النص المفهرس

صفحات 201-220

- ٢٠١ -
مسدد - وقال : كلوا . وحبس الرسول والقصعة، حتى فرغوا ، فدفع القصعة الصحيحة إلى.
الرسول ، وحبس المكسورة فى بيته ))
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة .
والتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتها : هى عائشة بنت أبى بكر الصديق.
رضى الله عنهما . والتى أرسلت النبى صلى الله عليه وسلم الصحفة : هى زينب بنت جحش،
وقيل : أم سلمة . وقيل : صفية بنت حُمَىِّ، رضوان الله عليهن
٣٤٢٤ - وعن عائشة رضى الله عنها: قالت ((مارأيت صانعا طَعاماً مثْلَ صَفيَّةَ، صنعتْ
لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما، فبعثت به، فأخذنى أفْكَلٌ، فكسَرتُ الإِناءِ،
فقلتُ: يارسول الله، ما كفَّارَةُ ماصنعتُ ؟ قال: إنَاء مِثْلُ إناءٍ، وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ))
٣٤٢٤ - قال الشيخ: يشبه أن يكون هذا من باب المعونة والإصلاح، دون بَتِّ الحكم
بوجوب المثل . فإن القصعة والطعام المصنوع ليس لهما مثل معلوم .
ثم إن هذا طعام وإناء حملا من صَفَية، وما كان فى بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم
من طعام ونحوه، فإن الظاهر منه والغالب عليه: أنه ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وللمرء أن يحكم فى ملكه وفيما تحت يده مما يجرى مجرى الأملاك بما يراه أرفق إلى الصلاح،
وأقرب . وليس ذلك من باب ما يحمل عليه الناس من حكم الحكام فى أبواب الحتموق.
والأموال .
وفى إسناد الحديث مقال.
ولا أعلم أحداً من الفقهاء ذهب إلى أنه يجب فى غير المكيل والموزون مثل ، إلا أن
داود يحكى عنه : أنه أوجب فى الحيوان المثل ، وأوجب فى العبد : العبد ، وفى العصفور :
العصفور . وشبهه بحمار الصيد .
قال الشيخ : والذى ذهب إليه فى ذلك خلاف مذاهب عامة العلماء. والحكم فى جزاء
الصيد : حكم خاص فى التقييد . وحقوق الله تعالى تجرى فيها المساهلة ، ولا تحمل على

- ٢٠٢ -
٠
وأخرجه النسائى. وفى إسناده: أُفْلَتُ بن خليفة أبو حسان. ويقال: فُلَيَت العامرى.
.قال الامام أحمد : ما أرى به بأسا. وقال أبو حاتم الرازى: شيخ . وقال الخطابى: وفى
إستاد الحديث مقال .
باب المواشى تفسد زرع قوم [٣ : ٣٢٣]
٣٤٢٥ - عن حرام بن مُحَيِّصَّة، عن أبيه (« أن ناقة للبرَاء بن عازِب دخلت حائطَ رجل
فأفسدته، فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: على أهل الأموال حِفْظها بالنهار ، وعلى.
أهل المواشى حفظها بالليل))
وأخرجه النسائى .
الاستقصاء ، وكال الاستيفاء، حقوق الآدميين، وقد أوجب النبى صلى الله عليه وسلم فى.
المعتق شِرْ كاً له فى عبد: القيمة ، لا المثل. فدل هذا على فساد ما ذهب إليه .
و ((الأفْكَلَ)) الرِّعدة.
٣٤٢٥ - قال الشيخ : وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فى هذا الباب.
ويشبه أن يكون إنما فرق بين الليل والنهار فى هذا . لأن فى العرف : أن أصحاب الحوائط
والبساتين يحفظونها بالنهار ، ويوكلون بها الحفاظ والنواطير . ومن عادة أصحاب المواشى:
أن يسرحوها بالنهار ، ويردوها مع الليل إلى المراح . فمن خالف هذه العادة كان به خارجاً
عن رسوم الحفظ إلى حدود التقصير والتضييع ، فكان كمن ألقى متاعه فى طريق شارعٍ ،
أو تركه فى غير موضع حِرٍْ، فلا يكون على آخذه قطع .
وبالتفريق بين حكم الليل والنهار : قال الشافعى.
وقال أصحاب الرأى: لا فرق بين الأمرين . ولم يحملوا على أصحاب المواشى غُرماً .
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم ((العَجْمَاءُ جُبار))
قال الشيخ: وحديث (العجماء جبار)) عام، وهذا حكم خاص، والعام ينبنى على
الخاص، ويُرد إليه، فالمصير فى هذا إلى حديث البراء. والله أعلم.

- ٢٠٣ -
٣٤٢٦ - وعن حرام بن محيصة الأنصارى، عن البراء بن عازب، قال ((كانت له ناقة
ضارية ، فدخلت حائطا ، فأفسدتْ فيه ، فكُلِّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ،
فقضى: أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها ، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على
أهل الماشية ما أصابت مَاشِيَتَهُمْ بالليل)).
وأخرجه النسائى .
((آخر كتاب البيوع))

- ٢٠٤ -
أول كتاب الأقضية()
باب فى طلب القضاء [٣٢٣:٣]
٣٤٢٧ - عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال (( مَنْ
وَلِىَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكَّيْنٍ »
وأخرجه الترمذى ، وقال : حديث حسن غريب من هذا الوجه .
٣٤٢٧ - قال الشيخ : معناه التحذير من طلب القضاء ، والحرص عليه. يقول: من تصدّى
للقضاء فقد تعرَّض للذبح ، فليحذره، وليتوقَّه .
وقوله ((بغير سكين )) يحتمل وجهين.
أحدهما : أن الذيح إنما يكون فى ظاهر العرف بالسكين ، فعدل به صلى الله عليه وسلم
عن غير ظاهر العرف ، وصرفه عن سنن العادة إلى غيرها ، ليعلم أن الذى أراده بهذا القول:
إنما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه ، دون هلاك بدنه .
والوجه الآخر: أن الذيح هو الوجْء الذى يقع به إزهاق الروح، وإراحة الذبيحة،
وخلاصها من طول الألم وشدته: إنما يكون بالسكين، لأنه يُجهز عليه، وإذا ذبح بغير
السكين كان ذبحه خَفقاً وتعذيباً. فضرب المثل فى ذلك ليكون أبلغ فى الحذر والوقوع فيه .
٣٤٢٧ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : هذا رواء النسائى من حديث ابن أبى ذئب عن عثمان
ابن محمد الأخسى عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( من استعمل على القضاء، فكأنما ذبح بغير سكين)) ثم ساقه من حديث المخرمى عن الأخنسى
عن المقبرى عن أبى هريرة يرفعه، وقال (فقد ذبح بغير سكين)) ثم اعتذر عن إخراجه
حديث عثمان الأخنسى فقال: وعثمان ليس بذاك القوى، وإنما ذكر ناه لئلا يخرج عثمان من الوسط،
ويجعل ابن أبى ذئب عن سعيد، يعنى لئلا يدلس ، فيسقط عثمان . فإذا أسقطه أحد فليعلم أنه
بالطريق . ورواه النسائى أيضاً من حديث داود بن خالد عن المقبرى عن أبى هريرة
وليس في هذا الطريق ذكر الأخنى ، ولكن قال النسائى : داودبن خالد ليس بالمشهور
(١) هذا الكتاب مؤخر عند الخطابى بعد كتاب الآداب.
-
٠٠

-- ٢٠٥ -
٣٤٢٨ - وعن المقبرى والأعرج ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
(( مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكَيْنٍ)).
وأخرجه النسائى وابن ماجة من حديث المقبرى وحده . وأشار النسائى إلى حديثهما .
وفى إسناده: عثمان بن محمد الأخنسى ، قال النسائى: عثمان بن محمد الأخنسى : ليس بذاك
القوى . وإنما ذكرناه لئلا نخرج عثمان من الوسط . ويجعل ابن أبى ذئب عن سعيد.
باب فى القاضى يخطىء [٣: ٣٢٤]
٣٤٢٩ - عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((القُضَاءُ ثَلاثَةٌ:
واحدٌ فى الجنة ، واثنان فى النار ، فأما الذى فى الجنة: فرجلٌ عرف الحقَّ فقضى به، ورجل
عرف الحق نجار فى الحكم ، فهو فى النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة ، وابن بريدة - هذا - هو عبد الله .
٣٤٣٠ - وعن أبى قيس ، مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَاب، فَلَهُ أَجْرَانِ،
.
٣٤٣٠ - قال الشيخ: قوله (إذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر)» إنما يؤجر الخطىء على اجتهاده
فى طلب الحق ، لأن اجتهاده عبادة ، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط.
وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعاً لآلة الاجتهاد ، عارفا بالأصول ، وبوجوه القياس .
فأما من لم يكن محل للاجتهاد، فهو متكلف، ولا يعذر بالخطأ فى الحكم . بل
يخاف عليه أعظم الوزر. بدليل حديث ابن بريدة عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال
«القضاة ثلاثة)) الحديث.
وفيه من العلم : أن ليس كل مجتهد مصيباً ، ولو كان كل مجتهد مصيباً لم يكن لهذا
التفسير معنى، وإنما يعطي هذا: أن كل مجتهد معذور لاغير، وهذا إنما هو فى الفروع المحتملة
الوجوه المختلفة ، دون الأصول التى هى أركان الشريعة، وأمهات الأحكام التى لا تحتمل

- ٢٠٦ -
وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فأخْطَأْ. فَلَهُ أَجْرٌ)) فحدثت به أبا بكر بن حزم فقال: هكذا حدثنى
أبو سلمة عن أبى هريرة .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة مطولا ومختصرا
٣٤٣١ - وعن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ المسْلمينَ
حَتى يَنَالَهُ، ثُمَ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الجنة، ومن غلب جوُرُهُ عَدلَهُ فله النار)).
٣٤٣٢- وعن ابن عباس، قال (٤٤:٥-٤٧ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون -
إلى قوله - الفاسقون) هؤلاء الآيات الثلاث نزلت فى اليهود خاصة: فى قريظة والنضير))
. فى إسناده: عبد الرحمن بن أبي الزناد . وقد استشهد به البخارى، ووثقه الامام مالك،
وفيه مقال .
باب فى طلب القضاء والتسرع إليه [٣: ٣٢٦]
٣٤٣٣ - عن عبد الرحمن بن بشر الأزرق، قال ((دخل رجلان من أبواب كِنْدة،
وأبو مسعود الأنصارى جالس فى حَلْقة، فقالا: ألا رجلٌ يُنفَّذُ بيننا، فقال رجل من
الحلقة: أنا ، فأخذ أبو مسعود كَفَّا من حَصَّى، فرمى به، وقال: مَهْ، كان يكره النَّسَرُّعَ
إلى الحكم))
٣٤٣٤ - وعن بلال ، عن أنس بن مالك ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول ((مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إلَيْهِ. وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَمْ يَسْتِعِنْ عَلَيْهِ
أَنْزَلَ اللهُ مَلَكَا يُسَدِّدُهُ ))
وأخرجه الترمذى ، وقال: حسن غريب . وأخرجه من طريقين: إحداهما : عن
بلال بن أبى موسى عن أنس ، وقال فى الثانية: عن بلال بن مِرْداس الفزارى عن خيثمة
- وهو البصرى - عن أنس ، وقال: إن الرواية الثانية : أصح .
الوجوه ، ولا مدخل فيها للتأويل. فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ . وكان
حكمه فى ذلك مردوداً .

- ٢٠٧ -
٣٤٣٥ - وعن أبى موسى - وهو الأشعرى - قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم ((لَنْ
نَسْتَعْمِلَ، أوْ لا تَسْتَعِلُ، عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى بطوله، وأخرجه أبو داود فى كتاب الحدود بطوله.
باب فى كراهية الرشوة [٣: ٣٢٦]
٣٤٣٦ - عن عبد الله بن عمرو، قال ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشى والمرتشي)).
وأخرجه ابن ماجة .
باب فى هدايا العمال [٣: ٣٢٧]
٣٤٣٧ - عن عدى بن عميرة الكندى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((يا أيُّهَا
النَّاسُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلَ فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخِيَطَا فُمَا فَوْقَهُ ، فَهُوَ غُلٌّ يأتى به
يوم القيامة ، فقام رجل من الأنصار، أسود، كأنّى أنظر إليه ، فقال: يارسول الله ، اقْبَلْ
عَنَّى عملك ، قال: وَمَا ذَاكَ ؟ قالٍ: سمعتك تقول كذا وكذا ، قال: وأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ ،.
من استعملناه على عمل فليأتِ بقليله وكثيره، فما أوتى منه أخَذ، وما نهى عنه انتهى))
٣٤٣٦ - قال الشيخ ((الراشى)) المعطى، و ((المرتشى)) الآخذ، وإنما يلحقهما العقوبة معاً
إذا استويا فى القصد والإرادة ، فرشا المعطى لينال به باطلا . ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا
أعطى ليتوصل به إلى حق ، أو يدفع عن نفسه ظلماً . فإنه غير داخل فى هذا الوعيد .
وروى أن ابن مسعود «أُخذ فى سَبِى، وهو بأرض الحبشة، فأعطى دينارين حتى خُلى
سبيله ))
وروي عن الحسن والشعبى وجابر بن زيد وعطاء أنهم قالوا : لا بأس أن يصانع الرجل
عن نفسه وماله إذا خاف الظلم .
وكذلك الآخذ: إنما يستحق الوعيد إذا كان ما يأخذه على حق يلزمه أداؤه ، فلا
يفعل ذلك حتی ◌ُشَی ، أو عمل باطل يجب عليه تر که، فلا یترکه حتى یصانع ورشي.

- ٢٠٨ -
باب كيف القضاء [٣: ٣٢٧]
٣٤٣٨ - عن علىّ قال ((بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمين قاضياً، فقلت:
يا رسول الله، ترسلنى وأنا حديثُ السنِّ ، ولا عِلٍ لى بالقضاء؟ فقال: إنَّ الله سَيَبْدِى
قَلْبَكَ، وَيُقَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الخصمانِ، فلا تَقْضِيَنَّ حتى تسمع من
٢٤٣٨٠ - قال الشيخ: فيه دليل على أن الحاكم لا يقضى على غائب ، وذلك لأنه إذا منعه
أن يقضى لأحد الخصمين وهما حاضران ، حتى يسمع كلام الآخر. فقد دل على أنه فى الغائب
الذى لم يحضره ولم يسمع قوله أولى بالمنع ، وذلك لإمكان أن يكون معه حجة تبطل دعوى
الحاضر.
وممن ذهب إلى أن الحاكم لا يقضى على غائب: شريح، وعمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة
وابن أبى ليلى .
وقال مالك والشافعى : يجوز القضاء على الغائب ، إذا تبين للحاكم أن قراره واستخفاءه
إنما هو فرار من الحق، ومعاندة للخصم.
واحتج لهذه الطائفة بعضهم بخبر هند، وقوله عليه الصلاة والسلام لها (( خذى ما يكفيك
.وولدك بالمعروف ».
وقال : إذا كان الخصم حاضراً زمانه لا يحكم على أحدهما قبل أن يسمع من صاحبه ،لجواز
أن يكون مع خصمه حجة يدفع بها بينته ، فاذا كان الخصم غائبا لم يجز أن يترك استماع قول
خصمه الحاضر ، إلا أنه يكتب فى القضية: أن الغائب على حقه إذا حضر وأقام بينته ، أو
جاء بحجته. وهو إذا فعل ذلك فقد استعمل معنى الخبر فى استماع قول الخصم الآخر ،
كاستماعه قول الأول ، ولو ترك الحكم على الغائب لكان ذلك ذريعة إلى إبطال الحقوق .
وقد حكم أصحاب الرأى على الغائب فى مواضع .
منها : الحكم على الميت ، وعلى الطفل.
وقالوا : فى الرجل يودع الرجل وديعة ثم يغيب، فاذا ادّعت امرأته النفقة ، وقدمت
المودع إلى الحاكم قضي لها عليه بها.

- ٢٠٩ -
الآخر، كما سمعتَ من الأول ؛ فإنه أحْرَى أن يَتَبَّنْ لَكَ الْقَضَاءِ. قال: فما زاتُ قاضياً ،
أو ما شككتُ فى قضاء بَعْدُ )) .
وأخرجه الترمذى مختصراً ، وقال : حديث حسن .
باب فى قضاء القاضى إذا أخطأ [٣: ٣٢٨]
٣٤٣٩ - عن زينب بنت أم سَلَمة عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ"، وإنَّكَمْ تَخْتَصِعُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ أَلْنَ بِحُجَّتِهِ
مِنْ بَعْض، فَأَفْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْرٍ مَِّّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَىْءُ
فَلاَ يَأْخُذْمِنْهُ شَيْئًا. فَإِنَّمَا أقطعُ لَهُ قِطْعَةٌ مِنَ النار)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
وقالوا : إذا ادعى الشفيع على الغائب أنه باع عقاره وسلم، واستوفى الثمن ، فإنه يقضى له
بالشفعة . وكل هذا حكم على الغائب .
٣٤٣٩ - قال الشيخ: قوله ((ألحن بحجته)) أى أفطنُ لها، واللحن - مفتوحة الحاء -
الفطنة، يقال: لحنت الشىء، ألحن به لحنا ، ولحن الرجل فى كلامه لحنا ، بسكون الحاء .
وفيه من الفقه: وجوب الحكم بالظاهر ، وأن حكم الحاكم لا يُحل حراماً ، ولا يحرم
حلالا . وأنه متى أخطأ فى حكمه فمضى، كان ذلك فى الظاهر. فأما فى الباطن ، وفى حكم
الآخرة : فإنه غير ماض .
وفيه : أنه لا يجوز للمقضى له بالشىء أخذه إذا علم أنه لا يحل له فيما بينه وبين الله .
ألا تراه يقول: ((فلا يأخذ منه شيئا. فإنما أقطع له قطعة من النار)) وقد يدخل فى هذا
الأموال والدماء والفروج، كان ذلك كله حق أخيه ، وقد حرم عليه أخذه .
وقد أجمع العلماء فى هذا فى الدماء والأموال . وإنما الخلاف فى أحكام الفروج .
فقال أبو حنيفة : إذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق ، وشهد لها شاهدان ، فقضى الحاكم
بالتفرقة بينهما ، وقعت الفرقة فيما بينها وبين الله . وإن كانا شاهدى زور ، وجاز لكل واحد
من الشاهدين أن ينكحها .
م ١٤ - مختصر السنن - ج .

- ٢١٠ -
٣٤٤٠ - وعن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت ((أتى رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان فى مواريث لهما، لم تكن لهما بيِّنّة إلا دعواهما، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم - فذكر مثله - فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما : حقى لك،
فقال لهما النبى صلى الله عليه وسلم: أمَّا إذْ فَعَلْتُمَا مَا فَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْقَّ،
ثم اسْتَهِمَا، ثم تَحالاً)»
٣٤٤١ - وفى رواية ((يختصمان فى مواريث وأشياء قد دُرِسَتْ، فقال: إنى إنما أقضى بينكم
بِرأييٍ فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَىَّ فِيهِ)) .
وخالفه أصحابه فى ذلك .
قال : وقد تعرض فى هذا الباب أمور مما يختلف فيه اعتقاد القاضى وصاحب القضية
المحكوم له بها ، كالرجل يذهب إلى أن الطلاق قبل النكاح لازم ، فيتزوج المرأة ، فيحكم
له الحاكم بجواز النكاح، فلا يسعه فيما بينه وبين الله المقام عليه ، ويلزمه نصف المهر بالعقد
-إذا حكم به الحاكم عليه .
ولو أن رجلا مات ابن أبيه، وخلف أخاه لأبيه وأمه ، وخلف مالا ، فُقَدِم إلى قاض.
يقول بقول أبى بكر فى توريث الجد ، والجد یری رأی زید ؛ لم يسعه أن يستبد بالمالدون
الإخوة، ولا يبيح له القاضى شيئا هو فى علمه : أنه حرام عليه .
وكذلك هذا فيمن لايرى توريث ذوي الأرحام فى نحو هذا من الأمور.
٣٤٤٠ - قال الشيخ: قوله ((استهما)) معناه: اقترعاً، والاستهام: الاقتراع. ومنه قوله.
تعالى (٣٧: ١٤١ فساهم فكان من المُدْحَضین )
وفيه دليل : على أن الصلح لايصح إلا فى الشىء المعلوم. ولذلك أمرها بالتوخِى فى مقدار
الحق، ثم لم يقنع فيه بالتوخى ، حتى ضم إليه القرعة .
وذلك : أن التوخى إنما هو أكثر الرأي وغالب الظن ، والقرعة نوع من البيئة ، فهى
أقوى من التوخي . ثم أمرهما بعد ذلك بالتحليل، ليكون تصادرهما عن تعين براءة ، وافتراقهما
عن طيب نفس ورضى .
وفيه دليل : على أن التحليل إنما يصح فيما كان معلوم المقدار غير مجهول الكمية .

- ٢١١ -
٣٤٤٢ - وعن ابن شهاب : أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال - وهو على المنبر -:
((يا أيها الناس، إن الرأى إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعيباً؛ لأن الله كان
يُريه، وإنما هو مِنَّا الظنُّ والتّكَلُّفُ)).
هذا منقطع . الزهرى : لم يدرك عمررضى الله عنهما .
باب: كيف يجلس الخصمان بين يدى القاضى؟ [٣: ٣٢٩]
٣٤٤٣ - عن عبد الله بن الزبير، قال ((قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الخصمين
يَقْعُدَانِ بَيْنِ يَدَى الحَكَمِ)) .
فى إسناده: مُصْعَب بن ثابت ، أبو عبد الله المدنى ، ولا يحتج بحديثه.
باب القاضى يقضى وهو غضبان [٣: ٣٣٠]
٣٤٤٤ - عن عبد الرحمن بن أبى بكرة، عن أبيه ، أنه كتب إلى ابنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لاَ يَقِضِى الْحَكَمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُو غَضْبَانُ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
باب الحكم بين أهل الذمة [٣: ٣٣٠]
٣٤٤٥ - عن ابن عباس، قال (٥: ٤٢ فإن جاءوك فاحْكُمُ بينهم أو أعرضْ عنهم )
فنُسخت قال: (٤٢:٥ فاحكم بينهم بما أنزل الله).
فى إسناده : على بن الحسين بن واقد ، وفيه مقال .
٣٤٤٤ - قال الشيخ : الغضب يغير العقل ، ويحيل الطباع عن الاعتدال . فلذلك أمر
الحاكم بالتوقف فى الحكم مادام به الغضب .
فقياس ما كان فى معناه: من جوع مفرط ، وفزع مدهش ، ومرض موجع : قياس
الغضب فى المنع من الحكم .

- ٢١٢ -
٣٤٤٦ - وعنه قال (( لما نزلت هذه الآية (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم )
(وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط - الآية) قال: ((كان بنو النضير إذا قتلوا من بنى قريظة
أَدَّوْا نصف الدية، وإذا قتل بنو قريظة من بنى النضير أُدَّوْا إليهم الدية كاملة، فَسَوَّى
رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم)) .
وأخرجه النسائى. وفى إسناده: محمد بن اسحق بن يسار.
باب اجتهاد الرأى فى القضاء [٣: ٣٣٠]
٣٤٤٧ - عن الحارث بن عمرو بن أخى المغيرة بن شعبة، عن أناس من أهل ◌ِمصَ من
أصحاب معاذ (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمين
قال : كَيْفَ تَقِضِى إِذَا عَرَض لَكَ القَضَاء؟ قال : أقضى بكتاب الله ، قال. فإن لم ◌َجِدْ فِى
كِتَابِ الله؟ قال: فبِسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فَإنْ لَمْ يَجِدْ فى سُنة
٣٤٤٧ - قال الشيخ: قوله ((أجتهد برأيي)) يريد الاجتهاد فى رد القضية من طريق القياس
إلى معنى الكتاب والسنة .
ولم يرد الرأى الذى يَسْتَحَ له من قِبل نفسه، أو يخطر بباله عن غير أصل من كتاب أوسنة .
وفى هذا : إثبات القياس وإيجاب الحكم به .
وفيه دليل: على أنه ليس الحاكم أن يقلد غيره فيما يريد أن يحكم به، وإن كان المقلَّ
أعلم منه وأفقه، حتى يجتهد فيما يسمعه منه. فان وافق رأيه واجتهاده أمضاه، وإلا توقف عنه.
لأن التقليد خارج من هذه الأقسام المذكورة فى الحديث .
وقوله (( لا آلو)) معناه: لا أقصر فى الاجتهاد ، ولا أترك بلوغ الوسع فيه .
٣٤٤٧ - قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وقد أخرجه ابن ماجة فى سننه من حديث يحي بن
سعيد الأموى عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم حدثنا
معاذ بن جبل قال (( لما بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: لا تقضين، ولا
تفصلن إلا بما تعلم ، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه ، أو تكتب إلى فيه )»
.
وهذا أجود إسناداً من الأول ، ولا ذكر فيه للرأى .

:
- ٢١٣ -
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فى كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي(١)، ولا آلُو، فضربَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم صَدْره، وقال: الحمدُ للهِ الَّذِى وَفَقَ رسولَ رسولِ الله لما يُرُضى
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم )) .
٣٤٤٨ - وفي رواية عن الحرث بن عمرو، عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ بن
جبل (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمين - فذكر معناه)).
وأخرجه الترمذى ، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وليس إسناده .
عندى بمتصل .
وقال البخارى فى التاريخ الكبير : الحرث بن عمرو، ابن أخي المغيرة بن شعبة الثقفى
عن أصحاب معاذ عن معاذ : روى عنه أبو عون ، ولا يصح ، ولا يعرف إلا بهذا، مرسل .
باب فى الصلح [٣: ٣٣٢]
٢٤٤٩ - عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الصَّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ
الْمُسْلِمِينَ - زاد أحمد، وهو ابن عبد الواحد - إلّ صُلْحاً أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلالاً
٣٤٤٩ - قال الشيخ: الصلح يجرى مجرى المعاوضات. ولذلك لا يجوز إلا فيما أوجب المال.
ولا يجوز فى دعوى القذف ، ولا على دعوى الزوجية ، ولا على مجهول، ولا أن يصالحه من
دين له على مال نسيه . لأنه من باب : الكالئ بالكالى.
ولا يجوز الصلح فى قول مالك على الإقرار .
٣٤٤٩ - فال الشيخ شمس الدين رحمه الله : وقد روى الترمذى من حدیث کثیر بن عبد الله بن
عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((الصلح جائز
بين المسلمين، إلا صلحاً حرم حلالا أو أحل حراماً)) وقال: هذا حديث حسن صحيح .
وفى كثير من النسخ : حسن فقط .
وقد استدرك على الترمذى تصحيح حديث كثير هذا . فانه ضعيف ، قال عبد الله بن أحمد :
أمرنى أبى أن أضرب على حديثه ، وقال مرة : ضرب أبى على حديثه ، فلم يحدثنا به، وقال :
هو ضعيف الحديث ، وقال ابن معين : ليس بشىء.
(١) عند الخطابى ونسخة من عون المعبود ((برأيى)).

- ٢١٤ -
- وزاد سليمان بن داود، وهو المهرى - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْمُسْلِمُونَ
عَلَى شُرُوطِهِمْ)).
فى إسناده: كثير بن زيد، أبو محمد الأسلمى، مولاهم المدنى. قال ابن معين: ثقة .
وقال: مَرَّة: ليس بشيء. وقال مَرَّة: ليس بذاك القوى . وتكلم فيه غيره .
٣٤٥٠ - وعن كعب بن مالك ((أنه تقاضى ابنَ أبى حَدْرَد دَيْنًا كان له عليه فى عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد، فارتفعتْ أصواتهما، حتى سمعها رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وهو فى بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كشف سِجْفَ
حُجرته ، ونادى كعب بن مالك ، فقال : يا كعب ، فقال : لبيك يارسول الله ، فأشار له
ولا يجوز فى قول الشافعى على الإنكار .
وجوزه أصحاب الرأى على الإقرار والإنكار معاً .
ونوع آخر من الصلح ، وهو: أن يصالحه فى مال على بعضه نقداً. وهذا من باب الحط
والإبراء، وإن كان يدعى صلحاً .
وقوله ((المسلمون على شروطهم)) فهذا فى الشروط الجائزة فى حق الدين ، دون الشروط
الفاسدة . وهذا من باب ما أمر الله تعالى من الوفاء بالعقود .
٣٤٥ - قال الشيخ : فيه من الفقه: أن للقاضى أن يصلح بين الخصمين، وأن الصلح إذا
كان على وجه الخطِّ والوَضْع من الحق يجب نقداً.
وفيه : جواز ملازمة الغريم، واقتضاء الحق منه فى المسجد .
وقد روى الدار قطنى فى سننه حديث أبى هريرة عن النى صلى الله عليه وسلم قال (( الصلح
جازبين المسلمين)) من طريق عفان: حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أبى رافع عن أبى هريرة
وقال: هذا صحيح الإسناد، وأخرجه الحاكم فى المستدرك من هذا الوجه ، وقال : صحيح على
شرطهما .
قلت : وعلته : أنه من رواية عبد الله بن الحسن المصيصى عن عفان ، وقد قال ابن حبان:
كان يقلب لأخبار ويسرقها ، لا يحتج بما انفرد به ، وقال الحاكم : المصيصى ثقة ، تفرد به .

- ٢١٥ -
بيده: أن ضَعْ الشَّطر من دينك، قال كعب : قد فعلتُ يارسول الله ، قال النبي صلى الله
عليه وسلم : قُمْ فَاقْضِهِ ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة .
باب فى الشهادات [٣٣٣:٣]
٣٤٥١ - عن زيد بن خالد الجهنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((أَلاَ أُخْبِرْ كُمْ
بِخَيْرِ الشَّهَدَاءِ؟ الّذِى يَأْتِى بِشَهَدَتِهِ، أَوْ يُخْبِرُ بِشِهَادَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يُسْئَلَهَا)) شك
عبد الله بن أبى بكر : أيتهما قال .
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة .
قال أبو داود : قال مالك : الذى يخبر بشهادته ولا يعلم بها الذى هى له .
قال الهمدانى - وهو أحمد بن سعيد - : ويرفعها إلى السلطان .
قال ابن السرح - وهو أحمد بن عمرو - أن يأتي بها الإمام .
وقال غيره: هذا فى الأمانة والوديعة تكون لليتيم ، لا يعلم بمكانها غيره، فيخير بما يعلمه
من ذلك .
٣٤٥١٠ - قال الشيخ: أما الشهادة فى الحق يدَّعيه الرجل قِبل صاحبه، فيخبر بها الشاهد
قبل أن يُسألها : فإنه لاقرار لها ، ولا يجب تنجيز الحكم بها، حتى يستشهده صاحب الحق ،
فيقيمها عند الحاكم، وإنما هذا فى الشهادة تكون عند الرجل ، ولا يعلم بها صاحب الحق
فيخبره بها ، ولا يكتمه إياها .
وقيل: هذا فى الأمانة والوديعة ، تكون لليتيم، لا يعلم بمكانها غيره، فيخبره بما يعلمه
من ذلك .
وقيل : هذا مَثل فى سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد لا يمنعها ولا يؤخرها .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((يأتى أقوام فيحلفون ولا يُستحلفون ، ويشهدون ولا
يُستشهدون)) فإنما هو إذا كان على المعنى الأول .

- ٢١٦ -
وقيل : هذا مَثل فى سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد ، لا يمنعها ، ولا يؤخرها ، كما
يقال : الجواد يعطى قبل سؤاله ، عبارة عن حسن عطائه وتعجيله
وقال الفارسى: قال العلماء: إنما هى فى شهادة الحِسْبة، أو إذا كان عنده علم لو لم
يُظهره لضاع حكم من أحكام الدين . وقاعدة من قواعد الشرع. فأما فى شهادات الخصوم:
فقد ورد الوعيد فيمن يشهد ولا يُستشهد. لأن وقت الشهادة على الأحكام : إنما يدخل
إذا جرت الخصومة بين المتخاصمين، وأيس من الإقرار، واحتيج إلى البيئة . نحينئذ يدخل
وقت الشهادة . فهذا الوجه فى هذا الحديث .
باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها [٣٣٤:٣]
٣٤٥٢ - عن يحيى بن راشد، قال ((جلسنا لعبد الله بن عمر، فخرج إلينا جلس، فقال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ حَالَتْ شِفَاعَتْهُ دُون حَدٍ مِنْ حُدُودِ الله،
فَقَدْ ضَادَّ الله، وَمَنْ خَاصَمَ فِى بَاطِلٍ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ فِى سَخَطِ الله، حَتَّى يَنْزِعَ
وَمَنْ قَالَ فِى مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ ، أسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ ، حتى يخرج مما قال))
٣٤٥٣ - وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم - بمعناه - قال (( وَمَنْ
أَعَانَ على خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ ، فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ )»
فى إسناده: مَطَر بن طَهمان الوراق ، وقد ضعفه غير واحد
وفيه أيضا : المثنى بن يزيد الثقفى ، وهو مجهول .
وقيل : أراد بها الشهادات التى يقطع بها على الغَيب ، فيقال : فلان فى الجنة ، وفلان
فى النار .
وفيه معنى التأليِّ على الله تعالى . ولذلك ذَمَّ وزجر عنه .
٣٤٥٢ - قال الشيخ: ((الردغة)» الوحل الشديد، ويقال: ارتدخ الرجل إذا ارتطم فى
الوحل .
وجاء فى تفسير ((ردغة الجبال)) : أنها عصارة أهل النار .

١٠
- ٢١٧ -
باب فى شهادة الزور [٣: ٣٣٤]
٣٤٥٤ - عن خريم بن فاتك، قال: ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح،
فلما انصرف قام قائما ، فقال: عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بالاشراك بالله - ثلاث مرات. ثم قرأ
(٢٢: ٣٠، ٣١ فاجتنبوا الرِّجْس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور، حُنفاء لله غير مشركين به)
وأخرجه الترمذى وابن ماجة
وقال الترمذى: وهذا عندى أصح .
وخريم بن فاتك : له صحبة ، وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أحاديث .
وهو مشهور .
وأخرجه الترمذى أيضا من حديث أيمن بن خريم بن فاتك عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وقال: إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد - يعنى حديث خريم بن فاتك -
ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبى صلى الله عليه وسلم. هذا آخر كلامه
وذكر غيره : أن له صحبة ، وأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثين ، اختلف
فى أحدهما ، ورجح يحيى بن معين حديث خريم بن فاتك، كما ذكره الترمذى .
وخريم: بضم الخاء المعجمة، وبعدها راء مهملة مفتوحة ، وياء آخر الحروف
ساكنة، وميم.
باب من ترد شهادته [٣: ٣٣٥]
٣٤٥٥ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ردَّ شهادة الخائن والخائنة ، وذى الْغِيرِ على أخيه ، ورَدَّ شهادة القانع لأهل البيت ،
وأجازها لغيرهم ))
٣٤٥٥ - قال الشيخ: قال أبو عبيد: لا تُراه خَصَّ به الخيانة فى أمانات الناس ، دون
مافرض الله على عباده، وانتمنهم عليه، فإنه قد سمى ذلك كله أمانة ، فقال تعالى (٨: ٢٧

- ٢١٨ -
قال أبو داود: الغمر الحِنَّةُ والشَّحناء.
٣٤٥٦٠ - وفى رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لاَ ◌َّجُوزُ شَهَادَةُ خَانٍ وَلاَ خَائِفَةٍ
وَلاَ زَانٍ وَلاَ زَانِيةٍ ، وَلاَ ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ ))
وأخرجه ابن ماجة .
والغمر : بكسر الغين المعجمة وسكون الميم وبعدها راء مهملة
:
يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) فمن ضيع شيئاً ما
أمر الله، أَو ركب شيئاً مما نهاه الله عنه. فليس بعَدْل ، لأنه قد لزمه اسم الخيانة .
وأما (( ذو الغمر)) فهو الذى بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، فرد شهادته للتهمة
وقال أبو حنيفة : شهادته على العدو مقبولة إذا كان عدلاً .
و (( القانع)) السائل والمستطعم، وأصل القنوع: السؤال، ويقال: إن القانع المنقطع
إلى القوم لخدمتهم، ويكون فى حوائجهم ، كالأجير والوكيل ونحوه .
ومعنى رد هذه الشهادة : التهمة فى جر النفع إلى نفسه . لأن التابع لأهل البيت ينتفع
بما يصير إليهم من نفع، وكل من جَرَّ إلى نفسه بشهادته نفعاً فهى مردودة ، كمن شهد
لرجل على شراء دار وهو شفيعها، وكمن حكم له على رجل بدين وهو مفلس . فشهد للمفلس
على رجل بدين ونحوه .
ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جَرِّ المنفعة ، فقياس قوله: أن يرد شهادة
الزوج لزوجته ، لأن ما بينهما من التهمة فى جر النفع أكثر ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة
والحديث أيضاً : حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه . لأنه يجر به النفع، لما جبل
عليه من حبه والميل إليه. ولأنه يملك عليه ماله، وقد قال عليه الصلاة السلام لرجل ((أنت
ومالك لأبيك)).
وذهب شريح إلى جواز شهادة الأب للابن ، وهو قول المزنى وأبى ثور، وأحسبه
قول داود .

- ٢١٩ -
باب شهادة البدوى على أهل الأمصار [٣: ٣٣٦]
٣٤٥٧ - عن أبى هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((لا ◌َجُوزُ شَهَادَة
بَدَوِىّ عَلَى صَاحِبٍ فَرْيَةٍ))
وأخرجه ابن ماجة. ورجال إسناده : احتج بهم مسلم في صحيحه .
وقال البيهقى : وهذا الحديث: مما تفرد به محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عطاء بن يسار،
فان كان حفظه فقد قال أبوسليمان الخطابى: يشبه أن يكون: إنما كره شهادة أهل البدولما
فيهم من الجفاء فى الدين، والجهالة بأحكام الشريعة ، ولأنهم فى الغالب: لا يضبطون الشهادة
على وجهها. ولا يقيمونها على حقها ، لقصور علمهم عما يحيلها، ويغيرها عن جهتها . واللهأعلم
الشهادة فى الرضاع [٣: ٣٣٦]
٣٤٥٨ - عن عُقبة بن الحرث، قال (( تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحِى بِنْتَ أبي إهاب، فَدَخَلَتْ
عليها امرأة سوداء، فزعمت أنها أرضعتنا جميعاً ، فأتيتُ النبى صلى الله عليه وسلم فذكرت
٣٤٥٧ - قال الشيخ : يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو ، لما فيهم من الجفاء
فى الدين ، والجهالة بأحكام الشريعة . ولأنهم فى الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ،
ولا يقيمونها على حقها، لقصور علمهم عما يحيلها ، ويغيرها عن جهتها .
وقال مالك : لا تجوز شهادة البدوى على القروى ، لأن فى الحضَرِ من يغنيه عن
البدوى ، إلا أن يكون فى بادية أو قرية . والذى يُشهد بدوياً وَيَدَعُ جيرته من أهل
الحضر : عندى مريب .
وقال عامة العلماء : شهادة البدوى ، إذا كان عدلاً يقيم الشهادة على وجهها جائزة .
٣٤٥٨ - قال الشيخ: قوله (( وما يدريك؟)) تعليق منه القول فى أمرها.
وقوله ((دعها عنك)) إشارة منه بالكف عنها من طريق الورع ، لا من طريق،
الحكم ، وليس فى هذا دلالة على وجوب قبول قول المرأة الواحدة فى هذا ، وفيما لا يطلع

- ٢٢٠ -
ذلك له ، فأعرضَ عنّى، فقلتُ: يارسول الله، إنها لكاذبة، قال: وَمَا يُدْرِيكَ، وَقَدْ
قَالتْ مَا قَالَتْ؟ دَعْهَا عَنْكَ))
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى.
باب شهادة أهل الذمة والوصية فى السفر[٣: ٣٣٧]
٣٤٥٩ - عن الشّعبى ((أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاةُ بِدَقُوقاء (١) هذه، ولم يجد
أحداً من المسلمين يُشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفةَ
عليه الرجال من أمر النساء، لأن من شرط الشاهد من كان: من رجل أو امرأة : أن يكون
عدلاً ، وسبيل الشهادات: أن تقام عند الأيمة والحكام ، وإنما هذه امرأة جاءته فأخبرته
بأمر هو من فعلها. وهو بين مكذب لها ومصدق، ولم يكن هذا القول منها شهادة عند النبى
صلى الله عليه وسلم ، فتكون سبباً للحكم .
والاحتجاج به فى إجازة شهادة المرأة الواحدة فى هذا وفيما أشبهه من الباب : ساقط .
واختلف فى عدد من تقبل شهادته من النساء فى الرضاع .
فقال ابن عباس : شهادة المرأة الواحدة تقبل فيما لا يطلع عليه الرجال . وأجاز شهادة
القابلة وحدها فى الاستهلال ، وقد روى عن الشعبى والنخعي .
وقال عطاء وقتادة : لا يجوز فى ذلك أقل من أربع نسوة، وإليه ذهب الشافعى.
وقال مالك : لا تجوز شهادة امرأتين، وهو قول ابن أبى ليلى وابن شبرمة .
٣٤٥٩ - قال الشيخ : فيه دليل على أن شهادة أهل الذمة مقبولة على وصية المسلم فى
السفر خاصة .
ومن روى عنه أنه قبلها فى مثل هذه الحالة : شريح وإبراهيم النخعى . وهو
قول الأوزاعى .
١
وقال أحمد : لا تقبل شهادتهم إلا فى مثل هذا الموضع للضرورة .
(١) ((دقوقاء)) بلد بين بغداد وإربل، تقصر وتمد .