النص المفهرس
صفحات 281-300
- ٢٧٩ - باب العيادة فى الرمد [ ٣: ١٥٣] ٢٩٧٤ - عن زيد بن أرقم، قال ((عادنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وَجَع كان بَعَيْنَىَّ )). ذكر بعضهم عيادة المغمى عليه. وقال: فيه رَدّ ولما يعتقده عامة الناس : أنه لا يجوز عندهم عيادة من مرض من عينيه . وزعموا ذلك لأنهم يرون فى بيته مالا يراه هو . قال : وحالة الإغماء أشد من حالة مرض العينين . وقد جلس النبى صلى الله عليه وسلم فى بيت جابر فى حالة إغمائه حتى أفاق ، وهو صلى الله عليه وسلم الحجة . هذا آخر كلامه . وحديث زيد بن أرقم - الذى ذكره أبو داود - حديث حسن . باب الخروج من الطاعون [٣: ١٥٣] ٢٩٧٥ - عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ٢٩٧٥ - قلت: فى قوله ((لا تقدموا عليه)) إثبات الحذر والنهى عن التعرُّض للتلف. - ٢٩٧٤ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وفى هذا رد على من زعم أنه لايعاد من الرمد . وزعموا أن هذا لأن العواد يرون فى بيته مالا يراه هو . وهذا باطل من وجوه . أحدها : هذا الحديث . الثانى : جواز عيادة الأعمى . الثالث : عيادة المغمى عليه ، وقد جلس النبى صلى الله عليه وسلم فى بيت جابر فى حال إغمائه حتى أفاق ، وهو صلى الله عليه وسلم الحجة . وهذا القول فى كراهة عيادة المريض بالرمد إنما هو مشهور بين العوام فتلقاه بعضهم عن بعض . ٢٩٧٥ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: والصواب فى ذلك: مادل عليه النص : أنه لا ينبغى القدوم على الأرض التى هو بها، فان ذلك تعرض للبلاء ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمنى لقاء العدو، وإذا وقع فى أرض هو فيها، فإِنه لا ينبغى له أن يفر منه بالخروج منها ، - ٢٨٠ - ((إِذَا سَمِعْتِمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدُمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بأرض وأثُ بها ، فلا تَخْرجوا فِراراً منه )) . وأخرجه البخارى ومسلم مطولاً . واختلف السلف فى ذلك . فمنهم من أخذ بظاهر الحديث. وهم الأكثر. روى عن عائشة قالت ((هو كالفرار من الزحف)» ومنهم من دخل إلى بلاد الطاعون وخرج عنها . وروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب ، وأنه ندم على رجوعه من سَرْغ (١) . وروي عن أبى موسى الأشعرى ومسروق والأسود بن هلال: أنهم فروا من الطاعون . وروى عن عمرو بن العاص نحوه . وقال بعض أهل العلم: لم ينه عن دخول أرض الطاعون والخروج عنها مخافة أن يصيبه غير ما كتب عليه، أو يهلك قبل أجله، لكن حذار الفتنة على الحى من أن يظن أن هُلك من هلك من أجل قدومه، ونجاة من نجا فراره. وهذا نحو نهيه عن الطِيرة والقرب من المجذوم، مع قوله (( لا عدوى ولا طيرة)). وقد روى عن ابن مسعود أنه قال (( الطاعون فتنة على المقيم وعلى الفار. أما الفار: فيقول : فررت فنجوت. وأما المقيم فيقول: أقمت فمت)) (٢). باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة [٣: ١٥٤ ] ٢٩٧٦ - عن عائشة بنت سعد: أن أباها قال: ((اشتكيت بمكة، فجاءنى النبى صلى الله وفى قوله (( لا تخرجوا فراراً .فه)) إثبات للتوكل، والتسليم لأمر الله وقضائه. فأحد الأمرين : تأديبٌ وتعليم، والآخر: تفويضٌ وتسليم . وإن ظن فى ذلك نجاته ، بل ينبغى له أن يصبر ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى العدو (( وإذا لقيتموه فاصبروا)) لاسيما والطاعون قد جاء ((أنه وخز أعدائنا من الجن)) فالطاعون كالطعان ، فلا ينبغى الفرار منهما ولا تمنى لقائهما. (١) موضع بالشام بين المغيثة وتبوك. (٢) الأظهر من معنى الحديث: أنه أراد المعنى المعروف اليوم بالحجر الصحى، حتى حصر المرض ويمنع انتشار الوباء به . ويمكن تلافى شره بسهولة ، والواجب على المسلمين تنفيذ هذا بدقة اتباعا لوصية رسولهم صلى انته عليه وسلم - ٢٨١ - عليه وسلم يعودنى ، ووضع يده على جبهتى، ثم مسح صدرى وبطنى، ثم قال: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدَاً وَأَتْ لَهِهِرَتَهُ)). وأخرجه البخارى أتم منه . باب الدعاء للمريض عند العيادة [ ٣: ١٥٥] ٢٩٧٧ - عن ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((مَنْ عَادَ مَرِيضًاً لَمْ يَحْضُرْ أجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَه سَبْعَ مِرَارٍ: أسأل الله العظيم ربَ العرش العظيم أن يشفيكَ ، إلا ◌َاَفَاه الله من ذلك المرض)). وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمرو . هذا آخر كلامه . وفى إسناده: يزيد بن عبد الرحمن ، أبو خالد المعروف بالدَّالانى. وقد وثقه أبو حاتم الرازى . وتكلم فيه غير واحد. ٠ ٢٩٧٨ - عن ابن عمرو - وهو عبد الله بن عمرو بن العاص - قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم ((إذا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضاً فَلْيقلْ: اللهم اشْفِ عبدَكَ، يَنْكأُ لك عَدُوًّا، أو يمشى لك إلى جنازةٍ))(١) . باب كراهية تمنى الموت [٣: ١٥٥] ٢٩٧٩ - عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يَدْعُوَنَّ أحَدُكُمْ بِلَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَلَكِنْ لَيَقُلْ: اللّهِمَّ أَحْيِى مَا كَانَتَ أَلْيَةٌ خَيْرَّالِى، وَتَوَفَّى إِذَا كَنَّتِ الْوَقَةُ خَيْرَا لِ )) . ٢٩٨٠ - وفى رواية قال ((لاَ يَتَمَنََّنَّ أَحَدُ كُمْ المَوْتَ)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . (١) سكت عنه المنذرى. قال فى عون المعبود: وأخرجه ابن حبان والحاكم. - ٢٨٢ - باب موت الفجأة [٣: ١٥٦] ٢٩٨١ - عن عبيد بن خالد السُّمى - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال مرة: عن النبى صلى الله عليه وسلم، ثم قال مرة: عن عبيد، قال: ((مَوْتُ الْفَجْأةُ أَخْذَةُ آسِفِ» . وقد روى هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبى هريرة وعائشة ، وفى كل منها مقال . وقال الأزدى : ولهذا الحديث طرق ، وليس فيها صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . هذا آخر كلامه . وحديث عبيد - هذا - الذى أخرجه أبو داود - رجال إسناده ثقات . والوقف فيه لا يؤثر، فإن مثله لا يؤخذ بالرأى، فكيف ؟ وقد أسنده الراوى مرة . والله أعلم. باب فى فضل من مات فى الطاعون [ ٣: ١٥٦ ] ٢٩٨٢ - عن جابر بن عَتِيك ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله ابن ثابت، فوجده قد غُلِبَ ، فصاح به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يجبه، فاسترجَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيع . فصاح النسوة وبَكَيْنَ . فجعل ابنُ عتيك يُسْكِتَهُنَ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعْهُنَّ، ٠ ٢٩٨١ - ((الأسف)) الغضبان. ومن هذا قوله تعالى (٤٣: ٥٥ فلما آسفونا انتقمنا منهم) ومعناه - والله أعلم - أنهم فعلوا ما أوجب الغضب عليهم ، والانتقام منهم. ٢٩٨٢ - قلت : أصلُ الوجوب ، فى اللغة: السقوط قال الله تعالى (٣٦:٢٢ فإذا وَجَبتْ جُنُوبها فكلوا منها ) وهو أن تميل فتسقط ، وإنما يكون ذلك إذا زهقت نفسها ، ويقال للشمس إذا غابت : قد وجبت الشمس . وقوله (( والمرأة تموت بجمع )) فهو أن تموت وفى بطنها ولد . - ٢٨٣ - فإذا وَجَبَ فلا تَبْكِيَنَّ باكِيةٌ . قالوا: وما الوجوب يا رسول الله ؟ قال: الموت . قالت ابنته: والله إنْ كنتُ لأرجو أن تكون شهيداً ، فإنك كنت قد قضيت جهازك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله عز وجل قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، ومَا تَعُلُّونَ الشَّهَادَةَ ؟ قالوا : القتل فى سبيل الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشَّهَادَةُ سَبْعٌ ، سوى القتل فى سبيل الله: الْمَطْعُونْ شهيد، والْغَرِقُ شهيد ، وصاحِبُ ذات الْجَنْبِ شهيد، والْمَبْطُونُ شهيد ، وصاحِبُ الحريق شهيد، والذى يموت تحت الهدمِ شهيد، والمرأة تموت بِجُمْعٍ شهيدة(١))). وأخرجه النسائي وابن ماجة . وقال النمرى: رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت، لم يختلفوا فى إسناده ومتنه . وقال غيره : صحيح من مسند حديث مالك. وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث أبى هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( الشهداء خمسة: المطعون ، والمبطون، والغرق ، وصاحب الهدم . والشهيد فى سبيل الله)) . وفى رواية له (( من قتل فى سبيل الله فهو شهيد . ومن مات فى سبيل الله فهو شهيد))، باب المريض يتعاهد من أظفاره وعانته [ ٣: ١٥٧ ] ٢٩٨٣ - عن أبى هريرة، قال (( ابتاع بنو الحرث بن عامر بن نوفل خُبَيْباً، وكان خبيبٌ هو قتلَ الحارثَ بن عامر يومَ بدرٍ. فلبث خُبيب عندهم أسيراً، حتى أجمعوا لقتله، فاستعار من ابنة الحارث موسَى يَسْتَحِدُّ بها ، فأعارته، فدرَج بنىٌّ لها وهى غافلة، حتى أتته فوجدته مُخْلياً ، وهو على فخذه، والموسَى بيده، ففزِعَتْ فَزْعَة عرفها فيها ، فقال: أَخْشَيْنَ أن أقتله؟ ما كنتُ لأفعل ذلك)). وأخرجه البخارى والنسائى مطولاً . (١) فى عون المعبود: بجمع - بضم الجيم، وتكسر، وسكون الميم - قاله القارى. والجمع: بمعنى المجموع. كالذخر بمعنى المذخور . قال الخطابي: معناه: أن تموت وفى بطنها ولد. وفى النهاية: التى تموت فى بعتها ولد ، وقيل : التى تموت بكرا . اه والمعنى: أنها ماتت مع جزين مجموع خلقه فى رحمها . - ٢٨٤ - وخبيب : بضم الخاء المعجمة، وبعدها باء بواحدة مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة وباء بواحدة . باب حسن الظن بالله عند الموت [٣: ١٥٨] ٢٩٨٤ - عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل .. موته بثلاث قال ((لاَ يَمُوتُ أَحَدُ كم إلا وهو يُحتِن بالله الظنّ)). وأخرجه مسلم وابن ماجة . قيل: إنما يحسن بالله الظن: من حَسُنٍ عمله: فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن. ظنكم بالله . فإن من ساء عمله ساء ظنه . وقد يكون أيضاً حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو. والله جواد كريم . لا واخَذَنا الله بسوء أفعالنا. ولا وكلنا إلى حسن أعمالنا برحمته . وذكر بعضهم أنه تحذير من القنوط المهلك . وحَضٌّ على الرجاء عند الخاتمة ، لئلا يغلب الخوف حينئذ عليه، فيخشى عليه غلبة اليأس والقنوط فيهلك . وعبادة الله إنما هى بين أصلين : الخوف والرجاء ، فتستحب غلبة الخوف ما دام الإنسان فى مُهلة العمل. فإذا دنا الأجل وذهب المَهَل استحب حينئذ غلبة الرجاء ، ليلقى الله تعالى على حالة هى أحب الأحوال إليه جل اسمه . إذ هو الرحمن الرحيم ، ويحب الرجاء . وأثنى على نبيه بذلك . ويؤيده: «يبعث كل أحد على ما مات عليه)). وذكر أن هذا يدل على سعة معرفة الإمام مسلم، إذ ذكر هذا بعقب حديث حسن الظن ، وأنه أورده على معنى التفسير له . والله أعلم . ٢٩٨٤ - قلت: إنما يحسن بالله الظن من حسن عمله، فكأنه قال : أحسنوا أعمالكم محسن ظنكم بالله . فإن من ساء عمله ساء ظنه . وقد يكون أيضاً حسن الظن بالله من ناحية الرجاء ، وتأميل العفو ، والله جواد كريم لا وَاخذنا الله بسوء أفعالنا . ولا وكلنا إلى حسن أعمالنا برحمته . - ٢٨٥ - باب تطهير ثياب الميت عند الموت [٣: ١٥٨ ] ٢٩٨٥ - عن أبى سعيد الخدرى ((أنه لما حضره الموت دعا بثيابٍ جُدُدٍ فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الْمَيِّتُ ◌ُبْعَثُ فِ ثِيَابِهِ الَّتِى يَمُوتُ فِيهَا )) : ٢٩٨٥ - قلت : أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره ، وقد روى فى تحسين الكفن أحاديث . وقد تأوله بعض العلماء على خلاف ذلك ، فقال : معنى الثياب العمل ، كنى بها عنه، يريد أنه يبعث على مامات عليه من عمل صالح أو عمل سيء. قال والعرب تقول فلان طاهر الثياب ، إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب سودَ نَسُ الثياب إذا كان بخلاف فى ذلك . واستدل فى ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم ((تحشر الناس حُفاة عراة)) فدل ذلك على أن معنى الحديث ليس على الثياب التى هى الكفن . وقال بعضهم : البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب ، والحشر مع العرى والحفا . والله أعلم. ٢٩٨٥ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: استعمل أبو سعيد الحديث على ظاهره . وقد روى فى تحسين الكفن أحاديث. وقد تأوله بعضهم على أن معنى الثياب العمل ، كنى بها عنه، يريد أنه يبعث على مامات عليه من عمل صالح أو سىء. قال: والعرب تقول : فلان طاهر الثياب ، إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب والدنس ، وتقول : دنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك ، واستدل بقوله تعالى (٧٤: ٤ وثيابك فطهر) وأكثر المفسرين على أن المعنى: وعملك فأصلح ، ونفسك فزك . قال الشاعر ثياب بنى عوف طهارى نقية قال: وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (« يحشر الناس حفاة عراة) وقالت طائفة : البعث غير الحشر ، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب ، والحشر مع العري والحفا . ٠ - ٢٨٦ - باب ما يستحب أن يحضر الميت من الكلام [ ٣: ١٥٨ ] ٢٩٨٦ - عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذَا حَضَرْ ثُم الميِّتَ، فقولوا خيراً ، فإن الملائكة يُؤَمِّنُونَ عَلَى ما تقولون . فلما مات أبو سَلَمة قلت : يارسول الله ما أقول ؟ قال: قُولِى: اللّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وأَعْقِبْنَا عُقْتَى صالحة ، قالت : فأعقبنى الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم)) وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . وقيل : ذلك داخل فى قوله (٤٣: ٥ ويستغفرون لمن فى الأرض ). باب فى التلقين [٣: ١٥٩] ٢٩٨٧ - عن معاذ بن جبل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ كَانَ آخِرِ كَلاَمِهِ لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ دَخَلَ الجنة)). ٢٩٨٨ - وعن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَقَنُوا مَوْتَاكُم قَوْلَ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ)). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة . باب تغميض الميت [ ٣: ١٥٩] ٢٩٨٩ - عن أم سلمة، قالت « دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى سلمة ، وقد شَقَّ بصرُه، فأغمضه، فَصَيَّحَ ناسٌ من أهله، فقال: لاَ تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إلّ بخير . فإنَّ ٢٩٨٨ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد روى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم مثله سواء، وروى ضمام بن اسمعيل عن موسى بن وردان عن أبى هريرة يرفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم قال (( أكثروا من لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينكم وبينها ، ولقنوها موتاكم)) ذكره أبو أحمد بن عدى. وضمام هذا صدوق صالح الحديث . قاله عبد الحق الاشبيلى . - ٢٨٧ - الْملاَئِكَةَ يُؤمِنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. ثم قال: اللّهُمَّ اغْفِرْ لأبِى سَلَمَةَ ، وارفع درجته فى المهديين، واخْلَفْهُ فى عَقبه فى الغابرين، واغفر لنا وله رَبَّ العالمين ، اللهم افْسَحْ له فى قبره ونَوِّر له فيه )» وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة باب الاسترجاع [٣ : ١٥٩] ٢٩٩٠ - عن عمر بن أبى سلمة، عن أم سلمة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إِذَا أَصَابَتْ أَحَدَ كُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ (١٥٦:٢ إنا لله وإنا إليه راجعون) اللهم عندك أَحتَسبُ مصيبتى ، فَآجِرنى فيها وأبدلنى بها خيراً منها)) (١) وأخرجه النسائى . وعمر بن أبى سلمة - هذا - هو ابن أبى سلمة عبد الله بن الأسود المخزومى ، ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. أكل مع النبى صلى الله عليه وسلم فى صَحْفَة ، ورآه يصلى فی ثوب واحد . وقد أخرجه مسلم فى صحيحه من حديث ابن سفينة عن أم سلمة بنحوه أتم منه . باب الميت يَسَجَّى [٣: ١٦٠] ٢٩٩١ - عن عائشة ((أن النبى صلى الله عليه وسلم سُجِى فى ثوب حِبَرَةٍ)) وأخرجه البخارى ومسلم باب القراءة عند الميت [ ٣: ٢٦٠ ] ٢٩٩٢ - عن أبى عثمان - وليس بالنَّهدى - عن أبيه، عن مَعْقل - وهو ابن يسار - قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم ((اقرؤا (يسَ) على موتاكم)) وأخرجه النسائى (٢) وابن ماجة . وأبو عثمان وأبوه ليا بالمشهورين . . (١) ((آجرنى)) روى بالمد وكسر الجيم، وبالقصر وضم الجيم. يقال: أجره اللّه بأجره، وآجره: لغتان. وأنكر الأصمعى المد. وكذلك من الإجارة. ومعنى أجره الله: أى أثابه على عمله ووفاه أجره عليه . من هامش المنذرى . (٢) قال فى عون المعبود: قال المزى: والحديث أخرجه النسائى فى عمل اليوم والليلة - ٢٨٨ - ومعقل: بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف: وآخره لام باب الجلوس عند المصيبة [٣: ١٦٠] ٢٩٩٣ - عن عائشة، قالت (( لما قُتل زيدُ بن حارثة وجعفرُ وعبد الله بن رواحة جلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد، يُعرَفُ فى وجهه الحزنُ - وذكر القصة)) وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. وبَوّب عليه البخارى (( من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن )» باب التعزية [ ٣: ١٦٠ ] ٢٩٩٤ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال (( قَبَرْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنى ميتاً - فلما فرغنا انصرفَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفنا معه، فلما حاذَى بابَه وقف ، وإذا نحن بامرأة مقبلة ، قال: أظُنّه عرفها، فلما ذهبت، إذا هى فاطمةُ ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخرجك يافاطمة من بيتك ؟ فقالت : أتيت يارسول الله أهلَ هذا البيتِ ، فَرجَّعْتُ إليهم مَيْتُهُمْ أو عَزَّيْتُهُمْ به ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَعَلَّكِ بَلَغْتِ معهم الكُدَى؟ قالت: معاذ الله !! وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الكدى - فذكر تشديدا فى ذلك (١) - فسألت ربيعة عن الكُدَى ، فقال: القبور فيما أحسب)). ٢٩٩٤ - ((الكدى)) جمع الكُذية، وهى القطعة الصُّلبة من الأرض، والقبور إنما تحفر فى المواضع الصلبة لئلا تنهار ، والعرب تقول: ماهو إلا ضَبُّ كَدية ، إذا وصفوا الرجل : بالدهاء والأرب . ويقال: أكدى الرجل: إذا حفر فأفضى إلى الصلابة . ويضرب به المثل فيمن أخفق ، فلم ينجح فى طلبته . (١) الذى حذفه أبو داود، وكنى عنه بالتشديد: مارواه النسائى مصرحا وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك)» وصنيع النسائى خير من صنيع أبى داود. فإن عبد المطلب هو جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تكلم الرسول بهذا أمام الناس ليعلمهم ، وفى كل كلمة من كلامه صلى الله عليه وسلم من الفوائد ما يظهر لبعض الناس ويخفى على غيره . فينبغى رواية الحديث كما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم بدون حذف ولا تغيير. وهذا هو الأدب اللائق مع رسالته صلى الله عليه وسلم . - ٢٨٩ - وأخرجه النسائى. وربيعة - هذا - هو فى إسناد هذا الحديث. وهو ربيعة بن سيف المعافرى ، من تابعى أهل مصر . وفيه مقال . باب الصبر على المصيبة [ ٣: ١٦١ ] ٢٩٩٥ - عن أنس، قال ((أتى نىُّ الله صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكى على صَبِىّ لها: فقال لها : اتقى الله واصبرى ، فقالت : وما تُبالى أنتَ بمصيبتي؟ فقيل لها : هذا النبى صلى الله عليه وسلم، فأتته . فلم تجد على بابه بَوَّابين. فقالت: يارسول الله، لم أعرفك، فقال: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولى، أو عِندَ أَوَّل صَدْمَة)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى. باب فى البكاء على الميت [٣: ١٦٢] ٢٩٩٦ - عن أسامة بن زيد ((أن بنتًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت" إليه، وأنا معه، وسعدٌ - وأحسِبُ أُبَيَّا- أنَّ ابنى، أو ابنتى، قد حُضِرَ ، فاشْهَدْنا، فأرسل يقرأ السلام وقال : قُلْ: لثِ ما أخذ، وما أعطى، وكل شىء عنده إلى أجل . فأرسلت تَقْسِم عليه ، فأتاها ، فوُضِعَ الصبىُّ فى حِجْرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونفسُه تَتَقَعْقَعُ ، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد: ما هذا؟ قال: إنها رَحْمَة ، يضعها الله فى قلوب من يشاء، وإنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)) وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . ٢٩٩٧ - وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وُلِدَلى اللّيْلَةَ غُلَامٌ، فسمَّته باسم أبى إبراهيم - فذكر الحديث - قال أنس: لقد رأيته يكيد بنفسه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدمعتْ عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَ مَا يُرُضِى رَبْنَا، إنّا بِكَ يَا إِْراهِيمِ لَحْزُونُونَ)). وأخرجه مسلم ، وأخرجه البخارى تعليقا . م ١١ - مختصر السنن - ج ٤ - ٢٩٠ - باب فى النوح [٣: ١٦٢ ] ٢٩٩٨ - عن أم عطية. قالت ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن النَيَاحة)» وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . وأم عطية : اسمها نُسَيِبة بنت كعب الأنصارية، تُعَدُ فى أهل البصرة . وهى بضم النون وفتح السين المهملة، وياء آخر الحروف ساكنة ، وباء بواحدة، وتاء تأنيث. ٢٩٩٩ - وعن أبى سعيد الخدرى، قال ((لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة ». فى إسناده: محمد بن الحسن بن عطية العوفي، عن أبيه عن جده، وثلاثتهم ضعفاء ٣٠٠٠ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ ◌ِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ ، فذكر ذلك لعائشة، فقالت: وَهِلَ - تعنى ابنَ عمر - إنما مَرَّ ٣٠٠٠ - قلت: قد يحتمل أن يكون الأمر فى هذا على ما ذهبت إليه عائشة، لأنها قد روت ((أن ذلك إنما كان فى شأن يهودى)) والخبر المفسّر أولى من المجمل. ثم احتجت له بالآية وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحاً من غير أن يكون فيه خلاف الآية . وذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم . وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم وهو موجود فى أشعارهم، كقول القائل، وهو طَرَفة: إذا مُتُّ فانعينى بما أنا أهله وشُقِّ علىّ الجيب ، يا أم معبدِ وكقول لَبيد : ولا تَخَمِشا وجهاً ، ولا تحلقا الشعر فقوما ، فقولا بالذى تعلمانه ٣٠٠٠ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: هذا أحد الأحاديث التى ردتها عائشة واستدركتها، ووهمت فيه ابن عمر . والصواب مع ابن عمر، فإنه حفظه ولم يتهم فيه . وقد رواه عن النبى صلى الله عليه وسلم أبوه عمر بن الخطاب ؛ وهو فى الصحيحين ، وقد وافقه من حضره من جماعة الصحابة ، كما أخرجا فى الصحيحين عن ابن عمر قال (( لما طعن عمر أغمى عليه، فصيح عليه، فلما أفاق - ٢٩١ - النبى صلى الله عليه وسلم على قبر، فقال: إنّ صَاحبَ هَذَا لَيُعَذَّبُ، وأهله يبكون عليه - ثم قرأت ( ولا تزر وازرة وزرة أخرى))) أضاع ، ولا خان الأمین ، ولاغدر وقولا : هو المرء الذى لا صديقه ومن یبک حولاً كاملاً فقد اعتذر إلى الحول، ثم اسم السلام عليكما ومثل هذا كثير فى أشعاره . وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة فى ذلك بما تقدم من أمره إياهم بذلك وقت حياته ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من سن سُنَّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها )) وقولها ((وَهَل ابن عمر)) معناه: ذهب وهَله إلى ذلك. يقال: وهَل الرجل ووهم بمعنى واحد. كل ذلك بفتح الهاء . قال: أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليعذب ببكاء الحى؟)) وأخرجا أيضاً عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الميت يعذب بما نيح عليه)) وأخرجا فى الصحيحين أيضاً عن أبي موسي قال (( لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: وا أخاه ، فقال له عمر: ياصهيب، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليعذب بيكاء الحى ؟)» وفى لفظ لهما: قال عمر ((والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من یبك علیه یعذب )». وفى الصحيحين عن أنس (( أن عمر لما طعن أعولت عليه حفصة، فقال: يا حفصة، أما سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: المعول عليه يعذب)» وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((من نيح عليه ، فانه يعذب بما نيح عليه )) فهؤلاء عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وابنته حفصة ، وصهيب ، والمغيرة بن شعبة كلهم يروى ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم . ومحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا فى الحديث . - ٢٩٢ - وفى رواية « على قبریہودی » وأخرجه مسلم والنسائى . فإذا قلت : وهل - بكسر الهاء - كان معناه: فزِع. وفيه وجه آخر ، ذهب إليه بعض أهل العلم ، قال : وتأويله : أنه مخصوص فى بعض الأموات الذين وجب عليهم بذنوب اقترفوها ، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابهم وقت البكاء عليهم، ويكون كقولهم: مطرنا بنَوء كذا ، أى عند نوء كذا. كذلك قوله ((إن الميت يعذب ببكاء أهله)) أى عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه. ويكون ذلك حالاً، لا سبباً . لأنا لو جعلناه سبباً لكان مخالفاً للقرآن . وهو قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى) والله أعلم . والمعارضة التی ظنتها أم المؤمنين رضى الله عنها بین روايتهم وبين قوله تعالى (لا تزر وازرة وزر أخرى ) غير لازمة أصلاً . ولو كانت لازمة لزم فى روايتها أيضاً : أن الكافر یزیده الله ببكاء أهله عذاباً، فإن الله سبحانه لا يعذب أحداً بذنب غيره الذى لا تسبب له فيه. فما تجيب به أم المؤمنين عن قصة الكافر يجيب به أبناؤها عن الحديث الذى استدركته عليهم. ثم سلكوا فى ذلك طرقاً . أحدها : أن ذلك خاص بمن أوصى أن يناح عليه ، فيكون النوح بسبب فعله ، ويكون هذا جارياً على المتعارف من عادة الجاهلية ، كما قال قائلهم : إذا مت فانعينى بما أنا أهله وشقى علي الجيب يا ابنة معبد وهو كثير فى شعرهم. وأما من لم يتسبب إلى ذلك بوصية ولا غيرها فلا يتناوله الحديث . وهذا ضعيف من وجهين . أحدهما : أن اللفظ عام. الثانى : أن عمر والصحابة فهموا منه حصول ذلك ، وإن لم يوص به . ومن وجه آخر: وهو أن الوصية بذلك حرام يستحق بها التعذيب ، نيح عليه أم لا . والنبى صلى الله عليه وسلم إنما علق التعذيب بالنياحة لا بالوصية . المساك الثانى : أن ذلك خاص بمن كان النوح من عادته وعادة قومه وأهله ، وهو يعلم أنهم - ٢٩٣ - ٣٠٠١ - وعن يزيد بن أوس، قال «دخلت على أبى موسى، وهو ثقيل، فذهبتْ امرأتُهُ لتبكى، أو تَّهُمُّ به، فقال لها أبو موسى: أما سمعتٍ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت : بلى، قال: فسكتت ، فلما مات أبو موسى ، قال يزيد: لقيت المرأة ، فقلت لها : ما قولُ أبي موسى لكِ: أما سمعتٍ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سكتِّ؟ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ مِنَّ مَنْ سَلَقَ، وَمَنْ حَلَقَ، وَمَنْ خَرَّقَ)). ينوحون عليه إذا مات . فاذا لم ينههم كان ذلك رضى منه بفعلهم ، وذلك سبب عذابه وهذا مسلك البخارى فى صحيحه، فإنه ترجم عليه وقال « إذا كان النوح من سننه)) وهو قريب من الأول المسلك الثالث: أن الباء ليست باء السببية ، وإنما هى باء المصاحبة . والمعنى : يعذب مع بكاء أهله عليه ، أى يجتمع بكاء أهله وعذابه ، كقولك: خرج زيد بسلاحه . قال تعالى (٦١:٥ وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ) وهذا المسلك باطل قطعاً ، فإنه ليس كل ميت يعذب ، ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على السببية، كما فهمه أعظم الناس فهماً . ولهذا ردته عائشة لما فهمت منه السببية ، ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذى رواه المغيرة يبطل هذا التأويل ، ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لافائدة فيه . المسلك الرابع: أن المراد بالحديث: ما يتألم به الميت ، ويتعذب به، من بكاء الحى عليه. وليس المراد : أن الله تعالى يعاقبه بيكاء الحى عليه ، فإن التعذيب هو من جنس الألم الذى يناله بمن يجاوره مما يتأذى به ونحوه. قال النبى صلى الله عليه وسلم ((السفر قطعة من العذاب)) وليس هذا عقابا على ذنب ، وإنما هو تعذيب وتألم ، فإذا وبح الميت على مايناح به عليه لحقه من ذلك تألم وتعذيب . ويدل على ذلك: ماروى البخارى فى صحيحه عن النعمان بن بشير قال (( أغمى على عبد الله بن رواحة ، جعلت أخته عمرة تبكى : واجبلاه ، واكذا ، واكذا ، تعدد عليه ، فقال ، حین أفاق : ماقلت شيئاً إلا قيل لى: أأنت كذلك ؟)) وقد تقدم قول النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث عبد الله بن ثابت (( فإذا وجب فلا تبكين باكية)» وهذا أصح ماقيل فى الحديث . ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحمى ، ويسمع قرع نعالهم ، وتعرض عليه أعمال أقاربه الأحياء ، فإذا رأى ما يسؤهم تألم له ، وهذا ونحوه مما يتعذب به الميت ويتألم ، ولا تعارض بين ذلك وبين قوله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) بوجه ما . -- ٢٩٤ - وأخرجه النسائى . وامرأة أبى موسى : هى أم عبد الله . وقد روى هذا الحديث عنها عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم . وأخرجه النسائى أيضا ٣٠٠٢ - وعن امرأة من المبايعات، قالت ((كان فيما أخذ علينا رسولُ الله صلى الله عليه . وسلم فى المعروف - الذى أخذ علينا: أن لا نعصيه فيه - أن لا تَخْشَ وجهاً، ولا ندعو وَيْلاً ، ولا نَشُقَّ جَيْبًا ، وأن لاَ نْشُر شعراً)» باب صنعة الطعام لأهل الميت [ ٣: ١٦٤] ٣٠٠٣ - عن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اصْنَعوا ◌ِآلِ جَعْفَرِ طَعَاماً. فإنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يَشَغَلُهُمْ)). وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: حسن مميح . . قال الشافعى: وأُحِبُّ لقرابة الميت أن يعملوا لأهل الميت فى يومهم وليلتهم طعاماً يُشبعهم . وقال غيره - بعد ذكر الحديث - : ولأن ذلك من البر والتقرب إلى الأهل والجيران. فكان مستحبًّا . باب فى الشهيد يغسل [ ٣: ١٦٤ ] .. ٣٠٠٤ - عن جابر - وهو ابن عبد الله - قال «رُمى رجلٌ بسهم فى صَدْره، أو فى حَلْه فمات ، فأُدْرِجَ فى ثيابه كما هو ، قال: ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم )). ٣٠٠٥ - وعن ابن عباس، قال: ((أمر رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقَتْلَى أُحدٍ: أن ◌ُنزِعَ عنهم الحديد والجلود، وأن يُدْفَنَوا بدمائهم، وثيابهم)). وأخرجه ابن ماجة . وفى إسناده: على بن عاصم الواسطى ، وقد تكلم فيه جماعة . وعطاء بن السائب ، وفيه مقال . - ٢٩٥ - ٣٠٠٦ - وعن أنس بن مالك ((أن شهداء أحد لم يُغَسَّلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يُصَلَّ عليهم )). ٣٠٠٦ - قال ابن القيم رحمه الله: وهؤلاء رأوا أن الغسل لم يأت فيه شىء يعارض حديث جابر فى قتلى أحد، وأما الصلاة عليه: فقد أخرجا فى الصحيحين عن عقبة بن عامر ((أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج يوماً ، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت )) وحديث أنس (( أن النبي صلي الله عليه وسلم صلى على حمزة) وحديث أبى مالك الغفارى قال ((كان قتلى أحد يؤتى منهم بتسعة وعاشرهم حمزة ، فيصلى عليهم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم يحملون، ثم يؤتى بتسعة فيصلى عليهم وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم)) هذا مرسل صحيح. ذكره البيهقى، وقال: هو أصح ما فى الباب . وروى أبو بكر بن عياش عن يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس ((أنه صلى عليهم» رواه البيهقى ، وقال : لا يحفظ إلا من حديثهما ، وكانا غير حافظين - يعنى : أبا بكر ، ويزيد ابن أبی زیاد . وقد روى ابن اسحق عن رجل من أصحابه عن مقسم عن ابن عباس (( أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة ، فكبر سبع تكبيرات ، ولم يؤت بقتيل إلا صلى عليه معه ، حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة ) ولكن هذا الحديث له ثلاث علل . إحداها : أن ابن إسحق عنعنه ، ولم يذكر فيه سماعاً . الثانية : أنه رواه عمن لم يسمه . الثالثة : أن هذا قد روى من حديث الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، والحسن لا يحتج به ، وقد سئل الحكم: أصلى النبي صلي الله عليه وسلم على قتلى أحد ؟ قال : لا . سأله شعبة . وقد روى أبو داود عن أبى سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه «فصلي عليه ودفنه، فقالوا: يارسول الله ، أشهيد هو ؟ قال: نعم ، وأنا له شهيد )) وقد تقدم . قالوا : وهذه آثار يقوى بعضها بعضاً ، ولم يختلف فيها ، وقد اختلف فى شهداء أحد . فكيف يؤخذ بما اختلف فيه ، وتترك هذه الآثار ؟ والصواب فى المسألة: أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجىء الآثار بكل واحد من الأمرين وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد ، وهى الأليق بأصوله ومذهبه . - ٢٩٦ - ٣٠٠٧ - وعنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ على حمزة، وقد مُثِّلَ به، فقال: لَوْلاً أَنْ ◌َجِدَ صَّفِيَّهُ فِ نَفْسِهَا لَتَرَ كْتُهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الْعَافَةُ، حتى يُحْشَرَ من بطونها . ٣٠٠٧ - (( العافية)) السباع والطير التى تقع على الجيف فتأكلها، وتُجمع على العوافى. وفيه من الفقه : أن الشهيد لا يغسل . وهو قول عوام أهل العلم . وفيه أنه لا يصلَّ عليه. وإليه ذهب أكثر العلماء . وقال أبو حنيفة : لا يغسل ، ولكن يصلى عليه . ويقال: إن المعنى فى ترك غسله: ما جاء (( أن الشهيد يأتى يوم القيامة وكَلْه يَدْتَى، الريح ريح المسك ، واللون لون الدم )» وقد يوجد الغسل فى الأحياء مقروناً بالصلاة ، وكذلك الوضوء . فلا يجب التطهر على أحد إلا من أجل صلاة يصليها ، إلا أن الميت لا فعل له، فأمرنا أن نفسِّله ليصلَّ عليه : فإذا سقط الغسل سقطت الصلاة . والله أعلم. والحديث مستغنٍ بنفسه عن الاستشهاد له بدلائل الأصول . وفيه جواز أن تدفن الجماعة فى القبر الواحد ، وأن أفضلهم يقدم إلى القبلة . وإذا ضاقت الأكفان ، وكانت الضرورة ، جاز أن يكفن الجماعة منهم فى الثوب الواحد . والذى يظهر من أمر شهداء أحد : أنه لم يصل عليهم عند الدفن . وقد قتل معه بأحد سبعون نفساً ، فلا يجوز أن تخفى الصلاة عليهم . وحديث جابر بن عبد الله فى ترك الصلاة عليهم صحيح صريح ، وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ، فله من الخبرة ماليس لغيره . وقد ذهب الحسن البصرى وسعيد بن المسيب إلى أنهم يغسلون ويصلى عليهم . وهذا ترده السنة المعروفة فى ترك تغسيلهم . :أصح الأقوال: أنهم لا يغسلون ، ويخير فى الصلاة عليهم . وبهذا تتفق جميع الأحاديث ، وبالله التوفيق . - ٢٩٧ - وقَلَّتِ الثيابُ وكَثُرَتِ القتلى ، فكان الرجل والرجلان والثلاثة یُكفّنون فى الثوب الواحد - زاد قتيبة : ثم يدفنون فى قبر واحد- فكان رَسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل: أيهم أكثر قرآناً؟ فيقدِّمه إلى القبلة )). وأخرجه الترمذى . وقال : غريب، لا نعرفه من حديث أنس. إلا من هذا الوجه . وفى حديث الترمذى ( ولم يصلِّ عليهم )) قال الدارقطنى : تفرد به أسامة بن زيد عن الزهرى عن أنس بهذه الألفاظ. ورواه عثمان بن عمر عن أسامة عن الزهرى عن أنس، وزاد فيه حرفاً، لم يأت به غيره، فقال: ((ولم يصل على أحد من الشهداء غيره )) يعنى حمزة. وقال فى موضع آخر : لم ينقل هذه اللفظة غير عثمان بن عمر ، وليس بمحفوظ . وقال البخارى : وحديث أسامة بن زيد هو غير محفوظ ، غلط فيه أسامة بن زيد . هذا آخر كلامه . فأما أسامة بن زيد: فهو الليثى ، مولاهم المدنى. وقد احتج به مسلم، واستشهد به البخارى . وأما عثمان بن عمر: فهو أبو محمد عثمان بن عمر بن فارس البصرى . وقد اتفق البخارى ومسلم على الاحتجاج بحديثه . وجعل بعضهم الصلاة عليه - بمعنى الدعاء - زيادة خصوصية له ، وتفضيلا له على سائر أصحابه . ٣٠٠٨ - وعنه (( أن النبى صلى الله عليه وسلم مَرَّ بحمزة، وقد مُثَّلَ به ، ولم يُصَلِّ على أحدٍ من الشهداء غيره )) . ٣٠٠٨ - قلت : قد تأول قوم تركه صلى الله عليه وسلم الصلاة على قتلى أُحُد: على معنى اشتغاله فى ذلك اليوم عنهم . وليس هذا بتأويل صحيح . لأنه قد دفنهم مع قيام الشغل ، ولم يتركهم على وجه الأرض ، وأكثر الروايات : أنه لم يصل عليهم. - ٢٩٨ - ٣٠٠٩ - وعن جابر بن عبد الله: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قْلَى أحد، ويقول: أيُّهُمَا أكثرُ أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشير له إلى أحدهما قدمه فى اللَّحد ، وقال: أَنَا شَهِيدٌ على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدقنهم بدمائهم ، ولم يغسلهم)). ٢٠١٠ - وفى رواية ((يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى الثوب الواحد)). وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة . وفى حديث البخارى والترمذى ((ولم يصل عليهم )) وقال الترمذى: حسن صحيح وقال النسائى: ما أعلم أحداً تابع الليث - يعنى ابن أسعد - من ثقات أصحاب الزهرى على هذا الإسناد، واختلف على الزهرى فيه . هذا آخر كلامه . ولم يؤثِّ عند البخارى والترمذى تفرد الليث بهذا الإسناد ، بل احتج به البخارى فى صحيحه ، وصححه الترمذى ، کما ذكرناه . باب فى ستر الميت عند غسله [٣: ١٦٥ ] ٣٠١١ - عن عاصم بن ضَمْرة، عن على، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لاَ تُبْرزْ فَخِذِك، ولا تَنْظُرَنَّ إلى فخذ حىّ ولا ميت)» . وأخرجه ابن ماجة . وقال أبو داود : هذا الحديث فيه نكارة : هذا آخر كلامه . وعاصم بن ضمرة : قد وثقه يحيى بن معين وغيره . وتكلم فيه غير واحد . وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الحمام فى الجزء الخامس . وذكر هناك أيضاً حديث جَرْهَد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((أما علمتَ أن الفخذ عورة ؟)) وتقدم الكلام عليه هناك. وقد تأول بعضهم ما روى من صلاته على حمزة : فجعلها بمعنى الدعاء زيادة خصوصية له، وتفضیلاً له على سائر أصمنه.