النص المفهرس

صفحات 321-340

- ٣١٩ -
البخارى - قال الحميدى: قال ابن عيينة: قيل ليحيى - يعنى الرازى - عن أبى ماجد »
من أبو ماجد هذا ؟ قال طائر طار فحدثنا . هذا آخر كلامه.
وفى رواية : عن يحيى الرازى عنه ، وهو منكر الحديث .
وأبو ماجدة - هذا - ويقال أبو ماجد: حنفى، ويقال: عجلى. قال الدارقطنى:
مجهول . وقال ابن عدي : أبو ماجد الحنفى : منكر الحديث . روى عنه يحيى الجابر ، إن
كان حفظ عنه، سمعت ابن حماد يقوله عن النسائى. وقال أبو أحمد الكرابيسى : حديثه لیس.
بالقائم . وقال البيهقى: هذا حديث ضعيف ، يحيى بن عبد الله الجابر: ضعيف. وأبو ماجدة:
وقيل: أبو ماجد - مجهول . وفيما مضى كفاية . يريد الحديث الصحيح الذى تقدم.
باب الامام يصلى على من قتل نفسه [٣: ١٨٠ ]
٣٠٥٦ - عن جابر بن سمرة، قال ((مرض رجلٌ، فَصيحَ علیه ، فجاء جارُه إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال : إنه قد مات ، قال: وَمَا يُدْرِيكَ ؟ قال: أنا رأيته ، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّهُ لَمْ يَمُتْ. قال: فرجع، فصيح عليه، فقالت امرأته:
انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال الرجل : اللهم العنه ، قال : ثم
انطلقَ الرجلُ، فرآه قد نَجَرَ نفسه بِمِشْقَصِ معه، فانطلق إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم،
فأخبره أنه قد مات ، فقال : ما يدريك ؟ قال: رأيته ينحر نفسه بمشاقص معه ، قال :
آنْتَ رأيته؟ قال: نعم ، قال: إذاً لا أصلّى عليه)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة مختصراً بمعناه.
باب الصلاة على من قتلته الحدود [٣: ١٨١ ]
٣٠٥٧ - عن نفر من أهل البصرة، عن أبى بَرْزَة الأسلمى ((أن رسول الله صلى الله.
٣٠٥٦ - وقد اختلف الناس فى هذا . فكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على من
قَتَل نفسه، وكذلك قال الأوزاعى. وقال أكثر الفقهاء: يصلَّى عليه .
٣٠٥٧ - قلت: كان الزهرى يقول: يصلىَّ على الذى يُقاد منه فى حَدّ، ولا یصلّى على من
قتلفى رَجْم .

-- ٣٢٠ --
عليه وسلم لم يُصَلِّ عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، ولم يَنْهَ عن الصلاة عليه))
فى إسناده مجاهيل.
وأخرج مسلم فى صحيحه حديث ماعز من رواية أبى سعيد الخدرى ، وفيه قال (( فما
استغفر له ولا سَبَّه)) وأخرجه من حديث بريدة بن الحصيب، وفيه (( فقال استغفروا لماعز
بن مالك . قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك ))
وأخرج البخارى فى صحيحه عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر عن
الزهرى عن أبى سلمة عن جابر حديث ماعز. وفيه (( فقال له النبي صلى الله عليه وسلم
خيرا، وصلى عليه)) وقال البخارى: لم يقل يونس وابن جريج عن الزهرى ((فصلى عليه))
هذا آخر كلامه .
وقد أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى من حديث معمر عن الزهرى . وفيه (( ولم
يصل علیه »
وعلل بعضهم هذه الزيادة - وهى قوله ((فصلى عليه )) - بأن محمد بن يحيى لم يذكرها.
وقدروى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه: أنه أمر أن يصلى على شراحة . وقد
رجمها . وهو قول أكثر العلماء.
وقال الشافعى : لا تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة ، برّاً كان أو فاجراً .
وقال أصحاب الرأى والأوزاعى: يغسَّل المرجوم، ويصلي عليه .
وقال مالك: من قتله الإمام فى حَدّ من الحدود فلا يصلى عليه الإمام ، ويصلى عليه
أهله، إن شاءوا أو غيرهم .
وقال أحمد: لا يصلى الإمام على قاتل نفس ولا غالٍ .
وقال أبو حنيفة: من قُتل من المحار بين أو صُلب لم يصلَّ عليه ، وكذلك الفئة
الباغية . لا يصلى على قتلام .
وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى أن تارك الصلاة إذا قتل لم يصل عليه . ويصلى
على من سواه ممن قتل فى حد أو قصاص .

- ٣٢١ -
وهو أضبط من محمود بن غيلان .
[أخرجه من حديث محمود بن غيلان عن عبد الرزاق. وأخرجه أبو داود عن محمد
بن المتوكل الحلوانى. وأخرجه الترمذى: عن الحلوانى. وأخرجه النسائى عن محمد بن يحيى،
ونوح بن حبیب ـ أربعتهم عن عبد الرزاق . قال: وتابع محمد بن يحيى : نوح بن حبيب ،
وقال غيره : کذا رواه عن عبد الرزاق : الحسن بن على الحلواني، ومحمد بن المتوكل۔۔ یرید
ولم يذكر الزيادة - قال: وما أرى مسلما ترك حديث محمود بن غيلان إلا لمخالفة هؤلاء.
هذا آخر كلامه .
وقد خالفه أيضا اسحاق بن ابراهيم الختظلى، المعروف بابن راهوية . وحميد بن زنجوية ،
وأحمد بن منصور الزيادى ، وإسحاق بن ابراهيم الدبَرَى . فهؤلاء ثمانية من أصحاب
عبد الرزاق خالفوا محمودا فى هذه الزيادة . وفيهم هؤلاء الحفاظ: اسحاق بن راهوية، ومحمد
بن يحيى الذهلى، وحميد بن زنجويه. وقد أخرج مسلم فى صحيحه عن إسحاق بن راهوية عن
عبد الرزاق، ولم يذكر لفظه، غير أنه قال: نحو رواية عقيل. وحديث عقيل - الذى أشار
إلیه۔ ليس فيه ذ کر الصلاة. وقال أبو بكر البيهقى : ورواه البخاری عن محمود بن غيلان عن
عيد الرزاق، إلا أنه قال ((فصلى عليه)) وهو خطأ، لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه،
ثم إجماع أصحاب الزهرى على خلافه . هذا آخر كلامه .
وقد أخرج مسلم فى صحيحه وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة من حديث عمران
بن حُمَين رضي الله عنهما حديث الجهنية وفيه «فأمَر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
فَثُلْتْ عليها ثيابها ، ثم أمر بها فرجمت. ثم صلى عليها . فقال له عمر رضى الله عنه:
تُصَلّى عليها يانبى الله، وقد زنت ؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل
المدينة لوسعتهم . وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله؟))
وهذا الحديث ظاهر جداً فى الصلاة على المرجوم. والله عز وجل أعلم .
وإذا حملت الصلاة فى حديث محمود بن غيلان على الدعاء اتفقت الأحاديث كلها
والله أعلى (١)].
(١) ما بين المربعين بهامش المنذرى. ويشبه أن يكون من الأصل. ولذلك زدته بين المربعين.
٢ - ٢١ مختصر السين - ج ٤

- ٣,٢٢ -
باب الصلاة على الطفل [ ٣: ١٨١].
٣٠٥٨ - عن عائشة، قالت ((مات إبراهيم بنُ النبى صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمانية
عشر شهراً، فلم يُصلِّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم )»
فى إسناده: محمد بن إسحاق ، وقد تقدم الكلام عليه
٣٠٥٩ - وعن البَهْىِّ قال (( لما مات إبراهيم بن النبى صلى الله عليه وسلم صلى عليه
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى المقاعد »
قلت : النجاشى رجل مسلم ، قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدَّقه على
نبوته، إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه ، إلا أنه
كان بين ظَهْرانى أهل الكفر، ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه فى الصلاة عليه . فلزم
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك ، إذهو نبيه ووليه ، وأحق الناس به . فهذا
- والله أعلم - هو السبب الذى دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب.
فعلى هذا : إذا مات المسلم بلد من البلدان ، وقد قُضى حقه فى الصلاة عليه، فإنه
لا يصلى عليه من كان ببلد آخر غائباً عنه ، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر .
كانت السنة أن يصلى عليه ، ولا يترك ذلك لبعد المسافة .
فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة، ولم يتوجهوا إلى بلد الميت ، إن كان في غير جهة القبلة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهية الصلاة على الميت الغائب ، وزعموا أن النبى.
صلى الله عليه وسلم كان مخصوصاً بهذا الفعل ، إذ كان فى حكم المشاهد للنجاشى ، لما روى
فى بعض الأخبار ((أنه قد سويت له أعلام الأرض، حتى كان يبصر مكانه ))
وهذا تأويل فاسد . لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئاً من أفعال الشريعة
كان علينا متابعته ، والإِيتساء به ، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل .
ومما يبين ذلك. أنه صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم ، فصلوا.
معه . فعلم أن هذا التأويل فاسد . والله أعلم .
٣٠٥٩ - قلت ، كان بعض أهل العلم يتأول ذلك على أنه إنما ترك الصلاة عليه لأنه قد

- ٣٢٣ -
هذا مرسل.
والبهى : هو أبو محمد عبد الله بن يسار ، مولى مصعب بن الزبير ، تابعى يعد فى
الکوفیین .
٣٠٦٠ - وعن عطاء - وهو ابن أبى رباح - ((أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه
إبراهيم وهو ابن سبعين ليلة)).
وهذا أيضا مرسل .
قال البيهقى : - بعد ذكر مرسل البهى وعطاء وغيرهما -: فهذه الآثار ، وإن كانت
مراسيل، فهى تشد الموصول قبله ، وبعضها يُشد بعضا .
وقد أثبتوا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم ، وذلك أولى من
رواية من روى : أنه لم يصل عليه .
والموصول الذى أشار إليه: هو حديث البراء بن عازب رضى الله عنه قال: ((صلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم ، ومات وهو ابن ستة عشر شهرا . وقال :
إن فى الجنة من يُثِمُّ رضاعَه، وهو صِدِّيق)) وهو حديث لا يثبت ، لأنه من رواية جابر
استغنى بينوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قر بة الصلاة ، كما استغنى الشهداء بقربة
الشهادة عن الصلاة عليهم (١).
وقد روى عطاء مرسلاً ((أن النبي صلى عليه وسلم صلى على ابنه ابراهيم))
ورواه أبو داود فى هذا الباب . حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقانى عن ابن المبارك عن يعقوب
ابن القعقاع عن عطاء .
قلت : وهذا أولى الأمرين ، وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالاً .
وقد روى (( أن الشمس قد خسفت يوم وفاة إبراهيم . فصلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم صلاة الخسوف)) فاشتغل بها عن الصلاة عليه. والله أعلم ..
(١) وهذا مردود بأن الفارق بين البنوة والشهادة فى سبيل الله بين واضح. فإن الشهيد: جاهد فى
سبيل الله حتى قتل. والبنوة ليست من عمل الابن ولا الأب، وإنما هى من خلق الله سبحانه. وأقوى فى
رده قوله صلى الله عليه وسلم فيما روى البخارى وغيره لفاطمة بنته ((اعملى فلن أغنى عنك من الله شيئا)).

- ٣٢٤ -
الجعفى، ولا يحتج بحديثه. وكان البيهقى يرى أن الأحاديث الضعيفة يشد بعضها بعضا،
وفيه نظر .
وقال الخطابي : كان بعض أهل العلم يتأول ذلك على أنه إنما ترك الصلاة عليه لأنه
قد استغنى بينوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قربة الصلاة، كما استغنى الشهداء بقربة
الشهادة عن الصلاة عليهم. وذكر مرسل عطاء (( أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى على
ابنه إبراهيم.)) وقال: وهذا أولى الأمرين، وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالا.
وقد روى أن الشمس خسفت يوم مات ابراهيم ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
صلاة الخسوف ، فاشتغل بها عن الصلاة عليه . والله أعلم .
وقال غيره : وقد اعتل من سلم ترك الصلاة عليه بعلل ضعيفة .
منها : شغل النبى صلى الله عليه وسلم بصلاة الكسوف.
ومنها : أنه لم يصل عليه ، لأنه استغنى ببنوة النبى صلى الله عليه وسلم وفضيلتها عن
الصلاة .
وقيل: لأنه لا يصلى على نبى. وقد جاء (( أنه لو عاش كان نبيا)).
وقيل : المعنى : لم يصل عليه بنفسه ، وصلى عليه غيره .
باب الصلاة على الجنازة فى المسجد [٣: ١٨٢ ]
٣٠٦١ - عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت (( والله ما صلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا فى المسجد ))
٣٠٦١ - قلت : الحديث الأول: أصح. وصالح ، مولى التَّوأمة : ضعفوه ، وكان قد نسى
حديثه فى آخر عمره .
وقد ثبت أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما صُلِّّ عليهما فى المسجد. "
ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، ففى تركهم إنكاره دليل
على جوازه .

- ٣٢٥ -
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . وفى حديث ابن ماجة - وحدَه ـ
ذِكرُ القسّم.
٣٠٦٢ - وعن أبى سلمة - وهو ابن عبد الرحمن - عن عائشة، قالت ((والله لقد صلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنى بيضاء فى المسجد: سهيل ، وأخيه)).
وأخرجه مسلم، وفيه. ذكر القسم
٣٠٦٣ - وعن صالح مولى التّوأمة ، عن أبى هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (( مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَلاَ شَىْءٍ عَلَيْه)).
وقد يحتمل أن يكون معناه - إن ثبت الحديث-متأوَّلاً على نقصان الأجر. وذلك: أن
من صلى عليها فى المسجد . فإن الغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهددفنه ، وأن من سعى
إلى الجبَّان فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه. فأحرز أجر القيراطين ، وهو مارواه
أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من صلى على جنازة فله قيراط . ومن
شهد دفنها فله قيراطان . والقيراط مثل أحد)) وقد يؤجر أيضاً على كثرة خُطاه . فصار
الذى يصلى عليها فى المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من صلى عليها برّا . والله أعلم.
٣٠٦٣ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : هذا الحديث فيه أربعة ألفاظ .
أحدها ((فلا شيء)) فقط . وهى فى بعض نسخ السنن.
اللفظ الثانى (( فلا شيء عليه)» وهى رواية الخطيب.
اللفظ الثالث (( فلاشىء له )) وهى رواية ابن ماجة .
اللفظ الرابع (( فليس له أجر)) ذكره أبو عمر ابن عبد البر فى التمهيد. وقال : هو
خطأ لا إشكال فيه. قال: والصحيح ((فلا شيء عليه))
وهذا الذى قاله أبو عمر - فى حديث أبى هريرة - هو الصواب، لأن فيه: قال صالح
(( فرأيت الجنازة توضع فى المسجد، فرأيت أبا هريرة، إذا لم يجد موضعاً إلا فى المسجد، خرج
وانصرف ولم يصل عليها)» ذكره البيهقى فى حديث صالح .
وقد قال بعض أهل الحديث : ما رواه ابن أبى ذئب عن صالح : فهو لا بأس به ، لأنه
روى عنه قبل الاختلاط . وهذا الحديث من رواية ابن أبى ذئب عنه .
وقال ابن عدى: وممن سمع من صالح قديماً : ابن أبى ذئب ، وابن جريج ، وزياد بن سعد
وغيرهم ، ولحقه مالك والثورى وغيرهم بعد الاختلاط .

-٣٢٦ -
قال الخطيب: كذا فى الأصل. وأخرجه ابن ماجة، ولفظه (( فليس له شىء )) وصالح
- مولى التوأمة - قد تكلم فيه غير واحد من الأيمة، وضعف أحمد بن حنبل هذا الحديث،
وقال : هو مما انفرد به صالح مولى التوأمة .
وذهب الطحاوى إلى أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء فى
المسجد منسوخة، وأن آخر الفعلين من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترك ذلك ، بدليل
إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة ، وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما فعلت
وقال البيهقى: ولو كان عند أبى هريرة نسخُ ما روته عائشة لذَ كَرَهُ يوم صُلّى على
أبى بكر الصديق فى المسجد، ويوم صُلَّى على عمر بن الخطاب فى المسجد، ولذكره من أنكر
على عائشة أمرها بادخاله المسجد ، أو ذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر، وإنما أنكره
من لم تكن له معرفة بالجواز. فلما روت فيه الخبر سكتوا، ولم ينكروه، ولا عارضوه بغيره
وقال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر صُلِّى عليهما فى المسجد . ومعلوم أن عامة
المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفى تركهم الانكار: الدليلُ على جوازه . وقد
يحتمل أن يكون معناه - إن ثبت - بمعنى حديث أبى هريرة متأوَّلا على نقصان الأجر.
وذلك: أن من صلى عليها فى المسجد فالغالب أنه ينصرف إلى أهله. ولا یشهد دفنه ، وأن من
سعى إلى جنازة ، فصلى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه ، وأحرز أجر القيراطين - وذكر
حديث أبى هريرة فى ذلك - وقال: وقد يؤجر أيضا على كثرة خُطاه . فصار الذى يصلى
عليها فى المسجد منقوص الأجر بالاضافة إلى بَرًّا(١) والله أعلم.
وقال غيره (( لا شىء له)) أى لاشيء عليه. كما قال تبارك وتعالى (١٧: ٧ وإن أسأتم
فلها) .
باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها [٣: ١٨٣]
٣٠٦٤ - عن عقبة بن عامر، قال « ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
٣٠٦٤ - قوله ((تضيف)) معناه: تميل ، وتجنح للغروب. يقال: ضاف الشيء يَضيف: بمعنى
مال. ومنه اشتُقَّ اسمُ الضَّيف، ويقال: ضِفِتُ الرجلَ: إذا مِلْتَ نحوه. وكنتَ له ضيفاً
وأضفته : إذا أملته إلى رَحْلك فقرَّبته .
(١) كذا فى الأصول . ولعل المراد : خارج المسجد .

- ٣٢٧ --
ينهانا أن نُصلِّى فيهنَّ، أو نَقْبُرَ فيهنَّ موقانا: حين تَطَلُع الشمس بازغةً، حتى ترتفع ،
وحين يقوم قائم الظهيرة، حتى تميل، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب)) أو كما قال
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة
تضيف: تميل وتجنح الغروب . يقال : ضاف يضيف ، بمعنى مال . ومنه اشتق
اسم الضيف.
باب إذا حضر جنائٌ رجال ونساء: من يقدم؟ [٣: ١٨٣]
٣٠٦٥ - عن عمار مولى الحرث بن نوفل (« أنه شهد جنازة أُمَّ كلثوم وابنها ، جعل
الغلامَ مما يلى الامامَ ، فأنكرتُ ذلك - وفى القوم ابنُ عباس ، وأبو سعيد الخدرى ،
وأبو قتادة وأبو هريرة - فقالوا: هذه السُّنة))
وأخرجه النسائى .
وأم كلثوم - هذه - هي بنت على بن أبى طالب. زوج عمر بن الخطاب ، وابنها:
هو زيد الأكبر بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم. وكان مات هو وأمه أم كلثوم فى
وقت واحد، لم يدر أيهما مات أولا . فلم يورث أحدهما من الآخر .
باب أين يقوم الامام من الميت إذا صلى عليه؟ [٣: ١٨٤]
٣٠٦٦ - عن نافع أبى غالب، قال ((كنت فى سِكَّةَ الِرْبَدِ، فمرَّت جنازة معها ناس
واختلف الناس فى جواز الصلاة على الجنازة والدفن فى هذه الساعات الثلاث .
فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة على الجنائز فى الأوقات التى تكره الصلاة
فيها . وروى ذلك عن ابن عمر. وهو قول عطاء والنَّخعي والأوزاعى، وكذلك قال سفيان
الثورى وأصحاب الرأى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهوية .
وكان الشافعى يرى الصلاة على الجناز أىَّ ساعة شاء من ليل أو نهار. وكذلك الدفن
أىّ وقت کان من ليل أو نهار .
قلت : قول الجماعة أولى لموافقته الحديث .
٣٠٦٦ - قلت ((الإيماض)) الرمز بالعين. والإيماء بها، ومنه: وميض البرق، وهو لمعانه.

- ٣٢٨ -
كثير، قالوا : جنازة عبد الله بن عمير، فتبعتها، فاذا أنا برجل عليه كساء رقيق على.
بُرَيْذِينِيَّةٍ، على رأسه خِرقة تقيه من الشمس، فقلت: من هذا الدِّهْقَانُ؟ فقالوا : أنس
بن مالك، قال: فلما وُضعت الجنازةُ قام أنس فصلَّى عليها ، وأنا خلفه ، لا يحول بينى وبينه
شىء ، فقام عند رأسه، وكبر أربعَ تكبيرات ، لم يُطِلْ ولم يُسْرع، ثم ذهب يقعد ، فقالوا:
يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فقَرَّيُوهَا وعليها نَعْش أخضر، فقام عند عجیزتها،فصلى عليها
نحو صلاته على الرجل ، ثم جلس ؛ فقال العلاء بن زياد : ياأبا حمزة ، هكذا كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يصلى على الجنازة كصلاتك : يكبر عليها أربعاً، ويقوم عند رأس الرجل
وعجيزة المرأة؟ قال: نعم ، قال: يا أبا حمزة، غَزَوْتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم ،غزوت معه حُنَيْناً، فخرج المشركون ، فحملوا علينا، حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا،
وفى القوم رجل يحمل علينا، فيدُقَّنَا وتَحْطِمِنا، فهزمهم الله، وجعل يجاء بهم فيبايعوه على الإسلام
وأما قوله : ( ليس لنی أن یوُمِض )» فإن معناه : أنه لا يجوز له فيما بينه و بين ر به
عز وجل أن يُضْر شيئاً، ويُظهر خلافه. لأن الله تعالى إنما بعثه بإظهار الدين، وإعلان
الحقِّ . فلا يجوزله سَترْه وكتمانه. لأن ذلك خداع، ولا يحل له أن يُؤْمِّن رجلاً فى الظاهر
ويَحْفُره فى الباطن .
وفى الحديث: دليل على أن الإمام بالخيار بين قتل الرجال البالغين من الأسارى،و بین
حَقْن دمائهم ، مالم يسلموا . فإذا أسلموا فلاسبيل له عليهم .
وقد اختلف الناس فى موقف الإمام من الجنازة .
فقال أحمد: يقوم من المرأة بحذاء وَسْطها . ومن الرجل بحذاء صَدْره.
وقال أصحاب الرأى : يقوم من الرجل والمرأة بحذاء الصدر .
وأما التكبير: فقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((خمس وأربع. فكان آخرما كان
يكبر أربعاً)).
وكان على بن أبى طالب يكبر على أهل بَدْر سِتَّ تكبيرات وعلى سائر الصحابة خمساً ،
وعلى سائر الناس أربعاً .
وكان ابن عباس يرى التكبير على الجنازة ثلاثاً .

- ٣٢٩ -
فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ عَلَىَّ نذراً: إن جاء الله بالرجل الذى
كان منذ اليوم يحطمنا لأضربنَّ عنقه، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجىء بالرجل
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، تَبْتُ إلى الله، فأمسَكَ رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يبايعه ليفى الآخرُ بنذره، قال: فجعل الرجل يَتَصَدَّى لرسول الله
صلى الله عليه وسلم ايأمره بقتله، وجعل يهابُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتله، فلما
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يصنع شيئاً بايعه، فقال الرجل : يارسول الله،
نَذْرِى ، فقال: إنِّى لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ مُنْذُ الْيَوْمَ إلاَّ لُتُوفىَ بنذرك. قال : يارسول الله
ألا أوْمَضْتَ إلىَّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّهُ كَيْسَ لِنِىّ أنْ
يُومِضَ - قال أبو غالب : فسألت عن صنيع أنس فى قيامه على المرأة عند غجيزتها؟ فحدثونى
أنه إنما كان: لأنه لم تكن النعوش، فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن .
وقال أبو داود : قول النبى صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا
لا إله إلا الله)) نسخ من هذا الحديث الوفاء بالنذر فى قتله بقوله ((إنى قد تبت)).
٣٠٦٧ - وعن سمرة بن جندب، قال ((صليت وراء النبى صلى الله عليه وسلم على امرأة
ماتت فى نِفَاسها . فقام عليها للصلاة وَسْطها » .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة .
٣٠٦٨ - وعن ابن أبى ليلى - وهو عبد الرحمن - قال ((كان زيد - يعنى ابن أرقم - يكبر
على جنائزنا أربعاً . وإنه كَبَّر علىّ جنازة خمساً ، فسألته ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يكبرها )) .
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
باب ما يقرأ على الجنازة [ ٣: ١٨٧ ]
٣٠٦٩ - عن طلحة بن عبد الله بن عوف - وهو ابن أخى عبد الرحمن بن عوف - قال :
((صليت مع ابن عباس على جنازة. فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: إنها من السنة)).
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى .

- ٣٣٠ -
باب الدعاء للميت [٣: ١٨٨]
٣٠٧٠ - عن أبى هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إذا صَلَّيْتُمْ
عَلَى الْمَيِّتِ فأخلصوا له الدعاء )).
وأخرجه ابن ماجة .
وفى إسناده : محمد بن إسحق، وقد تقدم الكلام عليه .
٣٠٧١ - وعن على بن شَمَّاخ، قال ((شهدت مروان سأل أبا هريرة: كيف سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى على الجنازة؟ قال: أمع الذى قلتُ؟ قال: نعم، قال:
كلام كان بينهما قبل ذلك ، قال أبو هريرة: اللهم أنت ربها، وأنت خلفتها ، وأنت
هديتها للإِسلام ، وأنت قبضتَ روحها ، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها ، جئنا شُفَعَاء
فاغفر له )) .
وأخرجه النسائى فى اليوم والليلة .
وشماخ : بفتح الشين المعجمة ، وتشديد الميم وفتحها ، وبعد الألف خاء معجمة .
٣٠٧٣ - وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: «صلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنارة، فقال: اللّهِمَّ اغْفِرْ لِحَيَِّا وَمَينِنَا، وَصَغِير ◌َا
وَكَبِيرَنَا، وَذَكَرِّنَا وَأُنْثَآَنَا، وَشَاهِدِ نَا وَغَائِبِنَا، اللّهِمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ
عَلَى الإيمان ، وَمَنْ تَوقَّيْتَهَ مِنَّا فَوَفَّهُ عَلَى الإِنْلامِ، اللهم لا ◌َحْرمنا أَجْرَه ، وَلا
تُضِلَّنَا بَعْدَهِ)) .
وأخرجه الترمذى والنسائى .
وأخرجه الترمذى من حديث يحيى بن أبي كثير قال : حدثنى أبو إبراهيم الاشهلى عن
أبيه، قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة قال: اللهم اغفر لحينا
وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا)) وأخرجه النسائى ، وقال
الترمذى : حديث والد أبى إبراهيم : حديث حسن صحيح .
وقال الترمذى أيضاً : وسمعت محمدا - يعنى البخارى - يقول: أصح الروايات فى

- ٣٣١ -
هذا: حديث يحيى بن أبي كثير عن أبى إبراهيم الاشهلى عن أبيه . وسألته عن اسم
أبي ابراهيم الاشهلى؟ فلم يعرفه . هذ آخر كلامه .
وذكر بعضهم: أن أبا إبراهيم: هو عبد الله بن أبى قتادة. وليس بصحيح. فإن
أبا قتادة سلمى . والله عز وجل أعلم .
٣٠٧٣ - وعن واثلة بن الأسْقَع ، قال ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل
من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان فى ذِمَّتِكَ، فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ - قال
عبد الرحمن - : فى ذِمَّتِكَ وَحَبْلَ جِوَارِكَ. فَقِهِ فِتْنَةِ الْقَبْرِ - وَعَذَابِ النَّارِ ، وَأَنْتَ أَهْلُ
الوفاء والحمد، اللّهُمَّ فَاغْفِرِ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)).
وأخرجه ابن ماجة .
قال بعضهم: الذمة والذمام واحد. وإنما جعلوه فى ذمته . لأنهم كانوا يرونه يصلى
الصبح. وقد قال صلى الله عليه وسلم (( من صلى الصبح لم يزل فى ذمة الله حتى يمسى))
أو بشهادة الإيمان التى يشهدون له بها فى قوله ((من قال لا إله إلا الله، وصلى صلاتنا ،
وأكل ذبيحتنا - الحديث - فله ذمة الله وذمة رسوله)).
وقوله ((وحبل جوارك)) قال بعضهم: كان من عادة العرب : أن تخيف بعضها بعضاً.
فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد كل قبيلة ، فيأمن به ما دام فى حدودها ،
حتى ينتهى إلى الأخرى ، فيأخذ مثل ذلك . فهذا حبل الجوار، أى مادام مجاورا أرضه،
أو هو من الإجارة ، وهو الأمان والنصرة .
باب الصلاة على القبر [٣: ١٩٧ ]
٣٠٧٤ - عن أبى هريرة (( أن امرأة سوداء، أو رجلا، كان يَقُّ الْمَسْجِدَ ، ففقده النبي
٣٠٧٤ - قوله ((يقم)) معناه: يكنس . والقمامة . الكُناسة.
وفيه بيان جواز الصلاة على القبر لمن لم يلحق الصلاة على الميت قبل الدفن .
٣٠٧٤ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد روى البخارى عن ابن عباس ((أن النبى صلى الله
عليه وسلم قام على قبر منبوذ، فأمهم، وصلوا خلفه)) قال الترمذى : وفى الباب عن أنس
وبريدة ، وزيد بن ثابت ، وأبى هريرة ، وعامر بن ربيعة ، وأبى قتادة ، وسهل بن حنيف .

- ٣٣٢ -
سلى الله عليه وسلم ، فسأل عنه؟ فقيل: مات ، فقال: ألّ آذنتمونى به ؟ قال: دُلَّونى على
قبره ، فدلوه ، فصلى عليه )) .
وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة .
اختلف الناس فى الصلاة على القبر.
فقال على بن أبى طالب وأبو موسى الأشعرى وابن عمر وعائشة وابن مسعود : يجوز
ذلك . وبه قال الشافعى والأوزاعى وأحمد وإسحق .
وقال النخعى ومالك وأبو حنيفة : لا يصلى على القبور .
واختلف القائلون بجواز الصلاة على القبور : إلى كم يجوز الصلاة عليها ؟
فقيل : إلى شهر. وقيل: مالم يَبْلَ جسده ويذهب. وقيل: يجوز أبداً. وقيل : يجوز
لمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته .
وفى الحديث: ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من تفقد أحوال ضعفاء المسلمين.
وما جُبل عليه من التواضع والرأفة والرحمة بأمته .
باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك فى بلد آخر [٣: ١٩٧]
٣٠٧٥ - عن أبى هريرة (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَعَى للناس النَّجَاشِيَّ فى
اليوم الذى مات فيه ، وخرجَ بهم إلى الْمُصَلَّى، فصفَّ بهم، وكبر أربع تكبيرات )).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
[قدروى عن زيد بن أرقم (( أنه كبر أربعا)) وذكر ابن عبد البر حديث عبد الرحمن
قال الترمذى : وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم.
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحق ، وقال بعض
أهل العلم: لا يصلى على القبر، وهو قول مالك بن أنس ، وقال عبد الله بن المبارك : إذا دفن
الميت ولم يصل عليه صلى على القبر .
وقال الإمام أحمد : ومن يشك فى الصلاة على القبر؟ يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من
ستة وجوه حسان .
وقد روى مسلم فى صحيحه عن أنس (( أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى على قبر))
وفى الصحيحين عن ابن عباس قال (( مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده
- فذكر الحديث - وفيه: فأتى قبره، فصلى عليه)) ولكن هذه الأحاديث إنما تدل على قول
ابن المبارك، فانها وقائع أعيان، والله أعلم .

- ٣٣٣ -
ابن أبى ليلى وقال: ففى هذا ما يدل على أن تكبيره على الجنازة كان أربعا ، وأنه إنما كبر
خمسامرة واحدة. ولا يوجد هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه. والله أعلم
وليس مما يحتج به ، على ما ذكرنا من إجماع الصحابة ، واتفاقهم على الأربع ، دون
ما سواها .
وذكر حديث أبى سلمة عن أبى هريرة (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على
جنازة، فكبر عليها أربعا ، ثم أتى القبر من قبل رأسه ، فثا فيه ثلاثا)).
قال أبو بكر بن أبى داود : ليس يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث صحيح :
(( أنه كبر على جنازة أربعا)) إلا هذا. ولم يرؤه إلا سلمة بن كلثوم. وهو ثقة من كبار
أصحاب الأوزاعى، قال: وإنما يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت (( أنه
كبر على قبر أربعا ، وأنه كبر على النجاشى أربعا)) وأما على جنازة هكذا: فلا. إلا
حديث سلمة بن كلثوم. هذا آخر كلامه .
وقد اختلف الناس فى التكبير على الجنازة .
فقيل : أربع تكبيرات . وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله بن عمر ،
وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، والحسن بن على ، وأخيه محمد بن على ، وأبى هريرة،
والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن أبى أوفَى، وعطاء بن أبي رباح . وهو
قول مالك والشافعى والأوزاعى ، وأبى حنيفة والثورى والكوفيين، وأحمد بن حنبل ،
وأبی ثور ، وداود .
وقال ابن عبد البر النّمَري: هو قول عامة الفقهاء . إلا ابن أبى ليلى وحده . فإنه قال :
خمسا . ولا أعلم له فى ذلك سلفاً إلا زيد بن أرقم، وقد اختلف عنه فى ذلك ، وحذيفة،
وأبا ذر. وفى الاسناد عنهما : من لا يحتج به هذا آخر كلامه .
ورجح بعضهم الأربع بكثرة رواتها . وصحة أسانيدها ، وأنها متأخرة . وقد صلى
أبو بكر الصديق، على النبى صلى الله عليه وسلم فكبر أربعا، وصلى عمر على أبى بكر ،
فكبر أربعا. وصلى صهيب على عمر، فكبر أربعا . وصلى الحسن على أبيه علي فكبر
أربعا . وصلى عثمان على جنازة، فكبر أربعا . وروى : أن ابن عمر كبر على عمر أربعا .
ولا يصح. وإنما هو صهيب.

- ٣٣٤ -
وقال ابن سيرين وجابر بن زيد : فكبر ثلاثا . وروى ذلك عن ابن عباس .
وكان على بن أبى طالب يكبر على أهل بدر ستَّ تكبيرات، وعلى سائر الصحابة
خمساً، وعلى سائر الناس : أربعا .
وقدروى البيرقى: أن عليا رضى الله عنه صلى على أبى قتادة الأنصارى ، فكبر عليه
سبعا . وكان بَدْريًّا. وقال البيهقى: هكذا رُوِى، وهو غلط. لأن أبا قتادة بقى بعد على
رضى الله عنهما مدة طويلة . هذا آخر كلامه .
ومن الناس : من صحح أن أبا قتادة توفى بالمدينة ، سنة أربع وخمسين. وهذا يؤيد
ما قاله البيهقى .
وقال أبو عمر النمرى : والصحيح : أنه توفى بالكوفة فى خلافة على . وهو صلى عليه ،
وهذا يؤيد الرواية الأولى . والله أعلم.
وقال بعضهم : اختلف السلف الأول من الصحابة فى ذلك: من ثلاث تكبيرات ،
إلى تسع .
وفى هذا الحديث علم من أعلام النبوة . وذلك : أن النبى صلى الله عليه وسلم علم بموت
النجاشى فى اليوم الذى مات فيه، على بعد ما بين الحجاز وأرض الحبشة ، ونعاه للناس فى ذلك
اليوم. وكان نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشيّ للناس فى رجب سنة تسع من
الهجرة . كذا قال أهل السير ..
وفيه: إباحة الاشعار بالجنازة والإعلام بها، والاجتماع لها .
وفيه : الصلاة على الغائب .
وفيه : أن النجاشي أسلم ومات مسلما . لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلى إلا
على مسلم . .
والنجاشي: بفتح النون، ولا يقال بالكسر. والنجاشي: كلمة حبشية يسمون بها ملوكهم
وقال أبو عبيدة : النجاشي: من نجش، وهو استثارة الشىء . والنجاشي
الناجش . وقال غيره : والياء مشددة. وقيل: الصواب تخفيفها. واسمه: أصحمة . وهو
بالعربية : عطية] (١)
(١) زيادة من الهامش. ويغلب على ظنى أنها من الاصل. والله أعلم.

- ٣٣٥ -
٣٠٧٦ - وعن أبى بردة، عن أبيه - وهو أبو موسى الأشعرى - قال (« أمرنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، أنْ نتطلقَ إلى أرضِ النجاشى - فذكر حديثه - قال النجاشي :
أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه الذى بَشّربه عيسى ابن مريم، لولا ما أنا
فيه من الملك لأتيته حتى أحمِلَ نعليه )) .
باب الرجل يجمع موتاه فى مقبرة والقبر يُعَلم [٣: ٢٠٣]
٣٠٧٧ - عن المطلب - وهو ابن عبد الله المدنى - قال ((لما مات عثمان بن مَظْون أُخْرِجَ
يجنازته فدُفن، أمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتيه بحجر. فلم يستطع حمله . فقام
إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحَسَر عن ذراعيه - قال كثير، وهو ابن زيد - قال.
المطلب: قال الذى يخبرنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: كأنى أنظر إلى بياض
ذراعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حسر عنهما، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال:
أَتَعَُّ بِهَا قَبْرَ أَخِى، وَأَدْفِنْ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ )) .
فى إسناده: كثير بن زيد ، مولى الأسلميين. مدنى، كنيته: أبو محمد. وقد تكلم فيه.
غير واحد .
باب فى الحقَّار يحد العظم ، يتنكب ذلك المكان؟ [٣: ٢٠٤]
٣٠٧٨ - عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((كَسْرُ عَظِ الَيِّتِ
كَكَسْرِهِ حَيًّا)».
وأخرجه ابن ماجة .
باب فى اللحد [ ٣: ٢٠٤ ]
٣٠٧٩ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ
لِغَيْرِ نَا » .
٣٠٧٩ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وقد روي مسلم فى صحيحه من حديث سعد بن
أبى وقاص «أنه قال فى مرضه الذى هلك فيه: الحدوالى لحداً ، وانصبوا علي اللبن نصباً ، كما
صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم))

- ٣٣٦ -
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى: غريب . هذا آخر كلامه.
وفى إسناده: عبد الأعلى بن عامر الثعلبى، ولا يحتج بحديثه . وأخرجه ابن ماجة أيضاً
من حديث جرير بن عبد الله البجلى عن النبى صلى الله عليه وسلم .
وفى إسناده: أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلى الكوفى، ولا يحتج بحديثه. وذكر
ابن عدى : أنه لا يتابعه عليه أحد .
باب كم يدخل القبر؟ [٣: ٢٠٥]
٣٠٨٠ - عن عامر - وهو الشعبى - قال: ((غَسَّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم علىّ
والفضلُ وأسامةُ بن زيد، وهم أدخلوه قبره - قال: وحدثنى مُرَجَّبٌ، أو ابن مرخّب :
أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف - فلما فرغ علىٌّ قال: إنما يلى الرجلَ أهلُهُ)».
٣٠٨١ - وعن الشعبى، عن أبى مُرَجَّب (( أن عبد الرحمن بن عوف نزل فى قبر النبي
صلى الله عليه وسلم ، قال: كأنى أنظر إليهم أربعة )) .
أبو مرحب : قيل اسمه سويد بن قيس .
باب فى الميت يُدخَل من قبل رجليه القبر [٢٠٥٠٣]
٣٠٨٢ - عن أبى إسحق، قال ((أوصانى الحرث أن يُصَلِىَ عليه عبدُ الله بن يزيد، فصلى
عليه ، ثم أدخله القبر من قبل رِجْلَى القبرِ، وقال: هذا من السنة)).
أبو إسحق : هو السبيعى ، وعبد الله بن يزيد : هو الخطمي .
قال البيهقى: هذا إسناد صحيح. وقد قال ((هذا من السنة)) فصار كالمسند.
وقد روينا هذا القول عن ابن عمر وأنس بن مالك .
قال الشافعى : أخبرنا بعض أصحابنا عن أبى الزناد ور بيعة وأبى النضر - لا اختلاف
بينهم فى ذلك - (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُلَّ من قِبل رأسه، وأبو بكر وعمر
رضى الله عنهما )) قال البيهقى : هذا المشهور فيما بين أهل الحجاز .

- ٣٣٧ -
باب الجلوس عند القبر [٣: ٢٠٦]
٣٠٨٣ - عن البراء بن عازب، قال (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جنازة
رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر، ولم يُلْحِدْ بعدُ ، فجلس النبى صلى الله عليه وسلم
مستقبل القبلة ، وجلسنا معه )) .
وأخرجه النسائي وابن ماجة .
باب فى الدعاء للميت إذا وضع فى قبره [ ٣: ٢٠٦]
٣٠٨٤ - عن ابن عمر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا وُضِع الميت فى القبر قال:
بسم الله، وعلى سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم)).
وأخرجه النسائى مسنداً وموقوفاً .
باب الرجل يموت له القرابة المشرك [٣: ٢٠٦]
٣٠٨٥ - عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال « قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن
عَمِّكَ الشيخَ الضَّالَّ قد مات، قال: اذْهَبْ فَوَارٍ أَكَ، ثُمَّ لا يُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيِى
قال: فذهبت ، فوارَيتُه، وجئته، فأمرنى فاغتسلتُ ، فدعا لى)).
وأخرجه النسائى .
٣٠٨٣ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وأخرجه الإمام أحمد والحاكم فى صحيحه .
وقد أعله أبو حاتم بن حبان بأن قال: زاذان لم يسمعه من البراء ، قال : ولذلك لم أخرجه.
وهذه العلة فاسدة ، فإن زاذان قال: سمعت البراء بن عازب يقول - فذكره - ذكره
أبو عوانة الإسفرائينى فى صحيحه .
وأعله ابن حزم أيضاً بضعف المنهال بن عمرو .
وهى علة فاسدة ، فان المنهال ثقة صدوق ، وقد محمه أبو نعيم وغيره .
م ٢٢ - مختصر المتن - ج٤

- ٣٣٨ -
باب فى تعميق القبر [٣: ٢٠٦ ]
٣٠٨٦ - عن هشام بن عامر، قال ((جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوم أحد . فقالوا: أصابنا قُرْح وجَهْد، فَكيف تأمرنا؟ قال: احْفِرِوا، وأوْسُوا، وَاجْعَلُوا
الرجلين والثلاثة فى القبر. قيل: فأيُّهم يقَدَّم؟ قال: أكثرهم قرآنًا. قال: أصيب أبي
يومئذ - عامرٌ بين اثنين، أو قال: واحد)) .
٣٠٨٧ - وفى رواية «وأعمقوا)).
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن صحيح .
باب فى تسوية القبر [ ٣: ٢٠٧]
٣٠٨٨ - عن أبي حَيَّاج الأسدى، قال ((بعثنى علىّ ، قال: أبعثك على ما بعثنى عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا أدَعَ قبراً مُشِرِفًا إلا سَوَّيْتُهُ، ولا تمثالا إلا طَمَسْتُهُ)).
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائى.
٣٠٨٩ - وعن أبى على الهمدانى - وهو تُمامة بن شُفَىٍّ - من تابعى أهل مصر، قال ((كنا
مع فُضالة بن عبيد برودِس بأرض الروم ، فتُوَّى صاحبٌ لنا ، فأمر فُضَالة بقبره فَسُوِّىَ، ثم
قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها)).
٣٠٨٨ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وهذه الآثار لاتضاد بينها، والأمر بتسوية القبور إنما
هو تسويتها بالأرض ، وأن لا ترفع مشرفة عالية، وهذا لا يناقض تسنيمها شيئاً يسيراً
عن الأرض .
ولو قدر تعارضها حديث سفيان بن دينار التمار أصح من حديث القاسم .
وقال البيهقى : وحديث القاسم بن محمد في هذا الباب أصح، وأولى أن يكون محفوظاً .
وليس الأمر كذلك . حديث سفيان: رواه البخارى فى صحيحه ، وحديث القاسم لم يروه
أحد من أصحاب الصحيح .
قال الشيخ أبو محمد المقدسى: حديث سفيان التمار أثبت وأصح ، فكان العمل به أولى.
قال البيهقى فى حديث سفيان: وصحة رواية سفيان له ((مسماً)) فكأنه غير - يعنى
القبر - عما كان عليه فى القديم. فقد سقط جداره فى زمن الوليد بن عبد الملك، ثم أصاح.