النص المفهرس

صفحات 81-100

- ٨١ -
عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، ولا تَلَقُّوا السِّع، حتى يُهْبَطَ بها الأسواقَ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة، مطولا ومختصرا .
٣٢٩٣ - وعن أبى هريرة ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن تَلَقَى الَجْلَبِ. فإن
تَلقَّاه مُتْلَقّ فاشتراه، فصاحب السلعة بالخيار، إذا وردت السوقَ)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى .
باب فى النهى عن النّجْش [٢٨٢:٣]
٣٢٩٤ - عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لاَ تَّنَاجَشُوا)).
فيعرض عليه مثل سلعته ، أو أجود منها بمثل الثمن أو أرخص منه ، فيندم المشترى، فيفسخ
البيع ، فيلحق البائع منه الضرر ، فأما مادام المتبايعان يتساومان ويتراودان البيع، ولم
يتواجباه بعد . فإنه لا يضيق ذلك، وقد باع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحِلْس والقَدَح
فيمن يزيد .
وأما النهى عن تلقى السلع قبل ورودها السوق : فالمعنى فى ذلك كراهة الغبن . ويشبه
أن يكون قد تقدم من عادة أولئك أن يتلقوا الركبان قبل أن يقدموا البلد ، ويعرفوا سعر
السوق ، فيخبروهم أنّ السعر ساقطة، والسوق كاسدة ، والرغبة قليلة ، حتى يخدعوهم عما
فى أيديهم، ويبتاعوه منهم بالوكس من الثمن . قنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وجعل
للبائع الخيار إذا قدم السوق ، فوجد الأمر بخلاف ما قالوه .
وقد كره التلقى جماعة من العلماء ، منهم مالك والأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل
وإسحاق ، ولا أعلم أحداً منهم أفد البيع .
غير أن الشافعى أثبت الخيار للبائع، قولا بظاهر الحديث. وأحسبه مذهب أحمد أيضاً .
ولم يكره أبو حنيفة التلقى، ولا جعل لصاحب السلعة الخيار إذا قدم السوق .
وكان أبو سعيد الاصطخرى يقول: إنما يكون للبائع الخيار إذا كان المتلقى قد ابتاعه
بأقل من الثمن . فإذا ابتاعه بثمن مثله فلا خيار له .
قال الشيخ : وهذا قول قد خرج على معانى الفقه .
٣٢٩٤ - قال الشيخ (النجش)) أن يرى الرجل السلعة تباع، فيزيد فى ثمنها ، وهو لا يريد
٦٢ - مختصر السنن - ج .

- ٨٢ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة مختصراً .
باب فى النهى أن يبيع حاضر لبادٍ [٣: ٢٨٢ ]
٣٢٩٥ - عن ابن عباس ، قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ،
فقلت : ما يبيع حاضر لباد ؟ قال : لا يكون له سمسارا )).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة .
شراءها ، وإنما يريد بذلك ترغيبَ السُّوَّام فيها، ليزيدوا فى الثمن، وفيه تغرير بالراغب فيها
وترك لنصيحته التی هی مأمور بها .
ولم يختلفوا أن البيع لا يفسد عقده بالنجش ، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن
الناجش إذا فعل ذلك بإذن البائع فللمشترى فيه الخيار .
٣٢٩٥ - قال الشيخ قوله (( لا يبيع حاضر لباد)) كلمة تشتمل على البيع والشراء، يقال:
بعتُ الشىء بمعنى اشتريت ، قال طَرَفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تَبِعْ له بتاتاً، ولم تضرب له وقتَ موعد
أى لم تشتر له متاعاً، يقال: شريت الشىء، بمعنى بعته، والكلمتان من الأضداد.
قال ابن مُفَرّغ الخميرى:
وشريت بُرُداً، ليتنى من بعد بُردِ كنتُ هامَةْ
يريد : بعت برداً، وبردٍ : غلامه، باعه فندم عليه .
وفسر ابن سيرين قوله (( لا يبيع حاضر لباد)) على المعنيين جميعاً، وقال : هي كلة
جامعة: لا يبيع له شيئاً، ولا يشترى له شيئاً، ولذلك قال ((لا يكون له سمساراً)) لأن
السمسار يبيع ويشترى الناس .
ومعنى هذا النهى: أن يتربَّص له سلعته ، لا أن يبيعه بسعر اليوم .
وذلك : أن البدوى إذا جلب سلعة إلى السوق ، وهو غريب غير مقيم ، باعها بسعر

- ٨٢ ٢
٣٢٩٦ - وعن أنس بن مالك ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((لاَ يَبِيعُ حاضرٌ لباد ،
وإن كان أخاه، أو أباه ))
وأخرجه النسائى، ورجال إسناده ثقات .
٣٢٩٧ - وعن أنس بن مالك قال (( كان يقال: لا يبيع حاضر لباد، وهى كلمة جامعة
لا يبيع له شيئا ، ولا يبتاع له شيئا ))
فى إسناده: أبو هلال. واسمه محمد بن سليم الراسبى. ولم يكن راسبيا . وإنمانزل
فيهم . وهو مولی لقر یش . وقد تكلم فيه غیر واحد .
٣٢٩٨- وعن سالم المكى: أن أعرابیا حدثه « أنه قدم محلُ بة له على عهد رسول الله
ضلى الله عليه وسلم ، فنزل على طَلْحَة بن عبيد الله، فقال: إن النبى صلى الله عليه وسلم نهى
أن يَبيع حاضرٌ لبادٍ ، ولكن اذهبْ إلى السوق ، فانظر من يبايعك، فشاورنى، حتى
آمرك وأنهاك)).
فى إسناده محمد بن اسحاق . وفيه أيضا رجل مجهول .
وأخرجه أبو بكر البزار من حديث ابن إسحاق عن سالم المكى عن أبيه قال :
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن طلحة إلا من هذا الوجه ، ولا نعلم أحدا قال: عن سالم
عن أبيه عن طلحة: إلا مؤمَّل - يعنى ابن اسماعيل - وغير مؤمل: يرويه عن رجل .
يومه . فينال الناسَ فيها رفق ومنفعة، فإذا جاءه الحضرى، فقال له: أنا أتربص لك
وأبيعها، حرم الناس ذلك النفع ، وفوّتهم ذلك الرفق .
وقد قيل : إن ذلك إنما يحرم عليه إذا كان فى بلد ضيق الرقعة، إذا باع الجالب متاعه
انسع أهلها وارتفقوا به . فإذا لم يبعه تبين به أثر الضيق عليهم، وخيف منه غلاء السعر
فيهم ، فأما إذا كان البلد واسعاً لا يتضرر به الناس ، ولا يتبين بذلك عليهم أثره ، فلا بأس
به . والله أعلم .

- ٨٤ -
٣٢٩٩ - وعن جابر - وهو ابن عبد الله - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
((لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌلِبَادٍ، وَذَرُوا الناسَ يَرْزُق الله بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْض)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
باب من اشترى مُصَرَّة، وكرهها [٣: ٢٨٤]
٣٣٠٠ - عن الأعرج، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لاَ تَلَفِّوا
الزَّكَبَان لِلْبَيْعِ، وَلاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ تُصَرُّوا الْإِل والتنم،
فمن ابتاعها بعدذلكم فهو بخير النَّظَرين بعد أن يَحْلبها . فإن رضيها أمسكها، وإن
سَخِطَهَا رَدَّهَا وصاعاً من تمر )).
وأخرجه البخارى ومسلم .
٣٣٠١ - وعن محمد - وهو ابن سيرين - عن أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم
٣٢٩٩ - قال الشيخ: فى هذا دليل على أن عقد البيع لا يفسد إذا فعل ذلك ، ولو كان يقع
فاسداً لم يكن فيه منع من أن يرتفق الناس ، ويرتزق بعضهم من بعض .
وقد كره بيع الحاضر للبادى أكثر أهل العلم .
وكان مجاهد يقول: لا بأس به فى هذا الزمان ، وإنما كان النهى وقع عنه فى زمان
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان الحسن البصرى يقول : لا تبع للبدوى ، ولا تشتر له.
وذهب بعضهم إلى أن النهى فيه بمعنى الإرشاد، دون الإيجاب. والله أعلم .
٣٣٠٠، ٣٣٠١ - قال الشيخ: اختلف أهل العلم واللغة فى تفسير المصَرَّة ، ومن أين
أخذت واشتقت ؟
فتمال الشافعى : التصرية : أن تُربَط أخلاف الناقة والشاة، وتترك من الحلب اليومين
والثلاثة ، حتى يجتمع لها لبن ، فیراه مشتریها كثيراً ، ویزید فی ثمنها لما يرى من كثرة لبنها

- ٨٥ -
قال ((من اشترى شَاةً مُصَّراةً فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء رَدَّها وصاعاً من
طعام ، لاسمراء )).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة
فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنتين عرف أن ذلك ليس بلبنها . وهذا
غرور للمشترى .
وقال أبو عبيد ((المصراة)) النافة، أو البقرة، أو الشاة، التى قد صُرِّى اللبن فى ضرعها
يعنى حُقْن فيه ، وُجُمع أياماً، فلم يحلب ، وأصل التصرية: حبس الماء وجمعه. يقال منه:
صَرَيت الماء ، ويقال: إنما سميت الصَّراة، كأنها مياه اجتمعت .
قال أبو عبيد : ولو كان من الربط لكان مصرورة، أو مصررة .
قال الشيخ: كأنه يريد به رداً على الشافعى .
قال الشيخ : قول أبى عبيد حسن ، وقول الشافعى صحيح . والعرب تَصُرُ ضُروع
الخلوبات إذا أرسلتها تسرح ، ويسمون ذلك الرباطَ: صِراراً. فإذا راحت حُلّت تلك
الأصِرَّة وحُلبت.
ومن هذا حديث أبى سعيد الخدرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل
لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَحُلَّ صِرار ناقة بغير إذن صاحبها. فإنه خاتم أهلها عليها)»
ومن هذا قول عنترة :
العبد لا يحسن الكَرَّ، إنما يحسن الحلب والصَّر.
وقال مالك بن نويرة - وكان بنوير بوع جمعوا صدقاتهم ليوجِّهوا بها إلى أبى بكر
رضى الله عنه، فمنعهم من ذلك ، وردّ على كل رجل منهم صدقته - وقال: أنا جُنَّةً لكم
مما تكرهون . وقال :
مُصَرََّة أخلاقُها، لم تُجدّدٍ
وقلت : خذوها ، هذه صدقاتكم
وأرهنكم يوماً بما قلته يدى
سأجعل نفسى دون ما تجدونه
قال الشيخ : وقد يحتمل أن تكون المصراة ، أصله: المصرورة ، أبدل إحدى الراءين

- ٨٦ -
٣٣٠٢ - وعن ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( من اشترى غَمَا مُعَتَرَاةً احْتَلَبَهَا: فإن رضيها أمسكها ، وإن سَخِطها
ففى حَلْبتها صاعٌ من تمر))
ياء، كقولهم: تقضَّى البازى. وأصله تَقَضَّض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس
واحد فى كلمة واحدة ، فأبدلوا حرفاً منها بحرف آخر ، ليس من جنسها .
تَقَضِّىَ البازى ، إذا البازی کَسَر
قال العجاج :
ومن هذا الباب: قول الله تعالى (٩١: ١٠ وقد خاب من دسّاها) أى أخملها بمنع
الخير. وأصله : من دسستها ، ومثل هذا فى الكلام كثير.
وقد اختلف الناس فى حكم المصراة .
فذهب جماعة من الفقهاء : إلى أنه يردها ، ويرد معها صاعاً من تمر ، قولاً بظاهر
الحديث ، وهو قول مالك والشافعى والليث بن سعد وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية
وأبى عبيد وأبى ثور .
وقال ابن أبى ليلى وأبو يوسف : يرد قيمة اللبن .
وقال أبو حنيفة : إذا حلب الشاة فليس له أن يردها . ولكن يرجع على البائع .
بأرشها ويمسكها .
واحتج من ذهب إلى هذا القول : بأنه خبر مخالف للأصول . لأن فيه تقويم المتلف بغير
النقود، وفيه إبطال رد المثل فيما له مثل ، وفيه تقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة
واحدة ، وبمقدار واحد .
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم ((الخراج بالضمان))
قال الشيخ : والأصل : أن الحدیث إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب
القول به ، وصار أصلاً فى نفسه . وعلينا قبول الشريعة المبهمة ، كما علينا قبول الشريعة
المفسرة. والأصول إنما صارت أصولاً لمجىء الشريعة بها. وخبر المصرَّاة قد جاء به الشرع
من طرق جياد . أشهرها هذا الطريق ، فالقول به واجب . وليس تركه لسائر الأصول
بأولی من تر کها له .

- ٨٧ -
وأخرجه مسلم .
٣٣٠٣ - وعن جُميع بن عمير التَّيمى، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله
على أن تقويم المتلف بغير النقد موجود فى بعض الأصول . منها : الدية فى النفس :
مائة من الإبل ، ومنها : الغُرَّة فى الجنين .
وقد جاء أيضاً تقويم القليل والكثير بالقيمة الواحدة ، كأرش الموضحة . فإنها ربما
أخذت أكثر من مساحة الرأس، فيكون فيها خمسٌ من الإبل . وربما كانت قدر
الأنملة ، فيجب الخمس من الإبل سواء. وكذلك الدية فى الأصابع سواء ، على اختلاف
مقاديرٍ جمالها ومنفعتها.
وجاءت السنة بالتسوية بين دية اللسان ، والعينين ، واليدين ، والرجلين .
أوأوجب أصحاب الرأى فى الحاجبين وأهداب العينين وفى اللحية : الدية الكاملة .
وأين منافع الحاجبين من اللسان واليدين والرجلين ؟
وقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم على من وجبت عليه فى إبله ابنة مخاض، وليس عنده
إلا ابنةُ لَبون ((أن يعطى المصدق شاتين، أو عشرين درهماً)) جبراناً لنقصان ما بين السنَّين.
ومعلوم أن ذلك قد يتفاوت ، ولا يتعدل فى التقويم بكل مكان وكل زمان .
وقد جعلوا أيضاً الحدَّ فى المهر عشرة دراهم، على تسوية فيه بين الشريفة والوضيعة ، وفى
ردِّ الآبق أربعين درهماً ، ولم يفرقوا بين من رَدَّ من مسافة ثلاثة أيام ، وبين من رده
من مسافة شهر، وليس فى شىء من هذا سنة ، ولا خبر عن النبى صلى الله عليه وسلم .
فكيف يجوز رد السنة الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم من أجل أن بينها وبين
بعض السنن مخالفة فى بعض أحكامها ؟
وقد قالوا بخبر الوضوء بالنبيذ ، ويخبر القهقهة ونقضها الطهارة فى الصلاة ، مع مخالفتها
الأصول . وهما خبران ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث .
ثم إن تقويم المتلفات على ضربين .
أحدهما : أن تُقوَّم قيمة تعديل .

- ٨٨ -
صلى الله عليه وسلم (( من ابتاع مُحَفَّةَ، فهو بالخيار ثلاثة أيام ، فإن رَدِّهَا رَدَّ معها مِثْل ،
أَوْ مِثْلِىْ، لَبَنِهَا قَمْحًا)» .
والآخر : أن تقوم قيمة توقيف .
فقيمة التعديل : ترتفع وتنخفض على قدر ارتفاع الشىء وانخفاضه .
وقيمة التوقيف : هو ما جُعل بإزاء الشىء الذى لا يكاد ينضبط بمقدار معلوم . واللبن
غير معلوم المقدار ، وقد يقل مرة ويكثر أخرى ، ويختلط باللبن الذى يحدث فى ملك
المشترى، ولا يتميز منه، وإذا صار مجهولاً لا ينضبط، وكان لا يُؤْمن وقوع التنازع فيه بين
البائع والمشترى، وردت الشريعة فيه بتوقيف معلوم ، يفصل فيه بين المتبايعين ، ويكفيهما
مؤنة الاجتهاد، ويقطع به مادة النزاع . كما وردت فى الجنين ، إذ كانت بمنزلة المصراة فى
معنى الجهالة .
وأما خبر ((الخراج بالضمان)) فمخرجه مخرج العموم، وخبر المصراة : إنما جاء خاصاً فى
حكم بعينه ، والخاص يقضى على العام . ولو جاء الخبران معاً مقترنين فى الذكر لصح
الترتيب فيهما ، ولاستقام الكلام، ولم يتناقض عند تركيب أحدهما على الآخر ، فكذلك
إذا جاءا منفصلين غير مقترنين . لأن مصدرهما عن قول من تجب طاعته ، ولا تجوز مخالفته
قال الشيخ : وقد أخذ كل واحد من أبى حنيفة ومالك بطرف من الحديث، وترك
الطرف الآخر .
فقال أبو حنيفة : لا خيار أكثر من ثلاث ، واحتج بهذا الحديث . ولم يقل
برد الصاع .
وقال مالك : برد الصاع ، ولم يأخذ بالتوقيف فى خيار الثلاث . وصار إلى أن يردّ
متى وقف على العيب ، كان ذلك قبل الثلاث أو بعدها .
فكان أصح المذاهب : قول من استعمل الحديث على وجهه ، وقال بجملة ما فيه .
وفى الحديث : دليل على أنه لا يجوز بيع شاة لبون بلبن ، ولا بشاة لبون ، وذلك
لأنه قد جعل للبن المصراة قسطاً من الثمن، إذ كان كالشىء المودع فى الشاة ، المقدور على
استخراجه . فإذا باع لبوناً بلبون فقد باع لبناً بلبن غير متساويين.

- ٨٩ -
وأخرجه ابن ماجة .
وقال الخطابي : وليس إسناده بذلك .
والأمر كما قال . فان جميع بن عمير، قال ابن ثمير: هو من أكذب الناس .
وقال ابن حبان : كان رافضيا يضع الحديث .
فأما بيع سمسم بسمسم نجائز، وإن كان العلم قد يحيط بأن فى كل واحد منهما دُهناً ،
إلا أنه غير مقدور على استخراجه ، كما كان مقدوراً على استخراج اللبن مع بقاء العين
بهيئته . فصار تبعاً للمبيع.
قال الشيخ: ويدخل فى هذا: كل مصراة ، من الإبل والغنم والبقر والآدميات . فلو
اشترى رجل جارية ذات لبن لترضع ولده ، فوجدها مصراة كان هذا حكمها سواء،
لا فرق بينها وبين غيرها من الحيوان فى هذا المعنى .
وقد اختلف الناس فى مدة الخيار المشروط فى البيع .
فقال أبو حنيفة : لا يجوزأكثر من ثلاث . وهو قول الشافعى .
وقال ابن أبى ایلی وأبو يوسف ومحمد : قليله وكثيره جائز.
وقال مالك : هو على قدر الحاجة إليه . خيار الثوب : يوم ويومان . وفى الحيوان :
أسبوع ونحوه . وفى الدور : شهر وشهران . وفى الضيعة : سنة ونحوها .
وفى قوله ((لاسمراء )) دليل على أنه لا يلزمه أن يعطيه غير التمر.
وذهب بعضهم إلى أن كل إنسان يعطى من قوته . فمن كان قوته النمر أعطى صاعاً
من تمر ، ومن كان قوته الشعير أعطى صاعاً من شعير، ومن كان قوته السمراء ، وهى
الحنطة ، أعطى صاعاً منها . وهذا خلاف ظاهر الحديث ، إلا أن أبا داود قد روى فى هذا
الحديث من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
((من باع مُحَلّة فهو بالخيار ثلاثة أيام ، فان رَدَّها ردَّ معها مثل ، أو مثلى ، لبنها قمحاً)»
وليس إسناده بذاك .
و((المحفَّة)) هى المصراة، وسميت مُحَفلةً لحفول اللبن واجتماعه فى ضرعها .

- ٩٠ -
باب فى النهى عن الحكْرةِ [٢٨٥:٣]
٣٣٠٤ - عن مَعْمَر بن أبى معمر، أحد بنيٍ عَدِىٌّ بن كَعْب ، قال : قال رسول الله
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لاَ يَحْتَكِرُ إلا خَاطِئِ، فقلت لسعيد: فانك تحتكر ،
قال: ومَعمرٌ" كان يحتكر)).
وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجة .
قال أبو داود: كان سعيد بن المسيب يحتكر النَّوَى والخبط والبزر .
وقال أبو داود: وسمعت أحمد بن يونس يقول: سألت سفيان عن كَبْس الْقَتّ،
فقال: كانوا يكرهون الحكرة، وسألت أبا بكر بن عَيَّش؟ فقال: ا كبسه.
وعن قتادة ، قال : ليس فى التمر حكرة . قال ابن المثنى : قال عن الحسن ، فقلنا له :
لا تقل عن الحسن .
قال أبو داود : هذا الحديث عندنا باطل .
٣٣٠٤ - قال الشيخ: قوله ((ومعمر كان يحتكر)) يدل على أن المحظور فيه نوع دون نوع.
ولا يجوز على سعيد بن المسيب فى علمه وفضله أن يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم
حديثاً ، ثم يخالفه كِفاحاً، وهو على الصحابى أقل جوازاً وأبعد إمكاناً .
وقد اختلف الناس فى الاحتكار .
فكرهه مالك والثورى فى الطعام وغيره من السلع .
وقال مالك: يمنع من احتكار الكتان والصوف والزيت ، وكل شىء أضر بالسوق ،
إلا أنه قال: ليست الفواكه من الحكرة .
وقال أحمد بن حنبل : ليس الاحتكار إلا فى الطعام خاصة . لأنه قوت الناس
وقال: إنما يكون الاحتكار فى مثل مكة والمدينة والثغور، وفرق بينهما وبين
بغداد والبصرة .
وقال : إن السفن تخترقها . وقال أحمد: إذا دخل الطعام من ضيعته حبسه
فليس بحكرة .

- ٩١ -
قال أبو داود: وسألت أحمد : ما الحكرة ؟ قال: ما فيه عيش الناس.
قال أبو داود : قال الأوزاعى : المحتكر: من يعترض السوق .
باب ما جاء فى كسر الدراهم [ ٣: ٢٨٦]
٣٣٠٥ - عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه - وأبوه: هو عبد الله بن عمرو بن هلال
المزَنى، له صحبة - قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُكْسَرَ سِكَّةُ المسلمين الجائزةُ
بينهم ، إلا من بأس)).
وأخرجه ابن ماجة .
وفى إسناده: محمد بن فَضاء الأزْدِى الجهضى البصرى، المعبِّ الرؤيا. كنيته: أبو بحر،
ولا يحتج بحديثه .
وقال الحسن والأوزاعى : من جلب طعاماً من بلد إلى بلد خبسه ينتظر زيادة السعر
فليس بمحتكر. وإنما المحتكر من اعترض سوق المسلمين .
قال الشيخ: واحتكار معمر وابن المسيب متأول على مثل هذا الوجه الذى ذهب
إليه أحمد بن حنبل ، وإنما هذا الحديث جاء باللفظ العام ، والمراد منه معنى خاص ، وقد
روى عن ابن المسيب : أنه كان يحتكر الزيت .
٣٣٠٥ - قال الشيخ: أصل (( السكة)) الحديدة التى تطبع عليها الدراهم. والنهى إنما وقع
عن كسر الدراهم المضروبة على السكة .
وقد اختلف الناس فى المعنى الذى من أجله وقع النهى عنه .
فذهب بعضهم إلى أنه كره لما فيه من ذكر اسم الله سبحانه وتعالى .
وذهب بعضهم إلى أنه كره من أجل الوضيعة ، وفيه تضييع للمال .
وبلغني عن أبى العباس بن سُريح أنه قال: كانوا يقرضون الدراهم، ويأخذون أطرافها
قنهوا عنه .
وحدثنى إسماعيل بن أسيد قال سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: سمعت أباداود يقول:
سألت أحمد بن حنبل - أو سئل حضرى سائل(١) - ومعى درهم صحيح ، فقلت :
اكسره له ؟ قال : لا .
(١) كذا بالاصل. ولعله (( أو سأله بحضرتي سائل)) أو نحو هذا.

- ٩٢ -
باب فى التسعير [٣: ٢٨٦ ]
٣٣٠٦ - عن أبى هريرة (( أن رجلا جاء، فقال: يا رسول الله ، سَعِّر، فقال: بل أدعوا،
ثم جاءه رجل ، فقال: يا رسول الله، سَعّرً؛ فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإنى لأرجو
أن ألقى الله وليس لأحد عندى مَظْلِةَ» .
٣٣٠٧ - وعن أنس، قال ((قال الناس: يا رسول الله، غَلاَ السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لنا،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرازق، وإلى
لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبنی بمظلمة من دَمٍ ولا مال)) .
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن صحيح .
باب فى النهى عن الغشِّ [٣: ٢٨٧]
٣٣٠٨ - عن أبى هريرة (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ برجل يبيع طعاما، فسأله:
كيف تبيع؟ فأخبره، فأُوحِى إليه : أَنْ أدخل يدَك فيه ، فأدخل يده فيه ، فإذا هو
مبلول ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ مَنّا مَنْ غَتْرَّ))
وزعم بعض أهل العلم أنه كره قطعها وكسرها من أجل التدنيق .
وقال الحسن : لعن الله الدائق وأولَ من أحدث الدانق .
٣٣٠٨ - قال الشيخ قوله: (( ليس منا من غَشَ)) معناه ، ليس على سيرتنا ومذهبنا ، يريد :
أن من غش أخاه ، وترك مناصحته، فانه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتى .
وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك : نفيه عن دين الإِسلام .
وليس هذا التأويل بصحيح، وإنما وجهه : ما ذكرت لك .
وهذا كما يقول الرجل لصاحبه : أنا منك وإليك، يريد بذلك : المتابعة والموافقة .
ويشهد لذلك قوله تعالى (١٤: ٣٦ فمن تبعنى فإنه منى، ومن عصانى فإنك غفور رحيم).

- ٩٣ -
وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجة بنحوه .
وحكى عن سفيان: أنه كان يكره هذا التفسيرَ ((ليس منا)»: ليس مثلنا .
باب خيار المتبايعين [٣: ٢٨٧ ]
٣٣٠٩ - عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((المتبايعان: كلّ
واحد منهما بالخيار على صاحبه، مالم يفترقا ، إلا بيعَ الخيار)).
٣٣١٠ - وفى رواية (( أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)).
٣٣٠٩، ٣٣١٠ - قال الشيخ: اختلف الناس فى التفرق الذى يصح بوجوده البيع.
فقالت طائفة : هو التفرق بالأبدان ، وإليه ذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب ،
وأبو بَرْزَة الأسلمي رضي الله عنهم، وبه قال شريح، وسعيد بن المسيب، والحسن البصرى،
وعطاء بن أبي رباح ، والزهرى . وهو قول الأوزاعى والشافعى ، وأحمد بن حنبل
و إسحاق ، وأبى عبيد وأبى ثور .
وقال النخعى وأصحاب الرأي: إذا تعاقدا صح البيع ، وإليه ذهب مالك.
قال الشيخ : وظاهر الحديث : يشهد لمن ذهب إلى أن التفرق : هو تفرق البدن .
وعلى هذا فسره ابن عمر، وهو راوى الخبر، و((كان إذا بايع رجلاً ، فأراد أن يستحق
الصفقة، مشى خطوات حتى يفارقه )) وكذلك تأوله أبو برزة فى شأن الفرس الذى باعه
الرجل من صاحبه وهما فى المنزل .
وقد ذكر القصة فى هذا الباب أبو داود. وهو حديث (٣٣١٢)
قال الشيخ : وعلى هذا وجدنا أمر الناس فى عرف اللغة ، وظاهر الكلام : إذا
قيل: تفرّق الناس : كان المفهوم منه التميز بالأبدان. وإنما يعقل ما عداه من التفرق فى الرأى
والكلام بقید وصله .
وحكى أبو عمر الزاهد : أن أبا موسى النحوى سأل أبا العباس أحمد بن يحيى: هل

- ٩٤ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
بين ((يتفرقان)) و ((يفترقان)) فرق؟ قال نعم . أخبرنا ابن الأعرابى عن المفضل قال ((يفترقان)»
بالكلام و((يتفرقان)» بالأبدان .
قال الشيخ : ولو كان تأويل الحديث على الوجه الذى صار إليه النخعى الخلا الحديث
عن الفائدة ، وسقط معناه .
وذلك : أن العلم محيط بأن المشترى ما لم يوجد منه قبول البيع فهو بالخيار، وكذلك
البائع خياره ثابت فى ملكه قبل أن يعقد البيع .
وهذا من العلم العام الذى قد استقر بيانه، من باب أن الناس مُخَلَّوْن وأملاكَهم ،
لا يُكرهون على إخراجها من أيديهم ، ولا تملك عليهم إلا بطيب أنفسهم ، والخبر الخاص
إنما يروى فى الحكم الخاص .
وثبت أن المتبايعين هما المتعاقدان . والبيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين .
وهى لا تقع حقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم ، كقولك : زان ، وسارق .
وإذا كان كذلك فقد صح أن المتبايعين هما المتعاقدان ، وإذا كان كذلك فليس
بعد العقد تفرق الا التميز بالأبدان .
ويشهد لصحة هذا الباب: قوله (( إلا بيع الخيار)) ومعناه: أن يخيره قبل التفرق
وهما بعدُ فى المجلس ، فيقول له : اختر .
وبيان ذلك فى رواية أيوب عن نافع. وهو قوله (( إلا أن يقول لصاحبه اختر)).
وقد تأول بعضهم ((إلا بيع الخيار)) على معنى خيار الشرط .
وهذا تأويل فاسد. وذلك: أن الاستثناء من الإثبات نفى، ومن النفى إثبات، والأول
إثبات الخيار. فلا يجوز أن يكون ما استثنى منه أيضاً إثباتاً مثله .
على أن قوله (( إلا أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) يقيد ما قاله هذا القائل ويهدمه.
واحتج بعض من ذهب إلى أن التفرق هو تفرق البدن : بأن المتبايعين إنما يجتمعان
بالإيجاب والقبول ، لأنهما كانا قبل ذلك متفرقين، فلا يجوز أن يحصلا مفترقين بنفس الشىء
الذى به وقع اجتماعهما عليه .
٠٠٠

- ٩٥ -
وأما مالك : فإن أكثر شىء سمعت أصحابه يحتجون به فى رد الحديث : هو أنه قال :
ليس العمل عليه عندنا ، وليس للتفرق حد محدود يعلم .
قال الشيخ : وليس هذا بحجة .
أما قوله (( ليس العمل عليه عندنا)) فإنما هو كأنه قال : أنا أرد هذا الحديث
ولا أعمل به .
فيقال له : الحديث حجة . فلم رددته ؟ ولِمَ لم تعمل به ؟.
وقد قال الشافعى : رحم الله مالكاً. لست أدرى من اّهم فى إسناد هذا الحديث؟
اتهم نفسه أو نافعاً ؟ وأُعظِيمُ أن أقول : اتهم ابن عمر .
فأما قوله (( ليس للتفرق حد يعلم)) فليس الأمر على ماتوهمه .
والأصل فى هذا ونظائره: أن يُرجَع إلى عادة الناس وعرفهم، ويعتبر حال الميكان
الذى هما فيه مجتمعان، فإذا كانا فى بيت ، فإن التفرق إنما يقع بخروج أحدهما منه . ولوكانا
فى دار واسعة فانتقل أحدهما عن مجلسه إلى بيت أو صُفَّةً أو نحو ذلك، فإنه قد فارق صاحبه،
وإن كانا فى سوق أو على حانوت ، فهو بأن يولِّىَ عن صاحبه ويخطو خطوات ونحوها ،
وهذا كالعرف الجارى، والعادة المعلومة فى التقابض . وهو يختلف فى الأشياء.
فمنها : ما يكون التقابض فيه: بأن يجعل الشىء فى يده .
ومنها : ما يكون بالتخلية بينه وبين المبيع .
وكذلك الأمر فى الحرز الذى يتعلق به وجوب قطع اليد .
فإن منه ما يكون بالأغلاق والأفعال .
ومنه ما يكون بيتاً وحجاباً .
ومنه: ما يكون بالشرائح ونحوها ، وكل منها حرز على حسب ماجرت به العادة ،
والعرف أمر لا ينكره مالك ، بل يقول به ، وربما ترقىَّ فى استعماله إلى أشياء لا يقول بها
غيره وذلك من مذهبه معروف . فكيف صار إلى تركه فى أحق المواضع به ، حتى يترك
له الحديث الصحيح؟ والله يغفر لنا وله .
وكان ابن أبى ذئب يستعظم هذا الصنيع من مالك . وكان يتوعده بأمر لا أحب أن
أحكيه ، والقصة فى ذلك عنه مشهورة .

- ٩٦ -
٣٣١١ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((الْمُتَبَايِعَانِ بالخيار مالم يفترقا، إلا أن تكون صَفْقَةَ خِيَار،
ولا يَحل له أن يُفارق صاحبه، خَشْية أن يَسْتَقِيلِهِ)).
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : حسن .
٣٣١٢ - وعن أبى الوَضِىء - واسمه عَبّادْ بن ◌ُسَيِب - قال ((غزونا غَزْوَةً لنا ، فنزلنا منزلا
فباع صاحبٌ لنا فرسا بغلام ، ثم أقاما بقيةَ يومهما وليلتهما . فلما أصبحا من الغدِ حضرَ
الرحيلُ، قام إلى فرسه يُسْرِجه فندِمَ، فأتى الرجلَ ، وأخذه بالبيع ، فأبى الرجلُ أن يدفعه
إليه ، فقال: بينى وبينك أبو بَرْزة، صاحبُ النبى صلى الله عليه وسلم ، فأتيا أبا برزة
فى ناحية العسكر، فقالا له هذه القصة، فقال: أترضيان أن أقضىَ بينكما بقضاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الْبَيّعَانِ بِالْخَيَارِ مَالَمْ يتفرقا)).
قال هشام بن حسان: حدث جميل - يعنى ابن مرة - أنه قال ((ما أرا كما افترقتما))
وأخرجه ابن ماجة . ورجال إسناده ثقات
٣٣١٣ - وعن يحيى بن أيوب، قال ((كان أبو زُرعة - يعنى ابنَّ عمرو بن جرير - إذا
بايع رجلا خَيْرَهُ ، قال: ثم يقول: خَيِرنى، ويقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَ يَفَتَرَقَنَّ اثَنَانِ إِلّ عَنْ تَرَاضٍ)).
وأخرجه الترمذى ، ولم يذكر قصة أبى زرعة ، وقال: هذا حديث غريب.
٣٣١١ - قال الشيخ: وهذا قد يحتج به من يرى أن التفرق إنما هو بالكلام ، قال: وذلك
أنه لو كان له الخيار فى فسخ البيع لما احتاج إلى أن يستقيله.
قال الشيخ: هذا الكلام، وإن خرج بلفظ الاستقالة ، فمعناه الفسخ ، وذلك: أنه
قد علقه بمفارقته . والاستقالة قبل المفارقة وبعدها سواء . لا تأثير لعدم التفرق بالأبدان فيها .
والمعنى: أنه لا يحل له أن يفارقه خشية أن يختار فسخ البيع. فيكون ذلك بمنزلة الاستقالة.
والدليل على ذلك: ما تقدم من الأخبار . والله أعلم .
1

- ٩٧ -
٣٣١٤ - وعن حكيم بن حزام، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّعَانِ
بِالْخَيَارِ ما لم يفترقا، فإن صَدَّقا وَبَيَّنَا بُورِكَ لهما فى بيعهما، وإن كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتِ
البركة من بيعهما)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى.
قال أبو داود: وكذلك رواه سعيد بن أبى عروبة وحماد، وأما هام فقال: ((حتى
يتفرقا أو يختارا، ثلاث مرار)).
باب فى فضل الإقالة [ ٣: ٢٩٠ ]
٣٣١٥ - عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً
أَقَالَهُ اللهِ عَثْرَتَه)).
وأخرجه ابن ماجة .
باب فيمن باع بيعتين فى بيعة [٣: ٢٩٠ ]
٣٣١٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ بَاعَ بَيْعَتَينِ
فىِ بَيْعَةٍ فَ أَوْ كَسُهُمَا ، أو الرِّ با)).
٣٣١٦ - قال الشيخ رحمه الله: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث، أو صحح
البيع بأوكس الثمنين ، إلا شىء يحكى عن الأوزاعى، وهو مذهب فاسد . وذلك : لما تتضمنه
هذه العقدة من الغرر والجهل .
وإنما المشهور من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله
عليه وسلم ((أنه نهى عن بيعتين فى بيعة)).
حدثنا الأصم ، قال حدثنا الربيع ، قال حدثنا الشافعى ، قال حدثنا الدَّراوردى عن
محمد بن عمرو .
وحدثونا عن محمد بن إدريس الحنظلی حدثنا الأنصاري عن محمد بن عمرو .
م ٧ - مختصر السنن - ج .

- ٩٨ -
فى إسناده : محمد بن عمرو بن علقمة . وقد تكلم فيه غير واحد .
والمشهور عن محمد بن عمرو من رواية الدّراوردِى ، ومحمد بن عبد الله الأنصارى
(( أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين فى بيعة)).
فأما رواية يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو، على الوجه الذى ذكره أبو داود : فيشبه
أن يكون ذلك فى حكومة في شىء بعينه. كأنه أسلفه ديناراً فى قفيزين إلى شهر، فلما حَلَّ
الأجل وطالبه بالبُرِّ ، قال له : بعنى القفيز الذى لك علىَّ بقفيزين إلى شهر. فهذا بيع ثانٍ قد
دخل على البيع الأول. فصار بيعتين فى بيعة، فيردان إلى أوكسهما . وهو الأصل، فإن
تبايعا المبيع الثانى قبل أن يتقابضا الأول كانا مربيين .
قال الشيخ : وتفسير مانهى عنه من بيعتين فى بيعة على وجهين .
أحدهما : أن يقول: بعتك هذا الثوب نقداً بعشرة ، ونسيئة بخمسة عشر . فهذا
لا يجوز، لأنه لا يدرى أيهما الثمن الذى يختاره منهما، فيقع به العقد. وإذا جُهل الثمن
بطل البيع .
والوجه الآخر: أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرين ديناراً على أن تبيعنى جاريتك
بعشرة دنانير، فهذا أيضاً فاسد . لأنه جعل ثمن العبد عشرين ديناراً، وشرط عليه أن يبيعه
جاريته بعشرة دنانير، وذلك لا يلزمه ، وإذا لم يلزمه سقط بعض الثمن . وإذا سقط بعضه
صار الباقى مجهولاً .
ومن هذا الباب : أن يقول : بعتك هذا الثوب بدينارين على أن تعطيني بهما دراهم
صَرْفَ عشرين أو ثلاثين بدينار .
فأما إذا باعه شيئين بثمن واحد ، كدار وثوب، أو عبد وثوب، فهذا جائز، وليس من.
باب البيعتين فى البيعة الواحدة ، وإنماهى صفقة واحدة جمعت شيئين بثمن معلوم .
وعقد البيعتين فى بيعة واحدة على الوجهين اللذين ذكرناهما عند أكثر الفقهاء فاسد .
وحكى عن طاووس أنه قال: لا بأس أن يقول له: هذا الثوب نقداً بعشرة، وإلى
شهر بخمسة عشر ، فيذهب به إلى أحدهما .

- ٩٩ -
باب النهى عن العينة [٣: ٢٩١ ]
٣٣١٧ - عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إذَا تَبَا يَعْتُمْ
وقال الحكم وحماد : لا بأس به مالم يفترقا .
وقال الأوزاعى: لا بأس بذلك ، ولكن لا يفارقه حتى يبَاتَّه بأحد المعنيين.
فقيل له : فإنه ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين ؟
فقال : هى بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين .
قال الشيخ : هذا مالا يُشَكُّ فى فساده. فأما إذا باتَّه على أحد الأمرين فى مجلس العقد
فهو صحيح ، لا خُلف فيه، وذكر ماسواه لغو، لا اعتبار به .
٣٣١٧ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله:
وفى الباب حديث أبي إسحق السبيعى عن امرأته (( أنها دخلت على عائشة رضى الله عنها
فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم ، فقالت : يا أم المؤمنين ، إنى بعت غلاماً من زيد بن أرقم
بثمانمائة درهم نسيئة، وإنى ابتعته منه بستمائة نقداً، فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت، وبئسما
شريت، أخبرى زيداً أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلى أن يتوب ))
هذا الحديث رواه البيهقى والدارقطنى ، وذكره الشافعى، وأعله بالجهالة بحال امرأة
أبى إسحاق . وقال : لو ثبت فإنما عابت عليها بيعاً إلى المعطاء ، لأنه أجل غير معلوم .
ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة ، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالا
قال البيهقى: ورواه يونس بن أبى إسحاق عن أمه العالية بنت أنفع (١) (( أنها دخلت على
عائشة مع أم محمد )) .
(١) والحديث أخرجه الداراقطنى (ص ٣١٠) عن يونس عن أمه أم العالية بنت أنفع
قالت (( حججت أنا وأم محبة - وفى رواية : خرجت أنا وأم محبة إلى مكة - فدخلنا على عائشة
فسلمنا عليها، فقالت : من أنّن؟ قلنا : من أهل الكوفة ، قالت: فكأنها أعرضت عنا
فقالت لها أم محبة : يا أم المؤمنين ، كانت لى جارية ، وإنى بعتها من زيد بن أرقم الأنصارى
بثمانمائة درهم إلى عطائه، وأنه أراد بيعها، فابتعتها منه بستمائة درهم نقداً - الحديث)) قال
الشيخ شمس الحق العظيم أبادى فى التعليق المغنى: وأخرجه البيهقى وعبد الرزاق أيضاً؛ وأم =

- ١٠٠ -
بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيْمٌ بِالَّرْعِ، وَتَرَكُمُ الْجِهَادَ: سَلَّطَ اللهُ
وقال غيره : هذا الحديث حسن ، ويحتج بمثله ، لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان :
أبو إسحق زوجها، ويونس ابنها، ولم يعلم فيها جرح ، والجهالة ترتفع عن الراوى بمثل ذلك :
ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة ، ومن دخل معها على عائشة ، وقد صدقها زوجها وابنها
وهما من هما؛ فالحديث محفوظ.
وقوله فى الحديث المتقدم (( من باع بيعتين فى بيعة فله أوكسهما أو الربا)) هو منزل على
العينة بعينها ، قاله شيخنا، لأنه بيعان فى بيع واحد، فأوكسهما: الثمن الحال . وإن أخذ بالأكثر
وهو المؤجل - أخذ بالربا. فالمعينان لا ينفكان من أحد الأمرين: إما الأخذ بأوكس الثمنين،
أو الربا، وهذا لا يتنزل إلا على العينة .
فصل
قال المحرمون للعينة : الدليل على تحريمها من وجوه .
أحدها : أن الله تعالى حرم الربا والعينة وسيلة إلى الربا ، بل هى من أقرب وسائله .
والوسيلة إلى الحرام حرام ، فهنا مقامان .
أحدهما : بيان كونها وسيلة .
= محبة : بضم الميم ، وكسر الحاء المهملة، هكذا ضبطه الدار قطنى فى كتاب المؤتلف والمختلف.
وقال : إنها امرأة تروى عن عائشة ، روى حديثها أبو إسحق السبيعى عن امرأته العالية ،
ورواه أيضاً يونس بن اسحق عن أمه العالية بنت أنفع عن أم محبة عن عائشة. وقال : أم محبة
والعالية : مجهولتان، لا يحتج بهما ، وأخرجه أحمد فى مسنده: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا
شعبة عن أبى إسحق السبيعى عن امرأته (( أنها دخلت على عائشة هى وأم ولد زيد بن أرقم .
فقالت أم ولد زيد - الحديث)) قال في التنقيح : إسناده جيد، وإن كان الشافعى لا يثبت مثله
عن عائشة ، وكذلك الدار قطنى قال فى العالية: هى مجهولة ، لا يحتج بها : وفيه نظر ، فقد خالفه
غيره. ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا حرام لم تستجز
أن تقوله . وقال ابن الجوزى : قالوا: العالية مجهولة ، لا يحتج بها، ولا يقبل خبرها . قلنا :
بل هى امرأة معروفة جليلة القدر ، ذكرها ابن سعد فى الطبقات ؛ فقال : العالية بنت أنفع
بن شراحيل ، امرأة أبى إسحق السبيعى ، سمعت من عائشة اهـ .
واسم أبى اسحق السبيعى: عمرو بن عبد الله الهمدانى الكوفى .