النص المفهرس
صفحات 181-200
- ١٧٩ - ٢٧٨٧ - وعن مكحول - وهو الشامى - قال ((جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث ابن الملاعنة لأمه ، ولورثتها من بعدها )» . ٢٧٨٨- وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، مثله. حديث مكحول مرسل. وذكر الامام الشافعي فى الرد على من قال به : أنه احتج برواية ليست مما تقوم بها حجة . قال البهيقي : فأظنه أراد حديث مكحول . عصبة الولاء أحداً من أهل النسب، كذلك لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها، وكونه إنما صار إليها ضرورة تعذره من جهة أصله، وهو بعرض الزوال، بأن يقر به الملاعن ، فيزول . وأيضاً : فإن الإخوة استفادوا من جهتها أمرين : أخوة ولد الملاعنة وتعصيبه ، فهم يرثون أخاهم معها بالأخوة لا بالتعصيب ، وتعصيبها إنما يدفع تعصيبهم لا أخوتهم ، ولهذا ورثوا معها بالفرض لا بالتعصيب ، وبالله التوفيق . الجملة الثالثة: فى حديث واثلة « ميراث اللقيط)) وهذا قد اختلف فيه. فذهب الجمهور إلى أنه لا توارث بينه وبين ملتقطه بذلك . وذهب إسحق بن راهوية إلى أن ميراثه لملتقطه عند عدم نسبه، لظاهر حديث واثلة ، وإن صح الحديث، فالقول ماقال إسحق ، لأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه، والإحسان إليه ، ليس بدون إنعام المعتق على العبد بعثقه ، فإذا كان الإنعام بالعتق سبباً لميراث المعتق ، مع أنه لانسب بينهما ، فكيف يستبعد أن يكون الإنعام بالالتقاط سبباً له مع أنه قد يكون أعظم موقعاً وأتم نعمة ؟ وأيضاً فقد ساوى هذا الملتقط المسلمين فى مال اللقيط ، وامتاز عنهم بتربية اللقيط ، والقيام بمصالحه ، وإحيائه من الهلكة ، فمن محاسن الشرع ومصلحته وحكمته: أن يكون أحق بميراثه وإذا تدبرت هذا وجدته أصح من كثير من القياسات التى يبنون عليها الأحكام ، والعقول أشد قبولاً له . فقول إسحق فى هذه المسألة فى غاية القوة ، والنبى صلى الله عليه وسلم كان يدفع الميراث بدون هذا، كما دفعه إلى العتيق مرة ، وإلى الكبر من خزاعة مرة، وإلى أهل مكة الميت ودربه مرة ، وإلى من أسلم على يديه مرة ، ولم يعرف عنه صلى الله عليه وسلم شىء ينسخ ذلك ، ولكن الذى استقر عليه شرعه تقديم النسب على هذه الأمور كلها ، وآما نسخها عند عدم النسب فى ما لاسبيل إلى إثباته أصلا ، وبالله التوفيق. - ١٨٠ - وحديث عمرو بن شعيب قد تقدم الكلام على اختلاف الأيمة فى الاحتجاج به . وفى رواته: أبو محمد عيسى بن موسى القرشى الدمشقى . قال البهيقى : وليس بمشهور. باب هل يرث المسلم الكافر؟؟؟ [٣: ٨٤] ٢٧٨٩ - عن أسامة بن زيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( لا يَرَتُ المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم » وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة . ٢٧٩٠ - وعنه قال: قلت (( يا رسول الله، أين تنزل غداً؟ فى حَجَّته، قال: وهَلْ تَرَكَ ٢٧٨٩ - قال الشيخ : عموم هذا الحديث يوجب منع التوارث بين كل مسلم وكافر ، سواء كان الكافر على دين يقرّ عليه، أو كان مرتداً يجب قناه. ومن لم يورث كافراً من مسلم لزمه أن لا يورث مسلماً من كافر وقد اختلف الناس فى هذا . فقال اسحاق بن راهوية: يرث المسلم الكافر ، ولا يرثه الكافر، ورى ذلك عن معاذ بن جبل ومعاوية بن أبى سفيان . وقد حكى ذلك أيضاً عن ابراهيم النخعى ، وقالوا: نرثهم ولا يرثوننا ، كما تنكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا . وقال عامة أهل العلم : بخلاف ذلك . واختلفوا فى ميراث المرتد . فقال مالك بن أنس وابن أبى ليلى والشافعى : ميراث المرتد فىء ، ولا يرثه أهله . وكذلك قال ربيعة بن أبى عبد الرحمن . وقال سفيان الثورى : ماله النَّنيد لورثته المسلمين، وما اكتسبه وأصابه فى ردته فهو فى. للمسلمين . وهو قول أبى حنيفة . وقال الأوزاعى وإسحاق بن راهوية : ماله كله لورثته المسلمين ، وقد روي ذلك عن علي وعبد الله. وهو قول الحسن البصرى والشعبى وعمر بن عبد العزيز. ٢٧٩٠ - قال الشيخ : موضع استدلال أبى داود من هذا الحديث: فى أن المسلم لايرث من - ١٨١ =- لنا عَقيل منزلا؟ ثم قال: نحن نازلون بخَيْف بنى كِنانة، حَيْثُ فاسمتْ قريشٌ على الكفر - يعنى المحصَّب - وذاك: أن بنى كِيانة حالفت قريشاً على بنى هاشم، أن لا يُناوهم ولا يبايعوهم، ولا يُؤْووهم)» قال الزهرى: والخيف الوادى. وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . ٢٧٩١ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يتوارث أهل ملتين شَتَّى )) وأخرجه النسائي وابن ماجة . وأخرجه الترمذى من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبی لیلی عن أبى الز بير عن جابر وقال: غريب، لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبى ليلى. هذا آخر كلامه. وابن أبى ليلى - هذا - لا يحتج بحديثه. ٢٧٩٢ - وعن عبد الله بن بريدة ((أن أخوين اختصما إلى يحيى بن يَعْمُر: يهودىّ ومسلم. فورَث المسلمَ منهما، وقال: حدثنى أبو الأسود ، أن رجلا حدثه ، أن معاذاً قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الاسلام يزيد ولا ينقص. فورث المسلم)). فيه رجل مجهول . ٢٧٩٣ - وعن أبى الأسود الدِّيلى ((أن معاذاً أتى بميراث يهودى وارثُه مسلم - بمعناه عن النبى صلى الله عليه وسلم )) فى سماع أبى الأسود من معاذ بن جبل نظر . الكافر: أن عقيلاً لم يكن أسلم يوم وفاة على بن أبى طالب ، فورثه . وكان على وجعفر رضى الله عنهما مسلمين . فلم يرناه ، ولمَا ملك عقيل رباع عبد المطلب باعها . فذلك معنى قوله (( وهل ترك لنا عقيل منزلاً؟ )) ٢٧٩١ - قال الشيخ: عموم هذا الكلام يوجب أن لا يرث اليهودى النصرانى ، ولا المجوسى اليهودى ، وكذلك قال الزهرى وابن أبى ليلى وأحمد بن حنبل . وقال أكثر أهل العلم: الكفر كله ملة واحدة ، يرث بعضهم بعضاً، واحتجوا بقول الله سبحانه (٧٣:٨ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض). - ١٨٢ - باب فيمن أسلم على ميراث [٣: ٨٥ ] ٢٧٩٤ - عن ابن عباس، قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم ((كلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فى الجاهلية فَهُوَ على مَا قُسِمٍ ، وكل قَسْم أدركه الاسلام فإنه على قسم الاسلام)) وأخرجه ابن ماجة. قيل : فيه بيان أن أحكام الأموال والأنساب والأنكحة التى كانت فى الجاهلية ماضية على ما وقع الحكم منهم فيها أيام الجاهلية ، لا يرد منها شىء فى الاسلام ، وأن ما حدث من هذه الأحكام فى الاسلام فإنه يُستأنف فيه حكم الاسلام . وقد علق الشافعى الفول فى ذلك . وغالب مذهبه : أن ذلك كله سواء . ٢٧٩٤ - قال الشيخ: فيه أن أحكام الأموال والأنساب والأنكحة التى كانت فى الجاهلية ماضية على ماوقع الحكم منهم فيها أيامَ الجاهلية، لا يردُّ منها شىء فى الإسلام، وأن ماحدث من هذه الأحكام فى الإسلام فانه يستأنف فيه حكم الإسلام . ٢٧٩٤ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله. وقد دل على هذا: قوله تعالى (٢: ٢٧٨ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا) فأمرهم بترك ما لم يقبضوا من الربا، ولم يتعرض لما قبضوه ، بل أمضاه لهم . وكذلك الأنكنة لم يتعرض فيها لما مضى ، ولا لكيفية عقدها ، بل أمضاها وأبطل منها ما كان موجب إبطاله قائماً فى الإسلام ، كنكاح الأختين والزائدة على الأربع فهو نظير الباقىمن الربا وكذلك الأموال لم يسأل النى صلى الله عليه وسلم أحداً بعد إسلامه عن ماله ووجه أخذه، ولا تعرض لذلك . وكذلك للأسباب الأخرى كما تقدم فى المستلحق فى بابه . وهذا أصل من أصول الشريعة ينبنى عليه أحكام كثيرة . وأما الرجل يسلم على الميراث قبل أن يقسم : فروى عن عمر بن الخطاب وعثمان وعبد الله بن مسعود والحسن بن على: أنه يرث ، وقال به جابر بن زيد والحسن ومكحول وقتادة وحميد وإباس بن معاوية وإسحق بن راهوية والإمام أحمد، فى إحدى الروايتين عنه، اختارها أكثر أصحابه. وذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يرث ، كما لو أسلم بعد القسمة ، وهذا مذهب الثلاثة . وذكر ابن عبد البر في التمهيد : أن عمر قضى : أن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه . وقضى به عثمان . - ١٨٣ - باب فى الْولاء [٣: ٧٦] ٢٧٩٥ - عن ابن عمر (( أن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أرادت أن تشترى جارية تعتقها ، فقال أهلُهَا: نبِيعُكِهَا على أنَّ وَلاءها لنا، فذكرت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: لاَ يَخْذَمُكِ ذَلِكِ ، فإن الولاء لمن أعتق)) وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ٢٧٩٦ - وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الْوَلاَءُ لمّنْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَوَلِىَ النِّعْمَةَ)) ٢٧٩٥، ٢٧٩٧ قال الشيخ : فى حديث ابن عمر دليل على أن بيع المملوك بشرط العتق جائز وقوله (( لا يمنعك ذلك)) معناه إبطال ماشرطوه من الولاء لغير المعتق. وفى قوله ((الولاء لمن أعطى الثمن، وولى النعمة)) دليل أن لاولاء إلا لمعتق. وذلك أن دخول الألف واللام فى الاسم مع الإضافة يعطى السلب والإيجاب، كقولك : الدار واحتج لهذا القول الأول بما روى سعيد بن منصور في سننه عن عروة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من أسلم على شىء فهو له )) ورواه أيضاً عن ابن أبي مليكة عن النبى صلى الله عليه وسلم . واحتجوا أيضاً بحديث أبى داود هذا . واحتجوا بأنه قضاء انتشر فى الصحابة من عمر وعثمان ، ولم يعلم لهما مخالفا وفيه نظر ، فإن المشهور عن على أنه لايرث . واحتجوا أيضاً بأن التركة إنما يتحقق انتقالها إليهم بقسمتها وحوزها ، واختصاص كل من الوارثين بنصيبه ، وما قبل ذلك فهى بمنزلة ما قبل الموت . والتحقيق: أنها بمنزلة ماقبل الموت من وجه ، وبمنزلة ما قبل القسمة من وجه ، فإنهم ملكوها بالموت ملكا قهرياً ونماؤها لهم ، وابتدأ حول الزكاة من حين الموت ، ولكن هى قبل القسمة كالباقى على ملك الموروث، ولو نمت لضوعف منها وصاياه ، وقضيت منها ديونه ، فهى فى حكم الباقى على ملكه من بعض الوجوه . ولو تجدد للميت صيد بعد موته بأن يقع فى شبكة نصبها قبل موته ثبت ملكه عليه . ولو وقع إنسان فى بئر حفرها لتعلق ضمانه بتركته بعد موته، فإذا قسمت التر كة و مین حق كل وارث انقطعت علاقة الميت عنها ، والله أعلم . - ١٨٤ - وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى. ٢٧٩٧ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن رِيابَ بنَ حُذيفة تزوج امرأة. فولدت له ثلاثة غِلْمةٍ . فماتت أمُّهم ، فورثوها رِباعها وولاءَ مواليها ، وكان عمرو بن العاص عَصَبَةَ بنيها ، فأخرجهم إلى الشام، فماتوا ، فقدم عمرو بن العاص ، ومات مَوْلَى لها ، وترك مالا ، فخاصمه إخوتها إلى عمر بن الخطاب ، فقال عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحْرَزَ الْوَلَّدُ أو الْوَالدُ فَهُو لِعَصَبَتِهِ مَنْ كانَ - قال: فَكتب له كتاباً فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، ورجلٌ آخر ، فلما استُخْلِف عبد الملك اختصموا إلى هشام بن إسماعيل، أو إلى إسماعيل بن هشام ، فرفعهم إلى عبد الملك فقال : هذا من القضاء الذى ما كنتُ أراه ، قال : فقضى لنا بكتاب عمر بن الخطاب ، فنحن فيه إلى الساعة )» وأخرجه النسائي وابن ماجة. وأخرجه النسائى أيضاً مرسلا. وقد تقدم الكلام على اختلاف الأيمة فى الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب ورياب: بكسر الراء المهملة، وبعدها ياء، آخر الحروف مفتوحة، وبعد الألف باء بواحدة بأب فى الرجل يسلم على يدى الرجل [ ٣: ٨٧] ٢٧٩٨ - عن تميم الدارى أنه قال ((يا رسول الله - وقال يزيد، وهو ابن خالد: إن تميما الزيد ، والمال للورثة . فيه إيجاب ملك الدار، وإيجاب المال للورثة وقطعهما عن غيرهما . وإذا كان كذلك ففيه دليل على أن من أسلم على يدى رجل فإنه لايرثه ، ولا يكون له ولاؤه لأنه لم يعتقه . ٢٧٩٨ - قال الشيخ : قد احتج به من يرى توريث الرجل من يسلم على يده من الكفار. ٢٧٩٧ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقال ابن عبد البر: هذا حديث حسن صحيح غريب وذكر توثيق الناس لعمرو بن شعيب، وأنه إنما أنكر من حديثه وضعف ما كان عن قوم ضعفاء عنه ، وهذا الحديث قد رواه أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا أبو أسامة عن حسين المعلم عن عمرو ، فذكره . ٢٧٩٨ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله: والذين ردوا هذا الحديث منهم من رده - ١٨٥ - قال: يا رسول الله - ما السنة فى الرجل يُسْلِم على يدى الرجل من المسلمين؟ قالَ: هُوَ أَوْلَّى الناس بمَحْيَاهُ وحَمَاتِهِ )» وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن وهب . ويقال : ابن موهب عن تميم الدارى. وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن موهب وبين تميم الدارى قبيصة بن ذؤيب ، وهو عندى ليس بمتصل . هذا آخر كلامه . وقال الشافعى - فى هذا الحديث : - إنه ليس بثابت، إنما يرويه عبد العزيز بن عمر وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلا أنهم قد زادوا فى ذلك شرطاً، وهو أن يعاقده ویواليه . فإن أسلم على يده ولم یعاقده ولم یواله فلا شىء له . وقال إسحاق بن راهوية كقول أبى حنيفه وأصحابه ، إلا أنه لم يذكر الموالاة. قلت: ودلالة الحديث مبهمة. وليس فيه أن يرثه، إنما فيه ((أنه أولى الناس بمحياه وماته)) وقد يحتمل أن يكون ذلك فى الميراث . ويحتمل أن يكون ذلك فى رعى الذمام والإيثار بالبر، وما أشبههما من الأمور . لضعفه، ومنهم من رده لكونه منسوخا. ومنهم من قال : لا دلالة فيه على الميراث ، بل لو صح كان معناه : هو أحق به ، يواليه وينصره ويبره ويصله ويرعى ذمامه، ويغسله ويصلى عليه ويدفنه فهذه أولويته به ، لا أنها أولويته بميراثه ، وهذا هو التأويل . وقال بهذا الحديث آخرون ، منهم اسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه وطاوس وربيعة والليث بن سعد ، وهو قول عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وفيها مذهب ثالث : أنه إن عقل عنه ورثه وإن لم يعقل عنه لم يرثه، وهو مذهب سعد ابن المسيب . وفيها مذهب رابع: أنه إن أسلم على يديه ووالاه فإنه يرثه ، ويعقل عنه ، وله أن يتحول عنه إلى غيره ، ما لم يعقل عنه إلى غيره ، فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول عنه إلى غيره . وهذا قول أبى حنيفة وأبی یوسف ومحمد . وفيها مذهب خامس : أن هذا الحكم ثابت فيمن كان من أهل الحرب دون أهل الذمة ، وهو مذهب يحي بن سعيد. فلا إجماع فى المسألة مع مخالفة هؤلاء الأعلام . - ١٨٦- عن ابن موهب عن تميم الدارى . وابن موهب ليس بالمعروف عندنا ، ولا نعلمه لقى تميما . ومثل هذا لايثبت عندنا ولا عندك ، من قِبل إنه مجهول ، ولا أعلمه متصلا . وقال الخطابي: وضعف أحمد بن حنبل حديث تميم الدارى هذا. وقال : عبد العزيز - راويه - ليس من أهل الحفظ والاتقان . وقال البخاري فى الصحيح : واختلفوا فى صحة هذا الخبر. وقال ابن المنذر: لم يروه غير عبد العزيز بن عمر . وهو شيخ ليس من أهل الحفظ . وقد اضطر بت روايته له . هذا آخر كلامه. وقال أبو مسهر: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز : ضعيف الحديث . قلت : وقد احتج البخارى فى صحيحه بحديث عبد العزيز هذا . وأخرج له عن نافع مولى ابن عمر حديثاً واحداً . وذكر الحاكم أبو عبد الله النيسابورى، وأبو الحسن الدارقطنى: أن البخارى ومسلماً أخرجاله . وقال يحيى بن معين: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز : ثقة . وقال أيضاً: روي شيئاً يسيراً. وقال أبو زرعة الرازى: لا بأس به . وقال أبو نعيم: ثقة. وقال ابن عمار: ثقة ، ليس بين الناس فيه اختلاف ، هكذا قال . وقد قدمنا الخلاف فيه وقد عارضه قوله صلى الله عليه وسلم ((الولاء لمن أعتق)). وقال أ کثر الفقهاء : لا يرثه . وضعف أحمد بن حنبل حديث تميم الدارى هذا ، وقال : عبد العزيز راويه ليس من أهل الحفظ الاتقان . وأما تضعيف الحديث : فقد رويت له شواهد . منها : حديث أبى أمامة . وأما رده بجعفر بن الزبير : فقد رواه سعيد بن منصور : أخبرنا عیسی بن یونس حدثنا معاوية بن يحيى الصدفى عن القاسم عن أبى أمامة مرفوعا . ورواه أيضاً من حديث سعيد بن المسيب عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا . وحديث تميم - وإن لم يكن فى رتبة الصحيح - فلا ينحط عن أدنى درجات الحسن، وقد عضده المرسل ، وقضاء عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز برواية الفرائض ، وإنما يقتضى تقديم الأقارب عليه ، ولا يدل على عدم توريثه إذا لم يكن له نسب ، والله أعلم . - ١٨٧- وروى جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبى أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((من أسلم على يدى رجل فله ولاؤه)). وجعفر - هذا - قال شعبة : كان يكذب. وقال البخارى والرازى، وعلى بن الجنيد والأزدى والدار قطنى : متروك . والقاسم أيضا فيه مقال . باب فى بيع الولاء [٣: ٨٧] ٢٧٩٩ - عن ابن عمر، قال «َهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بَيْع الولاء، وعن هبته» وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . باب فى المولود يستهل ثم يموت [٣: ٨٧] ٢٨٠٠ - عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلودُ وُرِّثَ)). ٢٧٩٩ - قال الشيخ: قال ابن الأعرابى: محمد بن زياد: كانت العرب تبيع ولاء مواليها . فباعوه مملوكاً ، وباعوه مُعتقاً فليس له حتى المات خلاص فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . قلت: وهذا كالإجماع من أهل العلم، إلا أنه قد روى عن ميمونة (( أنها كانت وهبت ولاء مواليها من العباس ، أو من ابن عباس رضى الله عنهما )) قال الشيخ : وسمعت أبا الوليد حسان بن محمد يذكر أن الذى وهبته ميمونة من الولاء كان ولاء سابية. وولاء السابية قد اختلف فيه أهل العلم . ٢٨٠٠ - قال الشيخ: قوله (( استهل)) معناه رفع صوته بأن يصرخ، أو يبكى. وكل من رفع صوته بشىء فقد استهل به . ٢٨٠٠ قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وروى النسائي من حديث أبى الز بير عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( الصبى إذا استهل ورث وصلى عليه)) ورواه الترمذى، وقال : هذا حديث قد روى موقوفاً على جابر ، وكان الموقوف أصح. ولفظه (( الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث ولا يورث حتى يستهل)» وفى مسند البزار من حديث ابن عمر يرفعه «استهلال الصبى العطاس)) فيه ابن البيلمانى عن أبيه . ٠ - ١٨٨ - فى إسناده محمد بن اسحاق ، وقد تقدم الكلام عايه . وقوله ((استهل)) معناه : رفع صوته بأن يصرخ أو يبكى. وكل من رفع صوته بشىء : نفقد استهل به . ومعنى الاستهلال ههنا: أن يوجد مع المولود أمارة الحياة ، ولو لم يتفق أن يكون منه الاستهلال، وكان منه حركة ، أو عطاس ، أو تنفس، أو بعض ما لا يكون ذلك إلا من هي . فانه يورث لوجودمافيه من دلالة الحياة . وإلى هذا ذهب الثورى والأوزاعى والشافعى . وقال مالك : لا ميراث له ، وإن تحرك أو عطس مالم يستهل . وروى عن محمد بن سيرين والشعبى والزهرى وقتادة أنهم قالوا : لايورث المولود حتى يستهل . باب نسخ ميراث العقد ميرات الرحم [٣: ٨٨] ٢٨٠١ - عن ابن عباس قال: (٤: ٣٣ والذين عَاقَدَتْ أَيْمَانكم فَآتُوهم نصيبهم) كان الرجل، يحالف الرجل ليس بينهما نَسَب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك الأنفالُ، فقال (٨: ٧٥ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) فى إسناده على بن الحسين بن واقد . وفيه مقال . قلت : ومعنى الاستهلال ههنا : أن يوجد مع المولود أمارة الحياة . فلو لم يتفق أن يكون منه الاستهلال - وهو رفع الصوت - وكان منه حركة أو عطاس ، أو تنفس أو بعض مالا يكون ذلك إلا من حى. فإنه يورث، لوجود مافيه من دلالة الحياة . وإلى هذا ذهب سفيان الثورى والأوزاعى والشافعى . وأحسبه قول أبى حنيفة وأصحابه . وقال مالك بن أنس : لاميراث له، وإن تحرك أو عطس ، مالم يستهل . وووى عن محمد بن سيرين والشعبى والزهرى وقتادة أنهم قالوا : لايورث المولود حتى يستهل . - ١٨٩ - ٢٨٠٢ - وعنه فى قوله ( والذين عاقدت أيمانكم فاتوهم نصيبهم) قال ((كان المهاجرون حين قدموا المدينةَ تُوَرِّثُ الأنصار دون ذوى رحم ، للاخُوَّةِ التى آخَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت هذه الآية (٤: ٣٣ ولكل جعلنا موالى مما ترك ) قال: نسختها: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النّصرة والنصيحة والرِّفادة، ويوصى له ، وقد ذهب الميراث )» وأخرجه البخارى والنسائى . ٢٨٠٣ - وعن داود بن الحصين، قال ((كنت أقرأ على أمّ سعدٍ بنتِ الربيع - وكانت يتيمةً فى حِجْر أبى بكر - فقرأت ( والذين عاقدت أيمانكم) فقالت : لا نقرأ ( والذين عاقدت أيمانكم) إنما نزلت فى أبى بكر وابنه عبد الرحمن، حين أبَى الاسلامَ . خلف أبو بكر -ألاَّ يورِّتُه، فلما أسلم أمره الله تعالى أن يؤتيه نصيبه - زاد عبد العزيز، وهو ابن يحيى - الحرانى شيخ أبى داود .. فما أسلم حتى حمل على الاسلام بالسيف)). فى إسناده محمد بن إسحاق . وقد تقدم الكلام عليه . وقال بعضهم: إن قوله تعالى ( والذين عاقدت أيمانكم) منسوخة بآية الميراث ٢٨٠٤ - وعن ابن عباس: (٨: ٧٤ والذين آمنوا وهاجروا) (٨: ٧٢ والذين آمنوا ولم يهاجروا) فكان الأعرابى لايرث المهاجر، ولا يرثه المهاجرُ، فنسختها، فقال: (٨: ٧٥ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) فى اسناده : على بن الحسين بن واقد . وفيه مقال . باب فى الحلْفِ [٣: ٨٩] ٢٨٠٨ - عن جُبير بن مُطْعِم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لاَ حِلْفَ في الإِسْلاَمِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فىِ الْجَاهِيَّةِ لم يَزِدْه الْإِسْلاَمُ إِلَّ شِدَّةٌ)). وأخرجه مسلم . ٢٨٠٥ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: فالظاهر - والله أعلم - أن المراد بالحديث: أن الله تعالى قد ألف بين المسلمين بالإسلام وجعلهم به إخوة متناصرين متعاضدين ، يداً واحدة بمنزلة الجسد الواحد ، فقد أغناهم بالإسلام عن الحلف ، بل الذى توجبه أخوة الإسلام لبعضهم على بعض: أعظم مما يقتضيه الحلف. - ١٩٠ - ٢٨٠٦ - وعن أنس بن مالك قال ((حَالَفَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فى دارنا، "فقيل له: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حِلْفَ فى الاسلام؟ فقال: حالفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دارنا ، مرتين أو ثلاثاً )) وأخرجه البخارى ومسلم بنحوه. باب فى المرأة ترت من دية زوجها [٣: ٩٠] ٢٨٠٧ - عن سعيد - وهو ابن المسيب - قال: كان عمر بن الخطاب يقول ((الدِّيّةُ ٢٨٠٦ - قال الشيخ: كان سفيان بن عيينة يقول: معنى ((حالف)) آخى.، ولا حِلْف فى الإسلام - كما جاء فى الحديث. ٢٨٠٧ - قال الشيخ : فيه من الفقه: أن دية القتيل كسائر ماله يرثها من يرث تركته . وإذا كان كذلك ففيه دليل على أن القتيل إذا عفا عن الدية كان عفوه جائزاً فى ثلث ماله . فالحلف إن اقتضى شيئا يخالف الإسلام فهو باطل ، وإن اقتضى ما يقتضيه الإسلام فلا تأثير له ، فلا فائدة فيه . وإذا كان قد وقع فى الجاهلية ثم جاء الإسلام بمقتضاه لم يزده إلا شدة وتأ كيداً . وأما قول النبي صلى الله عليه عليه وسلم «شهدت حلفاً فى الجاهلية ما أحب أن لى به حمر النعم، لو دعيت إلى مثله فى الإسلام لأجبت)) فهذا - والله أعلم - هو حلف المطيبين، حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم، وكف الظالم ونحوه، فهذا إذا وقع فى الإسلام كان تأكيداً لموجب الإسلام وتقوية له . وأما الحلف الذى أبطله فهو تحالف القبائل : بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره ، ويحارب. حاربه، ويسالم من سالمه . فهذا لا يعقد فى الإسلام ، وما كان منه قد وقع فى الجاهلية ، فإن الإسلام يؤكده ويشده، إذا صار موجبه فى الإسلام التناصر والتعاضد والتساعد على إعلاء كلمة الله تعالى وجهاد أعدائه ، وتأليف الكلمة ، وجمع الشمل . ٢٨٠٦ - قال الشيخ ابن القيم: وقد تبين أن الحلف الذى نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو الحلف والإخاء الذي عقده بين المهاجرين والأنصار ، ويشبه أن يكون أنس فهم من السائل له: أن النهى عن الحلف متناول لمثل ما عقده النبى صلى الله عليه وسلم ، فرد عليه أنس بحلف النبى صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فى دارهم ، والله أعلم. - ١٩١ - ◌ِلْعَاقِلَةِ، وَلا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةَ زَوْجَهَا شَيْئًا، حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إلىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أُوَرِّثَ أمرأة أُشْمَ الضِّبابِيِّ من دية زوجها ، فرجع عمرُ )» ٢٨٠٨ - وفى رواية ((كان النبى صلى الله عليه وسلم استعمله على الأعراب)) وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى : حسن صحيح . أشيم : بفتح الهمزة، وبعدها شين معجمة ساكنة، وياء آخر الحروف مفتوحة وميم . والضباب: بكسر الضاد المعجمة، وبعدها باء بواحدة مفتوحة، وبعد الألف باء بواحدة أيضا - هو معاوية بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن - بطن من مضر . وقيده بعضهم بفتح الضاد . وهو وهم . والضبابى بكسر الضاد أيضا: منسوب إلى محلة بالكوفة، يقال لها : قاعة الضباب ، نسب إليها الشريف أبو البركات عمر بن ابراهيم العلوى . قال أبو سليمان: فيه من الفقه: أن القتيل إذا عما عن الدية كان عفوه جائزا في ثلث ماله ، لأنه قد ملكه . وهذا إنما يجوز فى قتل الخطأ . لأن الوصية بالدية إنماتقع للعاقلة الذين يغرمون الدية، دون قتل العمد. لأن الوصية فيه إنما تقع للقاتل . ولاوصية لقاتل كالميراث. وإنما كان مذهب عمر فى قوله الأول إلى ظاهر القياس . وذلك أن المقتول لا تجب ديته إلا بعد موته . وإذا مات فقد بطل ملكه . فلما بلغته السنة ترك الرأى وصار إلى السنة . وكان مذهب عمر: أن الدية على العاقلة الذين يعقلون عنه إلى أن بلغه الخبر فانتهى إليه . آخر كتاب الفرائض لأنه قد ملكه ، وهذا إنما يجوز فى قتل الخطأ . لأن الوصية بالدية إنمانقع للعاقلة الذين يغرمون الدية، دون قتل العمد، لأن الوصية فيه إنما تقع للقاتل، ولاوصية لقاتل كالميراث. وإنما كان يذهب عمر رضى الله عنه فى قوله الأول إلى ظاهر القياس . وذلك أن المقتول لا تجب ديته إلا بعد موته ، وإذا مات فقد بطل ملكه. فلما بلغته السنة ترك الرأى، وصار إلى السنة ، وكان مذهب عمر رضى الله عنه: أن الدية للعاقلة الذين يعقلون عنه إلى أن بلغه الخير . فانتهى اليه .. - ١٩٢ - أول كتاب الخراج والامارة (٣: ٩١] ٢٨٠٩ - عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألاَ كُلُّكُمْ رَاع وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ: فَالأَ مِيرُ الَّذِىِ ◌َى النَّاسِ رَاعٍ عَلْيْهِمْ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرَةِ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَمِىَ مَسْتُولَةٌ عَنُهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالٍ سَيِدِهِ، وَهُوَ مَسْتُلٌ عَنْهُ، فَكُلّكم راع. وكُلّكم مسئول عن رعيته)). • وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى. باب ما جاء فى طلب الامارة [٣: ٩١] ٢٨١٠ - عن عبد الرحمن بن سَمُرة، قال: قال لى النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((ياعَبْدَ الرَّحْمنِ إِبْنَ سَمرة، لاَ تَسْلِ الإِمَارَةَ، فَإِنكَ إن أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَّةٍ وُكِلْتَ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ. وَإِنْ أَعْطِتَهَا عَنْ غَيْرٍ مَسْلَةٍ أُعِنْتَ عليها )) . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى مختصراً ومطولا بنحوه . قال المهلب: فيه دليل على أن من تعاطى أمراً وسَوَّلت له نفسه أنه قائم بذلك الأمر : أنه يُخذَل فيه فى أغلب الأحوال. لأن من سأل الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلالها. ٢٨٠٩٠ - قال الشيخ: معنى (( الراعى)) ههنا: الحافظ المؤتَمَنُ على مايليه. يأمرهم بالنصحية فيما يلونه، ويحذرهم أن يخونوا فيما وكل إليهم منه، أو يضيعوا . وأخبر أنهم مسؤولون عنه ومؤاخذون به . وفى قوله ((المرأة راعية على بيت بعلها )) دليل على سقوط القطع عن المرأة إذا سرقت من مال زوجها . وفى قوله (( والرجل راع على أهل بيته)) دلالة على أن السيد أن يقيم الحد على عبيده وإمائه. وقد جاء (( أقيموا الحدود على ماملكت أيمانكم)). - ١٩٣ - فقد قال عليه الصلاة والسلام (( وكل إليها)) بمعنى: لم يُعَنْ على ما تعاطاه. والتعاطى أبداً مقرون بالخذلان ، وأن من دُعى إلى عمل أو إمامة فى الدين فقَصَّر نفسه عن تلك المنزلة ، وهاب أمر الله: رزقه الله المونة. وهذا إنما هو مبنى على أنه من تواضع لله رفعه الله . - وقال غيره: وقد اختلف العلماء فى طلب الولاية مجرداً : هل يجوز أن يمنع؟ وأما إن كان لرزق يرتزقه، أو لتضييع القائم بها، أو خوفه حصولها فى غير مستوجبها، ونيته فى إقامة الحق فيها : فذلك جائز له . ٢٨١١ - وعن أبي موسي - وهو الأشعری - قال: (انطلقت مع رجلین إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فَتَشَهََّ أحدهما، ثم قال: جئنا التستعين بنا على عملك، فقال الآخر: مثل قول صاحبه، فقال: إنَّ أُخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا مَنْ طَلَبَهُ. فاعتذر أبو موسى إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وقال: لم أعلمْ ◌ِمَا جاءاله، فلم يستعن بهما على شىء حتى مات)). أورده البخارى فى التاريخ الكبير من طرق عن اسماعيل بن أبى خالد عن أخيه . وذكر أن بعضهم رواه عن اسماعيل عن أبيه . وقال : ولا يصح فيه عن أبيه . وقد أخرج البخاري ومسلم فى الصحيح من حديث أبى موسى قال (( أقبلت إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، ومعى رجلان من الأشعريين، أحدهما: عن يمينى. والآخر: عن يسارى وكلاهما يسأل العمل)) وفيه ((والذي بعثك بالحق، ما أطلعانى على ما فى أنفسهما)) وفيه (( لن نستعمل على عملنا من أراده )). باب فى الضرير يُوَلَّى [٣: ٩١] ٢٨١٢ - عن أنس ((أن النبى صلى الله عليه وسلم اسْتَخْلَف ابْنَ أمِّ مَكْتُوم على المدينة مرتين )» . وقد تقدم فى كتاب الصلاة، وذكرنا أن النبى صلى الله عليه وسلم ((استخلفه مرات)) ٢٨١٢ - قلت : إنما ولاه النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة دون القضايا والأحكام . فإن الضرير لا يجوز له أن يقضى بين الناس . لأنه لا يُدرك الأشخاص ، ولا يُثبت الأعيان ، ولا يدرى لمن يحكم، وعلى من يحكم؟ وهو مقلِّد فى كل ما يليه من هذه الأمور. والحكم بالتقليد غير جائز . ١٣٠ ١١ -- ١٩٤ - وفي إسناده عمران بن دَوَّار القطان. وقد ضعفه ابن معين والنسائى، ووثقه عمان بن مسلم واستشهد به البخارى . وقال بعضهم : إنما ولاه الصلاة بالمدينة ، دون القضايا والأحكام . فإن الضرير لا يجوز له أن يقضى بين الناس . لأنه لا يدرك الأشخاص ، ولا يُثبت الأعيان ، ولا يدرى لمن يحكم؟ وعلى من يحكم؟ وهو مقلد فى كل ما يليه من هذه الأمور. والحكم بالتقليد غير جائز. وقد قيل : إنه صلى الله عليه وسلم إنما ولاه الإمامة بالمدينة إ كراما له ، وأخذاً بالأدب فيما عاتبه الله عليه فى أمره فى قوله (٨٠: ١ عبس وتولى أن جاءه الأعمى) وروى أن الآية نزلت فيه . وفيه دليل على أن إمامة الضرير غير مكروهة . فى اتخاذ الوزير [٣: ٩٢] ٢٨١٣ - عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إِذَا أَرَادَ اللهُ بِالأَمِيرِ خَيْراً جَعَلَ لَهُ وَزِيْرَ صِدْقِ: إِنْ نَسِىَ ذَ كَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيْرَ سَوٍ: إنْ نَسِىَ لَمْ يُذَ كَّرْهُ، وَإِنْ ذَ كَرَ لَمْ يُعِنْه)). باب فى العرافة [٩٢:٣] ٢٨١٤ - عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن جده المقدام بن معد يكرب (( أن رسول الله وقد قيل : إنه صلى الله عليه وسلم إنما ولاَّه الإمامة بالمدينه إكراماً له، وأخذاً بالأدب فيما عاتبه الله عليه من أمره فى قوله سبحانه ( ٨٠ : ١، ٢ عبس وتولى أن جاءه الأعمى). وروى أن الآية نزلت فيه ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقوم له كما أقبل ، ويقول « مرحبا بمن عاتبنی فیه ربى)). وفيه دليل على أن إمامة الضرير غير مكروهة . - ١٩٥ - صلى الله عليه وسلم، ضَرَب على مَنْكِبِه، ثم قال: أَفَلَحْتَ، يا قُدَيْمُ ، إنْ مُتَّ وَلَمْ تكن أمِيراً، ولاَ كَاتِباً، ولا عريفاً)). صالح بن يحيى : قال البخارى: فيه نظر. وقال موسى بن هرون الحافظ : لا يُعرف صالح ولا أبوه إلا يجده. ٢٨١٥ - وعن غالب - وهو القطان - عن رجل، عن أبيه، عن جده (( أنهم كانوا على مَنْهَلٍ من المناهل، فلما بلغهم الإِسلامُ جعل صاحبُ الماء لقومه مائةً من الإبل على أن ٢٨١٥ - ((العريف)) القيم بأمر القبيلة على أمورهم، ويتعرف الأمير منهم أحوالهم قال الشاعر : أوَ كما وَدَتْ عُكَاظَ قبيلةٌ بعثوا إلىَّ عريفهم يَتَوَسَّم وقوله ((العرافة حق)) يريد أن فيها مصلحة للناس، ورفقاً فى الأمور، ألا تراه يقول (( ولا بد للناس من عرفاء». وقوله (( العرفاء في النار)) معناه التحذير من التعرض للرياسة والتأمر على الناس ، لما فى ذلك من المحنة ، وأنه إذا لم يقم بحقه، ولم يؤد الأمانة فيه أثم، واستحق من الله سبحانه العقوبة وخيف عليه دخول النار . وفيه من الفقه: أن من أعطى رجلاً مالاً على أن يفعل أمراً هو لازم الأخذ له مفروضاً عليه فعله . فإن المعطى ارتجاعه منه ، وذلك أن الإسلام كان فرضاً واجباً عليهم . فلم يجزلهم أن يأخذوا عليه جعلاً . وهذا مخالف لما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم ، وذلك أنه لم يشارطهم على أن يسلموا فيعطيعهم جعلاً على الإسلام، وإنما أعطاهم عطايا باتّة، وإن كان فى ضمنها استمالة لقلوبهم ، وتألفهم على الدين، وترغيب مَنْ وراءهم من قبائلهم فى الدخول فيه . - ١٩٦ - يُسلموا، فأسلموا، وقسم الإبل بينهم، وبدا له أن يرتجعها منهم، فأرسل ابنَهَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال له: انتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقل له: إن أبى يُقُرئك السلام، وإنه جعل لقومه مائةً من الإبل على أن يُسْلموا، فأسلموا، وقسم الإبل بينهم، وبدا له أن يرتجعها منهم، أفهُو أحق بها أم ◌ُمْ ؟ فإن قال لك : نعم، أولا . فقل له : إن أبى شيخ كبير، وهو عريف الماء ، وإنه يسألك أن تجعلَ لى الْعِرَافَةَ بعده، فأتاه، فقال: إن أبى يقرئك السلام ، فقال: وعليك وعلى أبيك السلام . فقال: إن أبى جعل لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا، فأسلموا وحسن إسلامهم، ثم بدا له أن يرتجعها منهم، أفهو أحق بها أم هم؟ فقال : إن بدا له أن يسلمها لهم فليسلمها، وإن بدا له أن يَرْتجعها فهو أحق بها منهم ، فإن أسلموا فلهم إسلامهم، وإن لم يسلموا قوتلوا على الإسلام . فقال : إن أبى شيخ كبير، وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لى الْعِرَافَةَ بعده، فقال : إن العرافة حقٌّ ، ولا بد للناس من العُرَفَاء، ولكن العرفاء فى النار)) . فى إسناده مجاهيل . وغالب القطان: قدٍ وثقه غير واحد من الأيمة . واحتج به البخارى ومسلم فى صحيحيهما. وذكر ابن عدى الحافظ هذا الحديث فى كتاب الضعفاء في ترجمة غالب القطان مختصراً. وقال: ولغالبٍ غير ما ذكرت . وفى حديثهِ النُّبكْرَ. وقد روي عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله حديث (( شهد الله)) حديث معضل. وقال أيضاً : وغالبٌ الضعفُ على أحاديثه بيِّن. باب فى اتخاذ الكاتب [٩٣:٣] ٢٨١٦ - عن ابن عباس قال ((السَّجِلُّ كاتِبٌ كان النبى صلى الله عليه وسلم (١)) ٢٨١٦ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول : هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب اسمه السجل قط . (١) قال فى عون المعبود: وفى الاصابة: سجل كاتب النبى صلى الله عليه وسلم. أخرج أبو داود والنسائى وابن مردويه من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى (١٠٤:٢١ يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب) قال : السجل هو الرجل ، زاد ابن مردويه : والسجل هو الرجل بالحبشة . وروى ابن مردويه وابن منده من طريق حمدان بن سعيد، عن ابن خير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال (( كان النبى صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له السجل)) - ١٩٧ - باب فى السِّعَاية على الصدقة [٣: ٩٣] ٢٨١٧ - عن رافع بن خديج، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((الْعَامِلُ عَلى الصدَقَةِ بِالحَقِّ كَالْغَازى فى سَبِيلِ اللهِ، حَتَّى يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ)) . وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن ٢٨١٨ - وعن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ)). ٢٨١٨ - قلت : صاحب المكس: هو الذى يعشر أموال المسلمين، ويأخذ من التجار المختلفة إذا مروا عليه وعَبَروا به مكساً باسم العُشر. وليس هو بالساعى الذى يأخذ الصدقات . فقد ولى الصدقات أفاضل الصحابة وكبارُهم فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم وبعده . وأصل المكس : النقص، ومنه أخذ المِكاس فى البيع والشراء. وهو أن يستوضعه شيئا من الثمن ، ويستنقصه منه . قال الشاعر : وفى كل أسواق العراق إتاوة وفى كل ما باع امرُؤْ مَكْسُ دِرهم فأما العشر الذى يُصالَح عليه أهل العهد فى تجاراتهم إذا اختلفو إلى بلاد المسلمين فليس ذلك بمكس ، ولا آخذهُ بمستحق للوعيد ، إلا أن يتعدى ويظلم. فيخاف عليه الإثم والعقوبة . وليس فى الصحابة من اسمه السجل، وكتاب النبى صلى الله عليه وسلم معروفون، لم يكن فيهم من يقال له السجل ، قال: والآية مكية ، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب بمكة . والسجل هو الكتاب المكتوب، واللام فى قوله ( الكتاب) بمعنى ((على)) والمعنى: نطوى السماء كطى السجل على مافيه من الكتاب . كقوله (٣٧: ١٠٣ وثله للجبين) وقول الشاعر: * نخر صريعاً لليدين وللفم * أى على اليدين وعلى الفم ، والله أعلم . - ١٩٨ - قال ابن إسحاق (( الذى يَعْشُرُ الناس، يعنى صاحب المكس)). فى إسناده محمد بن إسحاق . وقد تقدم الكلام عليه . قال بعضهم: أصل المكس: النقصان. مكس، وبخس : بمعنى نقص الشىء. وقال الأصمعى: الماكس: العَشَّار. وأصله: الجباية ، والمكس : الذى يأخذه. وقال غيره: ومنه أخذ المِكاس فى البيع والشراء. وهو أن يستوضعه شيئاً من الثمن ، ويستنقصه منه. وصاحب المكس: هو الذى يعشر أموال المسلمين، ويأخذ من التجار إذا مروا به مكساً باسم العشر. وليس هذا بالساعى الذى يأخذ الصدقات . فأما العشر الذى يُصالَح عليه أهل العهد فى تجاراتهم إذا اختلفوا فى بلاد المسلمين : فليس ذاك بمكس ، ولا آخذُه مستحق للوعيد ، إلا أن يظلم. فيخاف عليه الإثم والعقوبة. باب فى الخليفة يستخلف [٣: ٩٣] ٢٨١٩ - عن ابن عمر، قال: قال عمر ((إني أنْ لاَ أسْتَخْلِفْ، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف ، وإنْ أَسْتَخْلِفْ فإن أبا بكر قد استخلفَ ، قال: فوالله ما هو إلا ٢٧١٩ - قلت: معنى قول عمر (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف)) أى لم يسم رجلاً بعينه للخلافة ، فيقوم بأمر الناس باستخلافه إياه . فأما أن يكون أراد به أنه لم يأمر بذلك ولم يرشد إليه، وأهمل الناس بلا راع يرعاهم، أو قَتِمٍ يقوم بأمورهم، ويمضي أحكام الله فیہم - فلا . وقد قال صلى الله عليه وسلم ((الأيمة من قريش)) فكان معناه: الأمر بعقد البيعة لإمام من قريش . ولذلك رُؤْيت الصحابة يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقضوا شيئاً من أمر دفنه وتجهيزه حتى أحكموا البيعة، ونصبوا أبا بكر إماماً وخليفة . وكانوا يسمونه (( خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم)) طول عمره، إذ كان الذى فعلوه من ذلك صادراً عن رأيه ، ومضافاً إليه. وذلك من أدل الدليل على وجوب الخلافة، وأنه لا بد