النص المفهرس

صفحات 41-60

''
- ٤١ -
٣٢٢٩ وعنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع النخل حتى يَزْهُوَ ، وعن
التُّنْبُلِ حتى يَبْيَضَّ ويأمَنَ العاهة، نهى البائع والمشترى)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى.
وقال الشافعى : البيع جائز، وعلى البائع تركها على الشجر حتى تبلغ إناها (١) ،
وجعل العرف فيها كالشرط ، واستدل بما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم من طريق
حميد عن أنس (( أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها . وقال: أرأيت إن منع الله
الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)) قال: فدل ذلك على أن حكم الثمرة التبقية ، ولو كان
حكمها القطع ، لم يكن يقع معه منع الثمرة.
٣٢٢٩ - قال الشيخ: قوله ((حتى يزهو)) هكذا يروى، والصواب فى العربية حتى ((تزهى))
والإزهاء فى الثمر: أن يحمرَّ أو يصفرَّ. وذلك أمارة الصلاح فيها. ودليل خلاصها من الآفة.
وقوله (عن السنبل حتى يبيض)) فإن ظاهره يوجب جواز بيع الحب فى سنبله إذا اشتد
وابيضَّ . لأنه حرَّمه إلى غاية ، فحكمه بعد بلوغ الغاية بخلاف حكمه قبلها .
وإليه ذهب أصحاب الرأى ومالك بن أنس، وشبهوه بالجوز واللوز يباعان فى قشرها .
وقال الشافعى : لا يجوز بيع الحب فى السنبل ، لأنه غرر. وقد نهى عن بيع الغر،
والمقصود من السنبل : حبه ، وهو مجهول بينك وبينه ، لا يدري : هل هو سليم فى باطنه
أم لا؟ فيفسد البيع من أجل الجهالة والغرر، كبيع لحم المسلوخة فى جلدها .
واحتج بأن النهى عن بيع الحب فى السنبل معلول بعلتين .
أما قبل أن يبيض ويشتد : فلأجل الآفات والجوائح، وأما بعد ذلك: فلأجل
الجهالة وعدم المعرفة به، وقد يتوالى على الشىء علتان، وموجبهما واحد. فترتفع إحداهما ،
وهو بحاله غير منفك عنه ، وذلك كقوله تعالى (٢: ٢٣٠ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى
(١) إناها: أى نضجها. قال تعالى (٣٣: ٥٣ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن
يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ) أى غير منتظرين نضجه.

- ٤٢ -
٣٢٣٠ - وعن مولى لقريش، عن أبى هريرة قال ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
بيع الغنائم حتى تُقَسَّم ، وعن بيع النخل حتى يُحْرَزَ من كل عَاهَة، وأن يُصلِّىَ الرجل
بغير حزام )) .
فيه رجل مجهول .
٣٢٣١ - وعن جابر بن عبد الله قال ((نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن تُبَاع الثمرةُ
حتى أُشَفِّحَ . قيل: وما تُشَفِّح؟ قال: تَحمارَّ وتَصغارَّ، ويُؤْكَلُ منها)) .
وأخرجه البخارى . وأخرجه مسلم أتم منه .
تنكح زوجاً غيره ) وكان معلوماً أن تحليلها الزوج الأول لا يقع بنفس نكاح الزوج
الثانى وبعقده عليها، حتى يدخل بها ويصيبها ، ثم يطلقها وتنقضى عدتها منه . كقوله تعالى
(٢٢٢:٢ ولا تقربوهن حتى يطهرن) فكان ظاهره: أن انقطاع الدم رافع الحظر، ولم
يمنع ذلك من ورود دليل المنع إلا بوجود شرط ثان، وذلك قوله (٢ : ٢٢٢ فإذا تطهرن)
يريد - والله أعلم - طهارة الاغتسال بالماء .
وأما بيع الجوز فى قشره : فإنه غرر معفو عنه ، لما فيه من الضرورة . وذلك : أنه
لو نزع لُبََّ عن قشره أسرع إليه الفساد والعفّن، وليس كذلك البر والشعير وما فى معناها.
لأن هذه الحبوب تبقى بعد التذرية والتنقية المدة الطويلة من الأيام والسنين .
فأما مالا ضرورة فيه من بقاء قشره الأعلى : فإن المبيع غير جائز معه حتى ينزع ،
فكذلك قياس الحب فى السنبل . والله أعلم .
٣٢٣١ - قال الشيخ ((التشقيح)) تغيَّر لونها إلى الصفرة والحمرة. والشَّقْحة: لون غير خالص
فى الحمرة والصفرة. وإنما هى تغير لونه فى كمودة. ومنه قيل: قبيح شَقيح ، أى تغير
اللون إلى السماجة والقبح .
وإنما قال ((يحمار ويصفار)) لأنه لم يُرد به اللونَ الخالص، وإنما يستعمل ذلك فى
اللون المتميل، يقال: مازال يحمارُّ وجهه ، ويصفار: إذا كان يضربُ مَرَّةً إلى الصفرة،
ومرةً إلى الحمرة، فإذا أرادوا أنه قد تمكَّن واستقر، قالوا: تحمَّرْ وتصفَّر .

- ٤٣ -
٣٢٣٣ - وعن أنس «أن النبى صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع العنب حتى يسود ، وعن
بيع الحبّ حتى يَشْتَدَّ)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا
من حديث حماد
٣٢٣٣ وعن زيد بن ثابت ، قال «كان الناسُ يتبايعون الثمارَ قبل أن يبدوَ صلاحُها،
فاذا جَدَّ الناسُ، وحَضَر تقاضيهم قال المبتاع: قد أصابَ التمرَ الثُّمَانُ(١)، وأصابه قُشَام(٢)
وفى قوله ((حتى تشقح)) دليل على أن الاعتبار فى بدو الصلاح: إنما هو بحدوث الحمرة
فى الثمرة ، دون إتيان الوقت الذى يكون فيه صلاح الثمار غالباً .
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى اعتباره بالزمان، واحتج بما روى فى بعض الحديث ((أنه
قيل : متى يبدو صلاحها ؟ قال: إذا طلع النجم)) يعنى الثريا، والذى فى حديث جابر
أولى ، لأن اعتباره بنفسه أولى من اعتباره بغيره .
وفى هذا الباب: حرف غريب من جهة اللغة، فى حديث زيد بن ثابت قال ((كان
الناس يبتاعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها ، فإذا جَدَّ الناسُ ، قال المبتاع: أصاب الثمر
الدمار، وأصابه قُشَامٌ)) هكذا فى رواية ابن داسة.
وقال ابن الأعرابى فى روايته عن أبى داود ((الدمان )) بالنون .
قال الأصمعي ((القُشَام)): أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلَحاً، قال و ((الدَّمان))
مفتوحة الدال : أن تنشق النخلة أول ما يبدو قلبُها عن عَفَن وسواء.
فأما الدمار : فليس بشىء .
(١) الدمان - هو بالفتح وتخفيف الميم - فساد الثمر وعفنه قبل إدراكه، حتى يسود ، من الدمن -
بكسر الدال وسكون الميم - وهو السرقين . ويقال إذا طلعت النخلة عن عفن وسواد ، قيل أصابها
الدمان ، ويقال : الدمال - باللام أيضا - بمعناه. هكذا قيده الجوهرى وغيره: بالفتح. والذى جاء فى
غريب الخطابى: بالضم وكأنه أشبه . لأن ما كان من الأدواء والعاهات : فهو بالضم ، كالسعال والنحاز
والزكام . كذا فى النهاية
(٢) قشام - بضم القاف وفتح الشين مخففة - أن ينتفض النخل قبل أن يصير ما عليه بسرا، والمراض
- بضم تفتح أيضا - عاهة تقع فى الثمر فيهلك.
:

- ٤٤ -
وأصابه مُرَاض - عاهاتٌ يحتجَّون بها - فلما كثرتْ خصومتهم عند النبى صلى الله عليه.
وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كالمشورة لهم يشير بها - : فَأُمَّا لاَ. فَلاَ تَبْتَاعوا
الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، لكثرة خصومتهم واختلافهم)).
وأخرجه البخارى تعليقاً .
٣٢٣٤ - وعن جابر - وهو ابن عبد الله - (( أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع
الثمر حتى يبدو صلاحه ، ولا تباع إلا بالدينار أو بالدرهم ، إلا العرايا)).
وأخرجه ابن ماجة مختصرا.
باب فى بيع السنين [ ٣: ٢٦١]
٣٢٣٥ - عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله (( أن النبي صلى الله عليه وسلم:
٣٢٣٥ - قال الشيخ ((بيع السنين)) هو أن يبيع الرجل ما تشمره النخلة أو النخلات بأعيانها
سنين ثلاثاً أو أربعاً، أو أكثر منها ، وهذا غدر. لأنه يبيع شيئاً غير موجود، ولا مخلوق
حال العقد ، ولا يُدُرَى : هل يكون ذلك أم لا ؟ وهل يتم النخل أم لا ؟ وهذا فى
بيوع الأعيان .
فأما فى بيوع الصفات : فهو جائز، مثل أن يُسلف فى الشىء إلى ثلاث سنين، أو
أربع أوأكثر ، مادامت المدة معلومة، إذا كان الشىء المسلف فيه غالباً وجوده عند وقت
محل السلف .
وأما قوله ((وضع الجوائح)) هكذا رواه أبو داود . ورواه الشافعى عن سفيان بإسناده.
فقال (( وأمر بوضع الجوائح)) والجوائح: هى الآفات التى تصيب الثمار فتهلكها ،
يقال : جاحهم الدهر يجوحهم، واجتاحهم الزمان : إذا أصابهم بمكروه عظيم.
قال الشيخ: وأمره بوضع الجوائح عند أكثر الفقهاء : أمر ندب واستحباب من
طريق المعروف والإحسان ، لا على سبيل الوجوب والإلزام .
وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد، فى جماعة من أصحاب الحديث: وضع الجائحة لازم
للبيع إذا باع الثمرة فأصابته الآفة فهلكت .

- ٤٥ -
نهى عن بيع السِّين، وَوَضَعَ الجوائحِ)»
وأخرج النسائى الفصلين مفترقين .
وأخرج مسلم وابن ماجة النهى عن بيع السنين. وفى لفظ لمسلم ((ثمر السنين))
٣٢٣٦ - وعن أبى الزبير وسعيد بن ميناء، عنه (( أن النبى صلى الله عليه وسلم: نهى عن
المعاومة وقال أحدُهُمَا: بيع السنين))
وأخرجه مسلم أتم منه . وأخرجه ابن ماجة
باب فى بيع الغرر [٣: ٢٦٢]
٣٢٣٧ - عن أبى هريرة (( أن النبى صلى الله عليه وسلم: نَّهَى عَنْ بَيْع الْغَرَرِ - زاد عثمان،
وهو ابن أبى شيبة - وَالْحْصَاةِ)).
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة .
٣٢٣٨ - وعن أبى سعيد الخدرى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن بَيْعَتَيْنِ،
وعن ◌ِبْسَتَيْنِ، أما البيعتان: فالمُلامَسَة والمُنابذة، وأما اللبستان: فاشتمال الصَّاء، وأن
يَحْتَبِىَ الرجلُ فى ثوب واحد كاشفا عن فرجه، أو ليس على فرجه منه شىء )) .
وقال مالك : يوضع فى الثلث فصاعداً ، ولا يوضع فيما هو أقل من الثلث.
قال أصحابه : ومعنى هذا الكلام : أن الجائحة إذا كانت دون الثلث : كان من مال
المشترى ، وما كان أكثر من الثلث : فهو من مال البائع .
واستدل من تأويل الحديث على معنى الندب والاستحباب ، دون الإيجاب : بأنه
أمرٌ حدث بعد استقرار ملك المشترى عليها، فلو أراد أن يبيعها، أو يهبها لصح ذلك منه
فيها، وقد ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربح مالم يضمن)) فإذا صح بيعها ثبت
أنها من ضمانه. وقد (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة بدو صلاحها))
فلو كانت الجائحة بعد بدو الصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهى فائدة .

٠٠
- ٤٦ -
٣٢٣٩ - وفى رواية «واشتمال الصماء: يشتملُ فى ثوبٍ واحد، يَضَعُ طرفى الثوب على عاتقه.
الأيسر، ويُبْرِزُ شِقَّه الأيمن، والمنابذة: أن يقول: إذا نبذتُ هذا الثوب فقد وجب البيع.
والملامسة: أن يمسه بيده، ولا يَنْشره، ولا يُقَلِّبَه ، إذا مسه وجب البيع)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة. وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى
والنسائى وابن ماجة من حديث أبى هريرة مختصراً ومعاولا .
٣٢٤٠ - وعن عبد الله بن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع حَبَلٍ
الْحَبَةَ)).
٣٢٤١ - وفى رواية قال ((وحَبَلُ الحبلةِ: أن تُنْتِجَ الناقَةُ بطنها، ثم تحمل التى نُتِجَت))
٣٢٣٩ - قال الشيخ: ((الملامسة)) أن تلمس الثوب الذى تريد شراءه، أى يمسه بيده
ولا ينشره ولا يتأمله، ويقول : إذا لمسته بيدى فقد وجب البيع . ثم لا یکون له فيه خيار
إن وجد فيه عيباً .
وفى نهيه عن بيع الملامسة: مُستدَل لمن أبطل بيع الأعمى وشرعاه ، لأنه إنما يُستدل
ويتأمل باللمس فيما سبيله أن يُستدرك بالعيان، وحِسِّ البصر.
و (( المنابذة)) أن يقول : إذا نبذت إليك الثوب فقد وجب البيع ، وقد جاء بهذا
التفسير فى الحديث .
وقال أبو عبد الله : المنابذة : أن ينبذ الحجر ، ويقول : إذا وقع الحجر فهو لك،
وهذا نظير بيع الحصاة .
وأما (( اشتمال الصماء)) فهو أن يشتمل فى ثوب واحد ، يضع طَرَ فى الثوب على عاتقه
الأيسر، ويَسْدِلِى شِقَّ الأيمن ، هكذا جاء تفسيره فى الحديث .
وأما (( الاحتباء فى الثوب الواحد ليس على فرجه منه شىء)) فهو أن يقعد على أليتيه ،
وقد نصب ساقيه ، وهو غير مُتَزِّر، ثم يَحْتِى بثوب، ثم يجمع بين طرفيه ، ويَشَدُّهما على
ركبتيه ، وإذا فعل ذلك بقيت فرجة بينه وبين الهواء تنكشف منها عورته .
٣٢٤٠ - قال الشيخ ((حبل الحبلة)) هو نتاج النتاج، وقد جاء تفسيره فى الحديث ((هو أن

- ٤٧ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى
باب فى بيع المضطر [٣: ٢٦٣]
٣٢٤٢ - عن شيخ من بني تميم ، قال ((خطبنا علىُّ بن أبى طالب - أو قال : قال على -
سيأتى على الناس زمانٌ عَضُوضٌ، يَعَضُّ الموسِرُ على ما فى يديه، ولم يُؤُمَر یذلك ،قال الله تعالى
تنتج الناقة بطنها، ثم تحمل التى نتجت )) وهذه بيوع كانوا يتبايعونها فى الجاهلية ، وهى
كلها يدخلها الجهل والغرر، فنهوا عنها وأرشدوا إلى الصواب من حكم الإسلام فيها .
٣٢٤٢ - قال الشيخ - ((بيع المضطر)) يكون من وجهين .
أحدهما : أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه ، فهذا فاسد لا ينعقد .
والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه ، أو مؤنة تُرُهقه ، فيبيع مافى يده
بالوَكْس من أجل الضرورة . فهذا سبيله فى حق الدِّين والمروءة : أن لا يبايع على هذا
الوجه ، وأن لا يُفْنَاتَ عليه بماله. ولكن يُعان ويُقُرض ، ويُستمهل له إلى الميسرة، حتى
يكون له فى ذلك بلاغ. فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جاز فى الحكم ولم يفسخ.
وفى إسناد الحديث رجل مجهول، لا ندرى من هو ؟ إلا أن عامة أهل العلم قد كرهوا
البيع على هذا الوجه .
قال الشيخ: أصل الغرر: هو ماطوى عنك علمه، وخفى عليك باطنه وسِرُّه . وهو
مأخوذ من قولك: طويت الثوب على غَرِّه. أى على كَسْرِه الأول، وكل بيع كان
المقصود منه مجهولا غير معلوم ، ومعجوزاً عنه غير مقدور عليه ، فهو غرر ، وذلك : مثل أن
يبيعه سمكاً فى الماء، أو طيراً فى الهواء، أو لؤلؤة فى البحر ، أو عبداً آبقاً، أو جملاً شارداً
أو ثوباً فى جراب، لم يره ولم يَنْشُره، أو طعاماً فى بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد ، أو
ثمر شجرة لم تثمر، فى نحوها من الأمور التى لا تعلم ، ولا يدرى هل تكون أم لا ؟ فإن
البيع مفسوخ فيها .
وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم ، عن هذه البيوع تحصيناً للأموال أن تضيع،
وقطعاً للخصومة والنزاع : أن يقعا بين الناس فيها .

- ٤٨ -
(٢: ٢٣٧ ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بينكم) ويُبَايَع المضطرون، وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه
وسلم عن بيع المضطر، وبيع الغَررِ ، وبيع الثمرة قبل أن تُدرِك ))
فى إستاده : رجل مجهول
باب فى الشركة [ ٣: ٢٦٤ ]
٣٢٤٣ - عن أبى هريرة - رفعه - قال ((إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين، مالم يَخُنْ
أحدهما صاحبه ، فإذا خانه خرجتُ من بينهما )»
باب فى المضارب يخالف [ ٣: ٣٦٤]
٣٢٤٤ - عن عروة - يعنى البارقيَّ - قال (( أعطاه النبى صلى الله عليه وسلم ديناراً يشترى
وأبواب الغرر كثيرة . وجماعها : مادخل فى المقصود منه الجهل .
وأما بيع الحصاة : فإنه يفسر على وجهين .
أحدهما : أن يرمى بالحصاة ، ويجعل رميها إفادة للعقد ، فإذا سقطت وجب البيع ، ثم
لا يكون للمشترى فيه الخيار .
والوجه الآخر: أن يعترض الرجل القطيع من الغنم ، فيرمى فيها بحصاة ، فأية شاة
منها أصابتها الحصاةُ فقد استحقها بالبيع ، وهذا من جملة الغرر المنهى عنه .
٣٢٤٤، ٣٢٤٥ - قال الشيخ : هذا الحديث مما يحتج به أصحاب الرأى . لأنهم يجيزون
بيع مال زيد من عمرو بغير إذن منه أو توكيل ، ويتوقف البيع على إجازة المالك ، فإذا أجازه
صح، إلا أنهم لم يجيزوا الشراء بغير إذنه .
٣٢٤٤ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: والحديث مخرج فى صحيح البخارى ، أخرجه فى ذكر
الأنبياء والمناقب ، فى الأبواب التى فيهاصفة التی صلى الله عليه وسلم، في باب ترجمته «باب سؤال
المشركين أن يريهم النبى صلى الله عليه وسلم آية)) فذكره بإسناده عن شبيب بن غرقدة قال :
سمعت الحى يتحدثون عن عروة (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً يشترى له به شاة ،
فاشتري له به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فجاءه بدينار وشاة ، فدعا له بالبركة فى بيعه ، وكان

- ٤٩ -
به أُضحية ، أو شاة ، فاشترى شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له
بالبركة فى بيعه ، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه )»
وأخرجه الترمذى وابن ماجة .
٣٢٤٥ - وعن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم بن حزام « أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بَعثَ معه بدينار ، يشترى له أُضحية ، فاشتراها بدينار ، وباعها بدينارين ، فرجع،
فاشترى أضحية بدينار ، وجاء بدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فتصدَّق به النبيُّ
صلى الله عليه وسلم ، ودعا له : أن يبارك له فى تجارته )»
وأجاز مالك بن أنس الشراء والبيع معاً .
وكان الشافعى لا يجيز شيئاً من ذلك. لأنه غرَرَ لا يُدرَى: هل يجيزه أم لا؟ وكذلك
لا يجيز النكاح الموقوف على رضى المنكوحة ، أو إجازة الولى .
غير أن الخبرين معاً غير متصلين ، لأن فى أحدهما - وهو خبر حكيم بن حزام -
رجلاً مجهولاً لا يُدُرَى من هو، وفى خبر عروة (( أن الحى حدثوه )) وما كان هذا سبيله
من الرواية: لم تقم به الحجة .
لو اشترى التراب لربح فيه)» قال سفيان («يشترى له شاة، كأنها أضحية»
انفرد بإخراجه البخارى .
وقد استدرك عليه روايته له عن الحى ، وهم غير معروفين ، وما كان هكذا فليس من
شرط كتابه .
وقد رواه ابن ماجة من رواية شبيب عن عروة نفسه. والصحيح: أنه لم يسمعه منه .
قال البخارى: حدثنا على بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال: حدثنا شبيب بن غرقدة : قال
«سمعت الحى يتحدثون عن عروة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشترى له به شاة
فاشترى له به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فجاءه بدينار وشاة ، فدعا له بالبركة فى بيعه ، وكان
لو اشترى التراب لريح فيه »
قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، قال: (( الحى يخبرونه عنه))
ولكن سمعته يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ((الخير معقود فى نواصى الخيل إلى
يوم القيامة)) قال: ((وقد رأيت فى داره سبعين فرساً)) قال سفيان: ((يشترى له شاة،
كأنها أضحية».
؟ - مختصر السن - ج .

- ٥٠ -
فى إسناده مجهول .
وأخرجه الترمذى من حديث حبيب بن أبى ثابت عن حكيم بن حزام ، وقال :
لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وحبيب بن أبى ثابت لم يسمع - عندى - من حكيم بن
حزام . هذا آخر كلامه .
وحكى المزنى عن الشافعى : أن حديث البارقى ليس بثابت عنده.
قال أبو بكر البيهقى: وإنما ضُعِّف حديث البارقى لأن شبيب بن غَرْقدة رواه عن
((الحَيِّ)) وهم غير معروفين. وحديث حكيم بن حزام إنما رواه شيخ غير مسمى.
وقال فى موضع آخر : الحىُّ الذى أخبرنا شبيب بن غرقَدة عن عروة البارقى :
لا نعرفهم . والشيخ الذى أخبرنا حَصين(١) عن حكيم بن خزام: لا نعرفه . وليس هذا من
شرط أصحاب الحديث فى قبول الأخبار . والله أعلم .
. وذكر الخطابى: أن الخبرين معا غير متصلين . لأن فى أحدهما - وهو خبر حكيم
%'
بن حزام - رجلا مجهولا. لا يدرى من هو؟ وفى خبر عروة (( أن الحي حدثوه)) وما كان
هذا سبيله من الرواية: لم تَقُم به الحجة . هذا آخر كلامه .
٠٠-
وقد ذهب بعض من لم يجز البيع الموقوف من تأويل هذا الحديث : إلى أن وكالته
كانت وكالة تفويض وإطلاق ، وإذا كانت الوكالة مطلقة فقد حصل البيع والشراء
عن إذن .
قال الشيخ: وهذا لا يستقيم، لأن فى خبر حكيم (( أنه تصدق بالدينار)) فلو كانت
الوكالة مطلقة لطابت له الزيادة . والله أعلم .
وقد جعل غير واحد من أهل العلم هذا أصلاً فى أن من وصل إليه مال من شبهة ،
وهو لا يعرف له مستحقاً ، فإنه يتصدق به .
واختلف الفقهاء فى المضارِب إذا خالف رب المال .
فروى عن ابن عمر أنه قال ((الريح لرب المال)).
وعن أبى قلابة ونافع ((أنه ضامن ، والرمح ارب المال )) وبه قال أحمد وإسحاق.
كذا فى أصل المنذرى ((حصين)) وفي سند الحديث فى نسخة السنن بشرح عون المعبود ((أبو حصين)»

- ٥١ -
فأما تخريج البخارى له فى صدر حديث ((الخير معقود بنواصى الخيل)) فيحتمل أنه
سمعه من على بن المدينى على التمام، حدث به كما سمعه، وذكر فيه إنكار شبيب بن غَرقدة
سماعه من عروة حديث شراء الشاة ، وإنما سمعه من الحىِّ عن عروة. وإنما سمع من عروة
قوله صلى الله عليه وسلم (( الخير معقود بنواصى الخيل))
ويشبه أن الحديث فى الشراء : لو كان على شرطه لأخرجه فى كتاب البيوع، وكتاب
الوكالة ، كما جرت عادته فى الحديث الذى يشتمل على أحكام: أن يذكره فى الأبواب التى
تصلح له، ولم يخرجه إلا فى هذا الموضع، وذكر بعده حديث (( الخيل)) من رواية عبد الله
بن عمر وأنس بن مالك وأبى هريرة. فدل ذلك على أن مراده حديث ((الخيل)) فقط ،
إذ هو على شرطه .
وقد أخرج مسلم حديث شبيب بن غرقدة عن عروة ، مقتصراً على ذكر الخيل، ولم
يذكر حديث الشاة.
وقد أخرج الترمذى حديث شراء الشاة من رواية أبى لَبيد - لُمَازة بن رِياب - عن
عروةٍ. وهو من هذه الطريق حسن . والله عز وجل أعلم .
وكذلك الحكم عند أحمد، فيمن استودع مالاً فأتجر فيه بغير إذن صاحبه : أن
الريح ارب المال .
وقال أصحاب الرأى: الربح للمضارب ، ويتصدق به ، والوضيعة عليه ، وهو ضامن
لرأس المال فى الوجهين معاً .
وقال الأوزاعى : إن خالف وريح، فالربح له فى القضاء ، ويتصدق به فى الورع
والفتيا ، ولا يصلح لواحد منهما .
وقال الشافعى : إذا خالف المضارب،ُ نظرَ، فإن اشترى السلعة التى لميؤمن بها بغير المال
فالبيع باطل، وإن اشتراها بغير العين ، فالسلعة ملك للمشترى . وهو ضامن للمال .

- ٥٢ -
باب فى الرجل يتجر فى مال الرجل بغير إذنه [ ٣: ٢٦٦]
٣٢٤٦ - عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول (( مَنِ اسْتَطَاعَ منكم أن يكونَ مِثْلَ صَاحِبٍ فَرَقِ الْأُرُزّ فليكنْ مثله . قالوا: ومن
صاحب الأرز يارسول الله؟ - فذكر حديث الغار ، حين سقط عليهم الجبل - فقال كل
واحد منهم: اذكروا أحسنَ عملكم، قال: وقال الثالث: اللهم إنك تعلمُ أَّى استأجرتُ
أجباً بفَرَقِ أرُزّ ، فلما أمسيتُ عَرَضْتُ عليه حَقََّ، فأبى أن يأخذه، وذهب: فثمَرَّتُهُ له
حتى جمعتُ له بقراً ورِعاءها، فلقينى، فقال: أعطنى حَقِّى، فقلت: اذهبُ إلى تلك البقَر
ورِعائها فخذها ، فذهب فاستاقها ))
وأخرجه البخارى ومسلم بنحوه أتم منه
باب فى الشركه على غير رأس المال [٣: ٢٦٦]
٣٢٤٧ - عن أبى عبيدة، عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال ((اشتركت أنا وعَمَّار
٣٢٤٦ - قال الشيخ: قد احتج به أحمد بن حنبل، لقوله الذى حكيناه عنه فى الباب الأول .
ويشبه على مذهبه: أن يكون هذا الرجل إنما كان استأجره على فَرَق أرُز معلوم بعينه ،
حتى تكون التجارة وقعت بمال الأجير .
فأما إذا كانت الأجرة فى الذمة غير معينة ، فإنما وقعت التجارة فى مال المستأجر، لأنها من
ضمانه . فالربح له، لأنه المالك والعامل المتصرف فيه ، إلا أنه لا حجة له فى واحد من
الأمرين: أيِّهما كان، لأن هذا قول ثناء ومدح ، استحقه هذا الرجل فى أمر تبرع به، لم
يكن يلزمه من جهة الحكم، ◌ُمِدٍ عليه ، وإنما هو الترغيب فى الإحسان والندب إليه ،
وليس من باب مايجب ويلزم فى شىء .
٣٢٤٧ - قال الشيخ : شركة الأبدان صحيحة فى مذهب سفيان الثورى وأصحاب الرأى .
وهذا الحديث حجة لهم .
وقد احتج به أحمد بن حنبل ، وأثبت شركة الأبدان ، وهو أن يكونا خياطين أو

- ٥٣ -
وسعد - يعنى ابن أبي وقاص - فيما نُصِيب يومَ بَدْرٍ، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجىء
أنا وعمار بشىء )»
وأخرجه النسائى وابن ماجة ، وهو منقطع . فان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه
باب فى المزارعة [ ٢٦٧٠٣ ]
٣٢٤٨ - عن عبد الله بن عمر قال: (( ما كنّا نَرى بالمزارعة بأساً، حتى سمعتُ رافع بن
خَديج يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها، فذكرته لطاوس، فقال: قال
قصارين ، فيعملان ، أو يعمل كل واحد منهما منفرداً، أو يكون أحدهما خياطاً والآخر
خزّازاً ، أو حداداً ، سواء اتفقت الصناعات أو اختلفت ، فكل ما أصاب أحدهما من أجرة
عن عمله كان صاحبه شريكه فيها ، أو يشتركان على أن ما يكتسبه كل واحد منهما كان
بينهما ، إن لم يكن العمل معلوماً ، إلا أن بعضهم قال: لا يدخل فيها الاصطياد
والاحتشاش .
وحكى عن أحمد رحمه الله : أنه قال : يدخل فيها الصيد والحشيش ونحوها ، وقاسوها
على المضاربة .
قالوا : إذا كان العمل فيها أحد رأسى المال جازأن يكون فى الشقين [ فى الشركة]
مثل ذلك . وأبطلها الشافعى وأبو ثور.
فأما شركة المفاوضة : فهى عند الشافعى فاسدة ، ووافق فى ذلك أحمد وإسحاق
وأبو ثور .
وجوزها الثورى وأصحاب الرأى ، وهو قول الأوزاعى وابن أبى ليلى .
وقال أبو حنيفة وسفيان وأبو يوسف: لا يكون شركة مفاوضة حتى يكون
رأس أموالهما سواء .
٣٢٤٨ - قال الشيخ: خبر رافع بن خديج من هذا الطريق خبر مجمل ، تفسره الأخبار التى
رويت عن رافع بن خديج، وعن غيره من طرق أخر ، وقد عقَل ابن عباس معنى الخبر ،
وأن ليس المراد به : تحريم المزارعة بشَطْر ما تخرجه الأرض ، وإنما أريد بذلك: أن
يتمانحوا أرضهم، وأن ◌ُفق بعضهم بعضاً.

- ٥٤ -
ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَنْهَ عنها ، ولكن قال: لَيَبْنَحْ أحدُ كم
أرضَهُ خَيْرٌ من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً ))
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة
٣٢٤٩ - وعن عروة بن الزبير، قال: قال زيد بن ثابت ((يغفر الله لرافع بن خديج، أنا
واللهِ أعلم بالحديث منه ، إنما أناه رجلان - قال مسدد: من الأنصار - ثم اتفقا : قد اقتتلا
وقد ذكر رافع بن خديج فى رواية أخرى عنه النوع الذى حرم منها ، والعلة التى من
أجلها نهى عنها ، وذكره أبو داود فى هذا الباب .
٣٢٤٩ (١) - وضعف أحمد بن حنبل حديث رافع. وقال: هو كثير الألوان ، يريد اضطراب
هذا الحديث، واختلاف الروايات عنه. فمرة يقول ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم)»
ومرة يقول ((حدثنى عمومتى عنه).
وجوز أحمد المزارعة. واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم (( أعطى اليهود أرض خيبر
مزارعة، ونخلها مساقاة)) وأجازها ابن أبى ليلى ويعقوب ومحمد. وهو قول ابن المسيب وابن
سيرين والزهرى، وعمر بن عبد العزيز، وأبطلها أبو حنيفة ومالك والشافعى .
قال الشيخ : فإنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ، ولم يقفوا
على علته ، كما وقف عليها أحمد .
وقد أنعم بيانَ هذا الباب محمد بن اسحاق بن خزيمة ، وجوده ، وصنف فى المزارعة
مسئلة ذكر فيها علل الأحاديث التى وردت فيها .
فالمزارعة على النصف والثلث والربع وعلى ماتراضى به الشريكان: جائزة، إذا كانت
الحصص معلومة ، والشروط الفاسدة معدومة . وهى عمل المسلمين من بلدان الإسلام وأقطار
الأرض شرقها وغربها . لا أعلم أنى رأيت أو سمعت أهل بلد أو صقع من نواحى الأرض
التى يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها .
ثم ذكر أبو داود على إثر هذه الأحاديث باباً فى تشديد النهى عن المزارعة، وذكر فيه
طرقاً لحديث رافع بن خديج بألفاظ مختلفة . كرهنا ذكرها لئلا يطول الكتاب .
(١) هذا الحديث مؤخر عند الخطابى عن الحديث رقم (٣٢٠١)

- ٥٥-
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنْ كَانَ هُذَا شَأْنَكُمْ فَلاَ تُكْرُوا الْمَزَارِعَ - زاد
مسدد - : فسمع قوله: لا تكروا المزارع)).
وأخرجه النسائى وابن ماجة .
٣٢٥٠ - وعن سعيد بن المسيب، عن سعد - وهو ابن أبى وقاص - قال ((كنا نُكْرِى
الأرضَ بما على السَّواقى من الزرع ، وما سَعِدَ بالماء منها ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن ذلك، وأمرنا أن نُكريها بذهب أو فضة )»
وأخرجه النسائى .
٣٢٥١ - وعن حنظلة بن قيس الأنصارى، قال ((سألت رافع بن خديج عن كِراء الأرض
بالذهب والْوَرَقِ ؟ فقال: لا بأس بها ، إنما كان الناسُ يؤاجرون على عهد رسول الله
وسبيلها كلها : أن يرد المجمل منها إلى المفسر من الأحاديث التى مرّ ذكرها. وقد
بينا عللها .
وفى هذا الباب ألفاظ تحتاج إلى تفسير وشرح .
منها: قوله (أفقر أخاك، أو اكرِه بالدراهم)) ومعنى أفقر أخاك: أى أعِرْهُ إياها،
وأصل الإفقار: فى إعارة الظهر ، يقال: أفقرت الرجل بعيرى: إذا أعرته ظهره للركوب .
ومنها ((الحقل)) وهو الزرع الأخضر. والحقل أيضاً: القراح الذى يُعَدّ للمزارعة.
وفى بعض الأمثال (( لا تنبت البقلة إلا الحقلة)) ومنه: أخذت المحاقلة.
ومنها ((المخابرة)) وهى المزارعة على النصف والثلث ونحوهما ، والخبير : النصيب،
والخبير : الأكّار .
٣٢٥١ - فقد أعلمك رافع فى هذا الحديث: أن المنهى عنه هو المجهول منه دون المعلوم ،
وأنه كان من عادتهم: أن يشترطوا شروطاً فاسدة ، وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقى
والجداول ، فيكون خاصاً لرب المال . والمزارعة شركة ، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون
مجهولة ، وقد يسلم ما على السواقى ويهلك سائر الزرع ، فيبقى المزارع لا شىء له ، وهذا
غرر وخطر .

- ٥٦ -
صلى الله عليه وسلم بما على الْمَاذِيَاناتِ وإقبال الجداول ، وأشياء من الزرع ، فيهلكُ هذا
ويَسْلَمُ هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كِراء إلا هذا، فلذلك زَجَر عنه،
فأما بشی× مضمون معلوم ؛ فلا بأس به ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة .
٣٢٥٢ - وعنه (( أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض؟ فقال: نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض. فقلت: بالذّهبِ والْوَرِقِ ؟ فقال: أمَّا بالذهب
والورق فلا بأس به )»
وهو طرف من الحديث الذى قبله
باب التشديد فى ذلك [ ٣: ٢٦٨]
٣٢٥٣ - عن سالم بن عبد الله ((أن ابنَ عمر كان يُكرى أرضه، حتى بلغه أنَّ رافع
ابن خديج الأنصارى كان ينهى عن كراء الأرض ، فلقيه عبد الله ، فقال: يا ابن خَديج،
١
وإذا اشترط رب المال على المضارب دراهم لنفسه زيادة على حصة الربح المعلومة فسدت
المضاربة ، وهذا وذاكسواء
وأصل المضاربة فى السنة : المزارعة والمساقاة ، فكيف يجوز أن يصح الفرع
ويبكل الأصل؟.
((والماذيانات )) الأنهار. وهى من كلام العجم ، صارت دخيلاً فى كلامهم .
قال الشيخ: وقد ذكر زيد بن ثابت العلة، والسبب الذى خرج عليه الكلام فى ذلك،
وبيّن الصفة التى وقع عليها النهى. ورواه أبو داود فى هذا الباب .
٢٢٥٣ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وفى صحيح البخارى ومسلم عن جابر ((أن رسول الله
صلي الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض))
وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من كانت له أرض فليزرعها، فإن
لم يزارعها فليزرعها أخاه»

- ٥٧ -
ماذا يُحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كراء الأرض ؟ قال رافع لعبد الله بن عمر:
سمعت عَمََّّ - وكانا قد شهدا بدراً - يحدثان أهل الدارِ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
نهى عن كراء الأرض ، قال عبد الله: والله لقد كنتُ أعلم فى عهد رسول الله صلى الله
: وعنه قال « كان لرجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضول أرضين، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: من كان له فضل أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه ، فان أبى فليمسك أرضه»
وعنه قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ للأرض أجر، أو حظ))
وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كانت له أرض فليزرعها ، فان لم يستطع
أن يزرعها وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم ، ولا يؤجرها إياه )»
وفى لفظ آخر (( من كانت له أرض فليزرعها ، أو ليزرعها أخاه ، ولا يكرها))
وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من كان له فضل أرض فليزرعها ، أو ليزرعها
أخاهٍ، ولا تبيعوها)) قال سليم بن حبان: فقلت لسعيد بن ميناء: ما ((لا تبيعوها؟ يعنى الكراء؟
قال: نعم »
وعن جابر قال ((كنا نخابر على عهد رسول الله صلى عليه وسلم، فنصيب من القصرى(١)
ومن كذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها، أو ليحرثها أخاه
وإلا فليدعها )»
وعنه قال ((كنا فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذ الأرض بالثلث
أو الربع وبالماذيانات ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك ، فقال : من كانت له أرض
فليزرعها ، فان لم يزرعها فليمنحها أخاه . فان لم يمنحها أخاه فليمسكها ))
وهذه الأحاديث متفق عليها ، وذهب إليها من أبطل المزارعة .
وأما الذين مصححوها: فهم فقهاء الحديث ، كالإمام أحمد ، والبخارى ، وإسحق ، والليث بن سعد
وابن خزيمة ، وابن المنذر ، وأبى داود ، وهو قول أبى يوسف ومحمد ، وهو قول عمر بن
عبد العزيز، والقاسم بن محمد ، وعروة ، وابن سيرين ، وسعيد بن المسيب ، وطاوس ،
وعبد الرحمن بن الأسود ، وموسى بن طلحة، والزهرى ، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، ومحمد
بن عبد الرحمن ، ومعاذ العنبرى . وهو قول الحسن ، وعبد الرحمن بن زيد ، قال البخارى فى
محميحه : قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر (( مابالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزدرعون على الثلث
(١) القصرى - بكسر القاف وسكون الصاد وراء مهملة مكسورة على وزن: قبطى - ما يبقى فى المنخل
بعد الانتخا، أو ما يخرج من القت بعد الدوسة الأولى، أو ما يبقى من الحب فى السنبل مما لا يتخلص منه بعد
مايداس، ويسمى القصارة ، والقصرى أيضا: كبشرى؛ والحديث أخرجه أحمد ومسلم .

- ٥٨ -
عليه وسلم أنَّ الأرض تُكْرَى، ثم خشى عبد الله أن يكونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحدث فى ذلك شيئا لم يكن عَلِمَة، فترك كراء الأرض)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
والربع)) قال البخارى: وزارع على، وسعيد بن مالك ، وعبد الله بن مسعود ، وعمر بن
عبد العزيز ، والقاسم، وعروة، وآل أبى بكر ، وآل عمر ، وآل على ، وابن سيرين ، وعامل
عمر الناس على « أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر . وإن جاءوا هم بالبذر فلهم
كذا)» وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما ، فيتفقان جميعاً، فما يخرج فهو
بينهما ، ورأى ذلك الزهرى .
وحجتهم: «معاملة النبى صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر مايخرج منها من تمر أو زرع))
وهذا متفق عليه بين الأمة .
قال أبو جعفر ((عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيير بشطر ما يخرج منها من
تمر أو زرع ، ثم أبو بكر، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم على ، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث
والربع )
وهذا أمر صحيح مشهور، قد عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ، ثم خلفاؤه
الراشدون من بعده حتى ماتوا ، ثم أهلوهم من بعدهم ، ولم يبق بالمدينة أهل بيت حتى عملوا به
وعمل به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده .
ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخا، لاستمرار العمل به من النبى صلى الله عليه وسلم
إلى أن قبضه الله ، وكذلك استمرار عمل خلفائه الراشدين به، فنسخ هذا من أمحل المحال .
وأما حديث رافع بن خديج : جوابه من وجوه .
أحدها : أنه حديث فى غاية الاضطراب والتلون ..
قال الإمام أحمد : حديث رافع بن خديج : ألوان . وقال أيضاً : حديث رافع : ضروب .
الثانى : أن الصحابة أنکروہ علی رافع ، قال زيد بن ثابت - وقد حكى له حديث رافع -
« أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلين قد اقتلا ، فقال: إن كان هذا
شأنكم فلا تكروا المزارع )) وقد تقدم.
وفى البخاري: عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس (( لو تركت المخابرة ؛ فإنهم يزعمون
أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عنها؟ قال: إن أعلمهم - يعنى ابن عباس - أخبرنى: أن النبى
صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها، ولكن قال: أن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ
عليها خراجاً معلوماً ))

-- ٥٩ --
وعماه : هما ظُهير، ومُظهَرَ ، ابنا رافع .
وذكر أبو داود : أنه رواه نافع - يعنى مولى ابن عمر - عن رافع عن النبى صلى الله
عليه وسلم. وعن نافع عن رافع قال: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن
فان قيل : إن كان قد أنكره بعض الصحابة عليه ، فقد أقره ابن عمر ، ورجع إليه ؟
فالجواب : أولا : أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يحرم المزارعة ، ولم يذهب إلى حديث
رافع. وإنما كان شديد الورع ، فلما بلغه حديث رافع خشى أن يكون رسول الله صلى الله عليه
وسلم أحدث فى المزارعة شيئاً لم يكن علمه ، فتركها لذلك.
الثانى: وقد جاء هذا مصرحا به فى الصحيحين ((أن ابن عمر إنما تركها لذلك، ولم يحر مها على
:الناس ))
الثالث : أن فى بعض ألفاظ حديث رافع مالا يقول به أحد ، وهو النهى عن كراء المزارع
على الإطلاق .
ومعلوم: أن النبى صلى الله عليه وسلم لم ينه عن كرائها مطلقاً ، فدل على أنه غير محفوظ .
الرابع : أنه تارة يحدثه عن بعض عمومته ، وتارة عن سماعه، وتارة عن رافع بن ظهير ،
مع اضطراب ألفاظه، فمرة يقول ((نهى عن الجعل)) ومرة يقول ((عن كراء الأرض)) ومرة
يقول (( لا يكاريها بثلث، ولا ربع،. ولا طعام مسمى)) كما تقدم ذكر ألفاظه.
وإذا كان شأن الحديث هكذا وجب تركه والرجوع إلى المستفيض المعلوم من فعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، الذى لم يضطرب، ولم يختلف.
الخامس : أن من تأمل حديث رافع ، وجمع طرقه ، واعتبر بعضها ببعض ، وحمل مجملها
على مفسرها، ومطلقها على مقيدها: علم أن الذى نهى عنه النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك أمر
بين الفساد ، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فانه قال «كناذكرى الأرض على أن لنا هذه ولهم
هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه)) وفى لفظ له (( كان الناس يؤاجرون على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وإقبال الجداول، وأشياء من الزرع)) كما تقدم.
وقوله ((ولم يكن للناس كراء إلا هذا؛ فلذلك زجرعنه؛ وأما بشىء معلوم مضمون فلا بأس»
وهذا من أبين مافى حديث رافع وأصحه ، وما فيها من مجمل أو مطلق أو مختصر ، فيحمل على
هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظا وحكما .
قال الليث بن سعد : الذى نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر ، إذا نظر إليه
ذو البصيرة بالحلال والحرام ، علم أنه لا يجوز .

- ٦٠ -
أبى النجاشى عن رافع قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم . وعن أبى النجاشى عن رافع
عن عمه ظهير بن رافع عن النبى صلى الله عليه وسلم .
وهذه الطرق التى ذكرها : كلها أسانيدها جيدة
وقال ابن المنذر : قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهى كان لتلك العلل .
فلا تعارض إذن بين حديث رافع وأحاديب الجواز بوجه .
السادس : أنه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز، وامتنع الجمع بينها : لكان
منسوخاً قطعاً بلا ريب ، لأنه لابد من نسخ أحد الخبرين ؛ ويستحيل نسخ أحاديث الجواز
لاستمرار العمل بها من النبى صلى الله عليه وسلم إلى أن توفى، واستمرار عمل الخلفاء الراشدين.
بها. وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل ، كما تقدم ذكره ، فيتعين نسخ حديث رافع .
السابع : أن الأحاديث إذا اختلفت عن النبى صلى الله عليه وسلم ، فانه ينظر إلى ماعمل به
أصحابه من بعده ، وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين وأهليهم، وغيرهم من الصحابة بالمزارعة
الثامن : أن الذى فى حديث رافع: إنما هو النهى عن كرائها بالثلث أو الربع ، لا عن
المزارعه، وليس هذا بمخالف لجواز المزارعة، فان الإجارة شىء والمزارعة شىء ، فالمزارعة
من جنس الشركة ، يستويان فى الغنم والغرم، فهى كالمضاربة ، بخلاف الإجارة ؛ فإن المؤجر على
يقين من المغنم ، وهو الأجرة، والمستأجر على رجاء، ولهذا كان أحد القولين لمجوزي
المزارعة : أنها أحل من الإجارة وأولى بالجواز، لأنهما على سواء فى الغنم والغرم ، فهى أقرب
إلى العدل ، فإذا استأجرها بثلث أو ربع، كانت هذه إجارة لازمة ؛ وذلك لا يجوز ، ولكن
أُلنصوص عن الإمام أحمد : جواز ذلك .
واختلف أصحابه على ثلاثة أقوال فى نصه .
فقالت طائفة: يصح ذلك بلفظ المؤاجرة ، ويكون مزارعة ، فيصح بلفظ الإجارة ، كما
يصح بلفظ المزارعة .
قالوا . والعبرة فى العقود بمعانيها وحقائقها، لا بصيغها وألفاظها .
قالوا : فتصح مزارعة ، ولا تصح إجارة ، وهذه طريقة الشيخ أبى مهد المقدسى .
الثانى : أنها لا تصح إجارة ولا مزارعة .
أما الإجارة : فلأن من شرطها كون العوض فيها معلوماً متميزاً ، معروف الجنس
والقدر ، وهذا منتف فى الثلث والربع .
وأما المزارعة : فلأنهما لم يعقدا عقد مزارعة؛ إنما عقدا عقد إجارة، وهذه طريقة
أبى الخطاب .
الثالث : أنها تصح مؤاجرة ومزارعة ، وهى طريقة القاضي وأكثر أصحابه.
7