النص المفهرس
صفحات 341-360
- ٣٣٩ - وأخرجه مسلم والنسائي . وقال أبو داود : رودس جزيرة فى البحر. هذا آخر كلامه. والمشهور: أنها بضم الراء المهملة، وسكون الواو، وبعدها دال مهملة مكسورة وسين مهملة . وقد اختلف فى تقييدها اختلافا كثيرا . وقد قيل : إنها أرض قريبة من الأسكندرية ٣٠٩٠ - وعن القاسم - وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق - قال ((دخلت على عائشة، فقلت: يا أُمَّة ، ا كشفى لى عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فكثفتْ لى عن ثلاثة قبور، لا مُشْرِفة ، ولا لاطِئة، مَبْطوحة بِبَطْخاء العَرْصة الحمراء - قال أبو على: يقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم مُقَدَّم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رِجْلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . النبى صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضى الله عنه عمر رضى الله عنه باب الاستغفار عند القبر للميت [٣: ٢٠٩] ٣٠٩١ - عن عثمان - وهو ابن عفان - قال: (( كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيَكُمْ، وَسَلوا لَهُ التثبيت، فإنه الآنَ يُسْأل)). باب كراهية الذبيح عند القبر [٣: ٢٠٩] ٣٠٩٢ - عن أنس - وهو ابن مالك - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَ عَقْرَ فِى الإِسْلَامِ)) قال عبد الرازق ((كانوا يعقرون عند القبر بقرة، أو شاة)). ٣٠٩٢ - قلت: كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد، يقولون : تجار يه على فعله، لأنه كان يعقرها فى حياته، فيطعمها الأضياف. فنحن نعقرها عند مبر لما كلها السِّاع والطير. فَيكون مُطعِعاً بعد مماته، كما كان مطعماً فى حياته . قال الشاعر: بأبیضَ عَضْب ، أخلصته صياقله عقرتُ على قبر النجاشِيِّ ناقتی - ٣٤٠ - باب الميت يصلى على قبره بعد حين [ ٣: ٢٠٩] ٣٠٩٣ - عن عقبة بن عامر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت . ثم انصرف)). ٣٠٩٤ - وفى رواية «أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد، بعد ثمان سنين، كالمودع الأحياء والأموات)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . باب البناء على القبر [ ٣: ٢٠٩] ٣٠٩٥ - عن أبى الزبير عن جابر - وهو ابن عبد الله الأنصارى - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ((نهى أن يُفْعَد على القبر، وأن يُقْصَّص ويُبْنَى عليه)). على قبر مَنْ لو أننى مِتُّ قبله لهانت عليه عند قبرى رواحله ومنهم من كان يذهب فى ذلك إلى أنه إذا عُقُرت راحلته عند قبره: حُشِرٍ فى القيامة راكباً . ومن لم يعقر عنه حشر راجلاً ، وكان هذا على مذهب من يرى البعث منهم بعد الموت . ٣٠٩٥ - قلت : نهيه عن القعود على القبر يتأول على وجهين : أحدهما : أن يكون ذلك فى القعود عليه للحدث . ٣٠٩٣ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وتبويب أبى داود، وذكره هذا الحديث : يدل على أن ذلك لا يتقيد عنده بوقت : لا شهر، ولا غيره، وقد روى سعيد بن المسيب (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد بعد موتها بشهر)) وهذا مرسل صحيح. و« صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين)) و (( صلى على غير واحد فى القبر لدون الشهر)) ولم يأت فى التحديد نص . وصلاته على أم سعد بعد شهر لا ينفى الصلاة بعد أزيد منه، وكون الميت فى الغالب لا يبقى أكثر من شهر لا معنى له. فان هذا يختلف باختلاف الأرض، والعظام تبقى مدة طويلة ، ولا تأثير لتمزق اللحوم . - ٣٤١ - وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه . وليس فى صحيح مسلم ذكر الزيادة والكتابة . وفى حديث الترمذى: ((وأن يكتب عليها)) وقال: حسن صحيح . وفى حديث النسائى ((أو يزاد عليه)). ٣٠٩٦ - وعن سليمان بن موسى - وهو الأشدق - عن جابر: بهذا الحديث، وفيه ( أو يزاد عليه ، أو يكتب عليه)). وأخرجه النسائى. وأخرجه ابن ماجة مختصراً قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب على القبرشىء)). وسليمان بن موسى : لم يسمع من جابر بن عبد الله. فهو منقطع . ٣٠٩٧ - وعن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((قَاتَلَ اللهُ الْيُودَ أَخَذُوا قبُوراً نْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ )). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . والوجه الآخر : كراهة أن يطأ القبر بشىء من بدنه . وقد روى (( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد اتَّكَاً على قبر، فقال: لا تؤذٍ صاحب القبر)). والتقصيص : التخصيص ، والقصة: شىء شبيه بالخصِّ . ٣٠٩٧ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: وفى صحيح أبى حاتم بن حبان من حديث عاصم عن أبى وائل عن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، ومن يتخذون القبور مساجد )) وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن يموت بخمس، وهو يقول ((إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل. فان الله عز وجل قد اتخذنى خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً خليلاً لا تخذت أبا بكر خليلا . وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إنى أنها كم عن ذلك )) وفى الصحيحين عن عائشة ((أن أم حبيبة، وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها - ٣٤٢ - باب كراهية القعود على القبر [٣: ٢١٠] ٣٠٩٨ - عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُ كُمْ عَلَى ◌َجْرةٍ ، فَتَحْرِقَ ثيابه، حتى تَخْلُصَ إِلَى جِدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَِ على قبر» . وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة ٣٠٩٩ - وعن أبى مَرْتَد الغَنَوِىِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ ، وَلاَ تُصَلُّوا إلَيْهَا )). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى تصاوير، لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) وزاد البخارى ((إن هذه الكنيسة ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فى مرضه الذى مات فيه )» وفى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى مرضه الذى لم يقم منه ( لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت : ولولا ذلك لأبرز قبره ، غير أنه خشى أن يتخذ مسجداً )) وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وفى الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا (( لما نزل (١) برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فاذا اغتم كشفها عن وجهه ، فقال - وهو كذلك - لعنة الله على اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر مثل ماصنعوا » وفى صحيح أبى حاتم ابن حبان عن أبى صالح عن ابن عباس قال (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج)) قال أبو حاتم : أبو صالح هذا اسمه مهران ثقة، وليس بصاحب الكلى ، ذاك اسمه: بإذام ، وقال عبد الحق الإشبيلى : هو بإذام صاحب الكلى ، وهو عندهم ضعيف جداً . وكان شيخنا أبو الحجاج المزى يرجح هذا أيضاً . (١) مبنى للمفعول. أى نزل به من شأن الموت. - ٣٤٣ - باب المشى فى الحذاء بين القبور [ ٣: ٢١٠ ] ٣١٠٠ - عن بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان اسمه فى الجاهلية: زَحْم بن مَعْبد، فها جر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما اسمك؟ فقال : زحم ، قال : بلْ أنت بشير - قال: بينما أنا أُمَاشى رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بقبورٍ المشركين ، فقال: لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلاءِ خَيْرًا كثيرا - ثلاثا - ثم مَرَّ بقبور المسلمين، فقال: لَقَدْ أدْرَكَ حَؤُلاء خَيراً كَثِيراً . وحانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرةٌ ، فإذا رجلٌ يمشى فى القبور عليه علان . فقال: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، وَنِحَكَ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ، فنظر الرجل فلما عرف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خلعهما ، فرى بهما )) وأخرجه النسائى وابن ماجة . وبشير - هذا - هو ابن الخَصاصيَّةَ، وهى أمه ٣١٠١ - وعن أنس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إنَّ العَبْدَ إذَا وُضِعَ فىِ قَبْرِهِ ، ٣١٠١،٣١٠٠ - قال الأصمعى السّبتية من النعال: ما كان مدبوغا بالقَرظ . قلت : وخبر أنس يدل على جواز لبس الفعل لزائر القبور، وللماشى بحضرتها و بين ظهرانيها . فأما خبر السبتيتين: فيشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيهما من الخيلاء. وذلك أن نعال السبت : من لباس أهل الترَّفَّه والتنعم. قال الشاعر يمدح رجلا : يُحذَى نعال السبت، ليس بِقَوْأم - ٣١٠١،٣١٠٠ -قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف الناس فى هذين الحديثين، فضعفت طائفة حديث بشير . قال البيهقى : رواه جماعة عن الأسود بن شيبان ، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد ، وقد ثبت عن أنس عن النبى صلى الله عليه وسلم - فذكر هذا الحديث - وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: حديث بشير: إسناده جيد، أذهب إليه ، إلا من علة قال المجوزون: يحتمل أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم رأى بنعليه قذراً، فأمره أن - ٣٤٤ - وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ: إِنَّه لَيَسْمَع قَرْعَ نِعَالِهِمْ ، وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . وقال النابغة : يحيُّون بالرَّيحان يومِ السَّباسب رقاق النعال ، طیب حجزاتهم يخلعهما، ويحتمل أن يكون كره له المشى فيهما ؛ لما فيه من الخيلاء ، فإن النعال السبتية من زى أهل التنعم والرفاهية ، كما قال عنترة : يظل كأن ثيابه فى سرجه يحذى نعال السبت ليس بتوأم وهذا ليس بشىء ، ولا ذكر فى الحديث شىء من ذلك . ومن تدبر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبر، والاتكاء عليه، والوطء عليه. علم أن النهى إنما كان احتراماً لسكانها أن يوطأ بالنعال فوق رءوسهم ، ولهذا ينهى عن التغوط بين القبور، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم « أن الجلوس على الجمر حتى تحرق الثياب خير من الجلوس على القبر)) ومعلوم : أن هذا أخف من المشى بين القبور بالنعال . وبالجملة: فاحترام الميت فى قبره بمنزلة احترامه فى داره التى كان يسكنها فى الدنيا ، فان القبر قد صار داره . وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم «كسر عظم الميت ككسره حياً» فدل على أن احترامه فى قبره كاحترامه فى داره ، والقبور هى ديار الموتى ومنازلهم ، ومحل تزاورهم ، وعليها تنزل الرحمة من ربهم ، والفضل على محسنهم فهى منازل المرحومين ، ومهبط الرحمة ، ويلقى بعضهم بعضاً على أفنية قبورهم ، یتجالسون ویتزاورون ، كما تضافرت به الآنار . ومن تأمل كتاب القبور لابن أبى الدنيا رأى فيه آثاراً كثيرة فى ذلك . فكيف يستبعد أن يكون من محاسن الشريعة : إكرام هذه المنازل عن وطئها بالنعال واحترامها؟ بل هذا من تمام محاسنها، وشاهده ماذكرناه من وطئها ، والجلوس عليها . والاتكاء عليها (١). (١) ولكن يعارض هذا أشد المعارضة: ما إذا درست القبور، وتبدلت إلى ديار للأحياء. كشأن كثير جداً من مقابر البلاد الاسلامية، التى صارت مدناً ودوراً. ولم يرد نهى من الله ورسوله عن ذلك، بل نبش النبى صلى الله عليه وسلم المقابر وسواها، واتخذ مسجده مكانها، وليس كتاب ابن أبى الدنيا ولا آثاره مما يعتمد عليه في مثل ذلك. على أنها آثار، وليس فيها عن اللّه ولا عن رسوله - ٣٤٦ - باب الميت يحوّل من موضعه للأمر يحدث [٢: ٢١١] ٢ ٣١ - عن جابر - وهو ابن عبد الله - قال («دُفن مع أبي رجلٌ، فكان فى نفسى من ذاك حاجةٌ، فأخرجته بعد ستة أشهر، فما أنكرتُ منه شيئاً إلا شُعيراتٍ كنَّ فى لحيته مما يلى الأرضَ )) باب فى الثناء على الميت [٣: ٢١١] ٣١٠٣ - عن عامر بن سعد - وهو البجلى الكوفى - عن أبى هريرة، قال « مَرُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة ، فأثْنَوا عليها خيراً ، فقال: وَجَبَتْ ، ثم مروا بأخرى فأثنوا شراً، فقال: وَجَبَتْ ، ثم قال: إنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَ شهيد)» وأخرجه النسائي . وقد أخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة من حديث ثابت البُنانى عن أنس . باب فى زيارة القبور [٣: ٢١٢ ] ٣١٠٤ - عن أبى هريرة، قال «أَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبر أمِّه، فبكى وأبكى مَنْ حوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسْتَأذنْتُ رَبِّى أنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا . فَلَمْ يُؤْذَنْ لى، واستأذنته أنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فأذِينَ لَى، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فإنَّهَا تُذَ كِّرُ المَوْتَ)) وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة . ٣١٠٥ - وعن ابن بريدة - وهو عبد الله - عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( شَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُور فَزُورُوهَا. فإنَّ فى زِيَارَتِهَا تَذْ كِرَةً )) وأخرجه مسلم والنسائى بنحوه - ٣٤٥ -- يقول: هم أعفَّاء الفروج، لا يَحُلُّون أُزُرهم لريبة، والسباسب: عيد كان لهم فى الجاهلية . فأحب صلى الله عليه وسلم أن يكون دخوله المقابر على زِيِّ التواضع ولباس أهل الخشوع . وأما تضعيف حديث بشير: فمما لم نعلم أحداً طعن فيه بل قد قال الإمام أحمد : إسناده جيد وقال عبد الرحمن بن مهدى : كان عبد الله بن عثمان يقول فيه : حديث جيد ورجل ثقة . وأما معارضته بقوله صلى الله عليه وسلم («إنه ليسمع قرع نعالهم)) فمعارضة فاسدة ، فان هذا إخبار من النبى صلى الله عليه وسلم بالواقع ، وهو سماع الميت قرع نعال الحى ، وهذا لايدل على الإذن فى قرع القبور والمشى بينها بالنعال ، إذ الإخبار عن وقوع الشىء لا يدل على جوازه. ولا تحريمه، ولا حكمه. فكيف يعارض النهى الصريح به ؟ قال الخطابي: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( نهى أن توطأ القبور)) وقد روى ابن ماجة فى سننه عن أبى الخير عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لأن أمشى على جمرة أو سيف ، أو أخصف نعلى برجلى؛ أحب إلى من أن أمشى على قبر مسلم وما أبالى أوسط القبر ــ كذا قال - فضلت حاجتق ، أو وسط الطريق )) وعلى هذا : فلا فرق بين النعل والجمجم والمداس والزربول . وقال القاضى أبو يعلى: ذلك مختص بالنعال السبتية لايتعداها إلى غيرها، قال: لأن الحكم تعبدی غیر معلل ، فلا یتعدی مورد النص (١) . وفيما تقدم كفاية فى رد هذا ، وبالله التوفيق . ما تقوم به الحجة فى أحوال الموتى التى هى من علم الغيب ، ولا يعدو أن يكون كتاب القبور مثل كتاب الروح لابن القيم الذي لا ينبغى أن يعتمد على ما فيه من الرؤى والمنامات وأشباحها من النقول عن غير الله ورسوله ، وأحاديث النهى عن وطء القبور والجلوس عليها، والمشى بينها بالنعال السبتية : إنما هو من أجل الأحياء ، لأن ذلك يسقط من القلوب هيبة القبور التي ينتفع بها الأحياء فى الموعظة ، وتذكر الموت. والدار الآخرة ، وهى من أشد ما يحتاجه الأحياء ، لترقق من قسوة قلوبهم ، وتلين من تحجرها ، وتقتلع جذور فساد التثبت بالدنيا ، وطول الأمل فيها، حتى تنسى الآخرة وحسابها ، فيجرؤ الناس على كل سوء وفساد فى الدنيا والدين ، والله الموفق . (١) وهذا هو الصواب، فان في لبس النعال السبتية من الزهو والخيلاء ماليس فى غيرها من بقية ما ذكر الشيخ ابن القيم رحمهما الله وقول أبى يعلى ((إن الحكم تعبدى غير معلل)) لا يسلم له، فان العلة فى ذلك واضحة، وإن لم يذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم، كما لم يذكر علل أكثر الأحكام ، وهى واضحة لمن آتاه الله الخير، وفقهه فى الدين ، والله أعلم. - ٣٤٧ - باب فى زيارة النساء القبور [٣: ٢١٢] ٣١٠٦ - عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال (( لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زائراتِ القبورِ والمتخذين عليها المساجدَ والسُّرُج)) ٣١٠٦٠ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد تقدم أن أبا حاتم خالفه فى ذلك . وقال: أبو صالح - هذا - هو مهران ثقة. وليس بصاحب الكلى، ذاك اسمه بإذام. وقد أخرج الترمذى من حديث عمر بن أبى سلمة عن أبيه عن أبى هريرة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارت القبور)) وقال : هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه ، وفى الباب عن عائشة، وحسان، وحديث حسان بن ثابت قد أخرجه الإمام أحمد فى مسنده . وروى ابن حبان في صحيحه من حديث ربيعة بن سيف المعافرى عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو قال ((قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفنا معه ، فلما حاذینا به، وتوسط الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دفت إذا هى فاطمة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أخرجك يا فاطمة من بيتك ؟ قالت : يا رسول الله رحمت على أهل هذا الميت ميتهم . فقال لها رسول الله صلي الله عليه وسلم: فلعلك بلغت معهم الكدى (١)؟ قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ماتذكر. قال: لو بلغت معهم الكدى مارأيت الجنة حتى يراها جد أبيك. فسألت ربيعة عن الكدى ؟ فقال : القبور (٢))). قال أبو حاتم: يريد الجنة العالية التى يدخلها من لم يرتكب نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم . لأن فاطمة علمت النهى فيه قبل ذلك، والجنة هى جنان كثيرة ، لا جنة واحدة ، والمشرك لا يدخل الجنة أصلاً ، لاعالية ولا سافلة، ولا ما بينهما (٣). وقد طعن غيره فى هذا الحديث ، وقالوا : هو غير صحيح ، لأن ربيعة بن سيف - هذا - ضعيف الحديث ، عنده مناكير. (١) الكدى : بضم الكاف وفتح الدالْ المهملة مقصوراً - المقابر. (٢) ورواه الإمام أحمد والحاكم وغيرهما، قاله الحافظ ابن حجر فى الفتح . (٣) من أين هذا، والنبى صلى الله عليه وسلم قال ((الجنة)) اسم جنس، ولم يقل عالية ولا غيرها ثم تعبيره عن درجات الجنة بالسافلة : غير لائق، فالجنة كلها عالية، ليس فيها سافلة، وإنما السافلة: النار ودركاتها ، نعوذ بالله منها . - ٣٥٠ - تكلم فيه جماعة من الأيمة . وقال ابن عدى : ولم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه . وقد نقل عن يحيى بن سعيد القطان وغيره تحسين أمره ، فلعله يريد : رضيه حجة ، أو قال : هو ثقة مكة للحج ، فمرت على قبر أخيها فى طريقها فوقفت عليه، وهذا لا بأس به ، إنما الكلام فى قصدهن الخروج لزيارة القبور . ولو قدر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته، فهى قد قالت (( لو شهدتك لما زرتك)) وهذا يدل على أنه من المستقر المعلوم عندها : أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور ، وإلا لم يكن فى قولها ذلك معنى . وأما رواية البيهقى ، وقولها (( نهى عنها ثم أمر بزيارتها)) فهى من رواية بسطام بن مسلم ولو صح فهى تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء ، والحجة فى قول المعصوم ، لافى تأويل الراوى ، وتأويله إنما يكون مقبولا، حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه ، وهذا قد عارضه أحاديث المنع . قالوا : وأما حديث أنس : فهو حجة لنا ، فإنه لم يقرها ، بل أمرها بتقوى الله التى هى فعل ما أمر به ، وترك ما نهى عنه، ومن جملتها: النهى عن الزيارة ، وقال لها ((اصبرى) ومعلوم أن مجيئها إلى القبر، وبكاءها مناف للصبر ، فلما أبت أن تقبل منه ، ولم تعرفه انصرف عنها ، فلما علمت أنه صلى الله عليه وسلم هو الآمر لهه جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره. فأى دليل فى هذا على جواز زيارة النساء ؟ . وبعد، فلا يعلم أن هذه القضية كانت بعد لعنه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ، ونحن تقول : إما أن تكون دالة على الجواز ، فلا دلالة على تأخرها عن أحاديث المنع أو تكون دالة على المنع ، بأمرها بتقوى الله، فلا دلالة فيها على الجواز ، فعلى التقديرين : لا تعارض أحاديث المنع ، ولا يمكن دعوى نسخها بها، والله أعلم . وأما قول أم عطية (( نهينا عن اتباع الجنائز)) فهو حجة للمنع . وقولها (ولم يعزم علينا)» إنما نفت فيه وصف النهى، وهو النهى المؤكد بالعزيمة . وليس ذلك شرطاً فى اقتضاء التحريم ، بل مجرد النهى كاف ، ولما نهاهن انتهين، لطواعيتهن لله ولرسوله ، فاستغنين عن العزيمة عليهن، وأم عطية لم تشهد العزيمة فى ذلك النهى . وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة ، فهى مثبتة للعزيمة ، فيجب تقديمها، وبالله التوفيق. ٠ -- ٣٥١ _ باب ما يقول إذا أتى المقابر، أو مر بها [٣: ٢١٢] ٣١٠٧ - عن أبى هريرة (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة. فقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْرٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ)) وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة ٣١٠٧ - قلت: فيه من العلم : أن السلام على الموتي كهو على الأحياء فى تقديم الدعاء على الاسم. ولا يقدم الاسم على الدعاء، كما تفعله العامة ، وكذلك هو فى كل دعاء الخبر. كقوله تعالى (٧٣:١١ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) وكقوله عز وجل (٣٦: ١٣٠ سلام على إل ياسين) وقال فى خلاف ذلك (٣٨: ٧٨ وإن عليك لعنتى إلى يوم الدين) فقدم الاسم على الدعاء. وفيه : أنه سمى المقابر داراً ، فدل على أن اسم الدار قد يقع من جهة اللغة على الرَّبع العامر المسكون وعلى الخراب غير المأهول ، كقول الشاعر : .. يا دار مَيَّةً بالعلياء فالسند أَفْوَتْ وطال عليها سالف الأَمَد ثم قال : وأما قوله: (( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) فقد قيل: إن ذلك ليس على معنى الاستثناء الذى يدخل الكلام لشك وارتياب، ولكنه عادة المتكلم يُحَسّن بذلك كلامه ويزينه، كما يقول الرجل لصاحبه: إنك إن أحسنت إلىّ شكرتك إن شاء الله . وإن ائتمنتنى لم أخُنْك إن شاء الله ، فى نحو ذلك من الكلام ، وهو لا يريد به الشك فی كلامه . وقد قيل : إنه دخل المقبرة ومعه قوم مؤمنون متحققون بالإيمان. والآخرون يُظنُّ بهم النفاق . فكان استثناؤه منصرفاً إليهم دون المؤمنين. فمعناه : اللحوق بهم فى الإيمان وقيل : إن الاستثناء إنما وقع فى استصحاب الإيمان إلى الموت ، لا فى نفس الموت . - ٣٥٢ - باب فى المحرم يموت: كيف يصنع به؟ [٣: ٢١٣] ٣١٠٨ - عن ابن عباس، قال ((أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم برجل وَقَصَتْهُ راحلته ، فمات وهو محرم . فقال: كَفِّنُوهُ فىِ ثَوْبَيْهِ، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإِنّ اللهَ يَبْعَتُهُ يَوْمَ الْقَيَامَةِ يُلِى )) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٣١٠٩ - وفى رواية « فی ثو بین ) ٣١١٠ - وفى رواية ((ولا تُحَنِّطُّوه)) قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: فى هذا الحديث خمس سنن ((كفنوه فى ثوبيه)) أى: يكفن الميت فى ثوبين ((واغسلوه بماء وسدر)) أى: فى الغسلات كلها سِدراً، (( ولا تخمروا رأسه، ولا تقر بوه طيباً)) وكان الكفن من جميع المال(٥). (*) قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وفتح الإمام أحمد لمن بعده خمس سنين أخرى . إحداها : أن المحرم لا يمنع من الغسل بالسدر . الثانية : أن الإحرام لا ينقطع بالموت ، خلافا لمن قال: يبطل إحرامه ، فاستغنى الإمام أحمد عن ذكرها بقوله (( ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيباً)) فان هذا يدل علي أمرين. أحدهما: منع المحرم من ذلك. والثانى : أن المحرم الميت يجنب ما يجنبه المحرم الحى. الثالثة : أن المحرم ممنوع من تغطية وجهه ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد . الرابعة : أن الماء المتغير بالطاهرات لا تزول طهوريته ، لأنه أمر بغسله بماء وسدر ، ولم يخص غسلة من غسلة . الخامسة : أنه كما يدل على أن الكفن من جميع المال ؛ لا من الثلث لعدم استفصاله ، فهو دال علي أنه مقدم على الدين أيضاً ، لعدم الاستفصال ، وهذا كما يقدم ما يستره فى حيانه على حق الغرماء ، كذلك ما يستره فى مماته ، والله أعلم . - ٣٥٣ - ٣١١١- وعنه قال (( وَقَصَتْ برجُلِ مُحْرِم ناقته، فقتلته، فاتی فیه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اغْسِلُوهَ، وَكَفِّئُوهُ، وَلاَ تُغَطُوا رَأْسَهُ، وَلاَ تُقْرِّبُوهَ طِيباً، فَإِنَّهُ ٠٠ يُبْعَبُ يُهِلْ)) وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ((آخر كتاب الجنائز)» ٣١١١- قوله ((وقصت به ناقته)) يريد: أنها صرعته، فدقَّت عنقه . وأصل الوقص : الدقُّ أو الكسر. وفيه من الفقه: أن إحرام الرجل فى رأسه، وأن المحرم إذا مات سُنُّ به سنة الأحياء فى اجتناب الطيب . ١ ٠٠٠ ٠١١. - ٣٥٤ - أول كتاب الأيمان والنذور باب التغليظ فى اليمين الفاجرة [٣: ٢١٣] ٣١١٢ - عن عبد الله ـ وهو ابن مسعود - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ هُوَ فِيهَا فَاجِرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ أَمْرِىءٍ مَسْلٍ لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، فقال الأشعث : فى والله كان ذلك ، كان بينى و بين رجل من اليهود أرض ، فيحَدنى، فقَّدمته إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال لى النبى صلى الله عليه وسلم: ألَكَ بَيِّنَةَ؟ قلت : لا ، قال لليهودى : احلف. قلت: يارسول الله، إذاً يحلفُ، ويذهبُ بمالى فأنزل الله تعالى (٣: ٧٧ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا - إلى آخر الآية))» وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة ٣١١٢ - قال الشيخ : فى هذا الحديث دليل على أن ما يجرى بين المتخاصمين من كلام تشاجُرٍ وتنازع ، وإن خرج بهما الأمر فى ذلك إلى أن ينسب كل واحد منهما صاحبه فيما يدعيه قبله إلى خيانة وفجور ، واستحلال فى نحو ذلك من الأمور، فإنه لا حكومة بينهما فى ذلك . وفيه دليل على أن الصالح المظنون به الصدق، والطالح الموهوم منه الكذب : فى الحكم سواء، وأنه لا يحكم لهما ولا عليهما إلا بالبينة العادلة . وفى قوله ((فانطلق ليحلف له)) وقوله ((فلما أدبر)) دليل على أن اليمين إنما كانت فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المنبر، ولولا ذلك لم يكن لا نطلاقه فى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم و إدباره عنه معنى . ويشهد لذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من حلف عند منبرى، ولو على سواك أخضر، تبوأ مقعده من النار )) وفى قول الكندى ((هى أرضى وفى يدى أزرعها)) دليل على أن اليد تثبت على الأرض بالزراعة، وعلى الدار بالسكنى، وبعقد الاجارة عليهما، وبما أشبههما من وجوه التصرف والتدبير. - ٣٥٥ - ٣١١٣ - وعن كُرْدُوسٌ، عن الأشعث بن قيس ((أَنَّ رجلا منْ كِنْدَةَ ورجلاً من حضرموت اختصما إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى أرضٍ من اليمن ، فقال الحضرمى : يا رسول الله، إن أرضى اغتصبنيها | أبو هذا وهى فى يده، قال: هَلْ لَكَ بِينةِ؟ قال: لا ، ولكن أُحَلَّهُ والله ما يعلم أنها أرضى اغتصبنيها (١)] أبوه، فَتَهَيَّ الكندى لليمين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَ يَقْتَطِعِ أحَدٌ مَالاً بِيَعِينٍ إلّ لَقِىَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ . فقال الكندى : هی أرضه )» وهذا قد ذكر فى أثناء حديث عبد الله بن مسعود المتقدم . ٣١١٤ - وعن علقمة بن وائل بن حُجْر الخضْرمى عن أبيه، قال ((جاءرجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الحضرى: يارسول الله، إنّ هذا غلبنى على أرض کانت لأبى ، فقال الکندی : می أرضی فی یدی ، أزرعها ، ليس له فيها حق ، قال : فقال النبى صلى الله عليه وسلم للحضرمى: ألك بينة؟ قال : لا ، قال : فلك يمينه . قال: يارسول الله ، إنه فاجر، لا يبالى ما حلفَ، ليس يَتَوَرَّع من شىء ، قال: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلاَّ ذَاكَ . فانطلق ليحلف له ، فلما أدْبَرَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَمَا كَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ لَيَأْ كُلَهُ ظلما لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ)). وأخرجه مسلم والترمذي والنسائى . ٣١١٥ - وعن عمران بن خُصين، قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم (( مَنْ حَلَفَ عَلَى ◌َيْنِ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ بِوَجْهِهِ مِفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) ٣١١٥ - قال الشيخ ((اليمين المصبورة)) هى اللازمة لصاحبها من جهة الحكم، فيُصْبَرَ من أجلها، أى يحبس ، وهى يمين الصبر، وأصل الصبر: الحبس ، ومن هذا قولهم : قتل فلان صبراً، أى حبساً على القتل وقهراً عليه. وقال هدبة بن خَشْرَم - وكان قتل رجلاً، فطلب أولياء القتيل القصاص، وقدموه إلى معاوية رضى الله عنه - فسأله عما ادُّعِى عليه ، فأنشأ يقول : (١) زيادة من السنن - ٣٥٦ - باب فى تعظيم اليمين على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم [٣: ٢١٦] ٣١١٦ - عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لاَ يَحْلِفُ أحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَينِ آْمَةٍ ، وَلَوْ عَلَى سِوَاكِ أَخْضَرَ، إلاَّ تَبَوَّأَ مَفْعَدَهُ مِنْ النّارِ - أو - وَجَبَتْ لُهُ النّارُ)) وأخرجه النسائى وابن ماجة . باب الحلف بالأنداد [ ٣: ٢١٦] ٣١١٧ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ فيِ مَنِيَّة نفس فى كتاب وفى قدر رُمينا فرامينا ، فصادف رمينا وراءك من مَعْدَّى، ولاعنك من قصر وأنت أمير المؤمنين ، فمالنا ذراعاً ، وإن صبراً فتصبر للدهر فإن يك فى أموالنا لم نضِقْ بها يريد بالصبر : القصاص. وقيل لليمين : مصبورة ، وإن كان صاحبها فى الحقيقة هو المصبور . لأنه إنما صُبر من أجلها . فأضيف الصبر إلى اليمين مجازاً واتساعاً . ٣١١٧ - قال الشيخ: فيه دليل على أن الحالف باللات لا يلزمه كفارة اليمين . وإنما يلزمه الإنابة والاستغفار(١)، وفى معناها: إذا قال: أنا يهودى، أو نصرانى، أو برىء من الاسلام إن فعلت كذا وكذا وهو قول مالك والشافعى وأبى عبيد . وقال النخعى وأبو حنيفة وأصحابه: إذا قال : هو يهودى إن فعل كذا حنث كان عليه الكفارة . وكذلك قال الأوزاعى وسفيان الثورى . وقول أحمد بن حنبل واسحق بن راهوية نحو من ذلك . (١) وفى معنى ذلك: الحلف اليوم بمن يعظمهم الدهماء من الموتى أو الأحياء المقدسين عندهم، على مثل ما كانت قريش تعظم اللات وتقدسه: بالحلف به والنذر له ودعائه . فقد كان رجلا صالحاً عندهم ،كما أن أولياء العامة اليوم رجال صالحون عبدوهم من دون الله ، كما عبد اللات والعزى . - ٣٥٧ - حَلفِهِ: وَاللَّت، فَلَيَقُلْ: لاَ إلهَ إلّ الله، ومَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أَقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدّقْ بِشَىْءٍ)» وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة . وليس فى حديث أحد منهم ((بشىء)) سوى مسلم وحده . باب فى كراهية الحلف بالآباء [٣: ٢١٧ ] ٣١١٨ - عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون (١))) ٣١١٩ - وعن عمر بن الخطاب ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه وهو فى رَكْب، وهو يحلف بأبيه، فقال: إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ. فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلَيَحْلِفْ بالله أَوْ لِيَسْكُتْ)) ٣١٢٠ - وفى رواية: نحو معناه، إلى آبائكم، زاد: قال عمر ((فوالله ما حلفت بهذا ذاكراً ولا آثِراً)». وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة ٣١٢١ - وعن سعد بن عبيدة، قال ((سمع ابن عمر رجلا يحلف: لا والكعبة، فقال له ابن عمر: إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ حَلَفَ بِغِيْرِ اللهِ فقد أشرك (٢)). ٣١٢٢- وعن أبى سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر ، عن أبيه ، أنه سمع طلحة بن عبيد الله وقوله (( من قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق)) معناه : فليتصدق بقدر ما جعله خطراً فى القمار . ٣١٢٠ - قال الشيخ: قوله ((اثراً)» يريد مخبراً به، من قولك: أثرتُ الحديث آثرُه: إذا رويته . يقول: ما حلفت ذاكراً عن نفسى ، ولا مخبراً به عن غيرى. ٣١٢٢ - قال الشيخ: قد ذكرنا هذا الحديث فى كتاب الصلاة وأشبعنا بيانه هناك . وليس (٢،١) لم يذكرهما المنذرى لأنهما ليا فى رواية أبى القاسم اللؤلؤى. قال الحافظ المزى فى الاطراف : حديث عبيد الله بن معاذ وحديث محمد بن العلاء: فى رواية أبى الحسن بن العبد وأبى بكر بن داسة . ولم يذكره أبو القاسم - ٣٥٨ - ۔فی حدیث قصة الأعرابی - قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم (( أفلح وأبيه إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق (١)). باب فى كراهية الحلف بالأمانة [٣: ٢١٨]. ٣١٢٣ - عن ابن بريدة - وهو عبد الله - عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ حَلَفَ بِالأمانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا)). وروی أیضاً من حديث سليمان بن بريدة . باب فى الخلف بالبراءة، وبملة غير الاسلام [٣: ٢١٩] ٣١٢٤ - عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من حلف ، فقال . إنى برىء من الإسلام، فإن كان كاذبا فهو كما قال. وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالماً )) (٢). بين هذا وبين حديث عمر خلاف على الوجه الذى تأولناه عليه . فأغنى ذلك عن إعادته هنا . والله أعلم. ٣١٢٣ - قال الشيخ: هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل: أنه إنما أمر أنْ يُحلف بالله وبصفاته . وليست الأمانة من صفاته ، وإنما هى أمر من أمره، وفرض من فروضه ، فنهوا عنه ، لما فى ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله عز وجل وصفاته : وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا قال : وأمانة الله كان يميناً ، ولزمته الكفارة فيها . وقال الشافعى : لا يكون ذلك يميناً ، ولا يكون فيها كفارة . ٣١٢٤ - قال الشيخ: فيه دليل على أن من حلف بالبراءة من الإسلام : فإنه يأثم ولا يلزمه الكفارة . وذلك : لأنه إنما جعل عقوبتها فى دينه ، ولم يجعل فى ماله شيئاً . (١) قال المزى فى الأطراف: أخرجه أبو داود فى الصلاة والايمان والنذور . قال فى عون المعبود : وليس هذا الحديث فى نسخة المنذرى . (٢) ليس من رواية اللؤلؤى. ولذا لم يذكره المنذرى. قال المزى فى الأطراف : أخرجه البخارى فى الجنائز والأدب والنذور، ومسلم والترمذى والنسائى فى الأيمان، وابن ماجة فى الكفارات . وهو فى رواية أبى الحسن بن العبد لأبي داود . - ٣٥٩ - باب لغو اليمين [٣: ٢٤١] ٣١٢٥ - عن عطاء - وهو ابن أبى رباح - اللغو فى اليمين - قال: قالت عائشة: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( هو كلام الرجل فى بيته: كلاّ والله، وعلى الله)). وذكر أن غير واحد رواه عن عطاء عن عائشة موقوفاً . باب المعاريض فى اليمين [٣: ٢١٨] ٣١٢٦ - عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهَا صَاحِبُكَ )). وأخرجه مسلم والترمذى وابن ماجة . ٣١٢٧ - وعن سُويد بن حنظلة، قال (( خرجنا نريد رسول الله، ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عَدُوٌّ له، فتحَرَّجَ القومُ أن يحلفوا، وحلفتُ: أنه أخى ، فَلَى سبيله، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنّ القوم تَحَرَّجوا أن يحلفوا، وحلفت أنه أخى، فقال: صَدَفْتَ، الْمُسْلِمُ أَخْوَ الْمُسْلِمِ » . وأخرجه ابن ماجة . سويد بن حنظلة : لم ينسب . ولا يعرف له غير هذا الحديث باب من حلف أن لا يتأدم [٣: ٢٢٠] ٣١٢٨ - عن يوسف بن عبد الله بن سَلام، قال «رأيت النبى صلى الله عليه وسلم وضَع تمرة على كِسْرةً ، فقال: هُذِهِ إدام هذه)). وأخرجه الترمذى . ويوسف : قال البخارى وغيره : إن له صحبة . وقال غيرهم : ليست له صحبة ، له رؤية . ومنهم من عَدَّه فيمن ولد فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولم يسمع منه . ٣١٢٥ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : الصواب فى هذا : أنه قول عائشة ، كذلك رواه الناس. وهو فى صحيح البخارى عن عائشة قولها ، ورواه ابن حبان فى صحيحه عن عائشة مرفوعا . - ٣٦٠ - باب الاستثناء فى اليمين [٣: ٢٢٠] ٣١٢٩ - عن نافع، عن ابن عمر - يَبلَغ به النبى صلى الله عليه وسلم - قال ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين فقال: إن شاء الله، فَقَدِ استثنَى)). وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى: حديث حسن. وذكر أنه روى عن نافع موقوفاً، وأنه روى عن سالم عن ابن عمر موقوفاً ، وذكر عن أيوب السختيانی أنه كان أحياناً يرفعه، يعنى نافعاً، وأحياناً لايرفعه. وقال: ولا نعلم أحداً رفعه غير أيوب السختيانى . ٣١٣٠ - وعن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ حَلَفَ فاستثنى فإن شاء. رجع، وإن شاء ترك غَيْرَ حِنْثٍ (١))). ٣١٣٠ - قال الشيخ: معنى قوله ((فاستثنى)) هو أن يستثنى بلسانه نطقاً، دون الاستثناء بقلبه . لأن فى هذا الحديث من غير رواية أبى داود (( من حلف فقال: إن شاء الله)» معلقة بالقول . وقد دخل بهذا كل يمين كانت : بطلاق ، أو عتاق، أو غيرهما . لأنه صلى الله عليه وسلم عَمَّ ولم يخص . ٣١٢٩ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: ولفظ النسائى «فله ثنياه)) وفي لفظ له «فهو بالخيار: إن شاء مضى، وإن شاء ترك)) ولفظ الترمذى (( فلا جنث عليه)) ولفظ ابن ماجة («إن شاء رجع ، وإن شاء ترك غير حانث )) قال الترمذى : وقد رواء عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفا . وهكذا روى مسلم عن ابن عمر موقوفا ، ولا نعلم أحداً رفعه غير أيوب السختيانى . وقال اسمعيل بن إبراهيم : كان أيوب أحياناً يرفعه ، وأحياناً كان لا يرفعه . وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، لم يحنث)) رواه الترمذى. وهذا الإسناد متفق على الاحتجاج به ، إلا أن الحديث معلول . (١) ليس فى رواية اللؤلؤى. ولذا لم يذكره المنذرى. وقال المزى فى الأطراف: هذا الحديث فى رواية ابن العبد وابن داسة ، ولم يذكره أبو القاسم.