النص المفهرس

صفحات 361-380

- ٣٦١ -
باب ما جاء فى مين النبي صلى الله عليه وسلم: ما كانت؟ [٣: ٢٢١]
٣١٣١ - عن ابن عمر، قال ((أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلف بهذه
اليمين : لا ، ومُقَلِّب القلوب)).
٣١٣٢ - وعن أبى سعيد الخدرى، قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد
في اليمين قال: والذى نفسُ أبى القاسم بيده)).
٣١٣٣ - وعن أبى هريرة قال ((كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلف يقول:
لا ، وأستغفر الله(١))).
-
ولم يختلف الناس فى أنه إذا حلف بالله ليفعلن كذا ، أو لا يفعل كذا ، واستثنى :
أن الحنث عنه ساقط .
فأما إذا حلف بطلاق أو عتاق واستثنى، فإن مالك بن أنس والأوزاعى ذهبا إلى أن
الاستثناء لا يغنى عنه شيئاً، والعتق والطلاق واقعان .
وعلة أصحاب مالك فى هذا : أن كل يمين تدخلها الكفارة فإن الاستثناء يعمل فيها .
وما لا مدخل للكفارة فيه فالاستثناء فيه باطل .
وقال مالك: إذا حلف بالمشى إلى بيت الله واستثنى، فإن الاستثناء ساقط والحنث له لازم
قال الترمذى : سألت محمد بن اسمعيل عن هذا الحديث ؟ فقال: هذا حديث خطأ ، أخطأ
فيه عبد الرزاق ، اختصره من حديث معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة عن النى.
صلى الله عليه وسلم (( أن سليمان بن داود قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة - الحديث -
وفيه : لو قال: إن شاء الله كان كما قالٍ ))
(١) لم يذكر المنذرى هذا الباب بأحاديثه الأربعة، لأنها ليست فى رواية اللؤلؤى، وهى في رواية
أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن داسة. قال المزى فى الأطراف: حديث ابن عمر (٣١٣١) فى رواية
ابن داسة وابن العبد . وقال فى ترجمة موسى بن عقبة المدنى عن سالم عن ابن عمر (حديث خ ت س ق)
((كثيراً ماكنت أسمع النبى صلى الله عليه وسلم يحلف: لا ومقلب القلوب)) أخرجه البخارى فى القدر
وفى التوحيد وفى الايمان والنذور، والترمذى فى الأيمان والنذور، والنسائى فيه، وابن ماجه فى.
الكفارات وقال فى المزى : فى حديث (٣١٣٢) وأخرجه ابن ماجة فى الكفارات اه من عون المعبود ..
'۔

- ٣٦٢ -
٣١٣٤ - وعن عاصم بن لقيط ((أن لقيط بن عامر: خرج وافداً إلى النبي صلى الله عيه وسلم،
قال لقيط : فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر حديثاً فيه : فقال النبى
صلى الله عليه وسلم: لَعَمْرُ إِلهِكَ (١))).
باب الحنث إذا كان خيراً [٢٢٣:٣]
٣١٣٥ - عن أبي بردة عن أبيه أبى موسى الأشعرى: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إنى
والله، إن شاء اللّه، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت يمينى، وأتيت
الذى هو خير - أو قال: إلا أتيت الذى هو خير، وكَفَّرت عن يميني» .
٣١٣٦ - وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لى النبى صلى الله عليه وسلم (( يا عبد الرحمن
ابن سُرة، إذا حلفت على يمين ، فرأيت غيرها خيراً منها، فائت الذى هو خير، وكفر
يمينك )).
قال أبو داود : سمعت أحمد يرخص فيها الكفارة قبل الحنث .
٣١٣٧ - وعن عبد الرحمن بن سمرة نحوه، قال ((فكفّر عن يمينك، ثم انت الذى
.هو خير)).
قال أبو داود: أحاديث أبى موسى الأشعرى ، وعدى بن حاتم ، وأبى هريرة فى هذا
: الحديث: روى عن كل واحد منهم فى بعض الرواية: الحنث قبل الكفارة ، وفى بعض
الرواية : الكفارة قبل الحنث (٢).
(١) لم يذكره المنذرى لأنه ليس فى رواية اللؤلؤى. وقال المزى فى الأطراف : حديث لقيط وجدة فى
باب لغو اليمين فى نسخة ابن كردوس بخطه من رواية ابن الأعرابى: وفى أوله : حدثنا أبو داود حدثنا
الحسن بن على . وأخشى أن يكون من زيادات ابن الأعرابي . فإنى لم أجده فى باقى الروايات . وقد وقع
فيه وهم فى غير موضع - ثم ساقه فى عون المعبود - ثم قال: وفى النسختين من السنن وجدت هذه
العبارة: حدثنا الحسن بن على حدثنا إبراهيم - ثم ساق السند إلى دلهم بن الأسود - فذكر نحوه .
(٢) حديث أبى موسى قال المزى: وأخرجه البخاري فى النذور وفى كفارة الايمان ومسلم فى الايمان
والنذور، وأبو داود فى الايمان ، والنسائى فى الأيمان والنذور ، وابن ماجة في الكفارات ، وأما حديث
عبد الرحمن بن سمرة ، فقال المزى : أخرجه البخارى فى النذور والأحكام وفى الكفارات ، ومسلم فى الأيمان
والنذور، وأبو داود فى الخراج عن محمد بن الصباح. وأخرجه الترمذى فى الأيمان والنذور ، والنسائى
في القضاء وفى السير . قال فى عون المعبود: فالذى يظهر من كلام المزى : أن أبا داود ما أخرج هذا الحديث
فى كتاب الايمان - إلى أن قال -: ولكن فى نسخة أبى داود التى بأيدينا وقعت القصتان بالسند الواحد
مفرقا : قصة الامارة فى الخراج ، وقصة اليمين فى الايمان .

- ٣٦٣ -
باب فى القسم: هل يكون يميناً [٣: ٢٢٤]
٣١٣٨ - عن ابن عباس ((أن أبا بكر أقسم عند النبى صلى الله عليه وسلم. فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم : لا تقسم)).
وهو طرف من الذی بعده.
٣١٣٩ - وعن ابن عباس ، قال کان أبو هريرة يحدث أنَّ رجلا أتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال: إنى أرى الليلة - فذكر رؤيا، فعبرها أبو بكر - فقال النبى صلى الله
عليه وسلم : أصَبْتَ بَعْضًا وأخطأت بعضاً. فقال: "أقسمتُ عليك يا رسول الله - بأبي أنت -
لَتُحَدِّ ثِّى: ما الذى أخطأت؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقسم)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة . .
ومنهم من يذكر فيه أبا هريرة. ومنهم من لا يذكره.
٣١٤٠ - وعن ابن عباس ، عن النبى صلى الله عليه وسلم - بهذا - لم يذكر القسم، زاد
فيه ((ولم يخبره)).
باب فيمن حلف على طعام لا ياً كله [٣: ٢٤٢]
٣١٤١ - عن عبد الرحمن بن أبى بكر، قال «نزلَ بنا أضياف لنا، قال: فكان أبو بكر
يتحدَّث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فقال: لا أرجعنَّ إليك حتى تَفَّرُغ من
٣١٣٨ - قال الشيخ: فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يميناً بمجرده حتى
يقول: أقسمت بالله، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بابرار القسم . فلو كان
قوله : أقسمت يميناً : لأشبه أن يبره.
وإلى هذا ذهب مالك والشافعى .
وقد استدل من يرى القسم يميناً على وجه آخر، فيقول : لولا أنه يمين ما كان النبى
صلى الله عليه وسلم يقول (( لا تقسم)).
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
:

- ٣٦٤ -
ضيافة هؤلاء ومن قرأهم، فأتاهم بِقراهم ، فقالوا: لاَ نَطْعَمه حتى يأتى أبو بكر، فجاء، فقال:
ما فعلَ أضيافُكم؟ أفرغتم من قِراهم؟ قالوا: لا ، قلت : قد أتيتهم بقراهم، فأبوا، قالوا :
والله لا نُطْعَمه حتى يجىء ، فقالوا: صَدَقَ ، قد أتانا به ، فأبينا حتى تجىء ، قال : فما
منعكم؟ قالوا: مكانك، قال : فوالله لا أطعمه الليلة، قال : فقالوا : ونحن والله لا نطعمه،
قال: ما رأيت فى الشَّرِّ كاليلة قَطُّ، قال: قَرِّبوا طعامَكم، قال: فَقُرِّب طعامهم. فقالٍ:
بسم الله، فطعِمَ وطعموا، فأخبرت أنه أصبح فغدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره
بالذى صنع وصنعوا، قال: بل أنْتَ أَبَرُّمْ وأصدقهم )).
وأخرجه البخارى ومسلم بنحوه أتم منه .
٣١٤٢ - وفى رواية قال ((ولم تبلغنى كفارة)).
باب اليمين فى قطيعة الرحم [٣: ٢٤٣]
٣١٤٣ - عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب ((أن أخوين من الأنصار كان
بينهما ميراث، فسأل أحدُهما صاحبَه القسمةَ ، فقال: إن عُدْتَ تسألنى القسمةَ فكلُّ
مال لى فى رِتاج الكعبة ، فقال له عمر : إن الكعبةَ غَنِيةٌ عن مالك، كَفِّرْ عن يمينك،
٣١٤٣ - قال الشيخ: قوله ((رتاج الكعبة)) أصل الرتاج: الباب. وليس يراد به الباب .
نفسه، وإنما المعنى : أن يكون ماله هدياً إلى الكعبة ، أو فى كسوة الكعبة والنفقة عليها
أو نحو ذلك من أمرها .
٣١٤٢ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقال الإمام أحمد وغيره من الأئمة: سعيد بن
المسيب عن عمر عندنا حجة . قال أحمد: إذا لم نقبل سعيداً عن عمر ، فمن نقبل ؟ قد رآه
وسمع منه، ذكره ابن أبى حاتم ، فليس روايته عنه منقطعة على ماذكره أحمد . ولو كانت
((منقطعة فهذا الانقطاع غير مؤثر عند الأئمة. فان سعيداً أعلم الخلق بأقضية عمر ، وكان ابنه
عبد الله بن عمر يسأل سعيداً عنها ، وسعيد بن المسيب إذا أرسل عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قبل مرسله ، فكيف إذا روى عن عمر ؟
٣١٤٣ - قال ابن القيم رحمه الله: وأخرج ابن ماجة منه ((من حلف على يمين فرأى غيرهاخيراً
منها فليتركها، فان تركها كفارتها)» وترجم عليه : من قال: تركها كفارتها .

- ٣٦٥ -
وكَدِّ أخاك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لاَ يَمِينَ عليك ، ولا نذر فى
معصية الربِّ، ولا فى قطيعة الرحم ، ولا فيما لاتملك)).
سعيد بن المسيب : لم يصح سماعه من عمر . فهو منقطع .
وعمرو بن شعيب : قد تقدم الكلام عليه .
٣١٤٤ - وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((لاَ نَذْرَ إلاَّ فيما يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الله، ولا يمين فى قطيعة رحم))
٣١٤٥ - وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده، قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم ((لاَ نَذْرَ ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ، ولا فى معصية الله، ولا فى قطيعة رحم ،
وفيه من الفقه : أن النذر إذا خرج مخرج اليمين كان بمنزلة اليمين فى أن الكفارة
تجزى عنه . وهو قول الشافعى وأحمد بن حنبل واسحق .
وعن عائشة رضى الله عنها والحسن وطاوس : أنهم قالوا: فيما هذا معناه كفارة يمين .
وقال الشعبى والحكم وحماد، فيمن حلف بصدقة ماله: لا شيء عليه .
وقال مالك : إذا حلف بصدقة ماله يخرج ثلث ماله .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينصرف ذلك إلى مافيه الزكاة من المال ، دون مالا زكاة فيه
من العقار وانُخْنِيِّ والدواب.
وفيه بيان أن النذر إذا كان فى معصية لم يلزم .
٣١٤٤ - قال الشيخ : قد نطقت الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بأن الكفارة لازمة لمن حنث فى يمينه . وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة، وحديث
١١ أبى موسى الأشعرى، وحديث أبى هريرة، وقال أبو داود: وكذلك جاءت الأحاديث
بذكر الكفارة إلا ما لا يعبأ به .
وقد روى عن بعضهم : أنه رأى هذا من لغو اليمين ، وقال : لا كفارة فيه إذا
كان معصية .
وحکی معنى ذلك عن مسروق بن الأجدع وسعيد بن جبير .

- ٣٦٦ -
ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فَلْيَدَعْهَا، ولْيأْتِ الذى هو خير ، فانّ
تَرْكَهَا كُفَارْتُهاٌ »
وأخرجه النسائى. وقد تقدم الكلام على اختلاف الأيمة فى الاحتجاج بحديث عمرو
بن شعيب. وذكر أبو بكر البيهقى: أن حديث عمرو - هذا - لم يثبت.
وحديث أبى هريرة (( فليأت الذى هو خير، فهو كفارة )» لم يثبت .
قال أبو داود: الأحاديث كلها عن النبى صلى الله عليه وسلم ((وليكفر عن يمينه))
إلا ما لا يعبأ به .
باب فيمن يحلف كاذباً متعمداً [٣: ٢٢٥]
٣١٤٦ - عن ابن عباس ((أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبيُّ
صلى الله عليه وسلم الطالبَ البيئةَ، فلم تكن له بينةٌ ، فاستحلفَ المطلوبَ . حلف بالله.
الذى لا إله إلا هو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَلَى، قَدْ فَعَلْتَ، ولكن غُفر
لك باخلاص قول : لا إله إلا الله)»
قال أبو داود : يراد من هذا الحديث : أنه لم يأمره بالكفارة .
وأخرجه النسائى. وفى أسناده: عطاء بن السائب. وقد تكلم فيه غير واحد . وأخرج
البخاری حدیثا مقرونا بأبى بشر .
باب الرجل يكفر قبل أن يحنث [٣: ١٨١]
٣١٤٧ - عن أبي بردة، عن أبيه - وهو أبو موسى الأشعرى - أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال ((إنى والله إن شاء الله لا أحْلِفُ على يمينٍ فَأَرَى غَيْرَها خَيْراً منها ، إلا كفرت عن
يمينى وأتيتُ الذى خير - أو قال - إلا أتيت الذى هو خير، وكفرت يمينى)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . ولم يذكر مسلم والنسائى سوى اللفظ
الأول من غير شك .
٣١٤٨ - وعن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: قال لى النبى صلى الله عليه وسلم (( يا عَبْدَ الرحمن
٠.٥
ابنْ سمرة، إذَا حلفتّ على يمين فرأيت غيرها خَيراً منها فانت الذى هو خير، وكفر يمينك))
قال أبو داود : سمعت أحمد يرخص فيها الكفارة قبل الحنث .

- ٣٦٧ -
٣١٤٩ - وفى رواية ((فَكَفِّرْ عن يمينك، ثم انْتِ الذى هو خير)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى.
ولفظ البخارى ومسلم : تقديم الكفارة .
وفى لفظ للبخارى ((فائت الذى هو خير وكفر)) وكذلك لفظ الترمذى. وذكر
النسائى الروايتين .
قال أبو داود: أحاديث أبى موسى الأشعرى ، وعدى بن حاتم وأبى هريرة فى هذا
الحديث، رُوِىَ عن كل واحد منهم فى بعض الرواية الحنث قبل الكفارة، وفى بعض.
الرواية الكفارة قبل الحنث .
هذا آخر كلامه . وقد ذكرنا عن عبد الرحمن بن سمرة أيضاً اللفظين .
باب كم الصاع فى الكفارة؟ [٣: ٢٢٥]
٣١٥٠ - عن عبد الرحمن بن حَرْملة، عن أم حبيب بنت ذُؤْيب بن قيس المُزَنِيَةً
- وكانت تحت رجل منهم من أسْمَ ، ثم كانت تحت ابن أخٍ لصفية زوج النبي صلى الله
عليه وسلم - قال ابن حرملة (( فوهبت لنا أم حبيب صاعاً، حدثتنا عن ابن أخى صفيةَ ،
عن صفية : أنه صاع النبى صلى الله عليه وسلم ، قال أنس - وهو ابن عياض - جرَّبْتُه،
فوجدته مُدَّيْنِ وَنِصْفاً بمدِّهشام))
باب فى الرقبة المؤمنة [٣: ٢٢٦ ]
٣١٥١ - عن معاوية بن الحكم السَُّى، قال ((قلت: يارسول الله، جاريةٌ لى
٣١٥٠ - قال الشيخ : فيه دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث . وهو قول أكثر
أهل العلم .
وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضى الله عنهم .
وهو مذهب الحسن البصرى وابن سيرين .
وإليه ذهب مالك والأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل واسحق ، إلا أن الشافعى
قال: إن كفر بالصوم قبل الحنث لم يجزه، وإن كفر بالطعام أجزأه .

- ٣٦٨ -
مَكَكْتُهَا صَكَّةَ، فعظَّم ذلك علىَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: أفلا أعتقها؟
قال: اثتنى بها. قال: فجئتُ بها ، قال: أين الله ؟ قالت: فى السماء، قال: من أنا؟
قالت : أنت رسول الله ، قال : أعتقها . فانها مؤمنة))
وأخرجه مسلم والنسائى أتم منه .
٣١٥٢ - وعن الشريد - وهو ابن سويد الثقفى - ((أن أمَّه أوصَته أن يعتق عنها رقبةً
مؤمنة ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله ، إن أمِّى أوصتْ أن أعتق عنها
رقبة مؤمنة ، وعندى جاريةٌ سوداء نُوبِيَّةٌ - فذكر نحوه)).
وأخرجه النسائى
قال أبو داود : خالد بن عبد الله: أرسله، لم يذكر الشريد.
واحتج أصحابه فى ذلك بأن الصيام مرتب على الاطعام . فلا يجوز الا مع عدم
الأصل كالتيمم، لما كان مرتباً على الماء، لم يجز الا مع عدم الماء .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجزيه الكفارة قبل الحنث على وجه من الوجوه، لأنها
لا تجب عليه بنفس اليمين ، وإنما يكون وجوبها بالحنث.
وأجازوا تقديم الزكاة قبل الحول ، لم يجوز مالك تقديمها قبل الحول ، كما جوز تقديم
الكفارة قبل الحنث . وأجازهما الشافعى معاً على الوجه الذى ذكرته لك .
٣١٥٢ - قال الشيخ: قوله ((أعتقها فإنها مؤمنة)) خرج مخرج التعليل فى كون الرقبة مجزية
فى الكفارات بشرط الإيمان . لأن معقولاً أن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أمره بعتقها
على سبيل الكفارة عن ضربها ، ثم اشترط أن تكون مؤمنة . فكذلك فى كل كفارة .
وقد اختلف فى هذا .
فقال مالك والأوزاعى والشافعى وأبو عبيد: لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة فى شىء
من الكفارات .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجزيه غير المؤمنة ، إلا فى كفارة القتل، وحكى ذلك عن
عطاء أيضاً .

-- ٣٦٩ -
باب الاستثناء فى اليمين بعد السكوت [٣: ٢٢٠]
٣١٥٣ - عن عكرمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((واللهِ لأُغْزُونَّ قُرَيْئاً ،
وَالله لِأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، والله لأغزون قريشاً، ثم قال : إن شاء الله)).
وذكر أبو داود : أنه أسنده غير واحد من الأيمة عن عكرمة عن ابن عباس .
٣١٥٤ - وعن عكرمة - يرفعه - قال: ((والله لأغزون قريشاً . ثم قال : إن شاء الله.
ثم قال: والله لأغزون قريشاً إن شاء الله. ثم قال: والله لأغزون قريشاً. ثم سكت،
ثم قال : إن شاء الله))
٣١٥٥ - وفى رواية: قال ((ثم لم يغزهم))
٣١٥٤ - قال الشيخ : فى هذا دليل على أن الاستثناء المعقب به الفصول المتصلة من الكلام
راجعة إلى جميع ما تقدم منها .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا حلف بالله وبالحج والعمرة، ثم استثنى كان الاستثناء عاماً
فيها كلها، فأما إذا قال: عبدى حر إن كلت فلاناً، وعبدى الآخر حر إن كلت فلاناً
إن شاء الله، ثم كله: فإن عبده فى اليمين الأولى حر فى القضاء، ولا يُدَيَنَّ فى ذلك، إلا فيما
بينه وبين الله تعالى ، وكذلك لو قال لامرأته : إن كلت فلاناً فأنت طالق، إن كلت فلاناً
فأنت طالق، إن شاء الله ، ثم كلمت فلاناً : كانت التطليقة الأولى واقعة عليها فى القضاء ،
إذا كلت فلاناً . فأما فيما بينه وبين الله فلا يقع عليها .
٣١٥٥ - قال الشيخ: لم يختلف العلماء فى أن استثناءه إذا كان متصلاً بيمينه فانه
لا يلزمه كفارة .
وقال بعضهم : له أن يستثنى مادام فى مجلسه . روى ذلك عن طاوس والحسن البصرى
وقال قتادة : إذا استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثُنياه .
وقال أحمد بن حنبل: يكون له الاستثناء مادام فى ذلك الأمر .
وعن ابن عباس أنه قال : له استثناؤه بعد حين .
وعن مجاهد : له أن يستثنی بعد سنين .
وعن سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر .
م ٢٤ - مختصر السنن - ج ٤

- ٣٧٠ -
باب النهى عن النذر [٣: ٢٢٧ ]
٣١٥٦ - عن عبد الله بن عمر، قال ((أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَنْهَى. عن النذر،
ويقول: لاَ يَرُدُّ شَيْئاً. إنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة .
قلت : وعامة أهل العلم على خلاف قول ابن عباس وأصحابه ، ولو كان الأمر على
ماذهبوا إليه لکان للحالف المخرجُ من یمینه حتى لا يلزمه کفارة بحال ، وقد ثبت عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى
هو خير، وليكفر عن يمينه» .
٣١٥٦ - قال الشيخ: معنى نهيه عن النذر: إنما هو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد
إيجابه ، ولو كان معناه الزجر عنه، حتى لا يفعل، لكان فى ذلك إبطال حكمه، وإسقاط
الوفاء به . إذ كان بالنهى عنه قد صار معصية . فلا يلزم الوفاء به .
وإنما وجه الحديث : أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم فى العاجل نفعاً ،
ولا يصرف عنهم ضراً ، ولا يرد شيئاً قضاه الله .
يقول: فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم ، أو تصرفون
عن أنفسكم شيئاً جرى القضاء به عليكم ، إذا فعلتم ذلك : فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذى
نذرتموه لازم لكم، هذا معنى الحديث ووجهه .
وقد أجمع المسلمون على لزوم النذر إذا لم يكن معصية ، ويؤكده قوله: (( إنه
يستخرج به من البخيل)) فثبت بذلك وجوب استخراجه منه، ولو كان غير لازم لم يجز أن
يكره عليه. والله أعلم.
وفى قوله ((إنه لا يرد شيئاً)) دليل على أن النذر إنما يصح إذا كان معلقاً بشىء، كما
تقول : إن شفى الله مريضى فلله علىَّ أن أتصدق بألف درهم، أو إن يقدم غائبى، أو يسلم
مالى، أو نحو ذلك من الأمور .

- ٣٧١ -
٣١٥٧ - وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا يأتى ابنَ آدم النذرُ
القدرَ بشىء، لم أكن قَدَّرته له ، ولكن يلقيه النذرُ ، القدرُ قَدَّرَتُهُ يستخرج من البخيل
یؤتَى من قبلُ (١) ))
فأما إذا قال : لله علىَّ أن أتصدق بألف درهم ، فليس هذا بنذر .
وإلى هذا ذهب الشافعي فى أحد قوليه . وهو غالب مذهبه .
وحكى أبو عمر عن أبى العباس أحمد بن يحيى قال : النذر وعد بشرط .
وقال أبو حنيفة : النذر لازم ، وإن لم يعلق بشرط .
(١) قال فى عون المعبود: وجد هذا الحديث فى بعض النسخ الصحيحة . وليس من رواية
اللؤلؤى، ولذا لم يذكره المنذرى. وانما هو من رواية أبى الحسن بن العبد. والعجب من
الحافظ المزى أنه لم يذكره أصلا . وقال الحافظ ابن حجر فى الفتح ، فى باب الوفاء بالنذر تحت
قوله في رواية شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة («لم أكن قدرته)) هذا من
الأحاديث القدسية . لكن سقط منه التصريح بنسبته إلى الله عز وجل . وقد أخرجه أبوداود
فى رواية ابن العبد عنه من رواية مالك. والنسائى وابن ماجة من رواية سفيان الثورى،
كلاهما عن أبى الزناد. وأخرجه مسلم من رواية عمرو بن أبى عمرو عن الأعرج. وعند
البخارى فى أواخر كتاب القدر من طريق همام عن أبى هريرة ، ولفظه (لم يكن قدرته)» وفى
رواية للنسائي ((لم أقدره عليه)) وفي رواية ابن ماجة ((الا ما قدر له، ولكن يغلبه النذر،
فأقدر له )) وفى رواية مالك (( بشىء لم يكن قدر له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قدرته )»
وفى رواية مسلم (( لم يكن الله قدره له)) وكذا وقع الاختلاف فى قوله ((فيستخرج الله به
من البخيل)) ففى رواية مالك ((فيستخرج به )) على البناء لما لم يسم فاعله . وكذا فى رواية
ابن ماجة والنسائى وعبدة ((ولكنه شىء يستخرج به من البخيل)) وفى رواية هام ((. ولكن
يلقيه النذر، وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل)» وفى رواية مسلم ((ولكن النذر
وافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج)) انتهى كلام الحافظ

- ٣٧٢ -
باب ما جاء فى النذر فى المعصية [٣: ٢٢٨ ]
٣١٥٨ - عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((مَنْ نَذَرَ أن يطيعَ الله فليطِعْه، ومن نذر أن يعصَى الله فلا يعصه)).
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٣١٥٩ - وعن الزهرى، عن أبى سَلَمة - وهو ابن عبد الرحمن - عنها ، أن النبى صلى الله
عليه وسلم قال ((لاَ نَذْرَ فى معصية، وكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين)»
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: هذا حديث لا يصح، لأن الزهرى لم
يسمع هذا الحديث من أبى سلمة . وقال غيره : لم يسمعه الزهرى من أبى سلمة ، إنما سمعه
من سليمان بن أرقم . وسليمان بن أرقم متروك .
٣١٥٨ - قال الشيخ : فى هذا بيان أن النذر فى المعصية غير لازم، وأن صاحبه منهى عن
الوفاء به ، وإذا كان كذلك لم تجب فيه کفارة ، ولو كان فيه کفارة لأشبه أن یجری
ذكرها فى الحديث، وأن يوجد بيانها مقروناً به، وهذا على مذهب مالك والشافعى .
وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى: إذا نذر فى معصية فكفارته كفارة يمين .
واحتجوا فى ذلك بحديث الزهرى . وقد رواه أبو داود فى هذا الباب . وهو :
٣١٥٩ - قال الشيخ: فلوصح هذا الحديث لكان القول به واجباً ، والمصير إليه لازماً
إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب ، وِمَ فيه سليمان بن أرقم ، فرواه
عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن عائشة ، حمله عن الزهرى وأرسله عن أبى سلمة ،
ولم يذكرفيه سليمان بن أرقم ، ولا يحيى بن أبي كثير.
وبيان ذلك : مارواه أبو داود حدثنا أحمد بن محمد المروزى حدثنا أيوب بن سليمان عن
أبي بكر بن أبى أو یس عن سلمان بن بلال عن أبى عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب
عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير أخبره عن أبى سلمة عن عائشة رضى الله عنها
قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .

- ٣٧٣ -
٣١٦٠ - وعن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سَلَمة، عنها عليها السلام قالت: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ((لاَ نَذْرَ فيِ مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَارَةُ يَمِينِ )»
وأخرجه الترمذى .
قال أبو داود : قال أحمد : وإنما الحديث حديث ابن المبارك عن يحيى بن أبى كثير
عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله عليه وسلم ، فوهم فيه
سليمان بن أرقم .
قلت : وقالوا: إن محمد بن الزبيرهو الحنظلى ، وأبوه مجهول لا يعرف . والحديث من
طريق الزهرى مقلوب، ومن هذا الطريق: فيه رجل مجهول، فالاحتجاج به ساقط . والله أعلم
٣١٦٠ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: هذا حديث لم يسمعه الزهرى من أبى سلمة.
وإنما سمعه من سلیمان بن أرقم عن یحی بن أبی کثیر عن أبى سلمة ، كذلك رواه محمد بن
أبى عتيق، وموسى بن عقبة عن الزهرى ، وسليمان بن أرقم متروك ، والحديث عند غيره : عن
يحي بن أبى كثير عن محمد بن الزبير الحنظلى عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبى صلى الله
عليه وسلم ، كذلك رواه على بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير ، وبمعناه رواه الأوزاعى عن
يحيى بن أبي كثير، إلا أن فى حديث الأوزاعى «لا نذر فى غضب، وكفارته كفارة يمين»
وكذلك رواه حماد بن زيد عن محمد بن الزبير ، ورواه ابن أبى عروبة عن محمد بن الزبير ،
وقال « لا نذر فی معصية الله » .
ورواه عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن الزبير عن أبيه أن رجلا حدثه (( أنه سأل
عمران بن حصين عن رجل حلف : أنه لا يصلي فى مسجد قومه . فقال عمران : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لانذر فى معصية الله، وكفارته كفارة يمين)).
وفى هذا دلالة على أن أباه لم يسمعه من عمران .
ورواه محمد بن اسحق عن محمد بن الزبير عن رجل صحبه عن عمران .
ورواه الثورى عن محمد بن الزبير عن الحسن عن عمران ، إلا أنه قال ((لانذر فى معصية
أو فى غضب » .
قال : فهذا حديث مختلف فى إسناده ومتنه ، كما ذكرنا . ولا تقوم الحجة بأمثال ذلك .
وقد روينا عن محمد بن اسماعيل البخارى أنه قال: محمد بن الزبير الحنظلي منكر الحديث .
وفيه نظر .

-- ٣٧٤ -
وفى إسناده ، سليمان بن أرقم . وقد تقدم الكلام عليه .
وقال الامام أحمد : ليس بشىء ، لا يروى عنه الحديث .
وقال ابن معين : ليس بشىء ، لا يساوى فَلْسا .
وقال البخارى: تركوه. وتكلم فيه أيضا عمرو بن على السعدى وأبو داود ، وأبو زرعة
والنسائى وابن حبان ، والدارقطنى .
قال البيهقى : وإنما الحديث فيه عن الحسن عن هياج بن عمران البرجمى (( أن غلاماً لابنه
أبق ، جعل لله عليه : لئن قدر عليه ليقطعن يده، فلما قدر عليه بمثنى إلى عمران بن حصين
فسألته؟ فقال : إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحث فى خطبته على الصدقة ، وينهى
عن المثلة . فقل لابنك : فليكفر عن يمينه ، وليتجاوز عن غلامه . قال: وبعثنى إلى سمرة ،
فقال مثل ذلك )» وهذا أصح ماروی فيه عن عمران .
واختلف فى اسم الذى رواه عن الحسن ، فقيل: هكذا. وقيل: حبان بن عمران
البرجمى .
والأمر بالتكفير فيه موقوف على عمران وسمرة .
والذى روى عن ابن عباس مرفوعا (( من نذر نذراً فى معصية الله فكفارته كفارة يمين
ومن ندر نذراً لم يطقه، فكفارته كفارة يمين)) لم يثبت رفعه - والله أعلم .
. قال الموجبون للكفارة فى نذر المعصية - وهم أحمد وإسحق والثورى وأبو حنيفة وأصحابه -:
هذه الآثار قد تعددت طرقها. ورواتها ثقات . وحديث عائشة احتج به الإمام أحمد وإسحق
ابن راهوية، وإن كان الزهرى لم يسمعه من أبي سلمة ، فإن له شواهد تقويه رواه عن النبى
صلى الله عليه وسلم سوى عائشة: جابر، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر، قاله الترمذى .
وفيه حديث ابن عباس رفعه ((من نذر نذراً فى معصية، فكفارته كفارة يمين)) رواه
أبو داود، ورواه ابن الجارود فى مسنده، ولفظه عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم
((النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء به، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه. وعليه
کفارة یمین »
وروى أبو إسحق الجوزجانى حديث عمران بن حصين فى كتابه المترجم ، وقال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((النذر نذران. فما كان من نذر فى طاعة الله فذلك له،
وفيه الوفاء ، وما كان من نذر فى معصية الله ، فلا وفاء فيه ، ويكفره ما يكفر اليمين )»
وروى الطحاوى بإسناد صحيح عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم (( من نذر أن

- ٣٧٥ -
وقال الخطابي : لو صح هذا الحديث لكان القول به واجبا ، والمصير إليه لازما ،
إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب ، وهم فيه سليمان بن أرقم ، ورواه
عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن عائشة ، فحمله عنه الزهرى وأرسله عن أبي سلمة ،
ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى بن أبي كثير. وساق الشاهد على ذلك ، وذكر
يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ، ويكفر عن يمينه)) وهو عند البخارى
إلا ذكر الكفارة .
قال الاشبيلى : وهذا أصح إسناداً ، وأحسن من حديث أبى داود - يعنى حديث الزهرى
عن أبى سلمة المتقدم .
وفى مصنف عبد الرزاق : عن يحيى بن أبى كثير عن رجل من بني حنيفة ، وعن
أبى سلمة كلاهما عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا (( لا نذر فى غضب، ولا فى معصية الله،
وكفارته كفارة يمين)).
قالوا : وقد روي مسلم فى صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال ((كفارة النذر كفارة اليمين)»
وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين .
أحدهما : أنه عام لم يخص منه نذر دون نذر .
الثانى : أنه شبه باليمين، ومعلوم: أنه لو حلف على المعصية وحنث، لزمه كفارة يمين ، بل
وجوب الكفارة فى نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية ، لما سنذكره .
قالوا: ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود ، وجابر بن عبد الله، وعمران بن
حصين ، وسمرة بن جندب ، ولا يحفظ عن صحابي خلافهم .
قالوا: وهب أن هذه الآثار لم تثبت، فالقياس يقتضى وجوب الكفارة فيه، لأن النذر
يمين، ولو حلف ليشرين الخمر، أو ليقتلن فلاناً ، وجبت عليه كفارة اليمين ، وإن كانت يمين
معصية ، فهكذا إذا نذر المعصية .
وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم تسمية النذر يميناً - لما قال لأخت عقبة لما نذرت
المشى إلى بيت الله فعجزت تكفر يمينها، وهو حديث صحيح. وسيأتى
وعن عقبة مرفوعاً وموقوفا ((النذر حلفة)).
وقال ابن عباس فى امرأة نذرت ذبح ابنها ((كفرى يمينك)).
فدل على أن النذر داخل فى مسمى اليين فى لغة من نزل القرآن بلغتهم .
وذلك أن حقيقته هى حقيقة اليمين ، فانه عقده لله ملتزماً له ، كما أن الحالف عقد يمينه بالله

- ٣٧٦ -
أيضا حديث عمران بن حصين فى هذا، وقال: فيه رجل مجهول ، والاحتجاج به ساقط
والله أعلم .
وذكر البيهقى حديث عمران بن حصين هذا « لا نذر فى معصية الله، وكفارته كفارة
يمين)) وقال: ولا تقوم الحجة بأمثال ذلك.
٣١٦١ - وعن عقبة بن عامر (( أنه سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرتْ أن
تحجَّ حافيةً ، غير مختمرة، فقال: مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْ كَبْ، وَلْتَهُمْ ثَلَاثَةَ أياِ)) .
٣١٦١٠ - قال الشيخ: أما أمره إياها بالاختمار: فلأن النذر لم ينعقد فيه ، لأن ذلك معصية
والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار .
ملتزماً لما حلف عليه بل ماعقد لله أبلغ وألزم مما عقد به، فإن ما عقد به من الأيمان لا يصير
باليمين واجباً، فاذا حلف على قربة مستحبة ليفعلنها لم تصر واجبة عليه ، وتجزئه الكفارة ؛ ولو
نذرها وجبت عليه ، ولم تجزئه الكفارة .
فدل على أن الالتزام بالنذر آكد من الالتزام باليمين ، فكيف يقال : إذا التزم معصية
بيمينه وجبت عليه الكفارة ، وإذا التزمها بنذره الذى هو أقوى من اليمين فلا كفارة فيها ؟
فلو لم يكن فى المسألة إلا هذا وحده لكان كافياً .
ومما يدل على أن النذر آكد من اليمين : أن الناذر إذا قال: لله على أن أفعل كذا، فقد
عقد نذره جزمه أيمانه بالله ، والتزامه تعظيمه ، کما عقدها الحالف بالله کذلك ، فهما من هذه
الوجوه سواء، والمعنى الذى يقصده الحالف ، ويقوم بقلبه : هو بعينه مقصود الناذر قائم بقلبه
ويزيد النذر عليه: أنه التزمه للّه؛ فهو ملتزم من وجهين: له، وبه. والحالف إنما التزم
ما حلف عليه به خاصة ، فالمعنى الذى فى اليمين داخل فى حقيقة النذر فقد تضمن النذر اليمين
وزيادة ، فإذا وجبت الكفارة فى يمين المعصية فهى أولى بأن تجب فى نذرها .
ولأجل هذه القوة والتأكيد : قال بعض الموجبين الكفارة فيه: إنه إذا نذر المعصية لم يبرأ.
بفعلها ، بل تجب عليه الكفارة عيناً، ولو فعلها لقوة النذر ، بخلاف ما إذا حلف عليها، فانه.
إنما تلزمه الكفارة إذا حنث ، لأن اليمين أخف من النذر .
وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد ، وتوجيهه ظاهر جداً ، فان النبى صلى الله عليه وسلم
نهاه عن الوفاء بالمعصية ، وعين عليه الكفارة عيناً ، فلا يخرج من عهدة الأمر إلا بأدائها .
وبالله التوفيق .

- ٣٧٧ -
وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجة ، وقال الترمذى: حسن صحيح ، هذ آخر كلامه
وفى إسناده : عبيد الله بن زَحْر ، وقد تكلم فيه غير واحد من الأيمة .
٣١٦٢ - وعن کُريب، عن ابن عباس، قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال : يارسول الله ، إن أختى نذرتْ ـ يعنى أن تحج ماشية - فقال النبى صلى الله عليه
وسلم : إن الله لا يصنعُ بشقاء أختك شيئًا، فَلْتَحُجَّ راكبةً، وتُكَفِّرْ يمينها))
٣١٦٣ - وعن عكرمة، عن ابن عباس ((أن أختَ عُقبة بن عامر نذرت أن تمشى إلى
البيت ، فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تركَب وَتُهْدِىَ هَدْياً ))
٣١٦٤ - وعنه ((أن النبى صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أختَ عقبة بن عامر نذرت أن
تحج ماشية، قال: إنَّ اللهَ لَغَنِىٌّ عَنْ نَذْرِهَا ، مُرْهَا فَلْتَرْ كَبْ))
وذكر أنه روى عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
٣١٦٥ - وعن أبى الخير ــ وهو مَرْتَد بن عبد الله الیزَنى - عن عقبة بن عامر الجهنی ، قال
(( نذرت أختى: أن تمشى إلى بيت الله ، فأمرتنى أن أستفتى لها رسول الله صلى الله عليه.
وأما نذرها المشى حافية: فالمشى قد يصح فيه النذر، وعلى صاحبه أن يمشى ماقدر عليه .
فإذا عجزركب وأهدى هديا .
وقد يحتمل أن تكون أخت عقبة كانت عاجزة عن المشي ، بل قد روى ذلك من
رواية ابن عباس رضى الله عنهما . وقد ذكره أبو داود . وهو :
٣١٦٤ - قال الشيخ: فأما قوله ((فلتصم ثلاثة أيام)) فإن الصيام بدل من الهدى، خيّرت فيه
كما خير قاتل الصيد: أن يفديه بمثله، إذا كان له مثل، وإن شاء قَوَّمه وأخرجه إلى
المساكين، وإن شاء صام بدل كل مُذٍّ من الطعام يوماً. وذلك قوله سبحانه وتعالى (٩٥:٥
أو عَدل ذلك صياماً ) والله أعلم ..
وقد اختلف الناس فيمن نذر المشى إلى بيت الله .
فقال الشافعى : يمشى إن أطاق المشى، فإن عجز أراق دماً وركب .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يركب ، ويريق دماً ، سواء أطاق أو لم يطق.
٥٠٠٠٠

- ٣٧٨ -
وسلم ، فاستغتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: لِتَمْ وَلْتَرْ كَبْ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
وأخت عقبة: هى أم حبان - بكسر الحاء المهملة، وبعدها باء بواحدة، وبعد الألف
نون - أسلمت وبايعت . أغفلها النمرى فى الاستيعاب واستدركت عليه.
٣١٦٦ - وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال ((بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطبُ إذا
هو برجلٍ قائم فى الشمس ، فسأل عنه؟ فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقومَ،
ولا يقعدَ ، ولا يستظلَّ، ولا يتكلّمَ، ويصومَ، قال: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظَلَّ،
وَلَيَقْعُدْ، ولْيُثِمَّ صَوْمَهُ )) .
وأخرجه البخارى وابن ماجة.
وذ کر البخاری : أنه روی عن عكرمة عن النبى صلى الله عليه وسلم - یعنی مرسلا .
٣١٦٦ - قال الشيخ: قد تضمن نذره نوعين: من طاعة ومعصية، فأمره النبى صلى الله عليه
وسلم بالوفاء بما كان منهما طاعة، وهو الصوم، وأن يترك ماليس بطاعة من القيام فى الشمس ،،
وترك الاستظلال بالظل .
وذلك لأن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه ، ولیس فی شیء منها قر بة إلى الله
سبحانه ، وقد وضعت عن هذه الأمة الآصار والأغلال التى كانت على من قبلهم .
فأما المشى إلى بيت الله فالنذر فيه لازم ، لأن ذلك من المقدور عليه، ولم يزل الناس
يحجون مشاة، كما يحجون ركباناً ، وقال سبحانه (٢٧:٢٢ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين
من كل فَجِّ عميق) .
فأما إذا تجاوز المشى والرحلة إلى أن يبلغ به الخفا والوجاء (١) وما أشبه ذلك: فإنه خروج
إلى المشقة التى تتعب الأبدان ، وربما أتلفتها ، فتخرج حينئذ عن أن تكون قر بة، وتنقلب
النذور فيها معصية فلا يلزم الوفاء . ولا يجب الكفارة فيها . والله أعلم.
(١) الحفا : رقة القدم والخف من طول المشى والجهد فيه. والوجا: هو شدة الحفا.

١
- ٣٧٩ --
وذكر بعضهم: ان اسم أبى اسرائيل - هذا - قَيْصر العامرى، وأن ليس فى الصحابة
من يشاركه فى اسمه ، ولا فى كنيته ، ولا له ذكر إلا فى هذا الحديث.
وقد ذكره أبو القاسم البغوى ، وسماه قُشيرا .
وأخرج هذا الحدیث ابن ماجة من حدیث عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس ، وقال
فيه (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ برجل بمكة ، وهو قائم فى الشمس - الحديث))
غير أن إسناده ليس بالقوى .
٣١٦٧ - وعن حميد الطويل، عن ثابت البُنانى، عن أنس بن مالك ((أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ◌ُهَادَى بين ابنيه، فسأل عنه؟ فقالوا: نذر أن يمشى، فقال:
إنَّ الله لَغَنِىٌّ عَنْ تَعْذِيبٍ هُذَا نَفْسَهُ، وأمره أن يركب)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى.
وأخرجه الترمذى والنسائى من حديث حميد الطويل عن أنس ، لم يذكر ثابتا
٣١٦٨ - وعن ابن عباس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ - وهو يطوف بالكعبة -
بإنسان يقوده بُخزامه فى أنفه، فقطعها النبى صلى الله عليه وسلم بيده ، وأمره أن يقوده
بیده(١) )).
من نذر أن يصلى فى بيت المقدس [٣: ٢٣٣]
٣١٦٩ - عن جابر بن عبد الله (( أن رجلا قام يوم الفتح، فقال: يارسول الله ، إنى نذرت
الله، إن فتح الله عليك مكة ، أن أصلى فى بيت المقدس ركعتين، قال: صَلِّ هُهُنَاً. ثم
أعاد عليه ، فقال: صل ههنا. ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذْن)).
٣١٧٠ - وعن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم - بهذا الخبر - زاد: فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((والذى بعث محمداً بالحق لو صليت:
ههنا لأجزأ عنك صلاة فى بيت المقدس ))
وذكر أنه روى عن عبد الرحمن بن عوف ، وعن رجال من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم .
(١) لم يذكره المنذرى، لانه ليس فى رواية اللؤلؤى. وقد أخرجه البخارى فى الحج والنذور. وأخرجه
النسائى . وقال الحافظ المزى : هو في رواية أبى الحسن بن العبد، ولم يذكره أبو القاسم.

- ٣٨٠ -
باب فى النذر فيما لا يملك [ ٣: ٢٣٧ ]
٣١٧١ - عن عمران بن حصين، قال (( كانت الْعَضْبَاء لرجل من بنى عَقيل ، وكانت من
سوابق الحاجّ ، قال: فَاسِرَ ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو فى وثاق، والنبى صلى الله
عليه وسلم على حمار له، عليه قطيفة، فقال: يا محمد، عَلَاَمَ تأخذنى، وتأخذُ سابقة الحاج ؟
٣١٧١ - قال الشيخ: قوله ((أخذت بجريرة حلفائك ثقيف)) اختلفوا فى تأويله.
فقال بعضهم: هذا يدل على أنهم كانوا عاقدوا بنى عقيل: أن لا يعرضوا للمسلمين ،
ولا أحد من حلفائهم . فنقض حلفاؤهم العهد، ولم ينكره بنوعقيل ، فأخذوا بجريرتهم.
وقال آخرون : هذا رجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله ، فإذا جاز
أن يؤخذ بجريرة نفسه ، وهى كافرة ، جاز أن يؤخذ بجريرة غيره ممن كان على مثل حاله
من حليف وغيره .
ويحكى معنى هذا عن الشافعى .
وفيه وجه ثالث : وهو أن يكون فى الكلام إضمار يريد أنك إنما أخذت ليدفع بك
جريرة حلفائك ثقيف، فيغدى بك الأسرى الذين أسرهم ثقيف، ألا تراه يقول ((ففودى
الرجل بعد بالرجلين )).
وقوله ((إنى مسلم ثم لم يخلِّه النبى صلى الله عليه وسلم مع ذلك لكنه رده إلى دار الكفر)).
فإنه يتأول على أنه قد كان أطلعه الله سبحانه على كذبه ، وأعلمه أنه تكلم به على
التَّقِّيَّةَ دون الإخلاص، ألا تراه يقول ((هذه حاجتك)) حين قال (( إنى جائع ، فأطعمنى ،
وظمآن ، فاسقنى)) وليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قال الكافر:
إنى مسلم، قبل منه إسلامه، ووُكِلت سريرته إلى ربه، وقد انقطع الوحى ، واند علم
باب الغيب .
وقوله (( لو كنت قلت ذلك وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)) يريد أنك
لو تكلمت بكلمة الإسلام طائعاً راغباً فيه قبل الإسار أفلحت فى الدنيا بالخلاص من
الرق ، وأفلحت فى الآخرة بالنجاة من النار .
: