النص المفهرس

صفحات 201-220

- ١٩٩ -
أن ذكرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، فعلمتُ أنه لا يَعْدِلُ برسول الله صلى الله
عليه وسلم أحداً ، وأنه غير مُسْتَخْلِفٍ )) .
وأخرجه مسلم والترمذى .
باب فى البيعة [٣: ٩٤]
٢٨٢٠ - عن ابن عمر، قال «كُنّا نُبَايعُ النبى صلى الله عليه وسلم على السَّمْع وَالطَّاعَةِ،
ويُلِقِّنْنَا فيما استطعت)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي .
للناس من إمام يقوم بأمر الناس ، ويمضى فيهم أحكام الله ، ويردعهم عن الشر، ويمنعهم
من التظالم والتفاسد .
وقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم مؤتةً زيد بن حارثة ، وقال
((إن قتل فأميركم جعفر بن أبى طالب. فإن قتل جعفر فأميركم عبد الله بن رواحة . فأخذها
زيد فاستُشهد ، ثم أخذها جعفر فاستشهد. ثم أخذها عبد الله بن رواحة فاستشهد ، ثم
أخذها خالد بن الوليد ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم إليه فى ذلك ، ففتح الله
عليه، وحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أثره، وأثنى عليه خيراً)).
وكل ذلك يدل على وجوب الاستخلاف ونصب الإمام .
ثم إن عمر لم يهمل الأمر، ولم يبطل الاستخلاف ، ولكن جعله شورى فى قوم
معدودين لا يعدوهم. فَكل من قام بها كان رضاً ولها أهلاً . فاختاروا عثمان وعقدوا
له البيعة .
فالاستخلاف سنة اتفق عليها الملأ من الصحابة . وهو اتفاق الأمة ، لم يخالف فيه
إلا الخوارج المارقة ، الذين شقوا العصا، وخلعوا رِبقة الطاعة.
٢٨٢٠ - قلت: فيه دليل على أن حكم الإكراه ساقط غير لازم. لأنه ليس مما يستطاع دفعه

- ٢٠٠ -
وقال بعضهم : فيه دليل على أن حكم الإكراه ساقط ، غير لازم . لأنه ليس مما
يستطاع دفعه .
وقال غيره: فيه ما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم من الرأفة والرحمة بأمته، وأن
لا يتركهم من القول لما عساه أن يشق عليهم مطلقه، كما لم يتركهم فى ذلك من الفعل .
وقال ((عليكم من الأمر ما تطيقون)) امتثالا، لقوله تعالى (٢: ٢٨٦ لا يكلف نفساً
إلا وسعها).
٢٨٢١ - وعن عروة (( أن عائشة رضى الله عنها أخبرته عن بيعة النساء قالت: مَا مَسَّ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدَ امرأةٍ قَطَّ، إلا أن يأخذ عليها، فإذا أخذ عليها ، فأعطته
قال : اذْهَبِى، فَقَد باِيَتُكِ »
وأخرجه البخارى ومسلم النسائي .
قيل: فيه : منع ملامسة شىء من المرأة الأجنبية : يداً وغيرها ، مما نهيت عن إبدائه ،
أو أبيح لها .
وفيه : أن كلام المرأة ليس بعورة.
٢٨٢٢ وعن عبد الله بن هشام - وكان قد أدرك النبى صلى الله عليه وسلم، وذهبت به
أمه زينبُ بنت حميد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقالت (( يا رسول الله بايعه ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هُوَ صَغِير، فمسح رأسه)).
وأخرجه البخارى
باب فى أرزاق العمال [٣: ٩٤]
٢٨٢٣ - عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( مَنِ
اسْتَعْمَلْنَاهُ على عَمَل، فَرَزَقْنَاهُ رِزْقاً، فَمَا أَخَذَ بَعدَ ذلِكَ فَهُوَ غْلُولٌ)).

- ٢٠١ -
٢٨٢٤ - وعن ابن الساعدى - وهو عبد الله بن عمرو بن وَقْدان بن السعدى - قال
(( استعملنى عمر على الصدقة، فلما فرغتُ أمر لى بِعُمَالَةٍ، فقلت: إنما عَمِلِتُ الله ، قال:
خذ ما أُعْطيتَ، فإنى عملتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَمَّلَنَى))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى أتم منه .
وهو أحد الأحاديث التى أجتمع فى إسنادها أربعة من الصحابة يروى بعضهم
عن بعض .
٢٨٢٥ - وعن المستورد بن شَدَّاد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلاً فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ
خَادِماً، فإن لم يكن له مَسْكَنٌ فليكتسبْ مسكنًا - قال أبو بكر (١) : أُخبرتُ أنّ
النبى صلى الله عليه وسلم قال: من اتّخَذَ غَيْرَ ذلِكَ فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ))
باب فى هدايا العمال [٣: ٩٥]
٢٨٢٦ - عن أبي حميد الساعدى (( أن النبى صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من الأزْدِ
٢٨٢٤ - قوله ((عملنى)) معناه: أعطانى العُمالة.
وفيه بيان أخذ العامل الأجرة بقدر مثل عمله فيما يتولاه من الأمر ، وقد سمى الله تعالى
للعاملين سهماً فى الصدقة ، فقال (٩: ٦٠ والعاملين عليها) فرأى العلماء أن يعطوا على
قَدْر غَنائهم وسعيهم.
٢٨٢٥ - قلت : وهذا يتأول على وجهين :
أحدهما : أنه إنما أباح له اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التى هى أجر مثله . وليس
له أن يرتفق بشيء سواها.
والوجه الآخر: أن العامل السكنى والخدمة . فإن لم يكن له مسكن وخادم استؤجر له
من يخدمه ، فيكفيه مهنة مثله، وبكترى له مسكن يسكنه مدة مقامه فى عمله .
٢٨٢٦ - قلت : فى هذا بيان أن هدايا العمال سحت ، وأنه ليس سبيلهنا سبيل سائر الهدايا
(١) يشبه أن يكون أبا بكر الصديق رضى الله عنه. وقد رواه أحمد فى المسند عن المستورد بن شداد
من عدة طرق . وليس فيه: قال أبو بكر الخ .

- ٢٠٢ -
يقال له ابنُ اللُّتِيَّةَ - قال ابن السرح: ابنُ الأُتِيَّةَ - على الصدقة ، فجاء فقال: هذا لكم
وهذا أُهْدَى لى ، فقام النبى صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال :
مَابَالُ الْعَامِلِ نَبْعَتُهُ فَيَجِىء، فيقول: هذا لكم وهذا أهدىَ لى، ألا جَسَ فىِ بَيْتِ
أمِّهِ، أو أبيه، فينظر: أُهْدَى له أم لا؟ لاَ يَأْتِى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشَىْءٍ مِنْ ذلِكَ إلاَّ
جَاءَ يوْمَ الْقِيَامَةِ ، إنْ كَانَ بِعِيراً فَلَهُ رُغَاء، أَوْ بَقَرَةً فَلَهَا خُوار، أَوْ شاةَ تْعَرُ ، ثم
رفع يديه ، حتى رأينا عَفْرَة إبطيه، ثم قال: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَغْتُ؟ اللّهُمَّ هَلْ بَلَغْتُ؟)).
وأخرجه البخارى ومسلم .
أبو حميد الساعدي: اسمه المنذر . وقيل : عبد الرحمن بن سعد بن المنذر ، وقيل : غير
ذلك . وبنو ساعدة من الأنصار من الخزرج .
وابن السرح: هو أحمد بن عمرو بن السرح ، شيخ أبى داود .
وابن التبية : اسمه عبد الله، وهو بضم اللام وسكون التاء ثالث الحروف، وتحرك
أيضا، وبعدها باء موحدة مكسورة ، وياء آخر الحروف مشددة، وتاء تأنيث . وكذلك
((الأتبية)) بضم الهمزة وسكون التاء ثالث الحروف ، وتحرك أيضا .
المباحة ، وإنما يهدى إليه المحاباة، وليخفف عن المهدى، ويُسوِّ غ له بعض الواجب عليه.
وهو خيانة منه ، وتَخْس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله .
وفى قوله (( ألا جلس فى بيت أمه أو أبيه، فينظر أيهدى إليه أم لا)) دليل على أن
كل أمر يتذرع به إلى محظور فهو محظور. ويدخل فى ذلك القرض يجر المنفعة ، والدار
المرهونة يسكنها المرتهن بلاكراء، والدابة المرهونة يركبها ويرتفق بها من غير عوض(١).
وفى معناه: من باع درهماً ورغيفًاً بدرهمين ، لأن معلوما أنه إنما جعل الرغيف ذريعة إلى
أن يربح فضل الدرهم الزائد.
وكذلك كل تلجئة، وكل دخيل فى العقود يجرى مجرى ماذكرناه على معنى قوله (( هلا
قعد فى بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟)) فينظر فى الشىء وقر ينه إذا أفرد أحدهما عن
الآخر ، وفرق بين قرانها : هل يكون حكمه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا؟ .
والله أعلم .
(١) ولكن فى الحديث الصحيح ((الدر يحلب، والظهر يركب بنفقته: فى الرهن))

- ٢٠٣ -
باب فى غلول الصدقة [٣: ٩٥]
٢٨٢٧ - عن أبى مسعود الأنصارى، قال (( بمثنى النبى صلى الله عليه وسلم ساعياً ، ثم قال
انْطَلِقْ أبَا مَسْعُودٍ، لاَ أُلْفِيَنِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِ: عَلَى ظَهْكَ بِعِيْرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ
وُغَاءٍ قَدْ غَلَلْتَهُ. قال: إذاً لا أَنْطَلِقُ، قال: إذَاَ لاَ أُكْرِمُكَ))
حسن
باب فيما يلزم الإمام من أمر الرعية [٣: ٩٦]
٢٨٢٨ - عن أبى مريم الأزدى، قال: دخلت على معاوية فقال «ما أَنْعَمَنَا بك أبا فلان
- وهى كلمة تقولها العرب - فقلت: حديثا سمعتُهُ أُخبرك به ، سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: مَنْ وَلاَهُ الله عز وجل شَيْئاً مَنْ أمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حاجَتِهِمْ
وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِ احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ دُونَ حاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ ، قال : فجعل رجلا على
حوائج الناس )»
وأخرجه الترمذى .
وقيل : إن أبا مريم - هذا - هو عمرو بن مُرَّة الجهنى . وقد أخرجه الترمذى من
حديث عمرو بن مرة ، وقال: غريب. وقال: وعمرو بن مرة يُكنى أبا مريم . ثم أخرجه
من حديث أبى مريم ، كما أخرجه أبو داود.
٢٨٢٩ - وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما أُوتِيكُمْ مِنْ
شَىْء، وَمَا أَمْنَعْكُمُوهُ، إِنْ أَنَا إِلَّ خَازِنٌ أَضَعٌ حَيْثُ أُمِرْتُ)).
٢٨٢٩ - قوله (( ما أنعمنا بك)) يريد ما جاءنا بك، أو ما أعملك إلينا. وأحسبه مأخوذاً
من قوله ((نعم، ونعمة عين)) أى ◌ُرَّة عين، وإنما يقال ذلك لمن يُعتدُّ بزيارته، ويفرح
بلقائه . كأنه يقول : ما الذى أطلعك علينا وَحَيَّانا بلقائك ، ومن ذلك قولهم: أنعم صباحا،
. هذا أو ما أشبهه من الكلام . والله أعلم.

- ٢٠٤ -
٢٨٣٠ - وعن مالك بن أوس بن الحد ثان، قال: (( ذَكر عمر بن الخطاب يوما الفيء».
فقال: ما أنا بأحقَّ بهذا الفيء منكم، وما أحدٌ منا بأحقَّ به من أحد، إلا أنَّا على منازلنا
من كتابِ الله عز وجلٍ، وَقَسْم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالرجلُ وقِدَمه ، والرجلُ.
وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته)».
فى إسناده: محمد بن أسحاق ، وقد تقدم الكلام عليه .
باب فى قسم الفيء [٣: ٩٦]
٢٨٣١ - عن زيد بن أسلم (( أن عبد الله بن عمر دخل على معاوية فقال: حَاجَتَكَ
يا أبا عبد الرحمن ، فقال: عطاءِ المحرَّرِين، فإنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولَ
ما جاءه شىء بدأ بالمحررين)».
٢٨٣١ - قلت: يريد بالمحررين المعتقين. وذلك أنهم قوم لاديوان لهم . وإنما يدخلون تبعا
فى جملة مواليهم .
وكان الديوان موضوعا على تقديم بني هاشم، ثم الذين يلونهم فى القرابة والسابقة . وكان
هؤلاء مؤخرين فى الذكر. فأذكر بهم عبد الله بن عمر ، وتشفع فى تقديم أعطيتهم ، لما علم
من ضعفهم وحاجتهم .
ووجدنا الفيء مقسوماً لكافة المسلمين، على مادلت عليه الأخبار، إلا من استثنى منهم
من أعراب الصدقة .
وقال عمر بن الخطاب (( لم يبق أحد من المسلمين إلا له فيه حق إلا بعض من تملكون
من أرقائكم .. وإن عشت إن شاء الله ليأتين كلَّ مسلم حقّه حتى يأتى الراعى بسَرْو حميْر(١)
لم يَعْرْق فيه جبينه )»
واحتج عمر رضى الله عنه فى ذلك بقوله (٥٩: ١٠ والذين جاءوا من بعدهم) الآية .
وقال أحمد واسحاق : الفيء للغنى والفقير إلا العبيد.
واحتج أحمد فى ذلك بأن النبى صلى الله عليه وسلم أعطى العباس من مال البحرين ،
(١) السرو: الشرف، والمكان المرتفع. وهو هنا موضع بأرض حمير من بلاد اليمن.

- ٢٠٥ -
٢٨٣٢ - وعن عائشة رضى الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بظبية فيها خَرِزٍ،
فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ والأمة، قالت عائشة: كان أبى رضي الله عنه يَقْسِمُ للحر والعيدِ)).
٢٨٣٣ - وعن عوف بن مالك ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفىء
قيمه فى يومه، فأعطي الآهِلَ حَظّينِ، وأعطى الْعَزَبَ حظا - زاد ابن المصفى: فدعينا،
وكنت أُدعَى قبل عَمَّار - فدعيت فأعطانى حظّين، وكان لى أهل، ثم دُعى بعدى عمار
بن ياسِرٍ ، فأعطىَ حظا واحداً )).
باب في أرزاق الذرية [٣: ٩٧]
٢٨٣٤ - عن جابر بن عبد الله، قال ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أَنَا
والعباس رضى الله عنه غنى ، والمشهور عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه : أنه سوی بین
الناس، ولم يفضل باليسابقة ، وأعطى الأحرار والعبيد .
وعن عمر رضى الله عنه (( أبه فضل بالسابقة والقدم، وأسقط العبيد ))
ثم رد علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه الأمر إلى التسوية بعد.
ومال الشافعي إلى التسوية . وشبهه بقسم المواريث.
٢٨٣٤ - قلت : هذا فيمن ترك ديناً لا وفاء له فى ماله. فإنه يقضى دينه من الفيء ، فأما من
ترك وفاء فإن دينه مقضى منه . ثم بقية ماله بعد ذلك مقسومة بين ورثته .
((والضياع)) اسم لكل ماهو بعرض أن يضيع، إن لم يُتَعَد ، كالذرية الصغار
والأطفال والزَّمْنىَ الذين لا يقومون بكلِّ أنفسهم، وسائر من يدخل فى معناهمٍ .
وكان الشافعى يقول: ينبغى للامام أن يحصى جميع من في البلدان من المقاتلة ، وهم من
قد احتلم، أو استكمل خمس عشرة سنة من الرجال، ويحصى الذرية ، وهى مَنْ دون المحتلم
ودون البالغ، والنساء صغيرتهن وكبيرتهن ، ويعرف قدر نفقاتهم وما يحتاجون إليه في
مؤناتهم بقدر معايش مثلهم فى بلدانهم . ثم يعطى المقاتلة فى كل عام عطاءهم .

- ٢٠٦ -
أَوْلَى بِلُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ، مَنْ تَرَكَ مَالاَ فَلِأَهْلِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَاً أو ضَيَاعاً.
فإلىّ وعلىَّ)) .
وأخرجه ابن ماجة .
٢٨٣٥ - وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ تَرَكَ مَالاً
فَلَوَرَثَتِهِ . وَمَنْ تَرَكَ كَلَّ فَإِلَيْنَا )) .
وأخرجه البخارى ومسلم.
٢٨٣٦ - وعن جابر بن عبد الله، عن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول ((أَنَا أَوْلَى
بِكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسِهِ، فَأيُّمَا رَجلٍ مَاتَ وَتَرَكَ دَيْناً فَإلىَّ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً
فَوَرَنَتِهِ )) .
باب متى يفرض للرجل فى المقاتلة ؟ [٣: ٩٧]
٢٨٣٧ - عن ابن عمر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أُحُد - وهو ابن أربع
عشرة - فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق، وهو ابن ◌َمْسَ عشرة، فأجازه)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
والعطاء الواجب من الفىء لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله الجهاد. ثم يعطى الذرية والنساء
ما یکفيهم لسنتهم فى کسوهم ونفقتهم .
قال: ولم يختلف أحد لقيناه فى أن ليس للماليك فى العطاء حق ، ولا للأعراب الذين
هم أهل الصدقة .
قال: وإن فضلَ من المال فَضْل - بعد ما وصفتُ - وضعه الإمام فى إصلاح الحصون
والازدياد فى الكراع. وكل مايقوى به المسلمون . فإن استغنى المسلمون وكملت كل مصلحة
لهم، فَرَّق ما يبقى منه بينهم كله على قدر مايستحقون فى ذلك المال .
قال: ويعطى من الفيء رزق الحكام، وولاة الأحداث والصلاة بأهل القىء، وكل من
قام بأمر الفىء من وال وكاتب وجندى مما لاغنى لأهل الفى عنه - رزقَ مثله .

- ٢٠٧ -
باب فى كراهية الافتراض فى آخر الزمان [ ٩٨٠٣]
٢٨٣٨ - عن سليم بن مُطير-شيخٍ من أهل وادى القُرى - قال: حدثنى أبى مُطيرٌ ((أنه
خرج حاجا، حتى إذا كان بالسويداء ، إذا أنا برجل قد جاء كأنه يطلب دواء أو خُضْضاً(١)
فقال: أخبرنى من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حَجَّة الوداع، وهو يَعِظُ الناسَ،
ويأمرهم وينهاهم ، فقال: يا أيها الناسُ خُذُوا الْعَطَاءَ مَا كَانَ عطاء، فاذا ◌َجَاحَفَتْ قُرَيْرٌ
◌َلَى الْمُكِ وَكَانَ عَنْ دِين أحَدِكُمْ فَدَعُوه)) .
السويداء هذه: على ليلتين من المدينة نحو الشام . والسويداء أيضا: بلدة مشهورة
قرب حران . وقد دخلتها وسمعت بها . والسويداء أيضا: من قرى حوران من أعمال دمشق
٢٨٣٩ - وعن سليم بن مطير - من أهل وادى القُرى - عن أبيه، أنه حدثه قال:
سمعت رجلا يقول: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع، أمى
الناس ونهاهم، ثم قال: اللَّهُمَّ هَلْ بَلْتُ؟ قالوا: اللهم نعم، ثم قال: إذا ◌َجَاحَفَتْ قُرَيْشٌ
الْمُكَ فيما بَيْنَهَا، وَعاد العَطَاء - أو كان - رُشّاً فدعوه. فقيل: من هذا؟ قالوا: هذا
ذو الزوائد، صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم )».
ذو الزوائد : له صحبة ، لا يعرف اسمه . وهو معدود فى أهل المدينة.
باب فى تدوين العطاء [٣: ٩٩]
٢٨٤٠ - عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى ((أن جيشاً من الأنصار كانوا بأرض
٢٨٣٩ - قوله ((تجاحفت)) يريد: تنازعت الملك حتى تقاتلت عليه ، وأجحف بعضها
ببعض .
وقوله ((وعاد العطاء رشاً)) هو أن يصرف عن المستحقين، ويعطى من له الجاه والمنزلة.
٢٨٤٠ - ((الإعقاب)) أن يبعث الإمام فى أثر المقيمين فى الثغر جيشاً يقيمون مكانهم
وينصرف أولئك، فإنه إذا طالت عليهم الغيبة والغزية تضرروا بها ، وأضر ذلك بأهليهم ،
(١) قال فى النهاية: يروى بضم الضاد الأولى وفتحها، وقيل: هو بظاءين. وقيل: هو بضاد ثم ظاء
وهو دواء معروف. قيل: إن يعقد من أبوال الإبل. قيل: هو عقار . منه مكى هندى. وهو عصارة
شجر معروف ، له ثمر كالفلفل . وتسمى ثمرته : الحضض .

- ٢٠٨ -
فارس مع أميرهم ، وكان عمر يُعقّب الجيوش فى كل عام ، فشغل عنهم عمر. فلما مَرَّ الأجل
قفل أهل ذلك النَّغر، فاشتد عليهم وتواعدِهم ، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقالوا: يا عمرٍ، إنك غَفَلت عنا، وتركت فينا الذى أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم
من إعقاب بعض الَزِيَّةَ بعضاً »
٢٨٤١ - وعن ابنٍ لعَدِي بن عدى الكندى، أن عمر بن عبد العزيز كتب: ((إنّ
منْ سأل عن مواضع الفيء فهو ماحكم فيه عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، فرآم المؤمنون
عِدلا مرافقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم ؛ جعل الله الحقَّ على لسان عمرٍ وقلبه، فَرَض
الأعطية ، وعقد لأهل الأديان ذمة بما فرض عليهم من الجزية ، لم يضرب فيها بخمسٍ ، ولا
مغتم فيه)) .
فى روايه مجهول. عمر بن عبد العزيز لم يدرك عمر بن الخطاب . والمرفوع منه مرسلٍ.
٢٨٤٢ - وعن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إنّ الله وَضَعَ
الجَقَّ عَلَى لِسَانِ هُمَرَ يَقُولُ بِهِ )»
وأخرجه ابن ماجة . وفى إسناده محمد بن إسجاق بن يسار . وقد تقدم الكلام عليه .
باب فى صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال [ ٣: ١٠٠]
٢٨٤٣ - عن مالك بن أَوْسٍ بن الحدَثان، قال «أرسل إلىَّ عمر، حين تعالَى النهارُ،.
فجئتُه، فوجدته جانباً على سرير، مفضياً إلى رِماله، فقال، حين دخلت عليه: يا مالٍ، إنه
-قد دفَّ أهلُ أبياتٍ من قومك، وقد أمرتُ فيهم بشىء، فاقسم فيهم ، قلت : لو أمرتَ
وقد قال عمر رضى الله عنه فى بعض كلامه (( لاتجمروا الجيوش فتفتنوهم)) يريد لاتطيلوا .
جسهم فى الثغور .
٢٨٤٣ - قال أبو داود، وإنما سألاه أن يصيرها بينهما نصفين. فقال عمر رضى الله عنه:
«لا أوقع عليها اسم القسم )»
قلت : ما أحسن ماقال أبو داود وما أشبهه بما تأوله :
والذى يدل من نفس الحديث وسياق القصة على ماقال أبو داود: قول عمر لهما ((جئتَ

- ٢٠٩ -
غيرى بذلك ، فقال: خذه، فجاءه يَرْفَا (١)، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك فى عثمان بن
عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبى وقاص؟ قال : نعم ،
فأذن لهم فدخلوا ، ثم جاء يَرْفَا. فقال: يا أمير المؤمنين ، هل لك فى العباس وعلى ؟ قال:
نعم ، فأذن لهم فدخلوا ، فقال العباس : يا أمير المؤمنين ، اقضٍ بينى وبين هذا - يعنى علياً -
فقال بعضهم : أجل يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وارحمهما، قال مالك بن أوس: خُيِلَ
إلىَّ أنهما قَدَّما أولئك النفر لذلك، فقال عمر رحمه الله: أَتْئِدَاً ، ثم أقبل على أولئك الرهط
فقال: أنشُدُ كم بالله الذى بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال ((لاَ نُورَثُ، مَا تَرَ كْنَا صَدَقَةٌ)) قالوا: نعم، ثم أقبل على علىّ والعباس
رضى الله عنهما فقال: أنشدكما بالله الذى بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمان أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟ فقالا: نعم، قال : فإن الله
أنتَ وهذا، وأنتما جميع، وأمركا واحد)) فهذا يبين أنهما إنما اختصما إليه فى رأى حدث لهما
فى أسباب الولاية والحفظ . فرام كل واحد منهما التفرد به دون صاحبه . ولا يجوز عليهما
أن يكونا طالباه بأن يجعله ميرانا ورده ملكاً ، بعد أن كان سلماه فى أيام أبى بكر ، وتخليا
عن الدعوى فيه . وكيف يجوز ذلك ؟ وعمر رضى الله عنه يناشدهما الله : هل تعلمان أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا نورث ماتركنا صدقة؟)) فيعترفان به، والقوم الحضور
يشهدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك؟
وكل هذه الأمور تؤكد ما قاله أبو داود، وتصحح ماتأوله: من أنهما إنما طلبا القسمة .
ويشبه أن يكون عمر إنما منعهما القسمة احتياط للصدقة، ومحافظة عليها . فإن القسمة
إنما تجرى فى الأموال المملوكة ، وكانت هذه الصدقات متنازعة وقت وفاة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، يدعى فيها الملك والوراثة إلى أن قامت البينة من قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أن تركته صدقة غير موروثة، فلم يسمح لهما عمر بالقسمة، ولو سمح لهما بالقسمة لكان
لا يؤمن أن يكون ذلك ذريعة لمن يريد أن يمتلكها بعد على والعباس ممن ليس له بصيرتهما
فى العلم، ولا تقيتهما فى الدين. فرأى أن يتركها على الجملة التى هى عليها . ومنع أن تجول
(١) يرفأ - بفتح الياء المثناة من تحت واسكان الراء المهملة وبالفاء ، غير مهموز، ومنهم من همزه -
وهو اسم علم لحاجب عمر رضى الله ممنه .

- ٢١٠ -
خصَّ رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخص بها أحداً من الناس ، فقال (٥٩ : ٦
وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا رٍكاب ، ولكن الله يسلط رسله
على من يشاء والله على كل شىء قدير) فكان الله أفاء على رسوله بنى النضير، فوالله
ما استأثَر بها عليكم، ولا أخذها دونكم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذُ منها
ثقة سَنة، أو نفقته ونفقة أهله سَنةً، ويجعل ما بقى أسوة المال ، ثم أقبلَ على أولئك.
عليها السهام، فيتوهم أن ذلك إنما كان لرأى حدث منه فيها أوجب إعادتها إلى الملك بعد.
اقتطاعها عنه إلى الصدقة .
وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر: وهو أن الأمر المفوض إلى الاثنين الموكولَ إليهما ، وإلى.
أمانتهما وكفايتهما ليمضياه بمشاركة منهما أقوى فى الرأى، وأدنى إلى الاحتياط من.
الاقتصار على أحدهما، والاكتفاء به دون مقام الآخر . ولو أوصى رجل بوصية إلى عمرو
وزيد، أو وكل رجل زيداً وعمراً، لم يكن لواحد منهما أن يستبد بأمر فيهما دون صاحبه ..
فنظر عمر لتلك الأموال واحتاط فيها بأن فوضها إليهما معاً، فلما تنازعاها قال لهما
(( إما أن تلياها جميعاً - على الشرط الذى عقدته لما فى أصل التولية - وإما أن ترداها إلىّ
فأتولاها بنفسى ، وأجريها على سبلها التى كانت تجرى أيام أبى بكر رضى الله عنه)).
قلت: وروى (( أن علياً رضى الله عنه غلب عليها العباس بعد ذلك ، فكان يليها.
أيام حياته .»
ويدل على صحة التأويل الذى ذهب إليه أبو داود : أن منازعة على رضى الله عنه
عباسً لم تكن من قِبل أنه كان يراها ملكاً وميراثًاً: أن الأخبار لم تختلف عن على رضى الله
عنه: أنه لما أفضت إليه الخلافة وخلص له الأمر، أجراها على الصدقة، ولم يغير شيئاً من سبلها.
وحدثنى أبو عمر محمد بن عبد الواحد النحوى أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن.
الأعرابى قال ((كان أول خطبة خطبها أبو العباس السفاح فى قرية، يقال لها العباسة بالأنبار.
فلما افتتح الكلام وصار إلى ذكر الشهادة من الخطبة، قام رجل من آل أبي طالب فى عُنقه
مصحف . فقال: أُذَ لِّرك الله الذی ذ کرته: إلا أنصفتنى من خصمى، وحكمت بينى وبينه بما.

- ٢١١ -
الرَّحْطِ فقال: أنشدكم بالله الذى يإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم
ثم أقبل على العباس وعلى رضى الله عنهما فقال: أنشدكما بالله الذى بإذنه تقوم السماء
والأرض ، هل تعلمان ذلك ؟ قال : نعم ، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
أبو بكر: أنا ولىُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجئتَ أنت وهذا إلى أبى بكر تطلب
أنت ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ، فقال أبو بكر رحمه
الله : قال رسول الله صلى عليه وسلم: لا نورث، ما تركنا صدقة . والله يعلم إنه لصادق بارٌ
فى هذا المصحف. فقال له: ومن ظلمك؟ قال: أبو بكر الذى منع فاطمة فدك . قال : فقال
له : وهل كان بعده أحد؟ قال: نعم ، قال: من ؟ قال: عمر؟ قال: وأقام على ظلمكم ؟
قال: نعم. قال: وهل كان بعده أحد ؟ قال: نعم ، قال: من ؟ قال: عثمان . قال :
وأقام على ظلمكم؟ قال: نعم ، قال: وهل كان بعده أحد ؟ قال : نعم ، قال : من ؟ قال
أمير المؤمنين على بن أبى طالب . قال: وأقام على ظلمكم؟ قال: فأسكت الرجل . وجعل
- يلتفت إلى ماوراءه يطلب مخلصاً ، فقال له: والله الذى لا إله إلا هو لولا أنه أول مقام قمته
ثم إنى لم أكن تقدمت إليك فى هذا قبل، لأخذتُ الذى فيه عيناك. اقعد. وأقبل
على الخطبة .
قوله ((مفضياً إلى رماله)) يريد أنه كان قاعداً عليه من غير فراش، ورماله: ما يُرُمَّل
وينسج به من شريط ونحوه .
وقوله (( دف أهل أبيات من قومك )) معناه : أقبلوا ولهم دفيف ، وهو مشى سريع
فى مقاربة خطو . يريد: أنهم وردوا المدينة لضُرّ أصابهم فى بلادهم .
وفى قول عمر (( إن الله خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخص بها أحداً من
الناس ، وتلا على أثره الآية )» دليل على أن أربعة أخماس الفيء كانت لرسول الله صلى الله
عليه وسلم خاصة فى حياته .
واختلفوا فيمن هى له بعده ، وأين تصرف؟ وفيمن توضع ؟.
فقال الشافعى ، فيها : قولان .

- ٢١٢ -
راشدٌ تابع للحق، فوليها أبو بكر ، فلما توفى قلتُ: أنا ولىُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
وولىُّ أبى بكر ، فوليتُها ما شاء الله أن أليها، فجئتَ أنت وهذا، وأنما جَميعٌ، وأمْرُ كُمَّا
واحدٌ ، فسألتمانيها ، فقلت: إن شئما أن أدفعها إليكما على أن عليكما عهدَ الله أن تلياها
بالذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يليها ، فأخذتماها منى على ذلك ، ثم جثمانى
لأقضي بينكما بغير ذلك ؟ والله لا أقضى بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عَجَزْ تُمَا
عنها فَرُدَّاها إلىّ)).
٢٨٤٤ - وفى رواية قال («وهما - يعنى علياً والعباس رضى الله عنهما - يختصمان فيما أفاء الله
على رسوله من أموال بنى النَّضير))
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى مطولا ومختصراً.
وفى لفظ للبخارى ((فأنا أ كفيكاها ))
قال أبو داود : أراد أن لا يوقع عليها اسم قَسْ .
أحدهما: أن سبيلها سبيل المصالح ، فتصرف إلى الأهم فالأهم من مصالح المسلمين،
ويبدأ بالمقاتلة أولاً ، فيعطون قدْ رَ كفايتهم ، ثم يبدأ بالأهم فالأهم من المصالح. لأن النبى
صلى الله عليه وسلم كان يأخذه لفضيلته، وليس لأحد من الأيمة بعده تلك الفضيلة . فليس
لهم أن يتملكوها .
والقول الآخر : أن ذلك لمقاتلة كله يقسم فيهم ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم إنما
كان يأخذه لماله من الرُّعْب والهيبة فى طلب العدو. والمقاتلة: هم القائمون مقامه فى إرهاب
العدو وإخافتهم .
وكان مالك يرى أن الفىء المصالح. قال : وكذلك كان فى زمان رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
وحكى عنه أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك فيه مالاً ، أو كان
لا يصح منه الملك .
قلت : وهذا القول - إن صح عنه - فهو خطأ .
وقال بعض أهل العلم: الفيء للأئمة بعده .

- ٢١٣ -
قال بعضهم : ما أحسن ما قال أبو داود، وما أشبه بما تأوله . واستدل بقول عمر
((فيئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد )) فهذا يبين أنهما اختصما إليه فى رأى حدث
لهما فى أسباب الولاية والحفظ . فرام كل واحد منهما التفرد به . ولا يجوز عليهما أن يكونا.
طلباه بأن يجعله ميراثاً، ويَرُدُّه ملكا - بعد أن كانا سلماه فى أيام أبى بكر ، وتخليا عن
الدعوى فيه - وكيف يجوز ذلك؟ وعمر يناشدهما الله: هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال (( لانورث ما تركنا صدقة)) فيعترفان به . والقوم الحضور يشهدون على رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك ؟ وكل هذه الأمور تولد ما قاله أبو داود .
ويشبه أن يكون عمر رضى الله عنه إنما منعهما القسمة احتياطاً للصدقة ومحافظة عليها .
فإن القسمة إنما تجوز فى الأموال المملوكة. ولو سمح لهما عمر بالقسمة لكان لا يؤمن أن
يكون ذلك ذريعة لمن يريد أن يتملكها بعد علٍّ والعباس ممن ليس له بصيرتهما فى العلم،
ولا يقينهما فى الدين . فرأى أن يتركها على الجملة التى هى عليها ، ومنع أن تجول عليها
السهام ، فيوهم أن ذلك إنما كان لرأى حدث منه فيها ، أوجب إعادتها إلى الملك بعد
اقتطاعها عنه إلى الصدقة . والله أعلم .
وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر، وهو: أن الأمر المفوّض إلى الاثنين ، الموكولَ إِلى أمانتهما
وكفايتهما أقوى فى الرأى ، وأدنى إلى الاحتياط من الاقتصار على أحدهما والاكتفاء به.
قال: فروى: أن عليا غلب عليها العباس بعد ذلك . فكان يليها أيام حياته .
ويدل على صحة هذا التأويل الذى ذهب إليه أبو داود : أن منازعة علٍّ عباسا لم تكن
من قبل أنه كان يراها ملكا وميراثا: أن الأخبار لم تختلف عن على: أنه لما أفضت إليه
الخلافة ، وخلص له الأمر أجراها على الصدقة ، ولم يغير شيئاً من سبيلها
٢٨٤٥ - وعنه عن عمر قال (( كانت أموالُ بني النَّصير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه
وسلم مما لم يُوجِفْ المسلمون عليه بخَيْل ولا رِكاب، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصاً
يُنفقُ على أهل بيته قال ابن عبدة: ينفق على أهله - قُوتَ سنةٍ، فما بقى جُعل فى الكُراع
وعُدَّةً فى سبيل الله عز وجل، قال ابن عبدة: فى الكراع والسلاح)).

- ٢١٤ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
وابن عبدة: هو أبو عبد الله أحمد بن عبدة الضبى ، شيخ أبى داود.
٢٨٤٦ - وعن الزهرى، قال: قال عمر ((٥٩: ٦ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم
عليه من خيل ولا ركاب ) قال الزهرى : قال عمر: هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم
خاصة، قُرَى عُرَبية: فَدَك، وكذا وكذا (٥:٥٩ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فله
وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) و(للفقراء الذين أخرجوا من ديارهم
وأموالهم) و(الذين تبوؤا الدارَ والايمان من قبلهم) و(الذين جاءوا من بعدهم) فاستوعبت
هذه الآية الناسَ . فلم يبق أحدٌ من المسلمين إلا له فيها حق - قال أيوب، وهو السختيانى-
أو قال: حظّ - إلا بعض من تملكون من أرِقّائكم))
وهذا منقطع . الزهرى : لم يسمع من عمر .
٢٨٤٦ - قلت : مذهب عمر في تأويل هذه الآيات الثلاث فى سورة الحشر: أن تكون
منسوقة على الآية الأولى منها . وكان رأيه فى الفى: أن لا يخمَّس كما تخمس الغنيمة ، لكن
تكون جملته لجملة المسلمين مُرصَدة لمصالحهم، على تقديم كان يراه ، وتأخير فيها وترتيب لها.
وإليه ذهب عامة أهل الفتوى غير الشافعى ، فإنه كان يرى أن يخمس الفىء، فيكون
أربعة أخماسه الأرزاق المقاتلة والبدرية . وفى الكراع والسلاح ، وتقوية أمر الدين ،
ومصالح المسلمين ، ويقسم خمسه على خمسة أقسام ، كما قسم خمس الغنيمة ، واحتج بقوله
تعالى (٥٩: ٦ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى : فلله وللرسول ولذى القربى
واليتامى والمسا كين وابن السبيل).
وكان يذهب إلى أن ذكر ((الله)) إنما وقع فى أول الآية على سبيل التبرك بالافتتاح
باسمه . وإنما هو سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحقيقة .
مے
وإلى هذا ذهب جماعة من أهل التفسير.
قال الشعبى وعطاء بن أبي رباح : خمس الله وخمس رسوله واحد .
وقال قتادة: (فأن لله خمسه) قال: هو لله، ثم بين قسم الخمس خمسة أخماس.

- ٢١٥ -
وقوله (( بعض من تملكون من أرقائكم)) قال بعضهم: يتأول على وجهين .
أحدهما : ما ذهب إليه أبو عبيد . فإنه روى حديثا عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار
عن الحسن بن محمد المخلدى الغفارى ((أن مملوكين، أو ثلاثة ، لبنى غفار شهدوا بدرا ، وكان
عمر يعطى كل رجل منهم فى كل سنة ثلاثة آلاف درهم)).
قال أبو عبيد: وأحسب أنه إنما أراد هؤلاء الماليك البدريين. لمشهدهم بدرا . ألا
ترى أنه خص . ولم يتم؟ .
وقال غيره: بل أراد به جميع الماليك . وإنما استثنى من جملة المسلمين بعضاً من كل.
فكان ذلك منصرفا إلى جنس الماليك . وقد يوضع البعض موضع الكل ، كقول لبيد :
* أو يعتلق بعض النفوس جمامها *
يريد النفوس كلها .
وقال الحسن بن محمد بن الحنفية : هذا مفتاح الكلام فى الدنيا والآخرة .
قلت : والذى ذهب إليه الشافعى: هو الظاهر فى التلاوة . وقد اعتبره بآية الغنيمة
وهو قوله ( ٤١:٨ واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه والرسول ونذى القربى واليتامى
والمسا كين وابن السبيل) فحمل حكم الفىء عليها فى إخراج الخمس منه . ويشهد له على
. ذلك أمران :
أحدهما: أن العطف للآخر على الأول لا يكون إلا ببعض حروف النسق، وحرف
النسق معدوم فى ابتداء الآية الثانية. وهي قوله (للفقراء المهاجرين) وإنما هو ابتداء كلام .
والمعنى الآخر : أن المسمَيَّن فى الآية الآخرة وهى قوله (٩:٥٩ والذين جاءوا من بعدهم)
لوكانوا داخلين فى أهل الفىء لوجب أن تعزل حقوقهم، ونترك إلى أن يلحقوا كما يفعل ذلك
بالوارث الغائب والشريك الطاعن ، ويحفظ عليه حتى يحضر . ولم يكن يجوز أن يستأثر
الحاضرون بحقوق الغيَّب، إلا أن عمر بن الخطاب أعلم بحكم الآية وبالمراد بها ، وقد تابعه
عامة الفقهاء، ولم يتابع الشافعى أحد على ماقاله. فالمصير إلى قول الصحابى - وهو الإمام
العدل المأمور بالاقتداء به فى قوله صلى الله عليه وسلم (( اقتدوا باللذين من بعدى : أبى بكر
وعمر)) - أولى وأصوب.

- ٢١٦ -
٢٨٤٧ - وعن مالك بن أوس بن الحدثان، قال (( كان فيما احتج به عمر رضى الله عنه
أنه قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثُ صغايا: بنو النضير، وخيبر، وفَدَك.
فأما بنو النضير: فكانت حُبُساً لنوائبه. وأما فدك: فكانت حُبُساً لأبناء السبيل، وأما
خيبر : جزّأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء: جزءين بين المسلمين ، وجزءاً
نفقةً لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين )).
٢٨٤٨ - وعن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم (( أنها أخبرته
أن فاطمة بنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلتْ إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه
تسأله ميراتَها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاءَ اللهُ عليه بالمدينة وَفَدَك ، وما بقى
من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نُورَثُ، مَا تَرَ كْفَا
صَدَقَةَ ، إنّمَا يَأْ كُلُ آلُ مُحَمَدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنِّى والله لا أَغَيِّرُ شَيْئاً مِنْ صَدَقَةٍ
وما أحسب الشافعى عاقه عن متابعة عمر في ذلك إلا ما غلبه من ظاهر الآية ، وأعوزه
من دلالة حرف النسق فيما يعتبر من حق النظم . والله أعلم .
وقوله (( إلا بعض من تملكون من أرقائكم)) يُتأوّل على وجهين:
أحدهما: ماذهب إليه أبو عبيد. فإنه روى حديثاً عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار.
عن الحسن بن محمد بن على عن مخلد الغفارى ((أن مملوكين، أو ثلاثة ، لبنى غفار شهدوا
بدراً فكان عمر يعطى كل رجل منهم فى كل سنة ثلاثة آلاف درهم)) .
قال أبو عبيد: فأحسِب أنه إنما أراد هؤلاء الماليك البدريِيّن بِمَشْهدهم بَدْراً.
أُلا ترى أنه خَصَّ ولم يَعُمَّ ؟
وقال غيره : بل أراد به جميع الماليك . وإنما استثنى من جملة المسلمين بعضاً من كل .
فكان ذلك منصرفاً إلى جنس الماليك. وقد يوضع البعض فى موضع الكل . كقول لبيد :
أو يعتق (١) بعض النفوس حمامها
يريد النفوس كلها
(١) فى الأحمدية ((أو يعتفى)) وفى اللسان مادة ((حم))
أن قد أحم من الحتوف حمامها
لتذودهن ، وأيقنت إن لم تزد

- ٢١٧ -
رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عن حالها انتى كانت عليه فى عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فَلَاْ عَمَلنَّ فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر رضى الله.
عنه أن يدفع إلى فاطمة عليها السلام منها شيئاً))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
٢٨٤٩ - وعنه (( أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته بهذا الحديث - قال:
وفاطمة عليها السلام حينئذ تطلب صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى بالمدينة وفَدَك ،
وما بقى من خمس خيبر، قالت عائشة رضى الله عنها : فقال أبو بكر رضى الله عنه : إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة، وإنما يأكل آل محمد
من هذا المال ــ يعنى مال الله، ليس لهم أن يزيدوا على المأكَلٍ))
٢٨٥٠ - وعنه (( أن عائشة رضى الله عنها أخبرته بهذا الحديث - قال فيه : فأبي أبو بكر
رضى الله عنه عليها ذلك ، وقال : لست تاركا شيئاً كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
يعمل به إلا عملت به ، إلى أخشى إن تركتُ شيئاً من أمره أن أَزيغَ ، فأما صدقته بالمدينة
فدفعها عمر إلى على وعباس رضى الله عنهم ، فغلبه على عليها، وأما خيبر وفدك: فأمسكهما.
عمر ، وقال : مما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانتا لحقوقه التى تعروه ونوائبه »
وأمُهما إلى من ولى الأمر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم)).
٢٨٥١ - وعن الزهرى، فى قوله (٥٩: ٦ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) قال:
صَالَحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أهلَ فدك وقُرَى - قد سماها لا أحفظها - وهو محاصرٌ قوما
آخرين، فأرسلوا إليه بالصلح ، قال: ( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) يقول : بغير
قتال . قال الزهرى : وكانت بنو النضير للنبى صلى الله عليه وسلم خالصا، لم فتحوها عَنْوة
افتتحوها على صلح، فقسمها النبى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ، لم يُعْطِ الأنصار منها
شيئا ، إلا رجلين كانت بهما حاجة ))
٢٨٥٠ - وقوله (( تعروه )) أى تغشاه وتنتابه. يقال: عرانی ضیف، وعرانی همٌّ . أی نزل به

- ٢١٨ -
٢٨٥٢ - وعن المغيرة - وهو ابن مقسم - قال ((جمع عمر بن عبد العزيز بن مروان ، حين
استُخلف ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له فَدَك، فكان يُنفق منها ،
ويَعُود منها على صغيرٍ بنى هاشم، ويُزُوِّج منها أيََّهُمْ ، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها
فأبى، فكانت كذلك فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى مضى لسبيله، فلما أن
ولی أبو بكر رضى الله عنه عمل فيها بما عمل النبى صلى الله عليه وسلم فی حیاته ، حتى مضى
لسبيله ، فلما أن ولى عمر عمل فيها بمثل ما عملا، حتى مضى لسبيله ، ثم أقطعها مروان،
ثم صارت لعمر بن عبد العزيز ، قال - يعنى عمر بن عبد العزيز -: فرأيت أمراً منعه
رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام ليس لى بحق ، وإني أشهدكم أنى قدرددتها
على ما كانت ، يعنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
٢٨٥٣ - وعن أبى الطفيل - وهو عامر بن واثِلَة الليثى، وهو آخر من تُوُفِىَّ من
الصحابة - قال ((جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبى بكر رضى الله عنه تطلب ميراثها من
النبى صلى الله عليه وسلم ، قال: فقال أبو بكر عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: إنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ إذا أطْعَمَ نَبِيًّا طعمة فَهِىَ الذى يقومُ منْ بَعْدِهِ))
فى إسناده: الوليد بن جميع . وقد أخرج له مسلم، وفیه مقال.
٢٨٥٤ - وعن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((لا تَقَنَسِمُ وَرَثَنَيِ ديناراً،
ما ترَكْتُ بَعْدَ نَفَقةِ نِسائِى وَمُؤْنةٍ عاملى فهو صدَقةٌ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى. وفى بعضها ((ولا درهماً)).
٢٨٥٢٠ - قلت: إنما أقطعهما مروان فى أيام حياة عثمان بن عفان . وكان ذلك مما عابوه وتعلقوا
به عليه .
وكان تأويله فى ذلك - والله أعلم - مابلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله
((إذا أطعم الله نبياً طعمة فهى الذى يقوم من بعده)) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يأكل منها ، وينفق على عياله قوتَ سَنَةٍ ، ويصرف الباقى مَصْرِف الفيء، فاستغنى عثمان
عنها بماله ، فجعلها لأقربائه، ووصل بها أَرحامه . وقد روى أبو داود هذا الحديث .
٢٨٥٣ - قلت : وفيه حجة لمن ذهب إلى أن أربعة أخماس الفيء بعد رسول الله صلى عليه
وسلم للأئمة بعده .