلتكم.
وهذا باطل . فان الله افتتح الخطاب بـ ( يا أيها الذين آمنوا ) ثم قال ( أو آخران من غيركم)
ومعلوم أن غير المؤمنين هم الكفار ، ولم يخاطب الله سبحانه بهذه الآية قبيلة دون قبيلة ،
بل الخطاب بها على عادة خطاب القرآن لعموم المؤمنين .
وحديث ابن عباس صريح فى المراد بها، وأن الشهود من أهل الكتاب .
وقال بعضهم: ((الشهادة)) هنا بمعنى الحضور، لا الاخبار. وهذا إخراج للكلام عن
الفائدة، وحمل له على خلاف مراده ، والسياق يبطل هذا التأويل المستنكر.

- ٢٢٣ -
على بن المدينى على هذا الحديث ، وقال: لا أعرف ابن أبى القاسم ، وقال: وهو حديث
حسن . هذا آخر كلامه .
وابن أبى القاسم - هذا - هو محمد بن أبى القاسم الطويل. قال يحيى بن معين: ثقة،
قد كتبت عنه .
باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به [٣: ٣٤٠]
٣٤٦١ - عن عمارة بن حُزيمة ، أن عمه حدثه - وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-
((أن النبى صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابى، فاستتبعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم
وقالوا: معنى قوله (٥: ١٠٦ أو آخران من غيركم) أى من غير قبيلتكم، وذلك: أن
الغالب فى الوصية : أن الموِّى يشهد أقر باءه وعشيرته ، دون الأجانب والأباعد .
ومنهم من زعم أن الآية منسوخة .
والقول الأول: أصح. والله أعلم .
٣٤٦١ - قال الشيخ: هذا حديث يضعه كثير من الناس غير موضعه ، وقد تذرع به قوم
من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عنده بالصدق على كل شىء ادعاه .
وقال بعضهم: ( الشهادة)) هنا بمعنى اليمين ، وظاهر السياق ، بل صريحه : يشهد بأنها
شهادة صريحة ، مؤكدة باليمين ، فلا يجوز تعطيل وصف الشهادة .
وقال بعضهم: الآية منسوخة ، وهذه دعوى باطلة، فان المائدة من آخر القرآن نزولا ،
ولم يجىء بعدها ما ينسخها ، فلو قدر نص يعارض هذا من كل وجه لكان منسوخاً بآية المائدة
وقال بعضهم: هذه الآية ترك العمل بها إجماعا ، وهذه مجازفة ، وقول بلا علم ، فالخلاف
فيها أشهر من أن يخفى، وهى مذهب كثير من السلف، وحكم بها أبو موسى الأشعرى .
وذهب إليها الإمام أحمد.
٣٤٦١ - قال ابن القيم رحمه الله: وقد احتج بحديث خزيمة من يرى أن الحاكم أن يحكم بعلمه
قال : وجرت شهادة خزيمة فى ذلك مجرى التوكيد والاستظهار ؛ ولهذا لم يكن معها يمين .
وهذا القول باطل ، والنبى صلى الله عليه وسلم إنما أمضى البيع بشهادة خزيمة ، وجعلها.

- ٢٢٤ -
ليقضيَه ثمنَ فرسه، فأسرع النبيُّ صلى الله عليه وسلم المشىَ، وأبطأ الأعرابىُّ ، فطفِقَ رجال
يعترضون الأعرابىَّ، فيساومونه الفرسَ، ولا يشعرون أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم ابتاعه،
فنادى الأعرابىُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كنتَ مبتاعًا هذا الفرسَ ،
وإلا بعتُه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، حين سمع نداء الأعرابى ، فقال : أوَ ليْسَ قَدِ
ابْتِعْتُهُ منك؟ فقال الأعرابيّ : لا ، والله ما بعتك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: بلى،
قد ابتَعْتُهُ منك. فطفق الأعرابى يقول: هَلُمَّ شَهِيداً، فقال خُزيمة بن ثابت: أنا أشهد
أنك قد بايعته ، فأقبل النبى صلى الله عليه وسلم على خزيمة . فقال: بِمَ تَشْهَدُ ؟ فقال :
بتصديقك يارسول الله، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شهادةَ خزيمة بشهادة رجلين))
وأخرجه النسائى .
وهذا الأعرابى : هو سَواء بن الحرث . وقيل: سواء بن قيس المحاربى ، ذكره
غير واحد فى الصحابة .
وقيل : إنه جحد البيع بأمر بعض المنافقين .
وقيل : إن هذا الفرس : هو المرتجز المذكور فى أفراس رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإنما وجه الحديث ومعناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم على الأعرابي بعلمه ،
إذا كان النبى صلى الله عليه وسلم صادقاً باراً فى قوله، وجرت شهادة خزيمة فى ذلك مجرى
التوكيد لقوله ، والاستظهار بها على خصمه . فصارت فى التقدير : شهادته له وتصديقه إياه
على قوله ، كشهادة رجلين فى سائر القضايا .
بمنزلة شاهدين ، وهذا لأن شهادة خزيمة على البيع ، ولم يره : استندت إلى أمر هو أقوى من
الرؤية ، وهو تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراهين الدالة على صدقه، وأن
كل ما يخبر به حق وصدق قطعاً ، فلما كان من المستقر عنده أنه الصادق فى خبره ، البار فى
كلامه ، وأنه يستحيل عليه غير ذلك ألبتة ، كان هذا من أقوى التحملات ، نجزم بأنه بايعه ،
كما يجزم لو رآء وسمعه ، بل هذه الشهادة مستندة إلى محض الايمان ، وهى من لوازمه ومقتضاه.
ويجب على كل مسلم أن يشهد بما شهد به خزيمة ، فلما تميزت عن شهادة الرؤية والحس ، التى
يشترك فيها العدل وغيره ، أقامها النبى صلى الله عليه وسلم مقام شهادة رجلين .
:

- ٢٢٥ -
باب القضاء باليمين والشاهد [٣: ٣٤١]
٣٤٦٢ - عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد)).
٣٤٦٢ - قال الشيخ : يريد أنه قضى للمدعى بيمينه مع شاهد واحد ، كأنه أقام اليمين مقام
شاهد آخر ، فصار كالشاهدين .
وهذا خاص فى الأموال، دون غيرها ، لأن الراوى وقفه عليها ، والخاص لا يُتُعدى به
مجله ، ولا يقاس عليه غيره. واقتضاء العموم منه غير جائز. لأنه حكاية فعل. والفعل
لا عموم له، فوجب صرفه إلى أمر خاص. فلما قال الراوى («هو فى الأموال)) كان
مقصوراً عليه .
٣٤٦٢ - قال ابن القيم رحمه الله: قال ابن أبى حاتم، فى كتاب العلل: سألت أبى وأبا زرعة
عن حديث رواه ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبى هريرة (أن النى صلى الله عليه
وسلم قضى بشاهد ويمين)) ؟ فقالا : هو صحيح ، قلت : قال بعضهم : يقول عن سهيل عن أبيه
عن زيد بن ثابت؟ فقالا : وهذا صحيح أيضاً ، هما جميعاً صحيحان.
وقد روى ابن ماجة عن جابر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد ))
ورواه الإمام أحمد فى مسنده .
وفى المسند أيضاً: عن عمارة بن حزم ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع
الشاهد)
وفى المسند أيضا: عن سعد بن عبادة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع
الشاهد )
وفى المسند أيضاً : عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى
بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق)) وقضى على بن أبى طالب به بالعراق .
وروى ابن ماجة عن سرق (١) ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل ويمين
الطالب )
وأعل حديث أبى هريرة وحديث ابن عباس ، وهما أجود ما فى الباب .
(١) ((سرق)) بضم السين المهملة، وتشديد الراء المهملة مفتوحة وبعدها قاف - فابن أسد الجهنى، صحابى.
م ١٥ - مختصر السنن - ج .

- ٢٢٦ -
٣٤٦٣ - وفى رواية: قال عمرو - يعنى ابن دينار - ((فى الحقوق)).
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة .
٣٤٦٤ - وعن أبى هريرة (( أن النبى صلى الله عليه وسلم: قضى باليمين مع الشاهد)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب .
وقد رأى الحكم باليمين مع الشاهد الواحد : جلّة الصحابة، وأكثر التابعين،
وفقهاء الأمصار .
وأباه أصحاب الرأى وابن أبى ليلى .
وقد حكى ذلك أيضاً عن النخعى والشعبى.
أما حديث أبى هريرة : فقالوا : يرويه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبى هريرة ، رواه
عنه ربيعة ، قال الدراوردى : فذكرت ذلك لسهيل ، فقال: أخبرنى ربيعة، وهو عندى ثقة
أنى حدثته إياه، ولا أحفظه ، قال عبد العزيز : وكان أصاب سهيلا علة أذهبت عقله،
ونسي بعض حديثه، فكان سهيل يحدث عن ربيعة عنه عن أبيه .
والجواب عن هذا من وجوه .
أحدها : أن هذا لو ثبت ، لكان تعليلا لبعض طرق حديث أبى هريرة ، ولا يلزم من
تعليل هذه الطريق تعليل أصل الحديث ، فقد رواه أبو الزناد عن الأعرج عنه ، ومن هذه
الطريق أخرجه النسائى .
الثانى : أن هذا يدل على صدق الحديث ، فان سهيلا صدق ربيعة ، وكان يرويه عنه عن
نفسه ، ولكنه نسيه ، وليس نسيان الراوى حجة على من حفظ .
الثالث : أن ربيعة من أو ثق الناس ، وقد أخبر أنه سمعه من سهیل ، فلا وجه لرد حديثه ،
ولو أنكره سهيل ، فكيف ولم ينكره؟ وإنما نسيه للعلة التى أصابته ، وقد سمعه منه ربيعة
قبل أن تصيبه تلك العلة .
وأما حديث ابن عباس : فيرويه عمرو بن دينار عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد
روى عن عمرو بن دينار عن محمد بن على ((أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين)»
وهذا أيضاً تعليل باطل ، لا يعترض بمثله على السنن الصحيحة ، وقد رواه الناس عن عمرو
ابن دينار عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وصححه مسلم ، وقال النسائى: إسناد
جيد ، وساقه من طرق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس .

- ٢٢٧ -
٣٤٦٥ - وعن الزُّبيب - وهو ابن تَعلبة - قال ((بعث نبىُّ الله صلى الله عليه وسلم جيشاً إلى
بنى العَنْبرِ، فَأَخَذُوُمْ بِرُكْبَةَ ، من ناحية الطائف ، فاستاقوم إلى نبى الله صلى الله عليه
وسلم ، فركبتُ، فسبقتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت: السلام عليك يا نبيَّ الله،
واحتج بعضهم فى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام (( البينة على المدعى ، والمين على
المدعَى عليه)) وهذا ليس مخالف لحديث اليمين مع الشاهد، وإنما هو فى اليمين إذا كان
مجرداً ، وهذه يمين مقرونة ببينة. فكل واحد منهما غير الأخرى ، فإذا تباين محلّاها
جاز أن يختلف حكاما .
٣٤٦٥ - قال الشيخ: قوله ((خضرمنا آذان النعم)) أى قطعنا أطراف آذانها ، وكان ذلك
فى الأموال علامة بين من أسلم وبين من لم يسلم .
. والمخضرمون: قوم أدركوا الجاهلية وبقوا إلى أن أسلموا .
وقال الشافعى : هو حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يرد أحد من أهل
العلم مثله؛ لو لم يكن معه غيره ، مع أن معه غيره مما يشده .
وقال الشافعى: قال لى محمد بن الحسن : لو علمت أن سيف بن سليمان يروى حديث اليمين مع
الشاهد - يعنى حديث ابن عباس - لأفسدته عند الناس، قلت: يا أباعبد الله، إذا أفسدته فسْد؟ !
وسيف هذا ثقة، اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه ، قال على بن المدينى : سألت يحيى بن
سعيد عن سيف بن سليمان؟ فقال : كان عندى ثبتاً ممن يصدق ويحفظ، وقال النسائى: وستيف
ابن سلمان ثقة .
وأعله الطحاوى ، وقال : إنه منكر ، وقال: قيس بن سعد لا نعلم يحدث عن عمرو بن
دينار بشىء .
وهذه علة باطلة ، لأن قيساً ثقة ثبت ، غير معروف بتدليس ، وقيس وعمرو مكيان فى زمان
واحد ، وإن كان عمرو أسن وأقدم وفاة منه ، وقد روى قيس عن عطاء ومجاهد ، وهما أكبر
سناً وأقدم موتاً من عمرو بن دينار .
وقد روى عن عمرو من هو فى قرن قيس ، وهو أيوب السختيانى ، فمن أين جاء إنكار
رواية قيس عن عمرو ؟ وقد روى جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن
ابن جبير عن ابن عباس : قصة المحرم الذى وقصته ناقته، وهو من أصح الأحاديث .
فقد تبين أن قيساً روى عن عمرو غير حديث ، ولم يعلمها أحد من أئمة الحديث بانقطاع

- ٢٢٨ -
ورحمة الله وبركاته، أتانا جُنْدُكَ فأخذونا ، وقد كُنَّا أسلمنا، وخَضْرَمْنَا آذَانَ النَّعَمَ
فلما قدم بَنْعَنْبر، قال لى نبى الله صلى الله عليه وسلم: هَلْ لَكُمْ بَيِّنَّةُ على أنكم أسلمتم قبل
أن تُؤْخَذُوا فى هذه الأيام؟ قلت: نعم، قال: مَنْ بَيِنْتُكَ ؟ قلت: سَمُرَةُ - رجل من بنى
العنبر - ورجل آخر سماه له ، فشهد الرجل ، وأبى سمرة أن يشهد ، فقال ◌ُّالله صلى الله عليه
وسلم: قَدْ أَبِى أَنْ يَشْهَدَ لَكَ، فَتَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِكَ الآخر؟ قلت : نعم، فاستحلفنى،
حلفت بالله: لقد أسلمنا يوم كذا وكذا، وخَضْرَمْنا آذان النعم ، فقال نِىُّ الله صلى الله
عليه وسلم: اذْهَبُوا، فَاسِمُ أَنْصَافَ الْأَمْوَالِ ، وَلاَ تَُّّوا ذَرَارِيَّهُمْ، لَوْلاَ أنَّ اللهَ
ويقال: إن أصل الخضرمة : خلط الشيء بالشيء.
و ((ضلالة العمل)» بطلانه، وذهاب نفعه. ويقال: ضل اللبن فى الماء إذا
بطل وتلف .
وقوله (( ما رزيناكم عقالاً)) اللغة الفصيحة: مارزأناكم، بالهمز، يريد ما أصبنا من
أموالكم عقلا ، ويقال : مارزأته ز بالا ، أى ما أصبت منه ما تحمله نملة .
والزربية: الطَّفِة.
أصلا ، وقد تابع قيساً محمد بن مسلم الطائفى عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ، ذكر.
النسائى ، وأبو داود، والحديث مروى من وجوه عن ابن عباس، فهو ثابت ، لا مطمع
فى رده بحمد الله .
وقد أعله طائفة بالإرسال بأن عمرو بن دينار رواه عن محمد بن على عن النبى صلى الله عليه
وسلم مرسلا .
وهذا أيضاً تعليل فاسد، لا يؤثر في الحديث، لأن راويه عن عمرو مرسلا: إنسان ضعيف،
لا يعترض بروايته على الثقات . قال النسائى: ورواه إنسان ضعيف ، فقال: عن عمرو بن دينار
عن محمد بن على مرسل ، قال: وهو متروك الحديث ، ولا يحكم بالضعفاء على الثقات ، تم كلامه

- ٢٢٩ -
لاَ يُحِبِّ ضَلَاَلَةِ الْعَمَلَ مَارَزَيْنَا كُمْ(١) عِقالا. قال الزبيب: فدعتنى أمَّى، فقالت: هذا
الرجلُ أُخذ زِرْبِيَتَّى، (٢) فانصرفت إلى النبى صلى الله عليه وسلم - يعنى فأخبرته - فقال لى:
احبسه . فأخدتُ بتَلْبيبه، وقمتُ معه مكاننا ، ثم نظر إلينا نبىُّ الله صلى الله عليه وسلم
قائمين، فقال: مَا تُريدُ بأسيرك؟ فأرسلته من يدى، فقام نبى الله صلى الله عليه وسلم ،
فقال للرجل: رُدَّ على هذا زِرْبيةً أمِّه التى أخذتَ منها . قال: يا نبى الله ، إنها خرجتْ
وفى الحديث : استعمال اليمين مع الشاهد فى غير الأموال ، إلا أن إسناده ليس بذاك.
وقد يحتمل أيضاً أن تكون اليمين قد قصد بها ههنا الأموال ، لأن الإسلام يعصم
المال ، كما يحقن الدم.
وقد ذهب قوم من العلماء إلى إيجاب اليمين مع البيئة العادلة ..
وهذه العلل وأمثالها تعنت، لا تترك لها الأحاديث الثابتة، ولو تركت السنن بمثلها لوجد
السبيل إلى ترك عامة الأحاديث الصحيحة الثابتة بمثل هذه الخيالات .
وهذه الطريق فى مقابلها طريق الأصوليين ، وأكثر الفقهاء : أنهم لا يلتفتون إلى علة
للحديث إذا سلمت طريق من الطرق منها ، فاذا وصله ثقة ، أو رفعه ، لا يبالون بخلاف من خالفه
ولو كثروا .
والصواب فى ذلك: طريقة أيمة هذا الشأن العالمين به وبعلله، وهو النظر والتمهر فى العلل
والنظر فى الواقفين ، والرافعين ، والمرسلين ، والواصلين: أنهم أكثر وأوثق وأخص بالشيخ
وأعرف بحديثه، إلى غير ذلك من الأمور التى يجزمون معها بالعلة المؤثرة فى موضع ، وبانتفائها
فى موضع آخر ، لا يرتضون طريق هؤلاء، ولا طريق هؤلاء .
والمقصود : أن هذا الأصل قد رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ، وعلى
ابن أبى طالب ، وابن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وسعد بن عبادة ، وجابر بن عبد الله،
وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة ، وسرق ، وعمارة بن حزم، وجماعة من الصحابة ، وعمرو
بن شعيب مرسلا ومتصلا ، والمنقطع أصح، وأبو سعيد الخدرى ، وسهل بن سعد .
(١) أى : ما تقصاكم
(٢) ((زربيتى)) بتثليث الزاى وسكون الراء وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء المثناة ثم تاء تأنيث -
الطنفسة أو البساط ذو الخمل ، وجمعها زرابى

- ٢٣٠ -
من يدى، قال : فاختلع ◌َيُّ الله صلى الله عليه وسلم سيفَ الرجل ، فأعطانيه ، وقال
للرجل : اذهب ، فزده آصُعاً من طعام . قال: فزادنى آصعا من شعير)).
وقال الخطابى : إسناده : ليس بذاك .
وقال أبو عمر النََّرَى: إنه حديث حسن . هذا آخر كلامه .
وقد روى (( القضاء بالشاهد واليمين)) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية عمر
"ابن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وابن عمر، وابن عمرو، وسعد بن عبادة ، والمغيرة بن
شعبة ، وجماعة من الصحابة رضى الله عنهم .
وزبيب : بضم الزاى، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف ، وبعدها
باء موحدة أيضاً .
كان شريح والشعبي والنخعى يرون أن يُستحلف الرجل مع بيئته، واستحلف شريح
رجلاً ، فكأنه تأنَّى اليمين . فقال: بئس ماتثنى على شهودى ، وهو قول سَوَّار بن
عبد الله القاضى.
وقال إسحاق : إذا استراب الحاكم أوجب ذلك .
حديث ابن عباس : رواه مسلم .
وحديث أبى هريرة: حسن ؛ صححه أبو حاتم الرازى .
وحديث جابر : حسن، وله علة ، وهى الإرسال ، قاله أبو حاتم الرازى .
وحديث زيد بن ثابت : صححه أبو زرعة وأبو حاتم ، رواه سهل عن أبيه عن زيد بن ثابت
((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين))
وحديث سعد بن عبادة : رواه الترمذى والشافعى وأحمد .
وحديث سرق : رواه ابن ماجة ، وتفرد به . وله علة : هى رواية ابن البيلمانى عنه .
وحديث الزبيب : حسن ، رواه عنه شعيب بن عبد الله بن الزبيب العنبرى ، حدثنى أبى
قال : سمعت جدى الزبيب ، وشعيب : ذكره ابن حبان فى الثقات .
وحديث عمرو بن شعيب: رواه مسلم بن خالد الزنجى عن ابن جريج عن عمرو (( أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد)) منقطعاً، وهو الصحيح .
وحديث أبى سعيد: رواه الطبرانى فى معجمه الصغير بإسناد ضعيف .
وحديث سهل بن سعد: رواه أبوبكر بن أبى شيبة ، وهو ضعيف ، عن أبى حازم عن سهل.
فالعمدة على الأحاديث الثابتة ، وبقيتها شواهد لا تضر .

- ٢٣١ -
وذكر بعضهم : أنه من الأسماء المفردة .
وفيما قاله نظر. ففى الرواة من اسمه زبيب غيره، على خلاف فيه .
وقد قيل فى زبيب بن ثعلبة أيضاً : زنيب . بالنون .
باب الرجلين يدعيان شيئا وليست لهما بينة [ ٣: ٣٤٤ ]
٣٤٦٦٠ - عن أبى موسى الأشعرى ((أن رجلين ادعيا بعيرا، أو دابة ، إلى النبي صلى الله
عليه وسلم، ليست لواحد منهما بينة ، فجعله النبى صلى الله عليه وسلم بينهما ))
٣٤٦٦ - قال الشيخ: يشبه أن يكون هذا البعير أو الدابة كان فى أيديهما معاً، فجعله النبى
٣٤٦٦٠ - ذكر المنذرى: أنه أخرجه النسائى، وذكر أنه خولف فى إسناده ومتنه. وقال الشيخ
ابن القيم رحمه الله : خالفه سعيد بن أبى عروبة فى إسناده ومتنه ، ثم ساقه من حديث
سعيد عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن أبى موسى ((أن رجلين اختصما إلى
النبى صلى الله عليه وسلم فى دابة، ليست لواحد منهما بينة، فقضى بها بينهما نصفين)) ثم قال :
إسناد هذا الحديث جيد .
والحديث الذى أنكره النسائى: قد أخرجه أبو داود من غير طريق محمد بن كثير ،
أخرجه بإسناد كلهم ثقات . رواه من حديث همام عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن
أبى موسى ، ورواه الضحاك بن حمزة عن قتادة عن أبى مجلز عن أبى بردة عن أبيه عن
أبى موسى، وروى عن حماد بن سلمة عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبى بردة عن أبى موسى
وقيل : عن حماد عن قتادة عن النضر عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة ؛ قال البيهقى :
وليس بمحفوظ .
قال: والأصل فى هذا الباب: حديث سماك بن حرب عن تميم بن طرفة(١) ((أن رجلين
اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعير ، فأقام كل واحد منهما شاهدين ، فقضى به
بينهما نصفين)) وهذا منقطع .
(١) طرفة: بفتح الطاء والراء والفاء، وهو الطائى المسلى - بضم الميم وسكون السين المهملة
وكسر اللام - نسبة إلى مسلية: قبيلة من مذحج. روى عن جابر بن سمرة وعدى بن حاتم
وابن أبى أوفى والضحاك بن قيس . وعنه : سماك بن حرب ، والمسيب بن رافع ، وعبد العزيز
ابن رفيع وغيرهم، قال النسائى: ثقة. وكذا قال أبو داود والعجلى، وقال ابن سعد: ثقة ،
قليل الحديث . وقال الشافعى : مجهول . قال ابن حبان فى الثقات: مات سنة ثلاث أو أربع
وتسعين . اهـ تهذيب

- ٢٣٢ -
وأخرجه النسائى وابن ماجة .
٣٤٦٧ - وفى رواية: (( أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث
كلُّ واحد منهما شاهدين ، فقسمه النبى صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين)).
وأخرجه النسائى، وقال : هذا خطأ .
صلى الله عليه وسلم بينهما ، لاستوائهما فى الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى
يستحقانه لو كان الشىء فى يد غيرها .
٣٤٦٧ - قال الشيخ: هذا مروى بالإسناد الأول، إلا أن الحديث المتقدم (( أنه لم يكن
لواحد منهما بينة)) وفى هذا ((أن كل واحد منهما قد جاء بشاهدين)).
فاحتمل أن تكون القصة واحدة ، إلا أن الشهادات لما تعارضت تساقطت ، فصارا
كمن لا بينة له. وحكم لهما بالشىء نصفين بينهما ، لاستوائهما فى اليد .
ويحتمل أن يكون البعير فى يد غيرهما ، فلما أقام كل واحد منهما شاهدين على دعواه
نزع الشيء من يد المدعى عليه ، ودفعه إليهما .
وقد اختلف العلماء فى الشيء يكون فى يد الرجل ، فيتداعاه اثنان ، ويقيم كل
واحد منهما بينة .
فقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية : يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة صارله.
وكان الشافعى يقول به قديماً . ثم قال فى الجديد : فيه قولان .
أحدهما : يقضى به بينهما نصفين . وبه قال أصحاب الرأى ، وسفيان الثورى .
والقول الآخر : يقرع بينهما ، وأيهما خرج سهمه حلف : لقد شهد شهوده بحق ،
ثم يقضى له به .
وقال الترمذى فى كتاب العلل: سألت محمد بن اسماعيل عن حديث سعيد بن أبى بردة عن
أبيه فى هذا الباب ؟ فقال: يرجع هذا الحديث إلى حديث سماك بن حرب عن تميم بن طرفة .
قال محمد : روى حماد بن سلمة قال قال سماك بن حرب : أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث .
تم كلامه .
وقد رواه غندر عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه مرسلا ، قال البيهقى :
وإرسال شعبة له كالدلالة على صحة ما قال البخارى .

1
- ٢٣٣ -
ومحمد بن كثير - هذا - هو المصيصى، وهو صدوق إلا أنه كثير الخطأ. وذكر أنه
خولف فى إسناده ومتنه . هذا آخر كلامه .
ولم يخرجه أبو داود من حديث محمد بن كثير، وإنما أخرجه بإسناد كلهم ثقات .
٣٤٦٨ - وعن أبى رافع : - وهو نقيع الصائغ - عن أبى هريرة (( أن رجلين اختصما فى.
متاع إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ليس لواحد منهما بينة ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ، مَا كَانَ، أَحَبَّ ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا)).
وأخرجه النسائى.
٣٤٦٩ - وفى رواية قال ((فى دابة ، وليس لهما بينة، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يَسْتَهِما على اليمين)).
وأخرجه ابن ماجة .
٣٤٧٠ - وعن هَّام بن مُنَبِّه، عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا
كره الاثنان اليمين ، أو استحباها. فَلْيَسْتَهِما عليها)).
وقال مالك : لا أحكم به لواحد منهما إذا كان فى يد غيرهما . وحكى عنه أنه قال : هو
لأعدلهما شهوداً، وأشهرها بالصلاح .
وقال الأوزاعى: يؤخذ بأكثر البينتين عدداً، وحكى عن الشعبى أنه قال : هو بينهما
على حصص الشهود .
٣٤٦٨ - قال الشيخ: معنى (( الاستهمام)) هنا: الاقتراع، يريد أنهما يقترعان. فأيهما
خرجت له القرعة حلف ، وأخذ ما ادعاه ، وروى ما يشبه هذا عن على رضى الله عنه .
قال حَفَشَ بن المعتمر ((أُنى علىٌّ ببغل وُجد فى السوق يباع، فقال رجل: هذا بغلى،
لم أبع، ولم أهب، وزع علىّ ما قاله بخمسة يشهدون، قال: وجاء آخر يدعيه يزعم أنه
بغلة ، وجاء بشاهدين ، فقال على رضى الله عنه: إن فيه قضاء وصفحاً . وسوف أبين
لكم ذلك كله ، أما صلحه : فأن يباع البغل، فيقسم تمنه على سبعة أسهم . لهذا خمسة : ولهذا
اثنان ، وإن لم يصطلحوا إلا القضاء. فانه يحلف أحد الخصمين أنه بغله ، ما باعه ولا وهبه .

- ٤-٢٣ -
٣٤٧١ -: وفى رواية ((إذا أكره اثنان على اليمين))
وأخرجه البخارى، ولفظه (( أن النبى صلى الله عليه وسلم عرض على قوم اليمين،
فأسرعوا، فأمر أن يُسهم بينهم فى اليمين، أيُّهم يحلف))
باب اليمين على المدعى عليه [٣: ٣٤٦]
٣٤٧٣ - عن ابن أبي مليكة - وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة القرشى التيمى.
المكى - قال: كتب إلى ابنُ عباس ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين
على المدعى عليه )) .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
باب: كيف اليمين؟ [٣: ٣٤٧]
٣٤٧٣ - عن ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال - يعنى لرجل حَلَّه -:.
(«أُحْلِفْ بالله الذى لا إله إلا هو ماله عندك شىء)) يعني للمدعى.
وأخرجه النسائى. وفى إسناده: عطاء بن السائب ، وفيه مقال . وقد أخرج له
البخارى حديثاً مقرونا .
باب إذا كان المدعى عليه ذميا: أيحلّف؟ [ ٣: ٣٤٧ ]
٣٤٧٤ - عن الأشعث - وهو ابن قيس - قال- « كان بينى وبين رجل من اليهود أَرْضُ
فَجَحَدَ نِى، فقدّمته إلى النبي صلي الله عليه وسلم، فقال لى النبى صلى الله عليه وسلم: ألك
بينة؟ قلت : لا ، قال اليهودى: احلف. قلت: يا رسول الله، إذاً تَخْلِفُ، ويذهب بمالى
فأنزل الله (٣: ٧٧ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم - إلى آخر الآية)))
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة ، أتم منه . وأخرجه مسلم بنحوه .
فان تشاححتما أيُّكما يحلف أقرعنا بينكما على الحلف. فأيكما قرع حلف. قال : فقضى
بهذا ، وأنا شاهد)»

٤٠٠
- ٢٣٥ -
باب يحلف الرجل على علمه فيما غاب عنه [ ٣: ٣٤٧ ]
٣٤٧٥ - عن الأشعث بن قيس ((أن رجلا من كِنْدة، ورجلا من حضرَ موت، اختصما إلى
النبى صلى الله عليه وسلم فى أرض من اليمن ، فقال الحضرمى : يا رسول الله ، إن أرضى
اغتصبنيها أبو هذا، وهى فى يده، قال: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قال: لا ، ولكن أُحَلَّهُ: والله
ما يعلم أنها أرضى اغتصبنيها أبوه، فتهيا الكندى)) يعنى لليمين.
٣٤٧٦٠ - وعن علقمة بن وائل بن حُجْر الحضرمى، عن أبيه، قال ((جاء رجل
من حَضْرموت ورجلٌ من كِنْدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمى:
يا رسول الله، إن هذا غَلَبنى على أرض، كانت لأبى ، فقال الكندى : هي أرضى
فى يدى، أزْرَعُهَا، ليس له فيها حق، فقال النبى صلى الله عليه وسلم للحضرمى: ألك بينة؟
قال : لا ، قال : فَكَ مینهُ . فقال : يا رسول الله ، إنه فاجر ، ليس يُبالي ما حلف، ليس
يَتورَّع من شىء ، فقال: ليس لك منه إلا ذلك )) .
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى .
باب كيف يحلّف الذمى؟ [٣: ٣٤٨]
٣٤٧٧ - عن الزهرى قال حدثنا رجل من مُزينة ، ونحن عند سعيد بن المسيب ، عن أبى
هريرة ، قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم، يعنى اليهود ((أنْشُدُ كُمْ بِاللهِ الذِى أنْزَلَ
التَّوْرَاةَ على مُوسَى : مَا تجدون فى التَّوْرَاةِ على مَنْ زَنَى؟)).
٣٤٧٨ - وفى رواية: حدثنى رجل من مُزينة ، ممن كان يتّبع العلم ويَعِيه ، وساق الحديث
وأخرجه فى الحدود أتم من هذا . والرجل من مزينة : مجهول .
-
٣٤٧٦ - قال الشيخ : فيه من الفقه: أن المدعى عليه يبرأ باليمين من دعوى صاحبه .
وفيه : أن يمين الفاجر كيمين البر فى الحكم.
وفيه دليل : على سقوط التّباعة فيما يجرى بين الخصمين من التشاجر والتنازع إذا
ادعى على آخر الظلم، والاستحلال مالم يعلم خلافه.

- ٢٣٦ -
٣٤٧٩ - وعن عكرمة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له - يعنى لابن صُورِيَا - ((أُذَ كَّرُكم
بالله الذى ◌َجَّاكُمْ منْ آل فرعون، وأقطعكم الْبَحْر، وظَلَّل عليكم الغمام ، وأنزل عليكم
المنَّ والسَّلْوَى، وأنزل عليكم التوراة على موسى، أتجدون فى كتابكم الرَّجْمَ؟ قال: ذكَّرتنى
بعظيم ، ولا يسعنى أن أكذبك - وساق الحديث ))
هذا مرسل .
باب الرجل يحلف على حقه [٣: ٣٤٨]
٣٤٨٠ - عن عوف بن مالك ((أن النبى صلى الله عليه وسلم: قضى بين رجلين، فقال
المَقْضِىُّ عليه، لمّا أدبر: حسبى الله ونعم الوكيل، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : إنّ
اللهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلكنْ عليكَ بالكَيْس، فإذا غلبكَ أمرٌ ، فقل: حسبى الله
ونعم الوكيل )»
وأخرجه النسائى. وفى إسناده : بقية بن الوليد، وفيه مقال .
قيل : العجز: ترك ما يجب فعله بالتسويف، وهو عام فى أمور الدنيا والدين . والكيس
فى الأمور: يجرى مجرى الرفق فيها والفطنة ، والكيْس : العقل .
باب فى الحبس فى الدين وغيره [٣: ٣٤٩]
٣٤٨١ - عن عمرو بن الشَّريد، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لَّ
الواجدٍ يُحِلُّ عِرْضه وعقو بتهُ ))
٣٤٨١ - قال الشيخ: فى الحديث دليل على أن المعسر لا حبس عليه . لأنه إنما أباح حبه
إذا كان واجداً . والمعدم غير واحد . فلا حبس عليه .
وقد اختلف الناس فى هذا .
فكان شريح يرى حبس الملىء والمعدم ، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأى .
وقال مالك : لا حبس على معسر ، إنما حظه الإِنظار .

- ٢٣٧ -
قال ابن المبارك : عرضه: يُغلّظ له، وعقوبته: يحبس له .
وأخرجه النسائى وابن ماجة
٣٤٨٢ - وعن الهِرْماس بن حبيب، رجلٍ من أهل البادية، عن أبيه، قال (( أتيت النبي
صلى الله عليه وسلم بغريم لى، فقال لى: الْزَمْه، ثم قال: يا أخا بنى تميم ، ماتريد أن
تفعل بأسيرك?))
وأخرجه ابن ماجة. وصوابه: عن أبيه عن جده، وسقط ((عن جده)) فى كتاب
الحافظ أبى بكر الخطيب ، ولا بد منه .
ووقع فى كتاب ابن ماجة (( عن أبيه عن جده)) على الصواب. وهكذا ذكره
البخارى فى تاريخه الكبير (( عن أبيه عن جده)).
وقال ابن أبى حاتم : هرماس بن حبيب العنبرى : روى عن أبيه عن جده . ولجده
صحبة. وذكر: أنه سئل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عن الهرماس بن حبيب العنبرى ؟
فقالا : لا نعرفه . وقال: سألت أبى عن هرماس بن حبيب؟ فقال: شيخ أعرابى، لم يرو عنه
غير النضر بن شميل ، ولا تعرف أباه ولا جده .
٣٤٨٣ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ((أن النبى صلى الله عليه وسلم حَبَس
رجلا فى ◌ُهمة)»
وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى : حديث حسن
وزاد فى حديث الترمذى والنسائى ((ثم خَلَى عنه)).
ومذهب الشافعى : أن من كان ظاهر حاله العسر فلا يحبس، ومن كان ظاهر حاله
اليسار: حبس إذا امتنع من أداء الحق . ومن أصحابه من يدعى فيه زيادة شرط . وقد بينه .
٣٤٨٣ - قال الشيخ : فيه دليل على أن الحبس على ضربين : حبس عقوبة ، وحبس
استظهار .
فالعقوبة لا تكون إلا فى واجب .
وأما ما كان فى تهمة: فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به عما وراءه. وقد روى (( أنه
صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً فى تهمةٍ ساعةً من نهار، ثم خلى سبيله)).

- ٢٣٨ -
وجَدُّ بهز بن حكيم: هو معاوية بن خيدة القشيرى ، وله صحبة ، وقد تقدم الكلام
على الاختلاف فى الاحتجاج بحديث بهزبن حكيم.
٣٤٨٤ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده - قال ابن قدامة وهو محمد - ((أن أخاه
أو عمه ، وقال مؤمل - وهو ابن هشام - أنه قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يخطب
فقال: جيرانى، بما أخذوا؟ فأعرض عنه، مرتين، ثم ذكر نيئا، فقال النبى صلى الله عليه
وسلم: خَلُوا له عن جيرانه ))
باب فى الوكالة [٣: ٣٥٠]
٣٤٨٥ - عن جابر بن عبد الله قال ((أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فسلّت عليه، وقلت له : إنى أردت الخروج إلى خيبر، فقال : إذا
أنيتَ وكيلى منفخذْ منه خمسة عشر وَسْقً، فإن ابتَغَى منك آيَةً، فَضَعْ يدك على تَرْفُوْنِهِ )»
فى إسناده : محمد بن إسحاق بن يسار .
أبواب من القضاء [٣: ٣٥١]
٣٤٨٦ - عن يُسير بن كعب العدوى ، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال
(( إذا تَدار أثم فى طريق فاجعلوه سبع أذرع)»
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن صحيح .
وأخرجه الترمذى أيضا من حديث بشير بن ◌ُهَيك عن أبى هريرة . وقال : وهو
غير محفوظ . وذكر أن الأول أصح .
وأخرجه مسلم من حديث عبدالله بن الحرث، خَتَن محمد بن سيرين ، عن أبى هريرة .
٣٤٨٦ - قال الشيخ: هذا فى الطرق الشارعة والتُّبل النافذة التى يكثر فيها المارة : أمر
بتوسعتها ، لئلا تضيق عن الحمولة ، دون الأزقة الروابع التى لاتنفذ ، ودون الطرق التى
يدخل منها القوم إلى بيوتهم ، إذا اقتسم الشركاء بينهم رَبعاً وأحرزوا حصصهم، وتركوا
پینهم طريقاً يدخلون منه إليها .
ويشبه أن يكون هذا على معنى الإرفاق والاستصلاح، دون الحصر والتحديد .

- ٢٣٩ -
٣٤٨٧ - وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا استأذن أحدكم
أخاه أن يَغْرِزَ خشبةً فى جداره فلا يمنعه. فنكَّسوا ، فقال: مالى أراكم قد أعرضتم؟
لا لِقِينَها بين أكتامكم))
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة
٣٤٨٨ - وعن لؤلؤة - وهى مولاة للأنصار - عن أبى صِرْمة - وهو صاحب النبى صلى الله
عليه وسلم - عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من ضارَّ أضَرَّ الله به ، ومن شاقَّ شاقً.
الله عليه )»
وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حسن غريب. هذا آخر كلامه.
وأبو صرمة - هذا - له صحبة. شهد بدرا، واسمه: مالك بن قيس. ويقال: ابن أبى أنس.
ويقال: قيس بن مالك . وقيل : مالك بن أسعد . وقيل : لُبابة بن قيس ، أنصارى نجَّرى .
٣٤٨٩ - وعن أبى جعفر محمد بن على الباقر، عن سمرة بن جُندَب (( أنه كانت له عَضُدْ
من نخل فى حائط رجل من الأنصار، قال : ومع الرجل أهلُه، قال: فكان سَمُرة يدخل
إلى نخله، فيتأذَّى به ، ويَشُقُّ عليه ، وطلب إليه أن يبيعه، فأبى ، فطلب إليه أن يناقله ،
فأبى، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فطلب إليه النبى صلى الله عليه وسلم
أن يبيعه ، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال: فَهَبْهُ له. ولكَ كذا وكذا - أمْرًا،
رَغَّبَهُ فِيه - فأبى ، فقال: أنت مُضارٌّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصارى :
اذْهَبْ فافْلِعْ نخلهُ))
٣٤٨٧ - قال الشيخ: عامة العلماء يذهبون فى تأويله: إلى أنه ليس بإيجاب ، يحمل عليه
الناس من جهة الحكم، وإنما هو من باب المعروف وحسن الجوار، إلا أحمد بن
حنبل. فانه رآه على الوجوب وقال: على الحكام أن يقضوا به على الجار ، ويُضوه عليه.
إن امتنع منه .
٣٤٨٩ - قال الشيخ: رواه أبو داود ((عَضُدأ)) وإنما هو ((عُضَيد)) من نخيل(١) ير يد نخلاً لم
تَبْسُق ولم تطل .
(١) فى النهاية ((عضد من نخل)) أراد طريقة من النخل. وقيل: إنما هو ((عضيد من نخل)).

- ٢٤٠ -
فى سماع الباقر من سمرة بن جندب نظر . وقد نقل من مولده ووفاة سمرة : ما يتعذر
معه سماعه منه ، وقيل فيه: ما يمكن معه السماع منه . والله عز وجل أعلم
٣٤٩٠ - وعن عبد الله بن الزبير ((أن رجلاً خاصم الزبير فى شِراج الْحَرَّةِ التى يسقون
بها، فقال الأنصارى: سَرِّحِ الماءِ يَمُرُّ، فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم الزبير: اسق ياز بير، ثم أرسل إلى جارك. فغضب الأنصارى، فقال: يارسول الله،
: أنْ كان ابنَ عمتك؟ فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: اسق، ثم احبس
الماء، حتى يرجع إلى الجذر. فقال الزبير: فوالله إنى لأحسب هذه الآية نزلت فى ذلك
(٤: ٦٥ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) الآية))
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة ، وقال الترمذى : حسن .
وأخرجه البخارى ومسلم من حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه .
وأخرجه البخارى والنسائى من حديث عروة بن الز بير عن أبيه .
قال الأصمعى : إذا صار للنخلة جذع يتناول منه المتناول ، فتلك النخلة العضيد
وجمعه عضيدات .
وفيه من العلم: أنه أمر بإزالة الضرر عنه . وليس فى هذا الخبر أنه قلع نخله .
ويشبه أن يكون أنه إنما قال ذلك ليردعه به عن الإضرار .
٣٤٩٠ - قال الشيخ: ((شراج الحرة)) مجارى الماء الذى يسيل منها. واحده: شَرْج،
ومنه قول الشاعر يصف دلواً :
قد سقطت فى قصة من شَرْج
ثم استقلت مثل شِدق العِلْج(١)
وفيه من الفقة : أن أصل المياه الأودية والسيول: التى لا تملك منابعها ولم تُستنبط بحفر
وعمل : الإباحة. وأن الناس شَرْع سواء فى الارتفاق بها ، وأن من سبق إلى شيئً منها
فأحرزه : كان أحق به من غيره .
(١) فى اللسان: و(شرح)) ماء لنبى عَبْسٍ. قال: يصف دلوا وقعت فى بئر قليلة الماء بجاء فيها نصفها
فعيهها بشدق الحمار :
قد وقعت فى فضة من شرح ثم استقلت مثل شدق العلج
((فضة)) بالفاء والضاد المنقوطة .