النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١ -
باب تفسير الجائحة [٣: ٢٩٤]
٣٣٢٥ - عن عطاء - وهو ابن أبى رباح - قال «الجوائح: كل ظاهر مُفْسِدٍ ، من مطر
أو برد، أو جراد، أو ريح ، أو حريق))
٣٣٢٦ - وعن يحيى - وهو ابن سعيد - أنه قال (( لاجائحة فيما أصيب، دون ثلث رأس
المال ، قال يحيى : وذلك فى سنّةِ المسلمين »
باب فى منع الماء [٣: ٢٩٤ ]
٣٣٢٧ - عن أبى صالح ، عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللهُّصلى الله عليه وسلم
((لَاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأْ »
العاهة)) فلو كانت إذا بيعت - وقد بدا صلاحها - مضمونة على البائع ، لم يكن لهذا
النهى فائدة .
وقد يحتمل أن يكون إنما أراد به الثمرة تباع قبل بدو الصلاح ، فتصيبها الجائحة .
والله أعلم .
٣٣٢٧ - قال الشيخ : هذا فى الرجل يحفر البئر فى الأرض الموات ، فيملكها بالإحياء
وحول البئر، أو بقربها موات فيه كلاً ، ولا يمكن الناس أن يرعوه إلا بأن يبذل لهم
ماءه، ولا يمنعهم أن يسقوا ماشيتهم منه. فأمره صلى الله عليه وسلم أن لا يمنع فَضْل مائه
إياهم ، لأنه إذا فعل ذلك وحال بينه وبينهم ، فقد منعهم الكلا ، لأنه لا يمكن رعيه
والمقام فيه مع منعه الماء .
وإلى هذا ذهب فى معنى الحديث مالك بن أنس، والأوزاعى ، والليث بن سعد . وهو
معنى قول الشافعى ، والنهى فى هذا عندهم على التحريم .
وقال غيرهم : ليس النهى فيه على التحريم ، لكنه من باب المعروف، فإن شَحَّ رجل
على مائه لم ينتزع من يده ، والماء فى هذا كغيره من صنوف الأموال : لا يحل إلا بطيبة نفسه.

- ١٢٢ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة من حديث الأعرج عن
أبى هريرة .
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز له منع الماء، ولكن يجب له القيمة على أصحاب المواشى .
وشبهوه بمن يضطر إلى طعام رجل ، فإن له أكله ، وعليه أداء قيمته، ولو لزمه بذل الماء
بلا قيمة للزمه بذل الكلاً إذا كان فى أرضه بلاقيمة ، وللزمه كذلك أن لا يمنع الماء زرع
غيره، إذا كان بقر به زرع لرجل لا يَحِيَ إلا به .
قال الشيخ: أما من تأولَ الحديثَ على معنى الاستحباب دون الإيجاب: فإنه يحتاج
إلى دليل يجوز معه ترك الظاهر .
وأصل النهى : على التحريم . فمنع فضل الماء محظور على ماورد به الظاهر .
وأما من أوجب فيه القيمة: فقد صار إلى المنع أيضاً، وهو خلاف الخبر، وقد ((نهى)
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء )).
وقد ذكره داود العطار عن عمرو بن دينار عن أبى المنهال عن إياس بن عبد (( أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء )).
وأما تشبيهه ذلك بالطعام: فإنهما لا يتشابهان ، لأن أصل الماء الإباحة ، وهو مستخلف
ما دام فى منبعه ، والطعام متقوَّم منقطع المادة غير مستخلف ، وقد جرت العادة بتموُّل
الطعام سلماً، كما يتمول سائر أنواع المال، والماء لا يتمول فى غالب العرف.
وأما الزرع : فليس له حرمة ، وللحيوان حرمة ، والحديث إنما جاء فى منع الماء الذى
يُمنع به الكلاً، والزرع بمعزل عن ذلك.
قال الشيخ رحمه الله: وأما الماء إذا جمعه صاحبه فى صِهْريح أو بِرْكة أو خزنه فى حِبّ
أو قراه (١) فى حوض ونحوه . فإن له أن يمنعه ، وهو شيء قد حازه على سبيل الاختصاص
لا يشركه فيه غيره ، وهو مخالف لماء البئر. لأنه لا يستخلف استخلاف ماء الآبار ،
ولا يكون له فضل فى الغالب، كفضل مياه الآبار ، والحديث إنما جاء فى منع الفضل
دون الأصل، ومعناه: مافضل عن حاجته. وعن حاجة عياله وماشيته وزرعه ، والله أعلم.
(١) الحب - بكسر الحاء المهملة - الخابية السكبيرة . وقراه: أى جمعه.

- ١٢٣ -
٣٣٢٨ - وعن أبى صالح، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يوم القيامة: رَجُلٌ مَنعَ ابْنَ السَِّيلِ فَضْلَ مَاءِ عِنْدَهُ، وَرَجُلٌ
حَلَفَ على سِلْعَة بعد العَصْرِ - يعنى كاذبا - ورجل بايع إماماً، فان أعطاه وَفَى له ، وإنْ لمْ
يُعْطِهِ لَمْ يَفِْ ))
٣٣٢٩ - وفى رواية: ((ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) وقال فى السلعة ((بالله لقد أُعْطِيَ
بها كذا وكذا، فصدَّقه الآخر، فأخذها»
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة
٣٣٣٠ - وعن امرأة يقال لها بُهَيْمَةُ، عن أبيها، قالت (( استأذن أبى النبيَّ صلى الله
عليه وسلم ، فدخلَ بينه وبين قميصه، فجعل يُقُبِّل ويْتَزم، ثم قال: [ يانِيَّ الله، ما الشىء
الذى لا يَحِلُّ منعه؟ قال: الماء . قال (١)]: يانبي الله، ما الشىء الذى لا يحل منعه ؟ قال:
الملح. قال: يانبي الله، ما الشىء الذى لا يحل منعه؟ قال: أنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ))
٣٣٣١ - وعن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال ((غزوتُ
مع النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثاء أسمعه يقول: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِى ثَلاَثِ: فِى الْكَلا،
والماء ، والنار »
٣٣٣٠- قال الشيخ: معناه: الملح إذا كان فى معدنه فى أرض أو جبل غير مملوك، فإن أحداً
لا يمنع من أخذه، فأما إذا صار فى حَيِّز مالكه فهو أولى به ، وله منعه وبيعه والتصرف
فيه، كسائر أملا كه.
٣٣٣١ - قال الشيخ: هذا معناه: الكلاّ ينبت فى موات الأرض يرعاه الناس ، ليس لأحد
أن يختص به دون أحد ، ويحجزه عن غيره ، وكان أهل الجاهلية إذا غزا الرجل منهم ◌َى
بقعة من الأرض لماشيته ترعاها ، يذود الناسَ عنها ، فأبطل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك .
وجعل الناسَ فيها شرعاً واحداً، يتحاورونه بينهم، فأما الكلا إذا نبت فى أرض مملوكة
لمالك بعينه: فهو مال له ، ليس لأحد أن يَشْرَ كه فيه إلا بإذنه .
(١) زيادة من السنن

- ١٢٤ -
باب فى بيع فضل الماء [٣: ٣٩٦]
٣٣٣٢ - عن إياس بن عبدٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع فَضْل الماء)».
. وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث حسن صحيح .
باب فى ثمن السُّنّوْر [٣: ٢٩٦]
٣٣٣٣- عن أبي سفيان - وهو طلحة بن نافع - عن جابر بن عبد الله : أن النبى صلى الله
عليه وسلم (( نهى عن ثمن الكلب والسِّنور)؟
وأخرجه الترمذى . وقال : فى إسناده اضطراب
وأما قوله ((والنار)) فقد فسره بعض العلماء، وذهب إلى أنه أراد به الحجارة التى
تُورِی النار .
يقول: لا يمنع أحد أن يأخذ منها حجراً يقتدح به النار . فأما التى يوقدها الإنسان.
فله أن يمنع غيره من أخذها .
وقال بعضهم: ليس له أن يمنع من يريد أن يأخذ منها جّذوة من الحطب الذى قد احترق.
فصار جمراً. وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحاً، أو أن يُدنى منها ضِغْئاً
يشتعل بها ، لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئاً .. والله أعلم .
٣٣٣٣- قال الشيخ: النهى عن بيع السِّور متأوَّل على أنه إنما كُره من أجل أحدمعنيين:
إما لأنه كالوحشى الذى لا يملك قياده، ولا يصح التسليم فيه ، وذلك : لأنه ينتاب
الناس فى دورهم ، ويطوف عليهم فيها ، ثم يكاد ينقطع عنهم ، وليس كالدواب التى تربط
على الأوادى (١) ، ولا كالطير الذى يحبس فى الأقفاص، وقد يَتوحَّ بعد الأنوسة،
ويتأبَد حتى لا يُقُرب، ولا يقدر عليه، فإن صار المشترى له إلى أن يحبسه فى بيته ، أو
يَشُدَّهُ فى خيط أو سلسلة لم ينتفع به .
(١) أى المداود التى ترجع إليها وتؤود

- ١٢٥ -
٣٣٣٤ - وعن عمر بن زيد الصنعانى، أنه سمع أبا الزبير، عن جابر: ((أن النبى صلى الله
عليه وسلم نَهَى عن ثمن الهِرَّ))
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : غريب.
وقال النسائى : هذا منكر . هذا آخر كلامه
وفى إسناده : عمر بن زيد الصنعانى ، قال ابن حبان : تفرد بالمناكير عن المشاهير،
حتى خرج عن حد الاحتجاج به .
وقال الخطابي : وقد تكلم بعض العلماء فى إسناد هذا الحديث ، وزعم أنه غير ثابت
عن النبي صلي الله عليه وسلم .
وقال أبو عمر بن عبد البر: حديث ((بيع السنور)) لا يثبت رفعه. هذا آخر كلامه.
وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث معقل بن عبيد الله الجزری ، وهو عن أبى الز بير
قال (( سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبى صلى الله عليه وسلم
عن ذلك)).
وقيل: إنما نهى عن بيع الوحشى منه ، دون الإنسى
والمعنى الآخر : أن يكون إنما ◌ُهى عن بيعه لئلا يتمانع الناسُ فيه ، وليتعاوروا ما يكون
منه فى دورهم ، فيرتفقوا به ماأقام عندهم ، ولا يَتنازعوه إذا انتقل عنهم إلى غيرهم تنازعَ
الملاك فى النفيس من الأعلاق.
وقيل: إنما نهى عن بيع الوحْشِى منه دون الإنسى .
وقد تكلم بعض العلماء فى إسناد هذا الحديث ، وزعم أنه غير ثابت عن النبى
صلى الله عليه وسلم .
وممن أجاز بيع السنور ابن عباس .
وإليه ذهب الحسن البصرى. وابن سيرين والحكم وحماد .
وبه قال مالك بن أنس وسفيان الثورى ، وأصحاب الرأى .
وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق .
وكره بيعه أبو هريرة وجابر وطاوس ومجاهد .
!

- ١٢٦ -
وقيل : لعله على جهة الندب لإعارته . فيرتفقوا به ، ما أقام عندهم ، ولا يتنازعوه إذا
انتقل عنهم إلى غيرم .
وكره بيع السنور أبو هريرة ، وجابر، وطاوس، ومجاهد ، أخذاً بظاهر الحديث
وجمهور العلماء على أنه لا يمنع من بيعه
باب فى أثمان الكلاب [٣: ٢٩٧]
٣٣٣٥ - عن أبى مسعود، عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن ثَمَن الكلب،
ومَهْر الْبَغِىّ، وخُلْوَان الكاهن )»
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة
٣٣٢٦ - وعن عبد الله بن عباس، قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن
الكلب، وإن جاء يطلبُ ثمنَ الكلب فامْلاً كَفَّه ترابا))
٣٣٣٥ - قال الشيخ: نهيه عن ثمن الكلب: يدل على فساد بيعه. لأن العقد إذا صح
كان دفع الثمن واجباً مأموراً به ؛ لا منهياً عنه. فدل نهيه عنه على سقوط وجوبه . وإذا
بطل الثمن بطل البيع . لأن البيع إنما هو عقد على شىء بثمن معلوم ، وإذا بطل الثمن بطل
المثمن ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم (( لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم لجيلوها
وباعوها، وأكلوا أثمانها)» فجعل حكم الثمن والمثمن فى التحريم سواء.
٣٣٣٦ - قال الشيخ: وهذا الحديث يؤكد معنى ماقلناه فى الحديث الأول.
ومعنى التراب ههنا: الحرمان والخيبة، كما يقال: ليس فى كَفّ إلا التراب ، وكقوله
صلى الله عليه وسلم ((وللعاهر الحجر)) يريد الخيبة. إذلا حَظَّ له فى الولد.
وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الحديث على ظاهره. ويرى أن يوضع
التراب فی کفه .
وروى ((أن المقدادَ رأى رجلاً يمدح رجلاً. فقام يَحْتِى التراب بكفه فى وجهه، وقال:

- ١٢٧ -
٣٣٣٧ - وعن عون بن أبى جُحيفة، أن أباه قال ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
نهى عن ثمن الكلب )).
وأخرجه البخارى أتم من هذا .
٣٣٣٨- وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لاَ يَحِلُّ ثمنُ الكاب
ولا حُلْوَانُ الكاهن، ولا مَهْرِ الْبَغِىِّ)).
وأخرجه النسائى .
بهذا أمرنا) يعنى قوله صلى الله عليه وسلم ((إذا رأيتم المدَّاحين فاحْتُوا فى وجوههم
التراب)) .
وفى قوله ((إذا جاء يطلب ثمن الكلب فاملا كفه تراباً)) دليل على أن لا قيمة
للكلب إذا تلف ، ولا يجب فيه عوض .
وقال مالك بن أنس : فيه القيمة . ولا ثمن له .
قال الشيخ: الثمن تمنان : ثمن التراضى عن البيوع ، وثمن التعديل عند الإتلاف ..
وقد أسقطهما النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ((فاملا . كفه تراباً)) فثبت أن لا عوض له
بوجه من الوجوه .
٣٣٣٨ - قال الشيخ: إذا لم يحل ثمن الكلب لم يحل بيعه. لأن البيع إنما هو على ثمن.
ومثمن . فإذا فسد أحد الشقين فسد الشق الآخر . وفى ذلك تحريم العقد من أصله .
وقد اختلف الناس فى جواز بيع الكلب . فروى عن أبى هريرة أنه قال (( هو من
السحت )) وروى مثله عن الحسن والحكم وحماد .
وإليه ذهب الأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل.
وقال أصحاب الرأى : بيع النكلب جائز.
قال قوم : ما أبيح اقتناؤه من الكلاب : فبيعه جائز. وما حرم اقتناؤه منها : فبيعه
محرم. يحكى ذلك عن عطاء والنخعى .

٠
- ١٢٨ -
باب فى ثمن الخمر والميتة [ ٣: ٢٩٧ ]
٣٣٣٩ - عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال ((إن الله حرم الخمر وثمنها،
وحرم الميتة وثمنها ، وحرم الخنزير وثمنه)).
٣٣٤٠ - وعن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عام الفتح
وهو بمكة (( إنَّ الله حَرَّم بيعَ الخمر والميتةِ والخنزيرِ والأصناِ. فقيل: يارسول الله، أرأيتَ
وقد حكينا عن مالك : أنه كان يحرم ثمن الكلب ، ويوجب فيه القيمة لصاحبه
على من أتلفه .
قالوا : وذلك لأنه أبطل عليه منفعته . وشبهوه بأم الولد ، لا يحل ثمنها وفيها القيمة
على من أتلفها .
٦
قال الشيخ : جواز الانتفاع بالشىء إذا كان لأجل الضرورة لم يكن دالا على جواز
بيعه، كالميتة يجوز الانتفاع بها للمضطر ، ولا يجوز بيعها .
٣٣٣٩ - قال الشيخ: فيه دليل على أن من أراق خمر النصرانى، أو قتل خنزيراً له ، فإنه
لا غرامة عليه . لأنه لا تمن لها فى حكم الدين.
وفيه دليل على فساد بيع السِّرْقين، وبيع كل شىء نجس العين .
وفيه دليل على أن بيع الخنزير لا يجوز .
واختلفوا فى جواز الانتفاع به .
فكرهت طائفة ذلك .
ومن منع منه : ابن سيرين والحكم وحماد، والشافعى وأحمد وإسحاق .
وقال أحمد وإسحاق : الليف أحب إلينا .
وقد رخص فيه الحسن والأوزاعى ومالك وأصحاب الرأى .
٣٣٤٠ - قال الشيخ: قوله ((جملوها)) معناه: أذابوها حتى تصير وَدَ كاً . فيزول عنها اسم
الشَّحْم. يقال: جَمَلت الشحم ، واجتملته: إذا أذبته . قال لبيد :
فاشتوى ليلة ريح واجْتَل

- ١٢٩ -
شُحومَ الميتة ، فإنه يُطَلَى بها الشُّفن، ويُدْهن بها الجلود، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس ؟ فقال:
لا ، هو حرام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند ذلك: قَاتَلَ الله الْيَهُودَ ، إنَّ
الله لَّ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٣٣٤١ - وعن ابن عباس، قال (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً عند الركن
قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك ، فقال: لمَنَّ اللّه الْيَّهُودَ - ثلاثاً - إنَّ الله حَرَّمَ
عليهم الشحوم فباعوها ، وأ كلوا أثمانها، وإن الله إذا حَرَّم على قوم أكلَ شىء حرم
عليهم منه)) .
٣٣٤٢ - وفى رواية: ((قاتل الله اليهود)).
وفى هذا بيان بطلان كل حيلة يحقال بها للتوصُّل إلى محرم ، وأنه لا يتغير حكمه بتغيير
هيئته ، وتبدیل اسمه .
وفيه دليل : على جواز الاستصباح بالزيت النجس . فإن بيعه لا يجوز .
وفى تحريمه ثمن الأصنام: دليل على تحريم بيع جميع الصور المتخذة من الطين والخشب
والحديد والذهب والفضة، وما أشبه ذلك من الّعب ونحوها (١).
وفى الحديث دليل: على وجوب العبرة، واستعمال القياس، وتعدية معنى الاسم إلى المثل
أو النظير، خلاف قول من ذهب من أهل الظاهر إلى إبطالها .
ألا تراه كيف ذم من عدل عن هذه الطريقة ، حتى لعن من كان عدوله عنها تذرُّعاً
إلى الوصول به إلى محظور ؟ .
٣٣٤١ - قال الشيخ : هذا يؤكد ما مضى من القول على معنى الأحاديث المتقدمة .
وفيه دليل على فساد بيع الزيت الذى قد أصابته نجاسة .
(١) ومثلها بل أشبه بالتحريم : الحروز والتمائم من الودع والخرز وأشباه ذلك مما يتوهم المخرفون أنه
يدفع الحد ، ويطرد الأرواح الشريرة فيعلقونه على البيوت والحوانيت والعربات والأطفال.
م ٩ - مختصر السنن - ج .

- ١٣٠ -
٣٣٤٣ - وعن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ نَاعَ الَخْرَ
فَلْيُشَقِّص الخنازيرَ )) .
٣٣٤٤ - وعن عائشة، قالت: ((لما نزلت الآيات الأواخر من سورة البقرة خرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقرأهن علينا، وقال: حُرِّمَتْ التِّجَارَةُ فى الخمر)).
٣٣٤٥ - وفى رواية: « الآيات الأواخر فى الربا)».
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي وابن ماجة .
باب فى بيع الطعام قبل أن يُسْتوفَى [٣: ٢٩٩]
٣٣٤٦ - عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من ابتاع طعاماً فلا يَبِعْه
حتى يستوفيه)).
أ
٣٣٤٣ - قال الشيخ: قوله ((فليشقص)) معناه: فليستحلّ أكلها. والتشقيص: يكون.
من وجهين .
أحدهما : أن يذبحها بالمِشْقَصْ، وهو نَصْل عريضٌ.
والوجه الآخر: أن يجعلها أشقاصاً وأعضاء بعد ذبحها؛ كما تُعضَى (١) أجزاء الشاة إذا:
أرادوا إصلاحها للأكل .
ومعنى الكلام: إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه .
يقول : من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنزير. فإنهما فى الحرمة والإيم
سواء ، أى إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر .
٣٣٤٦ - قال الشيخ: أجمع أهل العلم على أن الطعام لا يجوز بيعه قبل القبض .
٣٣٤٦ قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وقد روى البيهقى فى سننه من حديث سفيان وهمام وأبان
العطار، عن يحي بن أبى كثير عن يعلى بن حكيم ، عن يوسف بن ماهك ، عن عبد الله بن
(١) تعضى، وتعضه: أى تفرق أوصالها، وتفصل بعيدة عن بعضها، حتى يذهب عنها اسمها الأصلى.
١
حين كانت مجتمعة . قال الله تعالى (١٥: ٩١ الذين جعلوا القرآن عضين) أى فصلوا معانيه ومقاصده عن
بعضها بآرائهم وأهوائهم وتقليدهم ، فلم يبق عندهم مؤديا معناه الذى من أجله نزل .

- ١٣١ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة .
واختلفوا فيما عداه من الأشياء .
فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : ماعدا الطعام بمنزلة الطعام ، إلا الدور والأرضون ،
فإن بيعها قبل قبضها جائز .
عصمة عن حكيم بن حزام قال: قلت (( يارسول الله، إنى أبتاع هذه البيوع؛ فما يحل لى منها
وما يحرم على؟ قال: يا ابن أحى، لا تبع شيئاً حتى تقبضه)) ولفظ حديث أبان ((إذا اشتريت
بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه)) وهذا إسناد على شرطهما ، سوى عبد الله بن عصمة ، وقد وثقه ابن
حبان ، واحتج به النسائى .
وروى النسائى من حديث عطاء بن أبى رباح عن حزام بن حكيم قال : قال حكيم بن حزام
(( ابتعت طعاماً من طعام الصدقة ، فربحت فيه قبل أن أقبضه ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فذكرت ذلك له ، فقال : لا تبعه حتى تقبضه »
وفى صحيح مسلم عن أبى الزبير عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه نهى أن يبيع
الرجل طعاماً حتى يستوفيه )»
وفيه من حديث أبى هريرة یرفعه « من اشتری طعاماً فلا یبعه حتى يكتاله )»
قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن من اشترى طعاماً فليس له بيعه حتى يقبضه ، وحكى
ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعا .
وأما ما حكى عن عثمان التى من جوازه ، فإن صح فلا يعتد به .
فأما غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة .
أحدها : أنه يجوز بيعه قبل قبضه، مكيلا كان أو موزوناً، وهذا مشهور مذهب مالك .
واختاره أبو ثور وابن المنذر .
والثانى : أنه يجوز بيع الدور والأرض قبل قبضها، وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل
القبض ، وهذا مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف .
والثالث : ما كان مكيلا أو موزوناً فلا يصح بيعه قبل القبض ، سواء أ كان مطعوماً أم لم
بكن، وهذا يروى عن عثمان رضي الله عنه. وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد
والأوزاعى وإسحق ؛ وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل .
:

- ١٣٢ -
وقال الشافعى ومحمد بن الحسن : الطعام وغير الطعام من السلع والدور والعقار فى هذا
سواء، لا يجوز بيع شىء منها حتى تقبض ، وهو قول ابن عباس .
وقال مالك بن أنس : ما عدا المأكول والمشروب جائز أن يباع قبل أن يقبض .
والرابع : أنه لا يجوز بيع شىء من المبيعات قبل قبضه بحال ، وهذا مذهب ابن عباس
ومحمد بن الحسن ، وهو إحدى الروايات عن أحمد .
وهذا القول هو الصحيح الذى نختاره .
وقد اختلف أصحاب أحمد فى المنع من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على ثلاثة طرق .
أحدها : أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن ، كرطل من زبرة ، أو قفيز
من صبرة ، وهذه طريقة القاضي ، وصاحب المحرر وغيرهما ، وعلى هذا: فمنعوا بيع ما يتعلق به
حق توفية ، وإن لم يكن مكيلا ولا موزوناً ، كمن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع ، أو قطيعاً
كل شاة بدرهم .
والطريقة الثانية : أن المراد به ما كان مكيل الجنس وموزونه ، وإن اشتراه جزافاً .
كالصبرة ، وزبرة الحديد ونحوهما .
والطريقة الثالثة: أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب، نص عليه فى
رواية مهنا، فقال : كل شىء يباع قبل قبضه، إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب .
فصار فى مذهبه أربع روايات .
إحداها : أن المنع مختص بما يتعلق به حق التوفية.
الثانية : أنه عام فى كل مكيل أو موزون مطعوم .
الثالثة : أنه عام فى كل مكيل أو موزون ، مطعوماً كان أو غيره .
الرابعة: أنه عام فى كل مبيع . والصحيح : هو هذه الرواية . لوجوه :
أحدها : حديث حكيم بن حزام « قلت : يا رسول الله، إنى أبتاع هذه البيوع ، فما يحل
لى منها وما يحرم على ؟ قال: يا ابن أخى لا تبع شيئا حتى تقبضه)» وقد ذكرنا الكلام عليه .
الثانى: ما ذكره أبو داود فى الباب من حديث زيد بن ثابت (نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع)) وإن كان فيه محمد بن إسحاق ، فهو الثقة
الصدوق . وقد استوفينا الكلام عليه فى الرد على الجهمية من هذا الكتاب .
فإن قيل : الأحاديث كلها مقيدة بالطعام،سوى هذين الحديثين ، فإنهما مطلقان أو عامان .

- ١٣٣ -
وقال الأوزاعى وأحمد بن حنبل وإسحاق : يجوز بيع كل منها، ماخلا المكيل والموزون
وروى ذلك عن ابن المسيب والحسن البصرى والحكم وحماد .
وعلى التقديرين: فنقيدهما بأحاديث الطعام، أو نخصهما بمفهومها، جمعا بين الأدلة . وإلا لزم
إلغاء وصف الحكم ، وقد علق به الحكم.
قيل : عن هذا جوابان .
أحدهما : أن ثبوت المنع فى الطعام بالنص، وفى غيره إما بقياس النظير ، كما صح عن
ابن عباس أنه قال ((ولا أحسب كل شىء إلا بمنزلة الطعام)) أو بقياس الأولى، لأنه إذا نهى
عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها ، فغير الطعام بطريق الأولى . وهذا
مسلك الشافعى ومن تبعه .
الجواب الثانى : أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب ، وهوالو
تجرد لم يكن حجة، فكيف، وقد عارضه عموم الأحاديث المصرحة بالمنع مطلقاً، والقياس
المذكور ، حتى لو لم ترد النصوص العامة ، لكان قياسه على الطعام دليلا على المنع ؟ والقياس فى
هذا يمكن تقديره من طريقين .
أحدهما : قياس بإبداء الجامع ، ثم للمتكلمين فيه طريقان .
أحدهما : أنه قياس تسوية .
والثانى : أنه قياس أولوية .
والثانى من الطريقين الأولين : قياس بإلغاء الفارق ، فإنه لافارق بين الطعام وغيره فى
ذلك ، إلا مالا يقتضى الحكم وجوداً ولا عدماً ، فافتراق المجلس فيها عديم التأثير .
يوضحه : أن المسالك التى اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودة بعينها فى غيره .
کما سیأتی بيانه .
قال المخصصون للمنع : تعليق النهى عن ذلك بالطعام يدل على أنه هو العلة ، لأن الحكم لو
تعلق بالأعم لكان الأخص عديم التأثير ؛ فكيف يكون المنع عاماً ، فيعلقه الشارع بالخاص ؟
قال المعممون : لا تنافى بين الأمرين ، فان تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة
التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به ، فثبت التعارض، ويحتمل أن يكون
المغرض دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به، إما لحاجة المخاطب، وإما لأن غالب التجارة
حينئذ كانت بالمدينة فيه ، خرج ذكر الطعام مخرج الغالب ، ولا مفهوم له ؛ وهذا هو الأظهر
فإن غالب تجارتهم بالمدينة كانت فى الطعام ، ومن عرف ما كان عليه انقوم من سيرتهم عرف

- ١٣٤ -
ذلك ، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملا.
فقد تعارض الاحتمالان ، والأحاديث العامة ، لامعارض لها ، فتعين القول بموجبها .
قال المخصصون : لا يمكنكم القول بعموم المنع ، فإنه قد ثبت بالسنة جواز التصرف في غير
الطعام قبل قبضه بالبيع ، وهو الاستبدال بالتمن قبل قبضه ؛ والمصارفة عليه .
قال المعممون : الجواب من وجهين .
أحدهما : الفرق بين الثمن فى الذمة والمبيع المتعين من وجوه ثلاثة .
أحدها : أن الثمن مستقر فى الذمة لايتصور تلفه ، والبيع ليس كذلك ، نعم لو كان الثمن
معيناً لكان بمنزلة المبيع المتعين .
الثانى: أن بيع الثمن هاهنا إنما هو ممن فى ذمته ليس تبعاً لغيره ؛ فلو باع الثمن قبل القبض
لغير من هو فى ذمته لم يجز فى أحد قولى الشافعى ، وهو الذى رجحه الرافعى وغيره من أصحابه
الثالث : أن العلل التى لاجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية فى الثمن بأسرها .
فإن المآخذ ثلاثة :
إما عدم استقرار المبيع ، وكونه عرضة للتلف وانفساخ العقد
وهذه العلة مأمونة بكون الثمن فى الذمة
وإما أن علق البائع لم تنقطع عن المبيع ، وهذه العلة أيضاً منتفية هاهنا
وإما أنه عرضه للربح ؛ وهو مضمون على البائع، فيؤدى إلى ربح ما لم يضمن
وهذه العلة أيضاً منتفية فى الثمن ، فانه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه ، كما شرطه.
النبي صلى الله عليه وسلم، لئلا يربح فيما لم يضمن . ولا يمكن أن يقال : مثل هذا فى السلع ،
لأنه إنما اشتراها للربح، فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن فى الشراء فائدة ، بخلاف
الأثمان ، فإنها لم توضع لذلك ، وإنما وضعت رؤساً للأموال، لا مورداً للكسب والتجارة .
قال المخصصون : قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض ؛ وهو تصرف يزيل الملك ، فما الفرق
بينه وبين البيع الناقل للملك ؟
قال المعممون: الفرق بينهما: أن الشارع جعل للعتق من القوة والسراية والنفوذ ما لم يجعل
لغيره، حتى أدخل الشقص الذى للشريك فى ملك المعتق قهراً ، وأعتقه عليه قهراً ، وحتى
أعتق عليه مالم يعتقه لقوته ونفوذه ، فلا يصح إلحاق غيره من التصرفات به .
قال الخصصون : قد جوزتم بيع الملك قبل قبضه فى صور .
إحداها : بيع الميراث قبل قبض الوارث له.
الثانية : إذا أخرج السلطان رزق رجل فباعه قبل أن يقبضه .
الثالثة : إذا عزل سهمه فباعه قبل أن يقبضه .

- ٣,١٣٥
الرابعة : ماملكه بالوصية ، فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض .
الخامسة : غلة ما وقف عليه، له أن يبيعها قبل أن يقبضها .
السادسة : الموهوب للولد إذا قبضه ثم استرجعه الوالد ، فله أن يبيعه قبل قبضه.
السابعة: إذا أثبت صيداً ثم باعه قبل القبض جاز .
الثامنة : الاستبدال بالدين من غير جنه هو بيع قبل القبض .
نص الشافعى على الميراث والرزق يخرجه السلطان ، وخرج الباقى على نصه .
التاسعة : بيع المهر قبل قبضه جائز ، وقد نص أحمد على جواز هبة المرأة صداقها من
يزوجها قبل قبضه .
العاشرة : إذا خالعها على عوض جاز التصرف فيه قبل قبضه . حكاه صاحب المستوعب وغيره .
وقال أبو البركات فى المحرر : هو كالبيع ، يعنى فى عدم جواز التصرف فيه قبل القبض .
الحادية عشرة : إذا أعتقه على مال جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب المستوعب .
الثانية عشرة: إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه ، وكذلك إذا
أتلف له مالا ، وأخرج عوضه. ومنع صاحب المحرر من ذلك كله ، وألحقه بالمبيع .
قال المعممون : الفرق بين هذه الصور وبين التصرف فى المبيع قبل قبضه : أن الملك فيه غير
مستقر ؛ فلم يسلط على التصرف فى ملك مزلزل ، بخلاف هذه الصور ، فإن الملك فيها مستقر
غير معرض للزوال ، على أن المعاوضات فيها غير مجمع عليها ، بل مختلف فيها، كما ذكرناه .
وفيها طريقتان لأصحاب أحمد.
إحداهما : طريقة صاحب المستوعب ، وهى أن كل عقد ملك به العوض ، فإن كان ينتقض
بهلاك العوض قبل قبضه، كالإجارة والصلح عن المبيع، فحكمه فى جواز التصرف فيه حكم
العوض المتعين بعقد البيع ، وإن كان العقد لا ينتقض بهلاك العوض المتعين به ، كالمهر وعوض
الخلع والعتق والصلح عن دم العمد، فحكمه حكم المملوك بعقد البيع ، وما ملك بغير عوض
كالميراث والوصية والهبة ، فالتصرف فيه جائز قبل قبضه .
قال المخصصون : قد ثبت فى صحيح البخاري عن عمرو بن دينار عن عبد اللهبن عمر قال (( كنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر، فكنت على بكر صعب لعمر ، فكان يغلبنى، فيتقدم
أمام القوم ، فيزجره عمر ، ويرده ، ثم يتقدم فيزجره ، ويقول لى: أمسكه ، لا يتقدم بینیدی
النبى صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعنيه يا عمر. فقال: هو لك
يارسول الله. قال: بعنيه. فباعه منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو لك ياعبد الله
فاصنع به ماشئت )) فهذا تصرف فى المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه .
قال المعممون : لاريب أن هذا تصرف فيه بالهبة لابالمعاوضة . ونحن لنا فى مثل هذا التصرف

- ١٣٦ -
قبل القبض خلاف ، فمن أصحابنا من يجوزه، ونفرق بين التصرف فيه بالبيع والتصرف بالهبة ..
ونلحق الهبة بالعتق ، ونقول: هى إخراج عن ملكه لاتتوالى فيه ضمانات ، ولا يكون التصرف
بها عرضة لريح مالم يضمن ، بخلاف البيع ، ومن أصحابنا من منعها ، وقال : العلة المانعة من بيعه
قبل قبضه عدم استقرار الملك وضعفه، ولا فرق في ذلك بين تصرف وتصرف، فان صح الفرق
بطل القبض ، وإن بطل القبض سوينا بين التصرفات ، وعلى هذا فالحديث لادلالة فيه على
التصرف قبل القبض ، إذ قبض ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبينه ، مع تميزه وتعينه ، وهذا
كاف فى القبض .
فصل
وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان .
إحداهما : ضعف الملك . لأنه لو تلف انفسخ البيع .
والثانية : أن صحته تفضى إلى توالى الضمانين ، فإنا لو صححناه كان مضموناً للمشترى الأول على
البائع الأول ، والمشترى الثانى على البائع الثانى ، فكيف يكون الشىء الواحد مضموناً لشخص
مضموناً عليه ؟ وهذان التعليلان غير مرضيين .
أما الأول ، فيقال : ما تعنون بضعف الملك ؟ هل عنيتم به أنه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه
ينفسخ به، أو أمراً آخر؟ فإن عنيتم الأول فلم قلتم: إنه مانع من صحة البيع ، وأى ملازمة بين
الانفساخ بسبب طارئ ، وبين عدم الصحة شرعاً أو عقلا ؟
وإن عنيتم بضعف الملك أمراً آخر ، فعليكم بيانه لتنظر فيه .
وأما التعليل الثاني: فكذلك أيضاً ، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضى الحكم؛ فإن كون الشىء
مضموناً على الشخص بجهة ، ومضموناً له بجهة أخرى : غير ممتنع شرعاً ولا عقلا، ويكفى فى
رده : أنه لادليل على امتناعه، كيف؟ وأنتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجره ، والمنفعة
مضمونة له على المؤجر ، وهى مضمونة عليه للمستأجر الثانى، وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها
إذا بيعت على أصولها ، فهى مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقى اتفاقاً . وإن تلفت بجائحة
فهى مضمونة عليه وله ، ولهذا لما رأى أبو المعالى الجوينى ضعف هذين التعليلين قال : لا حاجة
إلى ذلك، والمعتمد فى بطلان البيع إنما هو الإخبار، فالشافعى يمنع التصرف فى المبيع قبل قبضه
ويجعله من ضمان البائع مطلقاً ، وهو رواية عن أحمد وأبى حنيفة كذلك ، إلا فى العقار .
وأما مالك وأحمد فى المشهور من مذهبه: فيقولان : ما يمكن المشترى من قبضه، وهو المتعين
بالعقد ، فهو من ضمان المشترى ، ومالك وأحمد يجوزان التصرف فيه ، ويقولان : الممكن من
القبض جار مجرى القبض ، على تفصيل فى ذلك
1

- ١٣٧ -
٣٣٤٧ - وعنه أنه قال ((كُنَّا فى زمَن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام،
٣٣٤٧ - قال الشيخ : القبوض تختلف فى الأشياء حسب اختلافها فى أنفسها ، وحسب
اختلاف عادات الناس فيها .
فظاهر مذهب أحمد : أن الناقل للضمان إلى المشترى : هو التمكن من القبض ، لا نفسه .
وكذلك ظاهر مذهبه : أن جواز التصرف فيه ليس ملازماً للضمان ، ولا مبثنياً عليه، ومن
ظن ذلك من أصحابه فقد وهم ، فإنه يجوز التصرف حيث يكون من ضمان البائع ، كماذكرنا
فى الثمن ومنافع الإجارة ، وبالعكس أيضاً ، كما فى الصبرة المعينة.
وقد نص الخرقى على هذا، وهذا فقال فى المختصر : وإذا وقع المبيع على مكيل أو موزون.
أو معدود فتلف قبل قبضه ، فهو من مال البائع .
ثم قال: ومن اشترى ما يحتاج إلى بيعه لم يجز بيعه حتى يقبضه .
ثم قال : ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها.
فالصبرة مضمونة على المشترى بالتمكن والتخلية اتفاقاً ، ومع هذا لا يبيعها حتى يقبضها ،
وهذا منصوص أحمد.
فالمأخذ الصحيح فى المسألة : أن النهى معلل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع
عنه، فإنه يطمع فى الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشترى قد ربح فيه، ويغره الربح
وتضيق عينه منه ، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلماً ، وإلى الخصام والمعاداة ، والواقع
شاهد بهذا .
ثمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة : منع المشترى من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه
عليه ، وينقطع عن البائع، وينفطم عنه ، فلا يطمع فى الفسخ والامتناع من الإقباض وهذا من
المصالح التى لا يهملها الشارع ، حتى إن من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرى ذلك ويقصده ،
لما فى ظنه من المصلحة ، وسد باب المفسدة .
وهذه العلة أقوى من تينك العلتين
وعلى هذا فإِذا باعه قبل قبضه من بائعه جاز على الصحيح ، لانتفاء هذه العلة .
ومن علل النهى بتوالى الضمانين يمنع بيعه من بائعه لوجود العلة ، فبيعه من بائعه يشبه الإقالة .
والصحيح من القولين : جواز الإقالة قبل القبض ، وإن قلنا: هى بيع .
وعلى هذا خرج حديث ابن عمر فى الاستبدال بثمن المبيع ، والمصارفة عليه قبل قبضه ،.
فإنه استبدال ومصارفة مع العاقد ، لا مع غيره ، والله أعلم .

- ١٣٨ -
فَيَبْعَثُ علينا من يأمُرُنا بانتقاله من المكان الذى ابتعناه فيه إلى مكان سواه ، قبل أن
نَبِيعَه، يعنى جُزَافاً)).
وأخرجه مسلم والنسائى .
٣٣٤٨٠ - وعنه قال ((كانوا يتبايعون الطعام جُزَافًا بأعَلَى السُّوق، فنحَى رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يَنقلوه )).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة بنحوه .
٣٣٤٩ - وعنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ◌َهَى أن يبيع أحدٌ طعاماً اشتراه بكَيْلٍ
حتى يستوفيه )».
وأخرجه النسائى .
٣٣٥٠٠ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً
فلا يَبْعْه حتى يكتاله )) .
فمنها : ما يكون بأن يوضع المبيع فى يد صاحبه .
هـ
ومنها : ما يكون بالتخلية بينه وبين المشترى .
ومنها : ما يكون بالنقل من موضعه .
ومنها : ما يكون بأن يكتال .
وذلك فيما يباع من المكيل كيلاً ، فأما مايباع منه جزافاً صبرة مضمومة على الأرض ،
فالقبص فيه: أن ينقل ويحوّل من مكانه . فإن ابتاع طعاماً كيلاً ثم أراد أن يبيعه
بالكيل الأول لم يجز حتى يكيله على المشترى ثانياً، وذلك لما روى عن النبى صلى الله عليه
وسلم (( أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشترى)).
وممن قال إنه لا يجوز بيعه بالكيل الأول حتى يكال ثانياً : أبو حنيفة وأصحابه .
والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق. وهو مذهب الحسن البصرى ومحمد بن سيرين والشعبى.
وقال مالك : إذا باعه نسيئة فهو المكروه . فأما إذا باعه نقداً فلا بأس أن يبيعه
بالكيل الأول.
وروى عن عطاء أنه جاز بيعه نساء كان أو نقداً .
٠

- ١٣٩ -
٣٣٥١ - وفى رواية ((قلت لابن عباس: لم ? قال : ألا ترى أنهم يتبايعون بالذهب
والطعام مُرَجَّى؟)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه .
٣٣٥٢ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا اشترى أحدكم طعاماً فلا
يَبِعْه حتى يقبضه)) .
٣٣٥١- قال الشيخ: قوله ((والطعام مُرجَّى)) أى مؤجل ، وكل شىء أخرتَه فقد أرجيته .
يقال: أرجيت الشىء، ورجَّيته ، أى أخرته ، وقد يتكلم به مهموزاً وغير مهموز .
وليس هذا من باب الطعام الحاضر ، ولكنه من باب السلف ، وذلك : مثل أن
يشترى منه طعاماً بدينار إلى أجل، فيبيعه قبل أن يقبضه منه بدينارين ، وهو غير جائز
لأنه فى التقدير بيع ذهب بذهب، والطعام مؤجل غائب غير حاضر . وإنما صار ذلك بيع
ذهب بذهب على معناه . لأن المسلِف إذا باعه الطعام الذى لم يقبضه وأخذ منه ذهباً ، فإن
البيع لا يصح فيه، إذ كان الطعام الذى باعه منه مرجَّى مضموناً على غيره ، وإنما تقابل
الذهبان فى التقدير ، فكأنه إنما باعه ديناره الذى كان قد أسلفه فى الطعام بدينارين ،
وهو فاسد من وجهين .
أحدهما : لأنه دينار بدينارين .
والآخر : لأنه ناجز بغائب فى بيع سبيله سبيلُ المصارفة .
٣٣٥٢ - قال الشيخ : يشبه أن يكون ابن عباس إنما قاس ماعدا الطعام على الطعام بعلة
أنه عين مبيعه لم يقبض، أولأنه بلغه أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح مالم يُضمن،
والشىء المبيع ضمانُه قبل القبض على البائع . فلم يجز للمشترى ربحه .
واحتج بعض من ذهب إلى جواز بيع ماعدا الطعام قبل أن يقبض بخبر ابن عمر
(( أنهم كانوا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيعون الإبل بالبقيع بالدنانير، فيأخذون
الدراهم ، وبالدراهم ويأخذون الدنابير . فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع
التقابض قبل التفرق )) .

- ١٤٠ -
٣٣٥٣ - وفى رواية (( يستوفيه)).
٣٣٥٤ - وفى رواية: وقال ابن عباس (« وأحسِب كلَّ شيء مثل الطعام).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه .
٣٣٥٥ - وعن ابن عمر، قال «رأيت الناس يُضْرَبونَ على عَهْدِ رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا اشتَروا الطعام جُزَافًا: أن يبيعوه حتى يُبِلِغَه إلى رَحْله)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
٣٣٥٦ - وعنه قال: ((ابتعتُ زيْتاً فى السوق ، فلما استوجبته لقينى رجل ، فأعطاني به.
ربحاً حسناً، فأردتُ أن أضربَ على يده، فأخذ رجلٌ من خَلْفِى بذراعى ، فالتفتُّ فإذا
زيدُ بن ثابت، فقال: لا تبعه حيثُ ابتعْته، حتى تَحُوزه إلى رَحْلك ؛ فإن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم نهى أن تُباع السِّلِعُ حيثُ تبتاع، حتي يحوزَها التجَّار إلى رحالهم)).
فى إسناده : محمد بن إسحاق . وقد تقدم الكلام عليه .
قالوا : وهذا بيع الثمن الذى وقع به العقد قبل قبضه . فدل أن النهى مقصور على
الطعام وحده .
وقالوا : إن الملك ينتقل بنفس العقد ، بدليل أن المبيع لو كان عبداً فأعتقه المشترى
قبل القبض عتق ، وإذا ثبت الملك جاز التصرف ، مالم يكن فيه إبطال حق لغيره .
قال الشيخ : وقد يقال على الفرق بين الدراهم والدنانير ، إذا كانت أثماناً ، وبين
غيرها: إن معنى النهي: أن تقصد بالتصرف فى السلعة الربح، وقد نهى صلى الله عليه وسلم
عن ربح مالم يضمن ، ومقتضى الدراهم من الدنانير : لا يقصد به الربح، إنما يريد به
الاقضاء والاقتضاء . والنقود مخالفة لغيرها من الأشياء. لأنها أثمان. وبعضها ينوب عن
بعض، وللحاكم أن يحكم على من أتلف على إنسان مالاً بأيِّهما شاء . فكانا كالنوع
الواحد من هذا المعنى .
وأما العتق : فإنه إتلاف ، وإتلاف المشترى عين المبيع يقوم مقام القبض .