النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ - وقال الإمام أحمد بن حنبل : كثير الألوان [ قال أبو داود: أبو النجاشى: عطاء بن صهيب ] حديث رافع : إما أن يكون النهى فيه عن الإجارة دون المزارعة ، أو عن المزارعة التى كانوا يعتادونها ، وهى التى فسرها فى حديثه . وأما المزارعة التى فعلها النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه من بعده : فلم يتناولها النهى بحال . التاسع : أن ما فى المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة، وقيام أمر الناس عليها: يمنع من تحريمها والنهى عنها، لأن أصحاب الأرض كثيراً ما يعجزون عن زرعها ، ولا يقدرون عليه ، والعمال والأكرة يحتاجون إلى الزرع ، ولا أرض لهم ، ولا قوام لهؤلاء ولا هؤلاء إلا بالزرع . فكان من حكمة الشرع ورحمته بالأمة ، وشفقته عليها ، ونظره لهم : أن جوز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها، ويشتركان فى الزرع ، هذا بعمله، وهذا بمنفعة أرضه ، وما رزق الله فهو بينهما، وهذا فى غاية العدل والحكمة، والرحمة والمصلحة . وما كان هكذا فان الشارع لا يحرمه ولا ينهى عنه ، لعموم مصلحته، وشدة الحاجة إليه، كما فى المضاربة والمساقاة ، بل الحاجة فى المزارعة آكد منها فى المضاربة ، لشدة الحاجة إلى الزرع، إذ هو القوت، والأرض. لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال . فان قيل : فالشارع نهى عنها ، مع هذه المنفعة التی فیها ، ولهذا قال رافع « نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعاً))؟ فالجواب : أن الشارع لاينهى عن المنافع والمصالح ، وإنماينهى عن المفاسد والمضار، وهم ظنوا أن قدكان لهم فى ذلك المنهى عنه منفعة، وإنما كان فيه عليهم مضرة ومفسدة مقتضية للنهى، وما تخيلوه من المنفعة فهى منفعة جزئية لرب الأرض ، لاختصاصه بخيار الزرع وما يسعد منه بالماء وماعلى إقبال الجداول ، فهذا - وإن كان فيه منفعة له - فهو مضرة على المزارع ، فهو من جنس منفعة المرابى بما يأخذه من الزيادة ، وإن كان مضرة على الآخر. والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه ، لجواب رافع: أن هذا وإن كان منفعة لكم فهو مضرة على إخوانكم ، فلهذا نها كم عنه . وأما المزارعة العادلة التى يستوى فيها العامل ورب الأرض : فهى منفعة لهما ، ولا مضرة فيها على أحد ، فلم ينه عنها، فالذى نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة ، فى ضمنها منفعة مرجوحة جزئية ، والذى فعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من هذه مصلحة ومنفعة - ٦٢ - ٣٢٥٤ - وعن سليمان بن يسار، أن رافع بن خديج قال ((كنا ◌ُخَابِرِ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أنّ بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ كان لنا نافعاً، وَوَاعِيَةُ الله ورسوله أنفعُ لنا وأنفع ، قال: قلنا: وما ذاك ؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ كانتْ لَهُ أَرْضٌ فَلَيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعَهَا أخاه، ولا يكاريها بثلث ولا بربع، ولا بطعام مسمى)) وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة ٣٢٥٥ - وعن ابن رافع بن خديج، عن أبيه ، قال « جاءنا أبو رافع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ كان يَرْفُق بنا، وطاعةُ الله وطاعة رسوله أرفق بنا، نهانا: أن يزرع أحدنا إلا أرضاً يملك رَقَبَتَها، أو مَنِيحَةً يمْنَحُهَا رَجُلٌ)) ٣٢٥٦ - وعن أسيد بن ظُهر قال ((جاءنا رافع بن خديج فقال: إن رسول الله ينها كم عن أمر كان لكم نافعاً، وطاعةُ الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفع لكم ، إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ينها كم عن الْحَقْل، وقال : مَنِ اسْتَغْنَى عَنْ أَرْضِهِ فَلْيَمْنَحْهَا أخاه، أو لِيَدَعْ)) وأخرجه النسائي وابن ماجة راجحة ، لا مضرة فيها على واحد منهما ، فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا يستويان عند الله ولا عند رسوله ، ولاعند الناس . وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء. وقد تقدم فى بعض طرقه (( أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القصرى ، ومن كذا ومن كذا . فقال صلى الله عليه وسلم : من كان له أرض فليزرعها، أو ليحرثها أخاه )) فهذا مفسر مبين، ذكر فيه سبب النهى ، وأطلق فى غيره من الألفاظ ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين . ويدل على أن هذا هو المراد بالنهى . فاتفقت السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتآلفت، وزال عنها الاضطراب والاختلاف ، وبان أن لكل فيها وجها ، وأن مانهى عنه غير ما أباحه وفعله ، وهذا هو الواجب والواقع فى نفس الأمر ، والحمد لله رب العالمين . - ٦٣ - ٣٢٥٧ - وعن أبى جعفر الخطى - واسمه عمير بن يزيد - قال: ((بعثنى عمى أنا وغلاماً له إلى سعيد بن المسيب، قال: فقلنا له: شىء بلغنا عنك فى المزارعة ؟ قال : كان ابنُ عمر لا يرى بها بأساً، حتى بلغه عن رافع بن خديج حديثٌ ، فأتاه ، فأخبره رافع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَى بنى حارثةَ ، فرأى زرعاً فى أرْضِ ظُهَيْرٍ ، فقال: مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ! قالوا: ليس لظهير، قال: أَلَيْسَ أرْض ظهير؟ قالوا: بلى ، ولكنه زَرْعُ فلان ، قال: فخذوا زرعكم ، وردوا علیه النفقة . قال رافع : فأخذنا زرعنا ، ورددنا إليه النفقة ، قال سعيد: أَفْقِ أخاك، أو أكرِه بالدراهم )» وأخرجه النسائى ٣٢٥٨ - وعن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج، قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحَاقَة والمزَابَنَة، وقال: إنّمَا يَزْرَعُ ثَلاَثَةٌ: رَجُلٌ لَّهُ أَرْضٌ ، فهو يزرعها، ورجلٌ مُنِحَ أرْضًاً ، فهو يزرع مامُنِحَ ، ورجل اسْتَكْرَى أرضاً (١) بذهب أو فضة)) وأخرجه النسائى مسندا ومرسلا . وأخرجه ابن ماجة ٣٢٥٩ - وعن عثمان بن سهل بن رافع بن خدیج، قال «إنى ليقيم فى حِجْر رافع بن خديج وحججت معه، فجاءه أخى عِرانُ بْنُ سهل، فقال: أكْرَيْنَا أَرْضَنا فلانة بمائتى درهم ، فقال : دَعْه، فان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن کراء الأرض )) وأخرجه النسائى، وقال : عيسى بن سهل بن رافع . وهو الصواب ٣٢٦٠ - وعن ابن أبى نُعْم - وهو عبد الرحمن - قال: حدثنى رافع بن خديج ((أنه زرع أرضا. فمرَّ به النبى صلى الله عليه وسلم، وهو يَسقيها، فسأله: لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟ فقال: زرعى بيَذْرى وعملى، لى الشَّطْر، ولبني فلان الشَّطر، فقال: أَرْبَيْتُمَا، فَرُدَّ الأرض على أهلها ، وخُذ نفقتك)) فى إسناده: بكير بن عامر المجَلى الكوفى، وقد تكلم فيه غير واحد (١) كانت فى أصل المنذرى ((اشترى)) فصححت من السنن. - ٦٤ - يجب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها [ ٣: ٢٧١ ] ٣٢٦١ - عن عطاء - وهو ابن أبي رباح - عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ زَرَعَ فِى أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَّهُ مِنْ الزَّرْعِ شَىءٌ وَلَّهُ نَفَقْتُهُ )) ٣٢٦١ - قال الشيخ : هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث . وحدثنى الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الجمال : أنه كان يفكر هذا الحديث ويضعفه ، ويقول: لم يروه عن أبى اسحاق غير شريك ، ولا عن عطاء غير أبى اسحاق. وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئاً . وضعفه البخارى أيضاً، وقال : تفرد بذلك شريك عن أبى اسحاق ، وشريك يَهِمُ كثيراً ، أو أحياناً . ويشبه أن يكون معناه - لو صح وثبت - على العقوبة، والحرمان للغاصب. والزرعُ ٠٠٠ ٣٢٦١- قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وليس مع من ضعف الحديث حجة، فان رواته محتج بهم, فى الصحيح ، وهم أشهر من أن يسأل عن توثيقهم، وقد حسنه إمام المحدثين أبو عبد الله، البخارى والترمذى بعده، وذكره أبو داود، ولم يضعفه ، فهو حسن عنده ، واحتج به الإمام أحمد وأبو عبيد، وقد تقدم شاهده من حديث رافع بن خديج فى قصة (( الذى زرع فى أرض ظهير بن رافع - فأمر النبى صلى الله عليه وسلم أصحاب الأرض أن يأخذوا الزرع ويردوا عليه نفقته» وقال فيه لأصحاب الأرض («خذوا زرعكم» جعله زرعاً لهم ، لأنه تولد من منفعة أرضهم ، فتولده في الأرض كتولد الجنين فى بطن أمه . ولو غصب رجل فلا فانزاه على ناقته أورمكته(١) لكان الولد لصاحب الأنثى، دون صاحب الفحل ، لأنه إنما يكون حيواناً من حرثها، ومنى الأب لما لم يكن له قيمة أهدره الشارع ، لأن عسب الفحل لا يقابل بالعوض ، ولما كان البذر مالاً متقوماً رد على صاحبه قيمته ، ولم يذهب عليه باطلا ، وجعل الزرع لمن يكون فى أرضه ، كما يكون الولد لمن يكون فى بطن أمه ورمكته وناقته ؛ فهذا محض القياس لو لم يأت فيه حديث ، فمثل هذا الحديث الحسن ، الذى له شاهد من السنة على مثله - وقد تأيد بالقياس الصحيح - من حجج الشريعة ، وبالله التوفيق. (١) الرمكة: الفرس تطلب الفحل للضراب . - ٦٥ - وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب ، لانعرفه من حديث "أبى اسحاق إلا من هذا الوجه ، من حديث شريك بن عبد الله. وقال: سألت محمد بن أسماعيل - يعنى البخارى - عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن. وقال: لا أعرفه من حديث أبى اسحاق إلا من رواية شريك . وقال الخطابى: هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث . وحدثنى الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الجمال : أنه كان يفكر هذا الحديث ويضعفه، ويقول: لميروه عن أبى إسحاق غير شريك . ولا رواه عن عطاء غير أبى إسحاق، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئاً . وضعفه البخارى أيضا. وقال : تفرد بذلك شريك عن أبى إسحاق. وشريك يَهِمُ كثيرا، أو أحيانا . وقال الخطابى أيضا: وحكى ابن المنذر عن أبى داود قال: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن حدیث رافع بن خلیج ؟ فقال : عن رافع ألوان ، ولكنّ أبا إسحاق زاد فيه « زرع بغير إذنه )) وليس غيره يذكر هذا الحرف . باب فى المخابرة [٢٧٢:٣ ] ٣٢٦٢ - عن أبی الز بير ، وسعيد بن میناء ، عن جابر بن عبد الله ، قال « نہی رسول الله فى قول عامة الفقهاء لصاحب البذر، لأنه تولد من غير ماله، وتكوَّن معه. وعلى الزارع كراء الأرض ، غير أن أحمد بن حنبل كان يقول: إذا كان الزرع قائماً فهو لصاحب الأرض . فأما إذا حصد فإنما يكون له الأجرة . وحكى ابن المنذر عن أبى داود قال : سمعت أحمد بن حنبل ، وسئل عن حديث رافع ؟ فقال: ((عن رافع ألوان ، ولكن أبا اسحاق زاد فيه: زرع بغير إذنه . وليس غيره ينكر هذا الحرف )» ٣٢٦٢ - قال الشيخ ((المجافلة)) قد مرَّ تفسيرها فيما مضى، وأنها بيع الزرع بالحبِّ. و ((المخابرة)) هى المزارعة. والخبير: الأكّار. ٣٢٦٢٠ قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: المخابرة التى نهاهم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٥٢ - مختصر السنن - ج ٥ - ٦٦ - صلى الله عليه وسلم عن المُحافلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاوَمة - قال عن حماد: وقال أحدهما: والمعاومة، وقال الآخر: بيع السِّين - ثم اتفقوا: وعن الثُّنْيَا، ورخَّصَ فِى العَرَايا )). وأخرجه مسلم وابن ماجة ٣٢٦٣ - وعن عطاء - وهو ابن أبى رباح - عن جابر بن عبد الله، قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة، وعن الثُّنْيَا، إلا أن تُعْلَمَ)) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى مختصرا ومطولا . ولم يذكر الثنيا فيه إلا الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: هذا حديث حسن محميح غريب من هذا الوجه . ٣٢٦٤ - وعن أبى الزبير ، عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((مَنْ لَمْ يَذَرِ الْمُخَابَرَةَ فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)) ((والمزابنة)) بيع الرطب بالتمر . وأما (( المعاومة)) فهى بيع السنين. ومعناه: أن يبيعه سنة أو سنتين، أو أكثر: ثمرة نخلة بعينها أو نخلات . وهو بيع فاسد. لأنه بيع ما لم يوجد ولم يُخلق، ولا يُدُرى: هل يثمر أو لا يثمر؟ وبيع ((الثنيا) المنهى عنه: أن يبيعه ثمر حائطه ، ويستثنى منه جزءاً غير معلوم . فيبطل، لأن المبيع حينئذ يكون مجهولاً . فإذا كان ما يستثنيه شيئاً معلوماً، كالثلث والربع ونحوه، كان جائزاً. وكذلك إذا باعه ◌ُصْبرة طعام جُزافاً ، واستثنى منها قفيزاً أو قفيزين. كان جائزاً . لأنه استثنى معلوماً من معلوم . وقد تقدم ذكر تفسير العرايا . هى التى كانوا يفعلونها: من المخابرة الظالمة الجائرة، وهى التى جاءت مفسرة فى أحاديثهم. ومطلق النهى إنما ينصرف إليها دون ما فعله هو وخلفاؤه وأصحابه من بعده ، كما بيناه . - ٦٧ - ٣٢٦٥ - وعن زيد بن ثابت، قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرضَ بنصف ، أو ثلث، أو ربع)) باب فى المساقاة [٣٧٣:٣] ٣٢٦٦ - عن ابن عمر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم عَامَلَ أهل خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يخرج من تمر أو زرع)» . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة ٣٢٦٦ - قال الشيخ: فى هذا إثبات المزارعة - على ضعف خبر رافع بن خديج فى النهى عن المزارعة بشطر ما تخرجه الأرض . وإنما صار إليه ابن عمر تورعاً واحتياطاً. وهو راوى خبر أهل خيبر، وقد رأى النبى صلى الله عليه وسلم أقرهم عليها أيام حياته، ثم أبا بكر، ثم عمر ، إلى أن أجلاهم عنها . وفيه : إثبات المسافاة . وهي التى تسميها أهل العراق المعاملة . وهى : أن يدفع صاحب النخل نخله إلى الرجل ليعمل بما فيه صلاحها أو صلاح ثمرها . ويكون له الشَّطر من ثمرها وللعامل الشطر. فيكون من أحد الشقين: رقاب الشجر، ومن الشق الآخر : العمل، كالمزارعة ، يكون فيها من قِبل رب المال: الدراهم والدنانير، ومن العامل : التصرف فيها . وهذه كلها فى القياس سواء . والعمل بالمساقاة ثابت فى قول أكثر الفقهاء . ولا أعلم أحداً منهم أبطلها، إلا أبا حنيفة وخالفه صاحباه ، فقالا بقول جماعة أهل العلم . ٢٠٠٠ واختلفوا فيما يصح فيه المسافاة من الشجر والثمر . ٣٢٦٦ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قالت الأنصار للنبى صلى الله عليه وسلم ((اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قل: لا. فقالوا: تكفونا المؤنة، ونشرككم فى الثمرة . قالوا: سمعنا وأطعنا)) - ٦٨ - ٣٢٦٧ - وعنه (( أن النبى صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخلَ خيبر وأرضَها على أَنْ يَعْتَمِلوها من أموالهم، وأنَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم شَطْرَ ثمرتها)» وأخرجه مسلم والنسائى . ٣٢٦٨ - وعن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال ((افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ واشترط: أن له الأرض ، وكلَّ صفراء وبيضاء ، قال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم. فأعْطِنَاهَا ، على أن لكم نصفَ الثمرة ، ولنا نصف ، فزعم أنه أعطاهم على ذلك ، فلما كان حينُ يُصْرَمُ النخلُ بعتَ إليهم عبدَ الله بن رواحة ، فحزر عليهم النخل ، وهو الذى يسميه - أهل المدينة: الخرْصَ ، فقال: فى ذِهِ كذا وكذا ، قالوا: أكثرت علينا ﴿ ابن رواحة، قال : فأنا أَلِ حَزْرَ النَّخْلِ، وأعطيكم نِصْفَ الذى قلتُ، قالوا: هذا الحقُّ ، به تقوم السماء والأرض ، قد رضينا أن نأخذه بالذى قلتَ )). ٣٢٦٩ - وفى رواية: قال: ((فزر)) وقال عند قوله ((وكل صفراء وبيضاء)): ((يعنى الذهبَ والفضة)). فكان الشافعى يقول: إنما تصح المساقاة فى النخل والكَرْم. لأنهما يُخرصان، وتمرهما باد بارز، يدركه البصر. وعلّق القول فيما يتفرق ثمره فى الشجر، ويغيب عن البصر تحت الورق، كالتين والزيتون والتفاح ونحوهما من الفواكه . وكان مالك وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: يجيزونها فى كل شجر له أصل قائم . وقال مالك : لا بأس بالمساقاة فى القِثَّاء والبطيخ. وشرط فيها شروطاً لا يكاد يتبين صحة معناه فيها . وقال أبوثور : تجوز المساقاة فى النخل والكرم والرطاب والباذنجان ، وما يكون له ثمرة قائمة ، إذا كان دفعه إليه أرضاً ، ومنها النخل والرطاب . واحتج فى ذلك بخبر أرض خيبر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم عاملهم وفى أرضهم النخل والزرع ونحوه )» - ٦٩ - ٣٢٧٠ - وفى رواية مرسلة: قال ((فخزر النخل، وقال: فأنا ألى جَذَاذَ النخل، وأعطيكم نصف الذى قلتُ)) وأخرجه ابن ماجة باب فى الحرْص [٣: ٢٧٤ ] ٣٢٧١ - عن عائشة رضى الله عنها قالت (( كان النبى صلى الله عليه وسلم يبعثُ عبد الله بن رواحة ، فَيَخْرِصُ(١) النَّخْلَ حين يطيبُ، قبل أن يُؤْكل منه، ثم يُخْيِّ يهوتَ : يأخذونه. بذلك الخرْص، أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص ، لكى ◌ُحصَى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار. وتفرَّق )) فى إسناده رجل مجهول ٣٢٧٢ - وعن جابر - وهو ابن عبد الله - أنه قال ((أفاء الله على رسوله خيبر، فأفرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم ، فبعث عبدَ الله بن رواحة، فَخَرَصَها عليهم )» ٣٢٧٣ - وعنه قال ((خَرَصَهَا ابن رواحة أربعين ألفَ وَسْقٍ، وزعم أن اليهود لما خَيَّهم ابنُ رواحة أخذوا التمر، وعليهم عشرون ألف وسق )) باب فى كسب المعلم [٣: ٣٧٦] ٣٢٧٤ - عن عبادة بن الصامت، قال ((عَلَّْتُ ناساً من أهل الشّةِ الكتابَ والقرآن ، فأهدى إلىّ رجلٌ منهم قَوْساً ، فقلت : ليست بمال ، وأرمى عليها فى سبيل الله عز وجل ؟ ٣٢٧٤ - قال الشيخ : اختلف الناس في معنى هذا الحديث، وتأويله . فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره ، فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح . (١) الخرص - بفتح الخاء وسكون الراء - التقدير. وخرس يخرص، ويخرص - من بابى ضرب ونصر ـ والخرص - بكسر الخاء - اسم الشىء المقدر، وبفتحها: اسم الفعل. وقال ابن السكيت : الخرص - بكسر الخاء وسكون الراء، وبكسرها - لغتان فى الشىء المخروص. وأما المصدر: فيفتح الخاء وسكون الراء . اهـ من هامش المنذرى . 3 - ٧٠ - لَآتِيَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَسْأَ لَنْهُ ، فأتيئه ، فقلت : يارسول الله ، رجل؟ أهدى إلىَّ قوساً ممن كنتُ أعلِّمه الكتاب والقرآن ، وليست بمال، وأرمى عنها فى سبيل الله ؟ قال: إن كُنْتَ تُحِبُّ أنْ تُطَوِّقَ طَوْفًا مِنْ نَارِ فاقْبَلْهَا )) وأخرجه ابن ماجة . وفى إسناده: المغيرة بن زياد ، أبو هاشم الموصلى ، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين . وتكلم فيه جماعة . وقال الإمام أحمد: ضعيف الحديث. حدث بأحاديث مناكير . وكل حديث رفعه فهو منكر. وقال أبو زرعة الرازى : لا يحتج بحديثه . وإليه ذهب الزهرى ، وأبو حنيفة وإسحاق بن راهوية . وقالت طائفة: لا بأس به ، ما لم يشترط . وهو قول الحسن البصرى وابن سيرين والشعبى . وأباح ذلك آخرون . وهو مذهب عطاء ومالك ، والشافعى ، وأبى ثور . واحتجوا بحديث سهل بن سعد(( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذى خطب المرأة فلم يجد لها مهراً: زوجتكها على ما معك من القرآن)) وقد ذكره أبو داود فى موضعه من هذا الكتاب . وتأولوا حديث عبادة على أنه أمرٌ كان تَبَرَّع به ، ونوى الاحتساب فيه ، ولم یکن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع ، فحذره النبى إبطال أجره ، وتوعده عليه ، وكان سبيل عُبادة فى هذا سبيل مَنْ ردَّ ضالّة الرجل، أو استخْرج له متاعاً قد غرق فى بحر تبرعاً وحِسْبة ، فليس له أن يأخذ عليه عوضاً ، ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة : كان ذلك جائزاً . وأهل الصُّفَّةَ: قوم فقراء ، كانوا يعيشون بصدقة الناس، فأخذُ الرجل المال منهم مكروه، ودفعه إليهم مستحب . وقال بعض العلماء : أخذا الأجرة على تعليم القرآن له حالات . فإذا كان فى المسلمين غيره ممن يقوم به حَلّ له أخذ الأجرة عليه ، لأن فرض ذلك لا يتعين عليه . ٩ - ٧١ - ٣٢٧٥ - وعنه، نحو هذا الخبر، والأول أتم، فقلت: (( ما ترى فيها يارسول الله ؟ قال: ◌َجْرَةٌ بَيْنَ كتفيك تَقَلَّدْتَهَا ، أو تعلقتها)). وفى هذه الطريق : بقية بن الوليد . وقد تكلم فيه غير واحد باب فى كسب الأطباء [٣: ٢٧٧] ٣٢٧٦ - عن أبى المتوكل - وهو الناجى - عن أبى سعيد الخدرى (( أن رَهْطاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلقوا فى سَفْرة سافروها ، فنزلوا بحىّ من العرب ، فاستضافوهم، فأبوا أن يُضَيِّقِّوُهُ ، قال: فَدُدِ غَ سيدُ ذلك الحىِّ، فَشَفَوْا له بكل شىء ، لا ينفعه شىء [ فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهطَ الذين نزلوا بكم ، لعل أن يكون عند وإذا كان فى حال أو موضع لا يقوم به غيره: لم يَحِل له أخذ الأجرة . وعلى هذا تأول اختلاف الأخبار فيه . ٣٢٧٦ - قال الشيخ: وفى هذا بيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، ولو كان ذلك حراماً لأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم برد القطيع ، فلما صَوَّب فعلهم ، وقال لهم («أحستم)) ورضى الأجرة التى أخذوها لنفسه، فقال ((اضربوا لى معكم بسهم)) ثبت أنه طِيْق مباح ، وأن المذهب الذى ذهب إليه مَنْ جمع بين أخبار الإباحة والكرامة فى جواز أخذ الأجرة على مالا يتعين الفرض فيه على معلمه ، ونفى جوازه على مايتعين فيه التعليم : مذهب سديد ، وهو قول أبى سعيد الإصطخرى (١). (١) ليس فى الحديث دلالة على أخذ الأجرة، لا على قراءة القرآن، ولا على تعليمه، فان أهل الحى ماطلبوا أبا سعيد ليقرأ لهم قرآناً، ولا ليعلمهم. وإنما طلبوه ليعالج مريضهم، فطلبوه طبيباً، لاقارئاً ولا معلماً؛ وهو لم يجهر بما قرأ، ولم يعلمهم ماقرأ، ولم يكن يعلم أن فى ذلك شفاء المريض. ولكنه أيقن أن الله عاقب أهل الحى على منعهم أبا سعيد ورفقته حقهم من الضيافة . فسلط على رئيسهم مالسعه من الهوام، ليلجثهم إلى أبى سعيد ورفقته ، ويضطرهم إلى أن يرضخوا لحكمه فما يطلب من الجعل ، لأنه ورفقته بأشد الحاجة إلى الطعام. كل هذا فهمه أبو سعيد وصحبه ، وعلى ذلك لم يقع من أبى سعيد ولا غيره من صحبه أنهم فعلوا ذلك مرة أخرى . ولو أنهم فهموا ذلك على أنه قاعدة مضطردة الفعلوه ، وتتابعوا على فعله ، ولاشتهر ذلك . والله أعلم . ومن يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين . - ٧٢ - بعضهم شىء ينفع صاحبكم] فقال بعضهم : إن سيدنا لَدغ ، فهل عند أحد منكم؟ يعنى رُقْيَةً ، فقال رجل من القوم: إنى لأرقى، ولكن استضفناكم فأبتم أن تُضَيِّونا. ما أنا براقٍ حتى تجعلوا لى جُعْلاً ، فجعلوا له قَطيعاً من الشاء، فأتاه ، فقرأ عليه بأمِّ الكتاب ، ويَتْلُ، حتى بَرَأْ ، كما أنشط منِ عِقَالٍ. قال: فأوفاهم جعله الذى صالحوه عليه ، فقالوا : اقتسموا ، فقال الذى رقَى: لاتفعلوا، حتى نأتىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنستأمِره وفى الحديث دليل: على جواز بيع المصاحف، وأخذ الأجرة على كَتْبها . وفيه: إباحة الرقية بذ کر الله فى أسمائه . وفيه: إباحة أجر الطبيب والمعالج، وذلك أن القراءة والرقية والنّفْث: فعل من الأفعال المباحة ، وقد أباح له أخذ الأجرة عليها ، فكذلك ما يفعله الطبيب من قول ووصف علاج: فعلٌ لا فرق بينهما . وقد تكلم الناس فى جواز بيع المصاحف . فكرهت طائفة بيعها، وروى عن ابن عمر أنه كان يقول ((وددت أن الأيدى تقطع فى بيع المصاحف )) . وكره بيعها شريح وابن سيرين . ورخصت طائفة فى شرائها . روى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير. وقال أحمد بن حنبل : الأمر فى شرائها أهون ، قال : وما أعلم فى البيع رخصة . ورخص أكثر الفقهاء فى بيعها وشرائها. وهو قول الحسن والشعبى وعكرمة والحكم وسفيان الثورى، وأصحاب الرأى والنخعى. وكرهته طائفة، وإليه ذهب مالك والشافعى. وقوله (( فشفوا له بكل شىء )) معناه: عالجوه بكل شىء مما يُستشفى به. والعرب تضع الشفاء موضع العلاج ، قال الشاعر : جعلت لعرَّف اليمامة حُكمه وَعَرَّافِ حُجْر، إن هما شفيانى وقوله ((أنشط من عقال)) أى حُلَّ مِنْ وَثاق، يقال: نشطتُ الشىء: إذا شددته وأنشطته: إذا فككته. والأُنْشوطة: الحبل الذى يُشَدُّ به الشىء. - ٧٣ - فَقَدَوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أنها رُقْيَةُ؟ أحستم، واضربوا لى معكم بِسَهْم)) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة بنحوه ٣٢٧٧ - وعن مَعْبَد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدرى ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، بهذا الحديث . وأخرجه البخارى ومسلم بنحو حديث أبى المتوكل ٣٢٧٨ - وعن خارجة بن الصَّلْت، عن عمه (( أنه مَرَّ بقوم، فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فَارْقٍ لنا هذا الرجلَ ، فأتوه برجل مَعْتوه فى القيود، فرقاه بأمِّ القرآن ثلاثة أيام: غُدْوَةٌ وَعشَّيَةً، كما ختمها جمع بُزَاقَهُ ثم تَفَل . فكأنما أنشط من عِقال فأعطوه شيئاً ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكره له : فقال النبى صلى الله عليه وسلم: كُلْ، فَلَعَمْرِى لَمَنْ أَ كَلَ بُرُقْيةٍ باطلٍ ، لقد أكلت برقيةٍ حقّ )) وأخرجه النسائى . وعَمُّ خارجة: هو علاثة بن ◌ُحار التميمى السَّيطي. ويقال: البُرْجَى ، له صحبة ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل: اسمه العلاء . وقيل: عبد الله . وقيل : عُلاثةُ بن شَجَّار. ويقال: شِجار بالتخفيف . والأول : أكثر باب فى كسب الْحُجَّام [٣: ٢٧٨] ٣٢٧٩ - عن رافع بن خديج، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ ، وَنُ الكلب خبيث، ومَهْر الْبَغِىِّ خبيث)) ٣٢٧٩ - قال الشيخ : حديث محيصة : يدل على أن أجرة الحجام ليست بحرام ، وأن خبثها من قبل دناءة مخرجها. وقال ابن عباس (( احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ، ولو علمه محرماً لم يعطه )). م. - ٧٤ - وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى ٣٢٨٠ - وعن ابن مُحَيِّصّة، عن أبيه ((أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إجارة الحجَّام ، فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه، حتى أمره: أنِ أُعْلِقْهُ نَاضِحَكَ ورقيقك)) وأخرجه الترمذى وابن ماجة ، وقال الترمذى : حديث حسن . وقال ابن ماجة: عن حَرَام بن محيصة عن أبيه . هذا آخر كلامه . وهو: أبو سعد. ويقال: أبو سعيد، حرام بن سعد بن مُحَيصة الأنصارى الحارثى المدنى ، ويقال: حرام بن محيصة، ينسب إلى الجد . ويقال: حَرام بن ساعدة. وهو بالحاء والراء المهملتين . ٣٢٨٠ - قال الشيخ: وقوله (اعلفه ناضحك، أو رقيقك)) يدل على صحة ماقلناه، وذلك أنه لا يجوز له أن يطعم رقيقه إلا من مال قد ثبت له ملكه ، وإذا ثبت له ملكه فقد ثبت أنه مباح . وإنما وجهه : التنزيه عن الكسب الدنى، والترغيب فى تطهير الطَّحم والإرشاد فيها إلي ماهو أطيب وأحسن، وبعض الكسب أعلى وأفضل . وبعضه أدنى وأوكح . وقد ذهب أهل العلم إلى أن كسب الحجام إن كان حُرًّا فهو محرم ، واحتج بهذا الحديث بقوله ((إنه خبيث)) وإن كان عبداً: فإنه يعلفه ناضحه ، وينفقه على دوابه . قال الشيخ : وهذا القائل يذهب فى التفريق بينهما مذهباً ليس له معنى صحيح . وكل شىء حلّ من المال للعبيد حل للأحرار. والعبد لا ملك له ، ويده يد سيده ، ، وكسبه كسبه . وإنما وجه الحديث : ماذكرته لك ، وأن الخبيث معناه : الدنىء ، كقوله تعالى (٢٦٧:٢ ولا تيممَوا الخبيث منه تنفقون ) أي الدون. فأما قوله ((ثمن الكلب خبيث . ومهر البنى خبيث)) فإنهما على التحريم. وذلك: أن الكلب نجس الذات محرم الثمن ، وفعل الزنا محرم ، وبدل العوض عليه وأخذه فى التحريم مثله ، لأنه ذريعة إلى التوصل إليه، والحجامة مباحة ، وفيها نفع وصلاح الأبدان . - ٧٥ - ٣٢٨١ - وعن ابن عباس، قال ((احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطى الحجام أجره ، ولو علمه خبيتاً لم يعطه )» وأخرجه البخارى ٣٢٨٢ - وعن أنس بن مالك، أنه قال (( حَجَمَ أبو طَيْبة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر له بصاع من تمر، وأمرَ أهله أن يُخَفَّقُوا عنه من خَراجه». وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى باب فى كسب الإماء [٣: ٢٧٩] ٣٢٨٣ - عن أبى هريرة قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الإماء )) وأخرجه البخاري . وقد يجمع الكلام بين القرائن فى اللفظ الواحد ، ويفرق بينهما فى المعانى . وذلك على حسب الأغراض والمقاصد فيهما ، وقد يكون الكلام فى الفصل الواحد بعضه على . الوجوب، وبعضه على الندب ، وبعضه على الحقيقة ، وبعضه على المجاز . وإنما يعلم ذلك بدلائل الأصول، وباعتبار معانيها . والبغىُّ: الزانية ، وفعلها البغاء، ومنه قوله تعالى (٢٤: ٣٣ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) . ٣٢٨٣ - قال الشيخ: كانت لأهل مكة ولأهل المدينة إماء، عليهن ضرائب، تخدُمن الناس، تَخِزْن وَتَسْقين الماء، وتصنعن غير ذلك من الصناعات، ويؤدين الضريبة إلى ساداتهن. والإِماء إذا دخلن تلك المداخل، وتبذَّلن ذلك التَّبذل ، وهن مخارجات ، وعليهن ضرائب: لم يؤمن أن يكون منهن ، أو من بعضهن الفجور، وأن يكسبن بالسفاح ، فأمر صلى الله عليه وسلم بالتنزه عن كسبهن . ومتى لم يكن لعملهن وجه معلوم يكتسبن به ، فهو -أبلغ فى النهى ، وأشد فى الكراهة . - ٧٦ - ٣٢٨٤ - وعن طارق بن عبد الرحمن القرشى، قال ((جاء رافع بن رِفاعة إلى مجلس الأنصار، فقال : لقد نهانا نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم اليومَ - فذكر أشياء - ونهانا عن كسب الأمة، إلا ما عملت بيدها، وقال هكذا بأصابعه: نحو الخبز والغزل والنفش)) قال الحافظ أبو القاسم الدمشقى فى الإشراف - عقيب هذا الحديث - رافع هذا غير معروف وقال غيره : هو مجهول . ٣٢٨٥ - وعن رافع بن خديج قال: ((نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كَسْب الأمة ، حتى يُعلم من أين هو؟)) باب فى عَسْبِ الفحل [ ٣: ٢٨٠] ٣٢٨٦ - عن ابن عمر، قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عَسْبٍ الفحل)) وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: حسن صحيح . وقد جاءت الرخصة فى كسب الأمة ، إذا كان فى يدها عمل ، ورواه أبو داود فى هذا الباب . [ وهو: ] ٣٢٨٤ - (( النفش)) نتف الصوف ، أو نَدْفه . وفيه حديث رافع بن خديج(٣٢٨٥). ٣٢٨٦ - قال الشيخ ((عسب الفحل)) الذكر : الذى يؤخذ على ضرابه، وهو لا يحل ، وفيه غرر ، لأن الفحل قد يضرب ، وقد لا يضرب ، وقد تلقح الأنثى وقد لا تلقح ، فهو أمر مظنون ، والغرر فيه موجود . وقد اختلف فى ذلك أهل العلم ، فروى عن جماعة من الصحابة تحريمه، وهو قول أكثر الفقهاء . وقال مالك : لا بأس به ، إذا استأجروه ◌ُنْزُونه مدة معلومة، وإنما يبطل إذا شرطوا أن ينزوه حتى تعلق الرَّمْكة. - ٧٧ - باب فى الصائغ [ ٣: ٢٨٠ ] ٣٢٨٧ - عن ابن ماجدة السَّهمى قال ((قطعت من أذن غلام - أو قطع من أذنى - فقدم أبو بكر حاجًّا ، فاجتمعنا إليه ، فرَفَعَنا إلى عمر بن الخطاب ، فقال عمر : إن هذا قد بلغ القصاص ، أدعو لى حَجَّامَاً ليقتصَّ منه، فلما دُعى الحجام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنى وهبت لخالتى غُلاَماً، إنى أرجو أن يبارك لها فيه، فقلت لها: لا تسلميه حجاماً، ولاصائغاً، ولا قَصَّباً )). فى طرقه : محمد بن إسحاق بن يسار . وقد تقدم الكلام عليه . وابن ماجدة السهمى : لم أجد من زاد فيه على هذا . وشبهه بعض أصحابه بأجرة الرضاع ، وإبار النخل . وزعم أنه من المصلحة ، ولو منعنا منه لانقطع النسل . قال الشيخ : وهذا كله فاسد ، لمنع السنة منه ، وإنما هو من باب المعروف ، فعلى .الناس أن لا يتمانعوا منه. فأما أخذ الأجرة عليه فمحرم . وفيه قبح، وترك مروءة . وقد رخص فيه أيضاً الحسن وابن سيرين ، وقال عطاء : لا بأس به إذا لم يجد من يطرقه . ٣٢٨٧ - قال الشيخ : يشبه أن يكون إنما كره كسب الصائغ: لما يدخله من الربا ، ولما يجرى على ألسنتهم من المواعيد فى رَدِّ المتاع، ثم يقع فى ذلك الخلف، وقد يكثر هذا فى الصاغة . حتى صار ذلك كاسِّمَة لهم ، وإن كان غيرهم قد يَشْركهم فى بعض ذلك . وقد روى فى حديث (( أكذب الناس: الصباغون والصواغون)) وإن لم يكن إسناده بذلك . وأما القصاب : فعمله غير نظيف ، وثوبه الذى يعالج فيه صناعته غير طاهر فى الأغلب ، والحجامة: أمر مشهور، وقد تقدم ذكرها فيما مضى. - ٧٨ - باب فى العبد يباع وله مال [ ٣: ٢٨٠ ] ٣٢٨٨ - عن سالم - وهو ابن عبد الله بن عمر - عن أبيه، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال (( مَنْ بَاعِ عَبْداً وله مال فماله البائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلا مُؤَبرّاً قالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)). ٣٢٨٨ - قال الشيخ : فى هذا الحديث من الفقه: أن العبد لا يملك مالاً بحال ، وذلك لأنه جعله فى أرفع أحواله وأقواها فى إضافة الملك إليه : مملوكاً عليه ماله ، ومنتزعاً من يده ، فدل ذلك على عدم الامتلاك أصلاً . وإلى هذا ذهب أصحاب الرأى والشافعى . وقال مالك : العبد يملك إذا ملّكه صاحبه ، وكذا قال أهل الظاهر . وفائدة هذا الخلاف والموضع الذى يتبين أثره فيه : مسألتان . إحداها: هل له أن يتسرى أم لا؟ فمن جعل له ملكاً أباح له ذلك ، ومن لم يره يملك لم يبح له الوطء بملك اليمين. والمسألة الأخرى : أن يكون فى يده نصاب من الماشية ، فيمر عليه الحول، ثم يبيعه سيده، ولم يشترط المبتاع ماله، فإذا عاد إلى السيد: هل يلزمه الزكاة فيه أم لا ؟ . فمن لم يثبت له ملكاً: أوجب زكاته على سيده، ومن جعل للعبد ملكاً: أسقط الزكاة عنه . لأن ملكه ناقص ، كملك المكاتب ، ويستأنف السيد به الحول . وممن ذهب إلى ظاهر الحديث - فى أن ماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع -: مالك والشافعى وأحمد وإسحاق . وروى عن الحسن والنخعى: أنهما قالا فيمن باع وَليدة ، وقد زُينت : أن ما عليها للمشترى إلا أن يشترط الذى باعها ما عليها . قال الشيخ : ولا يجوز على مذهب الشافعى أن يكون ماله الذى يشترطه المبتاع إلا معلوماً . فإن كان مجهولاً لم يجز. لأنه غرر، والثمن منه حصة ، فإذا لم يكن معلوماً جهل الثمن فيه، فيطل البيع . - ٧٩ - وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة . ٣٢٨٩ - وعن نافع، عن ابن عمر ، عن عمر ، بقصة العبد . وإن كان المال الذى فى يد العبد شيئاً مما يدخله الربا لم يجز بيعه إلا بما يجوز فيه بيوع الأشياء التى يدخلها الربا ، ولا يتم إلا بالتقابض . وإن كان ماله ديناً لم يجز أن یشتری بدین . وعلى هذا : قياس هذا الباب فى مذهبه ، وقوله الجديد . فأما مالك : فإنه يجعل ماله تبعاً لرقبته إذا شرطه المبتاع فى الصفقة، وسواء عنده؛ كان المال نقداً أو عرضاً أو ديناً، أو كان مال العبد أكثر من الثمن ، أو أقل. ويجعل تبعاً للعبد بمنزلة حمل الشاة ولبنها . وأما قوله ((من باع نخلاً مؤبراً فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» ففيه: بيان أن التأثير جَدّ فى كون الثمرة تبعاً للأصل، فإذا أُبرت تفرد حكمها بنفسها، وصارت كالولد بايَنَ الأمَّ ، فلم يكن تبعاً لها فى البيع ، إلا أن يقصد بنفسه ، وما دام غير مؤبر فهو كبعض أغصان الشجرة ، وجريدة النخلة، فى كونها تبعاً للأصل. والتأبير: هو التلقيح، وهو أن يؤخذ طَلْع النخل محال النخل ، فيؤخذ شُعب منه فيودع الثمر أولَ ماينشف الطلع، فيكون لقاحاً بإذن الله تعالى . وقد اختلف الناس فى هذا . فقال مالك والشافعى وأحمد بن حنبل: الثمر تبع للنخل مالم تؤبر . فإذا أبر لم يدخل فى البيع ، إلا أن يشترط ، قولاً بظاهر الحديث . وقال أشحاب الرأى: النمر للبائع، أبر أو لم يؤبر ، إلا أن يشرط المبتاع كالزرع . وقال ابن أبى ليلى: الثمر للمشترى ، أبر أو لم يؤبر، شرط أو لم يشرط ، لأن الثمر من النخل . : ٣٢٨٩ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: اختلف سالم ونافع على ابن عمر فى هذا الحديث . فسالم رواه عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم مرفوعا في القصتين جميعاً: قصة العبد، وقصة ١ - ٨٠ - وأخرجه النسائى موقوفا . ٣٢٩٠ - وعن نافع عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم، بقصة النخل. وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة . ٣٢٩١-وعن سلمة بن كهیل ، قال: حدثنى من سمع جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من باع عبداً، وله مال، فماله للبائع. إلا أن يشترط المبتاع)) فى إسناده : مجهول . باب فى التّلقّى [٣: ٢٨١] ٣٢٩٢ - عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ ٣٢٩٢، ٣٢٩٣ - قال الشيخ: قوله (( لا يبيع بعضكم على بيع بعض)) هو أن يكون المتبايعانى قد تواجبا الصفقة، وهما فى المجلس لم يتفرقا بعد، وخيارهما باق. فيجىء الرجل النخل، ورواه نافع عنه ، ففرق بين القصتين، جعل قصة النخل عن النبى صلى الله عليه وسلم وقصة العبد عن ابن عمر عن عمر ، فكان مسلم والنسائى وجماعة من الحفاظ يحكمون لنافع ويقولون : ميز وفرق بينهما ، وإن كان سالم أحفظ منه، وكان البخارى والإمام أحمد أوجماعة من الحفاظ يحكمون السالم ، ويقولون: هما جميعاً صحيحان عن النبى صلى الله عليه وسلم . وقد روى جماعة أيضاً عن نافع عن النبى صلى الله عليه وسلم قصة العبد ، كما رواه سالم ، منهم: يحي بن سعيد ، وعبد ربه بن سعيد ، وسليمان بن موسى ، ورواه عبيد الله بن أبى جعفر، عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر يرفعه، وزاد فيه ((ومن أعتق عبداً وله مال فماله له ، إلا أن يشترط السيد ماله فيكون له )) . قال البيهقى : وهذا بخلاف رواية الجماعة. وليس هذا بخلاف روايتهم ، وإنما هى زيادة مستقلة رواها أحمد فى مسنده ، واحتج بها أهل المدينة فى أن العبد إذا أعتق فماله له إلا أن يشترطه سيده، كقول مالك. ولكن علة الحديث أنه ضعيف . قال الإمام أحمد: يرويه عبد الله بن أبى جعفر من أهل مصر ، وهو ضعيف فى الحديث ، كان صاحب فقه. فأما فى الحديث فليس هو فيه بالقوى . وقال أبو الوليد : هذا . الحديث خطأ . وكان ابن عمر إذا أعتق عبداً لم يعرض لماله. قيل للامام أحمد : هذا عندك على التفصيل ؟ قال : إى ، لعمرى ، على التفصيل . قيل له : فكأنه عندك للسيد ؟ فقال : نعم، للسيد، مثل البيع سواء.