النص المفهرس

صفحات 261-280

- ٢٥٩ ..
وهكذا رواه مالك في الموطأ مرسلا . ولفظه: عن غير واحد من علمائهم .
وقال أبو عمر: هكذا فى الموطأ عند جميع الرواة مُرْسَلاً، ولم يختلف فيه عن مالك.
وذكر أن الدَّراوَرْدِى رواه عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزبى عن أبيه .
وقال أيضا : وإسناد ر بيعة فيه صالح حسن .
٢٩٣٩ - وعن كثير بن عبد الله بن عوف المزنى، عن أبيه، عن جده ( أن النبى صلى الله
عليه وسلم أقطعَ بِلاَلَ بن الحرث المرْنِى مَعَادنَ الْقَبَلِيَّةِ: جَلْسِيَّهَا ، وَغَوْرِيُّهَا - وقال غيره:
جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا - وحيثُ يصلح الزرع من قَدْسٍ (١)، ولم يُقْطِعْه حق مسلم، وكتبَ له
٢٩٣٩ - قلت يقال : إن معادن القبلية من ناحية الفُرُع .
وقوله ((جلسيها)) يريد نجديها، ويقال لنجد: جَلْس.
قال الأصمعى : وكل مرتفع جلس ، والغور: ما انخفض من الأرض ، يريد: أنه أقطعه
وهادها ورُباها .
قلت : إنما يقطَعُ الناس من بلاد العنوة ما لم يَحُزُه ملك مسلم. فإذا أقطع الامام رجلاً
بياض أرض، فإنه يملكها بالعمارة والإحياء . ويثبت ملكه عليها . فلا تنتزع من يده
أبداً . فإذا أقطعه معدنا، نظر. فإن كان المعدن شيئاً ظاهراً. كالنّط والقِير ونحوهما ، فإنه
مردود. لأن هذه الأشياء منافع حاصلة، وللناس فيها مَرْفِقٍ . وهى لمن سبق إليها . ليس
لأحد أن يتملكها ، فيستأثر بها على الناس .
وإن كان المعدن من معادن الذهب والفضة ، أو النحاس وسائر الجواهر المستكنَّةً
فى الأرض المختلطة بالتربة والحجارة التى لا تُستخرج إلا بمعاناة، فإن العطية ماضية ، إلا
أنه لا يملك رقبتها حتى يَحْظُرُها على غيره، إذا عَطَّلها وترك العمل فيها، إنما له أن يعمل
فيها ما بدا له أن يعمل. فإذا ترك العمل خَلَى بينها وبين الناس ، وهذا كله على
معانى الشافعى .
وفى قوله (( ولم يقطعه حق مسلم )» دليل على أن من ملك أرضاً مرة ثم عطلها ، أو
غاب عنها ، فإنها لا تملك عليه باقطاع أو إحياء. وهى باقية على ملكه الأول .
(١) قدس - بضم القاف وسكون الدال المهملة - جبل معروف. وقيل: هو الموضع المرتفع الذى
يصلح للزراعة . وقيل فيه : قديس . والمشهور الأول .

- ٢٦٠ -
النبى صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله ، بلال بن
الحرث المزنى ، أعطاه معادن الْقَبَلِيَّةِ: جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزرع من قَدْس ،
ولم يعطه حق مسلم ))
قال أبو أويس : وحدثنى ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس مثله.
٢٩٤٠ - وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أقطعَ
بِلاَلَ بنَ الحرث المزنىَّ الْقَبَلِيَّةِ: جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا - وقال ابن النضر: وَجِرْسَها، وذاتَ
النُّعُبِ، ثم اتفقا - وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزرْعِ مِن قَدْس، ولم يُعِطِ بِلال بن الحرث حَقَّ مسلم.
وكتب له النبى صلى الله عليه وسلم: هَذَا مَا أعْطَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بلالَ
ابْنَ الحرث المزنىَّ، أعطاه معادن القبلية: جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزرع من
قُدْس، ولم يعطه حَقَّ مسلمٍ )) .
قال أبو أويس : حدثنى ثور بن زيد، عن عكرمة عن ابن عباس ، عن النبى صلى الله
عليه وسلم ، مثله - زاد ابنُ النضر: وكتب ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس .
قال أبو عمر : وهو غريب من حديث ابن عباس ، ليس يرويه غير أبى أويس عن
ثور. هذا آخر كلامه .
و کثیر بن عبد الله بن عمر بن عوف المُزنی لا یُتج بحديثه ، وأبو أویس - عبد الله بن
عبد الله - أخرج له مسلم فى الشواهد ، وضعفه غير واحد .
٢٩٤١ - وعن أبیض بن حَّال رضى الله عنه « أنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاستقطعه الملح - قال ابن المتوكل: الذى بمأرِبَ - فقطعه له، فَمَّا وَلَّى قال رجلٌ من
المجلس: أَتَدْرِى ما قطعتَ له؟ إنما قطعتَ له الْمَاءِ العِدَّ. قال: فانْتُزِع منه ، قال: وسألته
عما يُحْمَى من الأراك؟ قال: مَالَمْ يَنْهُ خِفافُ - وقال ابن المتوكل: أخْفَاف ـ الإبلِ)).
٢٩٤١ - قلت : وهذا يبين ما قلنا من أن المعدن الظاهر الموجود خيره ونفعه لا يقطعه أحد
و (( الماء العِدُّ)) هو الماء الدائم الذى لا ينقطع .
وفيه من الفقه: أن الحاكم إذا تبين الخطأ فى حكمه نقضه ، وصار إلى ما استبان من
الصواب فى الحكم الثاني .

- ٢٦١ -
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب. هذا آخر
كلامه .
وفى إسناده: أبو عمر محمد بن يحيى بن قيس السَّبائى المأربى . قال ابن عدى : أحاديثه
مظلمة منكرة .
وذكر أبو داود عن محمد بن الحسن المخزومى قال ((مالم تنل أخفاف الإبل)): يعنى
أن الإبل تأكل منتهى رءوسها، ويُحْمَى ما فوقه .
وذكر الخطابى وجها آخر: وهو أنه إنما يحمى من الأراك ما بَعُدَ عن حضرة العمارة .
فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت فى الرعى .
٢٩٤٢ - وعنه رضى الله عنه ((أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حِى الأراك؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَحَِى فى الأراك، فقال: أراكةٌ من حِظَارِى، فقال
النبى عليه السلام: لاَحِى فى الأراك)) .
قال فرج - وهو ابن سعيد السبائى المأربى - يعنى ((بحظارى)): الأرضَ التى فيها
الزرع المحاط عليها .
وقوله ((ما لم تثليث أنخفاض الإبل)) ذكر أبو داود عن محمد بن الحسن المخزومى أنه قال
معناه : أن الإي تأكل منتهي رؤسها . ويحمي ما فوقه .
وفيه وجه آخر، وهو: أنه إنما يحمي من الأراك ما بعد عن حضرة العمارة . فلا
تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت فى الرَّعى .
وفى هذا دليل على أن الكلأ والرعى لا يمنع من السارحة . وليس لأحد أن يستأثر
به دون سائر الناس .
٢٩٤٢ - قلت: يشبه أن تكون هذه الأراكة - يوم أحيا الأرض وحظر عليها- قائمة فيها فملك
الأرض بالإحياء، ولم يملك الأراكة ، إذ كانت مرعَى للسارحة ، فأما الأراك - إذا نبت
فى ملك رجل - فإنه محمّ لصاحبه ، غير محظور عليه تملكه والتصرف فيه. ولا فرق
بينه وبين سائر الشجر الذى يتخذه الناس فى أراضيهم.

- ٢٦٢ -
٢٩٤٣ - وعن عثمان بن أبى حازم عن أبيه عن جده صَخْر ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
غزا تَقَيْفاً ، فلما أنَ سمِعَ ذلك صخرٌ رَكِبَ فى خَيْل ◌ُمِدُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فوجد
نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قد انصرَفَ ولم يفتَح، جل صخرٌ يومئذ عَهْدَ الله وذِمَّتَهُ أنْ
لايفارق هذا القصر، حتى ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فلم يفارقهم حتى
نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم (١)] فكتب إليه صخر: أما بعد، فإن ثقيفاً
قد نزلت على حكمك يارسول الله، وأنا مُقْبِلْ إليهم ، وهم فى خَيْلِ ، فأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالصلاةُ جامعة ، فدعا لأحْمَسَ عَشْرَ دَعَوَاتٍ: اللهم بارك لأحْمَسَ فى
خيلها ورجالها ، وأتاه القومُ، فتكلم المغيرة بن شعبة. فقال: يانبي الله إن صخراً أخذ
عَمََّى، وَدَخَلَتْ فيما دخل فيه المسلمون ، فدعاه فقال: ياصَخْرُ ، إن القوم إذا أسلموا أحرزوا
دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته. فدفعها إليه. وسأل نى الله صلى الله عليه وسلم:
مَاءَ لَنِى سُلَيْ، قَدْ هَرَ بوا عَنِ الإسلام، وتركوا ذلك الماء . فقال: يانبي الله ، أنْزِ لْفيهِ أنا
وقومى، قال: نعم ، فأنْزَله. وأسلم - يعنى السَُّمِينَ - فأتوا صخراً ، فسألوه أن يدفع إليهم
٢٩٤٣ - قلت: يشبه أن يكون أمرُه إياه برد المال عليهم إنما هو على معنى استطابة النفس
عنه ، ولذلك كان يظهر فى وجهه أثر الحياءِ .
والأصل : أن الكافر إذا هرب عن مال له فإنه يكون فيئاً. فإذا صار فيئاً - وقد ملكه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جعله لصخر - فإنه لا ينتقل عن ملكه إليهم باسلامهم
فيما بعد ، ولكنه استطاب نفس صخر عنه، ثم رده عليهم تأليفاً لهم على الإسلام ، وترغيباً
لهم فى الدين. والله أعلم .
وأما رده المرأة: فقد يحتمل أن يكون على هذا المعنى أيضاً . كما فعل ذلك فى سبى
هوازن، بعد أن استطاب أنفس الغانمين عنها .
وقد يحتمل أن يكون ذلك الأمر فيها بخلاف ذلك . لأن القوم إنما نزلوا على حسكم
رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان السبى والدماء والأموال موقوفة على مایریه الله فيهم
فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترد المرأة وأن لانُسَى.
(١) زيادة من السنن

- ٢٦٣ -
الماء ، فأبى ، فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: يانبى الله ، أسلمنا ، وأتينا صخرا ليدفع
إلينا ماءنا، فأبى علينا، فدعاه. فقال: ياصخر، إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم،
فادفع إلى القوم ماءهم . قال : نعم ، يانبي الله ، فرأيتُ وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتغير عند ذلك ◌ُمْرةً، حياء من أخذه الجارية، وأخذه الماء )).
صخر - هذا - هو أبو حازم صخر بن العيلة الهذلى الأحمسى ، عداده فى الكوفيين .
له صحبة. والعيلة: اسم أمه . وهى بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف ، وبعدها
لام مفتوحة وتاء تأنيث.
وقال أبو القاسم البغوى: وليس لصخر بن العيلة غير هذا الحديث فيما أعلم. هذا
آخر كلامه .
وفى إسناده: أبان بن عبد الله بن أبي حازم. وقد وثقه يحيى بن معين. وقال الإمام
أحمد : صدوق صالح الحديث. قال ابن عَدِى: وأرجو أنه لا بأس به . وقال أبو حاتم
بن حبان البُستى: وكان ممن ◌ُخَشَ خطؤه، وانفرد بمنا كير.
٢٩٤٤ - وعن سَبُرة بن مَعْبد الجهنى (( أن النبى صلى الله عليه وسلم نزل موضع المسجد،
تحت دَوْمةٍ ، فأقام ثلاثا، ثم خرج إلى تَبُك، وإن جُهينة لحقوه بالرَّحْبَةٍ، فقال لهم: مَنْ
أَهْلُ ذِى الْمَروةِ؟ فقالوا: بنورفاعة من جهينة، فقال: قَدْ أقْطَعْتها لِبَنِى رِفَعَةً.
فاقتسَموها . فمنهم من باع، ومنهم من أمسك، فعِل )).
٢٩٤٥ - وعن أسماء بنت أبى بكر (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ الزُّبير نخلا)»
٢٩٤٦ - وعن قَيْلَةَ بنْت ◌َخْرَمَةَ، قالت: ((قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
٢٩٤٥ - قلت : النخل مال ظاهر العين ، حاضر النفع كالمعادن الظاهرة . فيشبه أن يكون
إنمما أعطاه ذلك من الخمس الذى هو سهمه. وكان أبو إسحاق المروزى يتأول إقطاع النبى
صلى الله عليه وسلم المهاجرين الدور على معنى العارية .
٢٩٤٦ - قوله ((مقيد الجمل)) أى مرعى الجمل ومسرحه. فهو لا يبرح منه. ولا يتجاوزه فى
طلب المرعى ، فكأنه مقيد هناك . كقول الشاعر :
٠

- ٢٦٤ -
قالت : تقدّم صاحبى - تعنى حُريثَ بن حسان، وافدَ بكر بن وائل - فبايعه على الإسلام
عليه وعلى قومه ، ثم قال: يارسول الله، اكتبْ بيننا وبين بنى تميم بالدهناء: لا يجاوزها
إلينا منهم أحد إلا مسافر، أو مجاوز، فقال: اكْتُبْ لَهُ يَاغُلاَمُ بالدَّهْنَاءِ. فلما رأيته قد أمر
له نها شُخِصَ بِى ، وَهِىَ وَطَنِى ودارى، فقلت: يارسول الله، إنه لم يسألك السَّيّةَ من
الأرض إذا سألك، إنما هذه الدهناء مُقَّيَّدُ الْجَمَلِ، وَمَرْعَى الفَمِ، ونساء تميم وأبناؤها.
وراء ذلك، فقال: أمْسِكْ ياغُلاَمُ، صَدَقَتْ المسكينةُ، المسلمِ أَخُو المسلم، يَسَعُهُمَا الماء
والشَجَرُ ، ويتعاونان على الفَتّان )).
وأخرجه الترمذى مختصراً. وقال: حديث قَيْلَةَ ، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله
ابن حسان .
٢٩٤٧ - وعن أسمر بن مُضَرِّس، قال (( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فقال:
مَنْ سَبَقَ إلى مَا لَمْ يَسْبِقْهِ مُسْلٍ فَهَوَ لَهُ. قال: خرج الناس يَتْعَادَوْنَ، يَتَخَاطُّونَ))
غريب.
وقال أبو القاسم البغوى : ولا أعلم بهذا الإسناد حديثا غير هذا.
٢٩٤٨ - وعن ابن عمر ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ الزبير حُضْرَ فَرَسِهِ ، فأجرى
فرسَه، حتى قام ، ثم رمى سَوْطه، فقال: أَعْطوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ)).
فى إسناده عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وفيه مقال . وهو
أخو عبيد الله بن عمر العمري .
خليليّ بالمَوْماةِ عَوجا، فلا أرى بها منزلاً إلاَّ جَرِيبَ المقيّد
وفيه من الفقه: أن المرعى لا يجوز إقطاعه، وأن الكلاً بمنزلة الماء لا يمنع.
وقوله (( يسمهما الماء والشجر)) يأمرهما بحسن المجاورة، وينهاهما عن سوء المشاركة .
وقوله ((يتعاونان على الفتان)) يقال: معناه الشيطان الذى يفتن الناس عن دينهم ،
و یضلهم .
ويروى ((الفُتَّانِ)) بضم الفاء، وهو جماعة الفاتن. كما قالوا: كاهن وكهان.

- ٢٦٥ -
والحضر - بضم الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وبعدها راء مهملة - هو العدو.
وقوله « قام » أی وقف
باب فى إحياء الموات [٣: ١٤٢ ]
٢٩٤٩ - عن سعيد بن زيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ أَحْيَا أَرْضَاً مَيَِّةٌ
فَهِىَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظالِمٍ حَقٌّ ))
وأخرجه الترمذى والنسائى . وقال الترمذى: حديث حسن غريب. وذكر أن بعضهم
رواه مرسلا . وأخرجه النسائى أيضاً مرسلا.
وأخرج الترمذى : من حديث وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال (( من أحيا أرضا ميتة فهى له)) وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائى بهذا الاسناد، ولفظه (( من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر. وما أكلت
العوافى منها فهو صدقة)) .
٢٩٤٩ - قلت: إحياء الموات إنما يكون بحفره وتحجيره، وباجراء الماء اليه ، وبنحوها من
وجوه العمارة . فمن فعل ذلك فقد ملك به الأرض ، سواء كان ذلك بإذن السلطان
أو بغير إذنه .
وذلك لأن هذا كلمة شرط وجزاء . فهو غير مقصور على عین دون عین ، ولا علی زمان
دون زمان .
وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا يملكها بالإحياء حتى يأذن له السلطان فى ذلك . وخالفه صاحباه
فقالا: كقول عامة العلماء .
وقوله (( ليس لعرق ظالم حق)) هو أن يغرس الرجل فى غير أرضه بغير إذن صاحبها
فإنه يؤمر بقلعه إلا أن يرضى صاحب الأرض بتركه .
٠

- ٢٦٦ -
٢٩٥٠ - وعن يحيى بن عروة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ
أَحْيَا أَرْضاً فَهِىَ لَهُ - وذكر مثله - قال: فلقد خَبَّرنى الذى حدثنى هذا الحديث :
أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: غَرَس أحدُهما نخلاًّ فى أرض الآخر
فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحبَ النخل أن يُخرج نخله منها، قال: فلقد
رأيتها ، وإنها لَتُضْرَبُ أصولها بالفُؤْس، وإنها لنَخْلٌ عُمٌّ، حتى أُخرجت منها ))
٢٩٥١ - وفى رواية عند قوله مكان ((الذى حدثنى هذا)): ((فقال رجل من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم - وأكبر ظّى: أنه أبو سعيد الخدرى - فأنا رأيت الرجل يضربُ فى
أصول النخل )»
٢٩٥٢ - وعن عروة - وهو ابن الزبير - قال: ((أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قضَى: أن الأرضَ أرضُ الله، والعبادَ عبادُ الله، ومن أَحْيَا مَوَاتًاً فهو أحقُّ به ، جاءنا
بهذا عن النبى صلى الله عليه وسلم الذين جاءوا بالصلوات عنه)).
٢٩٥٣ - وعن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ أَحَاطَ
حَائِطً عَلَى أَرْضٍ فَهِىَ لَّهُ ))
قد تقدم الكلام على اختلاف الأيمة فى سماع الحسن من سمرة .
قال هشام - وهو ابن عروة : - العرْقُ الظالم: أنْ يَغْرِسَ الرجلُ فى أرض غيره
فيستحقها بذلك .
قال مالك : والعرق الظالم: كل ما أخذ واحْتُرِ وغُرس بغير حق
٢٩٥٤ - وعن أبى ◌ُميد الساعدى، قال ((غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تَبُكَ
فلما أتى وادى الْقُرَى إذا امرأةٌ فى حديقة لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
أُخْرُصُوا. فَخَرَصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَشَرَةَ أوْسُقٍ ، فقال للمرأة: أحْصِى
مَا يَخْرُج مِنْهَا. فَأَتَيْنَا تبوكَ ، فأهدى ملك أَيْلَةَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعْلَة
بيضاء، وكساه بُرْدة، وكتب له - يعنى بَحْره - قال: فلما أتينا وادى القُرَى ، قال للمرأة:
٢٩٥٠ - قوله ((نخل عم)) أى طوال، واحدها: عميم. ورجل عميم: إذا كان تام الخلق .

- ٢٦٧ -
كم كان حديقتك؟ قالت : عشرة أوسق، خَرْصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى متعَجِّلٌ إلى المدينة، فمن أراد منكم أن يتعجل
معى فليتعجل )) .
وأخرجه البخارى ومسلم
٢٩٥٥ - وعن زينب - ولم تنسب، ويظن أنها امرأة عبد الله بن مسعود - (( أنها كانت
تَفْلِى رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنده امرأة عثمان بن عفان ونساء من
المهاجرات، وهنَّ يشتكين منازلهن: أنَّها تضيق عليهن، وَيُخْرَجْنَ منها، فأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم أَن تُوَرَّتَ دُوَر المهاجرين النساء ، فمات عبدُ الله بن مسعود فورثته
امرأته داراً بالمدينة ))
٢٩٥٥ - قلت: قدروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه أقطع المهاجرين الدور بالمدينة))
فتأولوها على وجهين .
أحدهما : أنه إنما كان أقطعهم العَرصة ليبتنوا فيها الدور .
فعلى هذا الوجه : يصح ملكهم فى البناء الذى أحدثوه فى العرصة .
والوجه الآخر: أنهم إنما أُقْطِعُوا الدور عارية ، وإليه ذهب أبو إسحاق المروذى .
وعلى هذا الوجه : لا يصح الملك فيها . وذلك أن الميراث لا يجرى إلا فيما كان المورث
مالكاً له . وقد وضعه أبو داود فى باب إحياء الموات ، فقد يحتمل أن يكون إنما أحيا تلك
البقاع بالبناء فيها، إذ كانت غير مملوكة لأحد قبل . والله أعلم .
وقد يكون نوع من الإقطاع إرفاقً من غير تمليك . وذلك كالمقاعد فى الأسواق
والمنازل فى الأسفار، إنما يرتفق بها ولا تملك.
فأما توريثه الدور نساء المهاجرين خصوصاً : فيشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة
بين الورثة .
وإنما خصصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب ، لا عشيرة لهن بها . فاز لهن الدور لما
رأى من المصلحة فى ذلك .

- ٢٦٨ -
باب فى الدخول فى أرض الخراج [٣: ١٤٥ ]
٢٩٥٦ - عن أبى عبد الله، عن معاذ - وهو ابن جبل - أنه قال: ((مَنْ عَقَدَ الجزيَةَ فى
عنقه فقد بَرِىء مما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم))
أبو عبد الله - هذا - لم ينسب.
٢٩٥٧ - وعن أبى الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ أَخَذَ أرْضَاً
يُحِزْيَتَهَا فَقَدْ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهَ، وَمَنْ تَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنْقِهِ فَجَعَلَهُ فِى عُنَقِهِ فَقَدْ
وَّى اْإِسْلاَمَ ظَهْرَهُ »
فى إسناده بقية بن الوليد ، وفيه مقال .
وقيل : معنى الجزية ههنا: الخراج.
وفيه وجه آخر ، وهو: أن تكون تلك الدور فى أيديهن مدة حياتهن على سبيل الإرفاق
بالسكنى، دون الملك ، كما كانت دور النبى صلى الله عليه وسلم وحُجَرَه فى أيدى نسائه بعده
لاعلى سبيل الميراث. فإنه صلى الله عليه وسلم قال (( نحن لانورث، ماتركنا صدقة))
ويحكى عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان نساء النبى صلى الله عليه وسلم فى معنى
المعتدات . لأنهن لا ينكحن. وللمعتدة السكنى، فجعل لهن سكنى البيوت ماعشن، ولا
يملكن رقابها .
٢٩٥٧ - قلت : معنى الجزية ههنا: الخراج .
ودلالة الحديث : أن المسلم إذا اشترى أرضاً خراجية من كافر فإن الخراج
لا يسقط عنه .
وإلى هذا ذهب أصحاب الرأى، إلا أنهم لم يروا فيما أخرجت من حَبِّ عَشراً. وقالوا:
لا يجتمع الخراج مع العشر.
وقال عامة أهل العلم: العشر عليه واجب فيما أخرجته الأرض من حب إذا بلغ
خمسة أوساق .

- ٢٦٩ -
ودلالة الحديث : أن المسلم إذا اشترى أرضا خراجية من كافر فان الخراج لا يسقط
عنه . وإلى هذا ذهب أصحاب الرأى، إلا أنهم لم يروا فيما أخرجت من حَبٍّ عشرا. وقالوا :
لا نجمع الخراج والعشر
وقال عامة أهل العلم: العشر عليه واجب فيما أخرجته الأرض من الحب ، إذا بلغ
خمسة أوسق .
والخراج عند الشافعى على وجهين :
أحدهما جزية ، والآخر كراء وأجرة. فاذا فتحت الأرض صلحا على أن أرضها لأهلها
فما وضع عليها من خراج فمجراه مجرى الجزية التى تؤخذ من رءوسهم . فمن أسلم منهم
سقط ما عليه من الخراج ، كما يسقط ما على رقبته من الجزية ، ولزمه العشر فيما أخرجته
أرضه . وإن كان إنما وقع على أن الأرض للمسلمين، ويؤدوا فى كل سنة عنهاشيئاً، فالأرض
للمسلمين، وما يؤخذ منهم عنها فهو أجرة الأرض، فسواء من أسلم منهم أو أقام على كفره:
فعليه أداء ما اشترط عليه . ومن باع منهم شيئاً من تلك الأرضين فبيعه باطل . وهذا سبيل
أرض السواء عنده
والخراج عند الشافعي على وجهين :
أحدهما : جزية . والآخر بمعنى الكراء والأجرة .
فإذا فتحت الأرض صلحاً على أن أرضها لأهلها، فما وضع عليها من خراج فمجراه
مجرى الجزية التى تؤخذ من رءوسهم ، فمن أسلم منهم سقط ما عليه من الخراج ، كما يسقط
ما على رقبته من الجزية ، ولزمه العشر فيما أخرجت أرضه . وإن كان الفتح إنما وقع على أن
الأرض للمسلمين ويؤدوا فى كل سنة عنها شيئاً، فالأرض للمسلمين، وما يؤخذ منهم عنها فهو
أجرة الأرض ، فسواء من أسلم منهم أو أقام على كفره فعليه أداء ما اشترط عليه . ومن باع
منهم شيئاً من تلك الأرضين فبيعه باطل ، لأنه باع مالا يملك . وهذا سبيل أرض
السواد عنده .

- ٢٧٠ -
باب فى الأرض يحميها الإمام أو الرجل [٣: ١٤٦ ]
٢٩٥٨ - عن الصَّعْبِ بن جَثَّامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لاَ حَى إلاَّ لِ
وَلِرَسُولِهِ ))
قال ابن شهاب: وبلغنى ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ◌َى الفَقِيعَ))
وأخرجه البخارى، وزاد بعد قول ابن شهاب: (( وأن عمر حمى الشَّرَف والرَّبَدَة))
وقيده بعضهم بفتح السين وكسر الراء المهملتين
وقيد بعضهم ( الشرف)) بفتح الشين المعجمة وفتح الراء المهملة ، وهو الصواب
٢٩٥٩ - وعنه ((أن النبى صلى الله عليه وسلم ◌َى النقيع، وقال: لا حَى إلا لله
عز وجل)) .
وأخرجه النسائى ، ولم يذكر النقيع .
٢٩٥٨ - قلت قوله (( لاحمي إلا لله ولرسوله)) يريد: لاحمى إلا على معنى ما أباحه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعلى الذى حماه .
وفيه إبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من ذلك .
وكان الرجل العزيز منهم إذا انتجع بلداً ◌ُخصباً أوفى بكلبٍ على جبل، أو على نَشْزِ
من الأرض ، ثم اسْتَغْوَى الكلبَ ووقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء ، حيث انتهى
صوّتُه حماه من كل ناحية لنفسه ومنع الناس منه .
فأما ما حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمهازيل إبل الصدقه ولَضْعْفى الخيل ،
كالنقيع - وهو مكان معروف مستنقع للمياه ينبت فيه الكلاً . وقد يقال: إنه مكان ليس
بحد واسع يضيق بمثله على المسلمين المرعى - فهو مباح. وللأئمة أن يفعلوا ذلك على النظر،
ما لم يضق منه على العامة المرعى .
وهذا الكلام الذى سقته معنى كلام الشافعى فى بعض كتبه .

-- ٢٧١ -
باب ماجاء فى الركاز [٣: ١٤٧ ]
٢٩٦٠ - عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( فى الرِّ كَازِ الْخُمسُ»
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة مختصرا ومطولاً
٢٩٦١ - وعن ضُبَاعَةَ بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم أنها أخبرته قالت ((ذهب
المقداد لحاجة يبقيع الْخَبْخَبَةِ. فاذا جُرَذْ يُخْرِجُ من جُحر ديناراً، ثم دينارا ، ثم لم يزل
يخرج ديناراً ديناراً حتى أخرج سبعة عشر ديناراً، ثم أخرج خِرْقة حمراء بقى فيها دينار ،
٢٩٦٠ - قلت ((الركاز)) على وجهين. فالمال الذى يوجد مدفوناً لا يعلم له مالك: ركاز، لأن
صاحبه قد کان ر کزه فى الأرض أی أثبته فيها .
والوجه الثانى من الركاز: عروق الذهب والفضة، فتستخرج بالعلاج، ركزها الله فى
الأرض ركزاً ، والعرب تقول : أركز المعدن: إذا نال الركاز .
والحديث إنماجاء فى النوع الأول منهما، وهو الكنز الجاهلى، على مافسره الحسن ، وإنما
كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة نيله .
والأصل: أن ماخفت مؤنته كثر مقدار الواجب فيه، وما كثرت مؤنته قلَّ مقدار
الواجب فيه، كالعشر فيما سقى بالأنهار، ونصف العشرفيما سقى بالدواليب .
واختلفوا فى مصرف الركاز .
فقال أبو حنيفة : يصرف مصرف الفىء .
وقال الشافعى : يصرف مصرف الصدقات .
واحتجوا لأبى حنيفة بأنه مال مأخوذ من أيدى المشركين .
واحتجوا الشافعى بأنه مال مستفاد من الأرض كالزرع ، وبأن الفيء يكون أربعة
أخماسه للمقاتلة. وهذا المال يختص به الواجد له كمال الصدقة .
٢٩٦١ - قوله ((هل أهويت للجحر)) يدل على أنه لو أخذها من الجحر لكان ركازاً يجب
فيه الخمس .

- ٢٧٢ -
فكانت ثمانيةَ عشر دينارا، فذهب بها إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وقال له :
خُذْ صدقتها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مَلْ هَوَيْتَ إلى الْجُحْرِ ؟ قال : لا ،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارَكَ الله لَكَ فيها ))
وأخرجه ابن ماجة .
وفى إسناده : موسى بن يعقوب الزّمْعي وثقه يحيى بن معين . وقال ابن عدى : وهو
عندى لا بأس به . وقال النسائى : ليس بالقوى .
باب فى نبش القبور العادية [٣: ١٤٨ ]
٢٩٦٢ - عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - حين
خرجنا معه إلى الطائف ، فمررنا بقبر - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((هُذَا قَبْرُ
أبى رِغالٍ، وَكانَ بهذا الحرَمِ يدْفعُ عَنْه. فَلَمَّا خرج أصابته النَّقْعة التى أصابت قومه بهذا
المكان، فدفن فيه ، وآيَةُ ذلك: أنه دُفن معه غُصْنٌ من ذهَبٍ ، إنْ أنتم تَبَشْم عنه
أصبتموه معه . فابتدره الناسُ ، فاستخرجوا الغصن))
فى إسناده محمد بن اسحاق . وقد تقدم الكلام عليه
آخر كتاب الخراج والإمارة
وقوله ((بارك الله لك فيها )) لا يدل على أنه جعلها له فى الحال، ولكنه محمول على
بيان الأمر فى اللقطة التى إذا عرفت سنة فلم تعرف كانت لآخذها .
٢٩٦٢ - قلت: هذا سبيله سبيل الركاز. لأنه مال من دِفْن الجاهلية لا يعلم مالكه ، وكان
أبو رغال من بقية قوم عاد أهلكهم الله ، فلم يبق لهم نَسْل ولا عَقِب، فصار حكم ذلك المال
حكم الركاز .
وفيه دليل على جواز نبش قبور المشركين إذا كان فيه أرب أو نفع المسلمين ، وأن
ليست حرمتهم فى ذلك حرمة المسلمين .

-- ٢٧٣ -
أول كتاب الجنائز
باب الأمراض المكفرة للذنوب [٣: ١٤٩]
٢٩٦٣ - عن عامر الرام أخى الخضر - قال أبو داود: قال النفيلى: هو الخضْر، ولكن
كذا قال - قال ((إنى لببلادنا إذا رُفَعَتْ لنا راياتُ وألْوية، فقلت: ما هذا؟ قالوا : هذا
لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته ، وهو تحت شجرة، قد بُسِط له كساء ، وهو
جالس عليه . وقد اجتمع إليه أصحابه ، فجلست إليهم ، فذكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
الاسْقامَ ، فقال: إنَّ المؤمن إذا أصابه السَّقَّمْ ثم أعفاه الله منه: كان كفارة لما مضى من
ذنوبه، وموعظةً له فيما يسْتِقْبلُ، وإن المنافق إذا مرض ثم أُعفى: كان كالبعير عَقَلهُ أهله
ثم أرسلوه، فلم يَدْرِ: لم عقلوه؟ ولم يدر: لم أرسلوه؟ فقال رجل ممن حوله: يارسول الله،
وما الأسقام؟ والله ما مرضتُ قطَّ، قال: فُمْ عَنّا. فلسْتَ مِنَّاً. فبينا نحن عنده إذ أقبل
رجل عليه كساء، وفى يده شىء قد التفّ عليه ، فقال: يارسول الله، إنى لما رأيتك أقبلتُ
فمررت بغَيْضةِ شجرٍ ، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر. فأخذتُهن، فوضعتهن فى كائى
فجاءت أمُّهن، فاستدارت على رأسى، فكثفتُ لها عنهن، فوقعتْ عليهن معهن،
فلفقتهن بكسائى، فهن أولاء معى، قال: ضعْهُنَّ عنْك. فوضعهن، وأبتْ أمهن
إلا لزومهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أَتَعْجُبُون ◌ِرُجْم أمِّ الأفراخ
فِرَاخهَا؟ قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: فَوَ الذى بَعَثنى بالحق، للهُ أرْحَم بعباده من
أُمِّ الأفراخ بفراخها ، ارجع بهن حتى تَضَعُهنَّ من حيث أخذتهن، وأمّهُنَّ مَعَهُنَّ،
فرجع بهن)) .
فى إسناده محمد بن إسحق . وقد تقدم الكلام عليه(١) .
وعامر الرام، ويقال له الرامى. والخضر - بضم الخاء وسكون الضاد المعجمنين، وراء
(١) قال المنذرى فى الترغيب والترهيب: فى إسناده راو لم يسم. وقال الحافظ المزى فى الأطراف مند
عامر الرام أخى الخضر - قبيلته من محارب - عن النبى صلى الله عليه وسلم: حديث ((إنى ليبلادنا -
الحديث)) أخرجه أبو داود فى الجنائز. عن عبد الله بن محمد النفيلى عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق
حدثنى رجل من أهل الشام يقال له أبو منظور الشامى عن عمه قال : حدثنى: عمى عن عام الرام .
ورواه محمد بن حميد الرازي عن سلمة بن الفضل عن بن إسحاق عن أبى منظور الشامى عن عمه عن عامى .
١٨٠ - مختصر الق - ج ٤

- ٢٧٤ -
مهملة - حَىٌّ من محارب خَصْفة . قال ابن الكلبى: وإنما سموا الخضر : لأنهم
كانوا أُدماً .
وقال أبو القاسم البغوى . عامر أخو الخضر - كان يسكن البادية . وروى عن النبى
صلى الله عليه وسلم حديثاً - وذكر له هذا الحديث.
٢٩٦٤ - وعن أبى موسى، قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم - غير مرة ولا مرتين -
يقول: ((إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عملا صالحاً، فَشَغَلَهُ عنه مرضٌ أو سفر، كُتب له كصالح
ما كان يعملُ وهو صحيح مقيم)) .
وأخرجه البخارى .
٢٩٦٥ - وعن أم العلاء - وهى عمة ◌ُحكيم بن حزام، وكانت من المبايعات - قالت:
((علاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة، فقال: يَا أَمَّ العلاء، أَبْشِرِى، فَإنَّ
مَرَضَ الْسِلِمِ يُذْهِبُ اللهُ بِهِ خطاياه، كما تُذهب النارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ».
حسن .
أم العلاء - هذه - أغفلها النمرى. وذكرها غيره.
٢٩٦٦ - وعن عائشة قالت ((قلت: يارسول الله، إنى لأعلم أشدَّ آية فى القرآن [ قال:
أيّةَ آيَة ياعائشة؟ ] قالت: قول الله تعالى (٤: ١٢٣ منْ يَعْمَلُ سوءاً يُجْزَ به ) قال: أما
علمتِ يا عائشة، أنَّ المؤمن تُصِيبُهُ النَّكْبَةُ أوِ الشَّوْكَةُ فَيُكَافْ بِأُسْوَ إِ عمله، ومَنْ
حُوسبَ عُذِّبَ؟ قالت: أليس الله يقول ( ٨:٨٤ وفسوف يحاسب حساباً يسيرا)؟ قال :
ذاكُمُ الْعَرْضُ. يا عائشة مَنْ نُوقِنَ الْحِسَابَ عُذِّبَ)).
وقد أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما: (( أليس يقول الله عز وجل - وما بعده -
إلى آخر الحديث)).
قوله ((عذب)) قال الهروى: أى من اسْتَقْصِى عليه فيه. يقال: انتقشت منه جميع
حقى، أى استنظفته منه. ومنه أخذ نَقَش الشوكة . وهو استخراجها .
وقال غيره: لقوله ((عذب )) معنيان .
أحدهما : أن نقش مناقشة الحساب وعرض الذنوب. والتوقيف على قبيج ما سلف
له : تعذيب وتوبيخ .

- ٢٧٥ -
والثانى : مفيض إلى استحقاق العذاب ، إذ لا حسنة للعبد يعملها إلا من عند الله
وتفضله وإقداره له عليها، وهدايته لها. وأن الخالص من الأعمال لوجهه تعالى قليل .
ويؤيد هذا قوله فى الرواية الأخرى ((هلك)) مكان ((عذب)).
٢٩٦٧ - وعن أسامة بن زيد، قال (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود عبد الله
بن أُبِىَ فى مرضه الذي مات فيه، فلما دخل عليه عَرَفَ فيه الموت. فقال: قَدْ كُنْتُ
أَنْهَاك عَنْ حُبِّ يَهُود. قال: قد أبغضهم أسعد بنُ زُرراة، فَمَهْ؟ فلما مات أتاه ابنُه .
فقال: يا رسول الله ، إنَّ عبد الله بن أبى قد مات، فأعْطِى قميصك أُ كَفَّه فيه ، فنزع
رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه، فأعطاه إياه )).
قد أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر (( أن ابنه عبد الله
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فاعطاه )).
وأخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله قال ((أتى النبي صلى الله
عليه وسلم قبر عبد الله بن أبى، فأخرجه من قبره ، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه،
وألبسه قميصه)) والله أعلم.
٢٩٦٧ - قلت : كان أبو سعيد بن الأعرابى يتأول ما كان من تكفين النبى صلى الله عليه
وسلم عبد الله بن أبىّ بقميصه على وجهين .
أحدهما : أن يكون أراد به تألف ابنه وإ كرامه ، فقد كان مسلماً بريئاً من النفاق.
والوجه الآخر : أن عبد الله بن أبى كان قد كما العباس بن عبد المطلب قميصاً. فأراد
صلى الله عليه وسلم أن يكافئه على ذلك ، لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها .
وحدثنا بهذه القصة ابن الأعرابى حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان بن عيينة عن
٢٩٦٧ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : - بعد ذكر الأقوال الأربعة التى ذكرها المنذرى -
ولا تعارض بين هذين الحديثين بوجه، فإن حديث أسامة صريح فى أنه أعطاه القميص وقت
موته، فكفنه فيه ، وحديث عبد الله بن عمر لم يقل فيه : إنه ألبسه قميصه حين أخرجه من
قبره ، وإنما فيه (( أنه نفث عليه من ريقه، وأجلسه على ركبتيه، وألبسه قميصه)) فأخبر بثلاث
جمل متباينة ، الأوليان منها يتعين أن يكونا بعد الإخراج من القبر، والثالثة لا يتعين فيها ذلك ،
ولعل ابن عمر لما رأى عليه القميص فى تلك الحال ظن أنه ألبسه إياه حينئذ.

- ٢٧٦ -
قيل : يجوز أن يكون جابر شاهد من ذلك ما لم يشاهده ابن عمر ، ويجوز أن يكون
أعطاه قميصين ، قميصا للكفن ، ثم أخرجه فألبسه آخر .
واختلفوا: لم أعطاه ذلك؟ على أربعة أقوال .
أحدها : أن يكون أراد بذلك إكرام ولده . فقد كان مسلماً بريئاً من النفاق .
والثانى : أنه صلى الله عليه وسلم ما سئل شيئا قط، فقال: لا .
والثالث: أنه كان قد أعطى العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصاً لما أُسر
يوم بدر، ولم يكن على العباس ثياب يومئذ. فأراد أن يكافئه على ذلك لئلا يكون المنافق
عنده يد لم يجازه عليها .
والرابع : أنه يحتمل أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك قبل أن ينزل
قوله عز وجل ( ٨٤:٩ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره).
باب فى عيادة الذي [٣: ١٥١]
٢٩٦٨ - عن أنس ((أن غلاماً من اليهود كان مَرض، فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم
عمرو بن دينار ، سمع جابر بن عبد الله يقول ((كان العباس بن عبد المطلب بالمدينة .
فطلبت الأنصار له ثوباً يكسونه . فلم يجدوا قميصاً يصلح عليه ، إلا قميص عبد الله بن أبيّ
فكسوه إياه )).
وكان أيضاً حدثنا بالحديث الأول الذى رواه أبو داود ، وزادنا فيه شيئاً لم يذكره
أبو داود . وقال : حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو سمع جابر بن
عبد الله قال (( أتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبرَ عبد الله بن أبىٍ بعد ما أدخل حُفْرَتَهَ،
فأمر به فأُخرج، فوضعه على ركبتيه، أو فخذيه، فتفت فيه من ريقه وألبسه قميصه)).
قلت : عبد الله بن أبي: منافق ظاهر النفاق . أنزل الله تعالى فى كفره ونفاقه آيات من
القرآن تتلى. فاحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك قبل أن ينزل قوله تعالى
(٩: ٨٤ ولا تُصَلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقُمْ على قبره ).
واحتمل أن يكون معناه: ماذهب إليه ابن الأعرابى من التأويل . والله أعلم .
وفى الحديث : دليل على جواز التكفين بالقميص .
وفيه دليل على جواز إخراج الميت من القبر بعد الدفن . العِلَّةٍ أو سبب.

- ٢٧٧ -
يعوده، فقعد عند رأسه. فقال له: أسْلِمْ، فنظر إلى أبيه، وهو عند رأسه. فقال: أطع
أبا القاسم ، فأسلم ، فقام النبى صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: الْحَمْدُ للهِ الذى أنقذه بى
من النار )).
وأخرجه البخارى والنسائى .
[باب المشى فى العيادة] [٣: ١٥٢]
٢٩٦٩ - عن جابر - وهو ابن عبد الله - قال: (( كان النبى صلى الله عليه وسلم يعودنى،
ليس براكب بَغْلِ ولا يِرْذَوْنِ)».
وأخرجه البخارى والترمذى .
وقد عاد صلى الله عليه وسلم سعد بن عُبادة راكباً على حمار .
وقد جاء من حديث جابر أيضاً: قال ((أثانى النبي صلى الله عليه وسلم ، يعودنى
وأبو بكر ، وهما ماشيان)) فعيادة المريض راكباً وماشياً : كل ذلك سنة .
باب فى فضل العيادة [٣: ١٥٢]
٢٩٧٠ - عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ تَوَضأ فأحسن الوضوء
وعَادَ أَخَاهُ المسلم، مُحْتسباً: بُوعِدَ من جَهَّ مَسِيرة سَبْعِينَ خريفاً. قلت: يا أبا حمزة، وما
الخريف؟ قال : العام )).
فى إسناده الفضل بن دَلْهم القصاب، بصرى. وقيل: واسطى . قال يحيى بن معين :
ضعيف الحديث . وقال مرة: حديثه صالح. وقال الإمام أحمد: لا يحفظ ، وذكر أشياء مما
أخطأ فيها . وقال مرة: ليس به بأس، وقال ابن حبان : كان ممن يخطىء، فلم يفحش خطؤه
حتى يبطل الاحتجاج به ، ولا اقتفى أثر العدول ، فيُسلك به سُنْتَهم . فهو غير محتج به
إذا انفرد .
٢٩٧١ - وعن عبد الله بن نافع، عن على، قال (( ما مِنْ رجلٍ يعود مريضاً مُمْشِياً إلا
خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خَريف فى الجنة ؛ ومَنْ
٢٩٧١ - قال أبو داود : أسند هذا عن علىّ من غيروجه صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم
قوله ((كان له خريف فى الجنة )) أى مخروف من ثمر الجنة ، فعيل : بمعنى مفعول .
١

- ٢٧٨ -
أَتَاهُ مُصْبِحاً خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يُمسِى، وكان له خريف
فى الجنة )) .
هذا موقوف .
قال أبو داود : وأسند هذا عن على رضى الله عنه من غير وجه صحيح عن
٠
النبي صلي الله عليه وسلم .
٢٩٧٢ - وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن على ، عن النبى صلى الله عليه وسلم، بمعناه
لم يذكر الخريف .
وأخرجه ابن ماجة .
وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث رواه أبو معاوية عن الأعمش عن الحكم عن
عبد الرحمن بن أبى ليلى، ورواه شُعبة عن الحكم عن عبد الله بن نافع. وهذا اللفظ لا يعلم
رواه إلّ على . وقد روى عن على رضى الله عنه من غير وجه .
باب فى العيادة مرارا [٣: ١٥٣]
.
٢٩٧٣ - عن عائشة، قالت: ((لما أصيب سعدُ بن معاذٍ، يَوْم الخندق، رماه
رجلٌ فى الأكْحَل(٣)، فضربَ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيمة فى المسجد ليعوده
من قريب )).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
وهذا حديثه الآخر ((عائد المريض على مخارف الجنة)) والمعنى - والله أعلم - أنه
بسعيه إلى عيادة المريض يستوجب الجنة ومخارفها (١) .
(١) خرف الثمار خرفا ومخرفا وخرافا - بفتح الخاء والراء، وتكسر الخاء - جناها. ومخرفة - بوزن
مرحلة - البستان سكة . وبين صفين من النخل يخترف المخترف من أيهما شاء. والخريفة. والخروفة: نحلة
(٢) فى النهاية : الأكحل : عرق وسط الفراع
تلتقط أطمايبها من الرطب . من القاموس