النص المفهرس

صفحات 81-100

- ٧٩ -
والخلاق فى أمر نفسه علموا أنه ليس وراء ذلك عاقبة تنتظر . فبادروا إلى الانتمار لقوله ،
والايتساء بفعله .
وقوله فى قصة أبى بصير (( فضربه بالسيف حتى برد )) معناه حتى مات وسكنت منه
حرارة الحياة : وأصل البرد : السكون والثبوت .
وقوله (( ويل امه مسعر حرب)) كلمة تعجب ، يصفه بالمبالغة فى الحروب ، وجودة
معالجتها وسرعة النهوض فيها ، يقال : فلان مسعر حرب : إذا كان أول من يوقد نارها
ويصلَى حَرَّها، من قولك: سَقَرت النار إذا أوقدتها، ومنه السعير. وهو النار الموقدة.
وفى ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رد أبى بصير إليهم- وهو بناحية سيف البحر -
دليل على أن من جاء منهم إلى غير دار الامام فليس عليه رده إليهم ، وإنما عقدوا الصلح
على أن من جاءه منهم رده إليهم ، فكان فى ذلك دنيل على الموضع الذى هو فيه مقيم .
وأما قوله (( ثم جاءت نسوة مؤمنات)) فأنزل الله سبحانه فيهن (٦٠ : ١٠ يا أيها
الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مها جرات - الآية) فقد اختلف العلماء فى هذا على قولين.
أحدهما : أن النساء لم يدخلن فى الصلح ، وإنما وقع بينهم على رد الرجال . وهذا
أشبه القولين بالصواب. ويدل على صحة ذلك: قوله فى هذه الرواية (( وعلى أنه لا يأتيك
منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته)).
والقول الآخر : أن الصلح كان معقوداً بينهم على رد الرجال والنساء معاً . لأن فى
بعض الروايات (( ولا يأتيك منا أحد إلا رددته)) فاشتمل عمومه على الرجال والنساء،
إلا أن الله نسخ ذلك بالآية . ومن ذهب إلى هذا الوجه أجاز نسخ السنة بالكتاب
وفيه دليل على أن الإمام إذا شرط فى العقد ما لا يجوز فعله فى حكم الدین فإن ذلك.
الشرط باطل، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل )»
وفيه - على هذا التأويل - دليل على جواز وقوع الخطأ من رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى بعض الأمور، ولكن لا يجوز تقريره عليه .
واختلف فى تأويل قوله تعالى (٦٠: ١٠ واسألوا ما أنفقته، وليسألوا ما أنفقوا) فقال
أكثر أهل التفسير: معنى النفقة : الصَّدُّقة .

- ٨٠ -
٢٦٤٩ - وعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: ((أنهم اصطلحوا على وَضْع الحرب
واختلفوا : هل يجب العمل به اليوم أم لا ، إذا شرطه فى معاهدة المشركين ؟
فقال قوم : لا يجب شىء من ذلك ، وزعموا أن الآية منسوخة. وإذا سقط هذا الحكم
من أصله سقط ما تعلق به من العوض .
قال الزهرى : انقطع ذلك يوم الفتح، لا يُعاض زوجها منها شيئاً، وكذلك قال
عطاء وقتادة .
وقال الثورى : لا يعمل به اليوم ، وقال قوم : الآية غير منسوخة . وروى ذلك عن
مجاهد ، ويعوضون .
وقال الشافعى: فيه قولان . أحدهما: سقوط العوض، كقول من تقدم ، والقول
الآخر: أن المرأة الحرة من أهل المدنة إذا جاءت مسلمة مهاجرة من دار الحرب فمن طلبها
من وَلٍّ سوى زوجها منع منها بلا عوض ، وإذا طلبها زوجها منعها وأعطى العوض، وهو
الصداق . وذلك إذا كان الزوج قد دفع إليها صداقها . ولا يعطى شيئاً إن كان لم يدفعه إليها
واختلفوا فى مقدار المدة التى يجوز أن يهادن إليها الكفار
فقال الشافعى: أقصاها عشر سنين ، لا يزاد عليها ، وما وراءها محظور . لأن الله
سبحانه أمر بقتال الكفار ، فاستثنينا ما أباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قصة الحديبية
وما وراء ذلك محظور.
وقال قوم : لا يجوز ذلك أكثر من أربع سنين .
وقال قوم : ثلاث سنين . لأن الصلح لم يبق فيما بينهم أكثر من ثلاث سنين . ثم
إن المشركين نقضوا العهد ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، وكان الفتح .
وقال بعضهم: ليس لذلك حد معلوم . وهو إلى الإمام يفعل ذلك على حسب مايرى
من المصلحة فيه .
قلت : كان سبب نقض العهد: أن خزاعة كانت حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقاتلهم بنو بكر ، فأعانت قريش بنى بكر على خزاعة ، فنقضوا بذلك العهد .
٢٦٤٨ - قال الشيخ (( عيبة مكفوفة المشرجة)) وهى المشدودة بشرجها. والعيبة ههنا مثّل.

- ٨١ -
عَشْرَ سنين، يأمَنُ فيهنَّ الناسُ، وعلى أن بيننا عَيْبَةً مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال»
٢٦٥٠ - وعن خالد بن مَعْدان قال: قال جبير - يعنى ابن نفير - ((انْطْلِقْ بنا إلى
ذى ◌ُخْبِرٍ (١) - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - فأتيناه، فسأله جُبير عن الهدنة؟
فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سَتُصَالحون الروم صُلْحاً آمِناً ، وتغزون
أنتم وهم عَدُوًّا من ورائكم)) .
وأخرجه ابن ماجة .
باب فى العدو يؤتى على غِرَّة ويُتشبه بهم [٣: ٤٢]
٢٦٥١ - عن جابر - وهو ابن عبد الله - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ
لِكَعْبِ بن الأشرف ، فإنه قد آذَى الله ورسوله؟ فقام محمد بن مَسْلَمَة فقال: أنا
والمعنى : أن بيننا صدوراً سليمة ، وعقائد صحيحة فى المحافظة على العهد الذى عقدناه بيننا ،
وقد يُشبّه صدر الإنسان الذى هو مستودع سره ، وموضع مكنون أمره بالعيبة : التى يودعها
حُرَّ متاعه ، ومصون ثيابه . قال الشاعر :
وكادت عياب الوُدِّ منا ومنكم وإن قيل أبناء العمومة: نَصفر
وقوله (( لا إسلال ولا إغلال)) فان ((الإسلال)) من السَّلّة، وهى السرقة ((والإغلال))
الخيانة ، يقال : أغل الرجل إذا خان إغلالاً . وغل فى الغنيمة غلولاً .
يقول : إن بعضنا يأمن بعضاً فى نفسه وماله. فلا يتعرض لدمه ولا لماله سراً ولا جهراً
ولا يخونه في شيء من ذلك .
وقال بعضهم: معنى (الإغلال)) لبس الدرع للحرب و ((الإسلال)) سَلُّ السيف.
وزَيَّفَ أبو عبيد هذا القول ولم يرتضه .
٢٦٥١ - قلت : فى هذا من الفقه إسقاط الحرج عمن تأول الكلام، فأخبر عن الشىء بما لم
يكن إذا كان يريد بذلك استصلاح أمر دينه أو الذبّ عن نفسه وذويه . ومثل هذا
الصنيع جائز فى الكافر الذى لاعهد له، كما جاز البيات والإمارة عليهم فى أوقات الغرة وأوان
(١) ذو مخبر - بكسر الميم واسكان الخاء المعجمة - وفتح الباء الموحدة: الحبشى الصحابى . هو
ابن أخى النجاشى ، نزل الشام . له خمسة أحاديث
م ٦ - مختص السنن - ج ٤

- ٨٢ -
يا رسول الله، أَتُحِبُّ أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فائذن لى أن أقول شيئاً، قال: نَعَمْ،
فأتاه، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة، وقد عَنَّانَا، قال: وأيضاً لَتَمَلُّنَّهُ، قال:
أُتَّبعناه، فنحن نكره أن ندعه، حتى ننظر إلى أىِّ شىء يصير أمره، وقد أردنا أن
تُسْلِفَنَا وَسْقاً أو وسقين، قال كعب: أيَّ شىء ترهنونى؟ قال: وما تريد منا؟ قال:
نساءكم ، قالوا : سبحان الله! أنت أجمل العرب نَرْهنك نساءنا؟ فَيكون ذلك عاراً علينا،
قال: فترهنونى أولادكم، قالوا: سبحان الله! يُسَبُّ ابن أحدنا، فيقال: رُهِنْتَ بوَسْقٍ
أو وسقين، قالوا: نرهنك اللَّأَّمَةَ - يعنى السلاح - قال: نعم، فلما أتاه ناداه، خرج إليه
وهو متطيب يَنْضَحُ رأسُه، فلما أنْ جَلَس إليه - وقد كان جاء معه بنفر ثلاثة أو أربعة -
فذكروا له، قال: عندى فلانةُ، وهى أعطر نساء الناس. قال: تأذن لى فَأْتُمَّ ؟ قال :
نعم، فأدخل يده فى رأسه فشَمَّةً ، قال: أعود ؟ قال: نعم ، فأدخل يده فى رأسه ، فلما
استمكن منه، قال: دونكم، فضربوه حتى قتلوه)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى
٢٦٥٢ - وعن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((الإيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ،
لاَ يَفْتْكُ مُؤْمِنٌ )).
الغفلة. وكان كعب هذا قد لهج بسب النبى صلى الله عليه وسلم وهجائه فاستحق القتل مع
كفره بسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذهب معنى ذلك على قوم فتوهموا أن ذلك
الصنيع من قتله كان غدراً أو فتكاً ، وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتك .
٢٦٥٢ - قلت : الفتك إنما هو فجأة قتل من له أمان . وكان كعب بن الأشرف من خلع.
الأمان ونقض العهد . وقد روى لنا فى أمره قصة عن بعض من داخلته الشبهة فتوم أن.
قتله كان غَدْراً .
حدثنا الأصم حدثنا بحر بن نصر الخولانى حدثنا ابن وهب أخبرنى سفيان ابن عيينة
عن محمد بن سعيد أخى سفيان بن سعيد الثورى عن أبيه عن عباية، قال ((ذكر قتل كعب
بن الأشرف عند معاوية . فقال ابن يامين: كان قتله غدراً. فقال محمد بن مسلمة: يامعاوية

- ٨٣ ٢
فى إسناده أسباط بن نصر الهمدانى، واسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّى. وقد أخرج
لهما مسلم .. وتكلم فيهما غير واحد من الأيمة .
و ((الفتك)) أن يأتى الرجلُ الرجلَ ، وهو غازٌّ غافل، فيشد عليه فيقتله.
والغيلة : أن يخدعه ثم يقتله فى موضع خفى .
و ((الإيمان قيد الفتك)) أى أن الإيمان يمنع من القتل، كما يمنع القيدُ عن التعترف.
فكأنه جعل الفتك مقيِّدًا. ومنه فى صفة الفرس : قَيْدُ الأوابد . بريد أنه يلحقها بسرعته،
فكأنها مقيدة به لا تعدوه
باب فى التكبير على كل شَرَفٍ فى المسير [٤٣:٣]
٣٦٥٣ - عن عبد الله بن عمر ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قَفَلَ من غَزْوٍ
أُيُعدَّر عندك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا تنكر؟ والله لا يظلنى وإياك سقف بيت
أبداً . ولا يخلو إلىَّ دم هذا إلا قتلته »
قال الشيخ : أبعد الله ابنَ یامین ، وقبح رأيه هذا . کان کعب بن الأشرف-لعنه الله
يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه. فعاهده أن لا يسين عليه، ولحق بمكة
ثم نقض العهد، وجاء معلناً بمعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحق القتلَ لغدره،
ولنقضه العهد مع كفره .
حدثنا أحمد بن ابراهيم بن مالك حدثنا الحسن بن على بن زياد السَّرِى حدثنا
ابن أبى أويس حدثنا إبراهيم بن جعفر بن محمود عن أبيه عن جابر بن عبد الله ((أن كعب
بن الأشرف عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يُعين عليه، ولا يقاتله. ولحق بمكة
ثم قدم المدينة معلناً بمعاداة النبى صلى الله عليه وسلم. فكان أول ما خزع منه قوله :
أذاهبٌ أنت لم تحلل بمرقَبة وتارك أنت أمَّ الفضْلَ بالحرم ؟
فى أبيات يهجوه بها . فعند ذلك ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتله.
قال الشيخ: قوله ((خزع)) معناه قطع عهده . وقد فسرته فى كتاب غريب الحديث.

- ٨٤ -
أو حجّ أو عُمْرَةٍ: يكبر على كل شَرَفٍ من الأرض ثلاث تكبيراتٍ ، ويقول : لا إله
إلا الله وحده، لا شريك له ، له الملك، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، آثبون،
تائبون ، عابدون ، ساجدون ، لر بنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده )) .
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
باب فى الإذن فى القفول بعد النهى [ ٣: ٤٣ ]
٢٦٥٤ - عن ابن عباس قال: (٩: ٤٤ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر)
الآية ، نسختها التى فى النور: (٢٤: ٦٢ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه
على أمر جامع لم يذهبوا حتّى يستأذنوه - إلى قوله - غفور رحيم).
فى إسناده : على بن الحسين بن واقد . وفيه مقال .
باب فى بشعة السرايا [٣: ٤٤]
٢٦٥٥ - عن جرير - وهو ابن عبد الله البجلى - قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((أَلاَ تُرِيُحُنِى من ذِى الخَلَصَةِ؟ فأتاها، فحرَّقها ، ثم بعث رجلا من أَخَسَ إلى
النبى صلى الله عليه وسلم يُبَشِّرِّه، يُكْنَى أبا أرطاة)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
وأبو أرطاة : إسمه الحصين بن ربيعة . له صحبة .
وفيه البشارة فى الفتوح ، وما كان فى معناه من كل ما فيه ظهور الإسلام.
والخلصة - بفتح الخاء المعجمة، وبعدها لام مفتوحة، وصاد مهملة مفتوحة. ويقال
بضمهما . وقيل: بفتح الخاء وسكون اللام. وهو بيت صنم ببلاد دَوْس. وقيل: ذو الخلصة:
اسم الصنم، لا اسم بيته.
i

- ٨٥ -
باب فى إعطاء البشير [٣: ٤٤]
٢٦٥٦ - عن كعب بن مالك قال ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ
بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس - وقَصَّ ابنُ السَّرح، يعنى أبا الطاهر (١)
الحديث - قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثةُ، حتى
إذا طالَ علىَّ تَسَوَّرْتُ حائطَ أبى قتادة، وهو ابن عمى، فيلمتُ عليه. فوالله ما رَدَّ علىَّ
السلام، ثم صليتُ الصبح صباح خمسين ليلةً على ظهر بيت من بيوتنا ، فسمعت صَارِخاً :
يا كَعْبَ بن مالك أبْشِرِ، فلما جاءنى الذى سمعتُ صوته يبشرنى نَزَعتُ له ثوبيَّ
فكسوتهما إياه، فانطلقتُ حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ
فقام إلىَّ طلحة بن عبيد الله يُهرولُ حتى صالحنى، وهَّأْنِى)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى مختصرا ومطولا .
باب فى سجود الشكر [٣: ٤٤ ]
٢٦٥٧ - عن أبى بكرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه كان إذا جاءه أمْرَ سُرورٍ - أو
يُسَرُّ به - خَرَّ ساجداً شُكراً له ))
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا
الوجه من حديث بكار بن عبد العزيز . هذا آخر كلامه .
٢٦٥٧ - قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى الإمام أحمد فى مسنده عن أبى بكرة (( أنه شهد
النبى صلى الله عليه وسلم أناه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم، ورأسه فى حجر عائشة.
فقام نخر ساجدا )»
وفى المسند أيضاً عن عبد الرحمن بن عوف قال: (( خرج النى صلى الله عليه وسلم . فتوجه
نحو صدقته . فدخل فاستقبل القبلة ، فر ساجداً ، فأطال السجود ، ثم رفع رأسه ، وقال :
إن جبريل أتانى ، فبشرنى فقال: إن الله عز وجل يقول لك: من صلي عليك صليت عليه،
ومن سلم عليك سلمت عليه. فسجدت لله شكراً))
وفى مسند الإمام أحمد أيضاً (( أن علياً سجد حين وجد ذا الثدية فى الخوارج مقتولاً))
وفي سنن سعيد بن منصور « أن أبا بكر الصديق سجد حين جاءه قتل مسيلمة الكذاب»
(١) أبو الطاهر: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح الأموي، مولاهم المصرى،.
الفقیه ، شیخ أبى داود . وقد روى عنه مسلم فى صحيحه.

- ٨٦ -
وبكار بن عبد العزيز بن أبى بكرة : فيه مقال .
وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بن عازب بإسناد صحيح، ومن
حديث كعب بن مالك وغير ذلك .
٢٦٥٨ - وعن عامر بن سعد - وهو ابن أبى وقاص - عن أبيه قال ((خرجنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كُنَّا قريباً من عَزْوَرَا (١) نزل ، ثم رفع
يديه ، فدعا الله ساعة، ثم خَرَّساجداً ، فمكث طويلا، ثم قام، فرفع يديه، فدعا الله ساعة
ثم خر ساجداً ، فمكث طويلا، ثم قام، فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجداً. ذكره أحمد
- يعنى ابن صالح - ثلاثاً - قال: إنى سألتُ رِبى، وشَفَعْتُ لأمنى. فأعطانى ثُلث أمتى.
فخررت ساجداً شكراً لربى، ثم رفعت رأسى ، فسألت ربى لأمتى ، فأعطانى ثلث أمتى
فخررت ساجداً لربى شكراً، ثم رفعت رأسى، فيسألت ربى لأمتى ، فأعطانى الثلث
الآخر ، فخررت ساجداً لربى ))
فی إسناده موسى بن يعقوب الزَّمعى . وفيه مقال.
باب الطَّرُوق [٣: ٤٥]
٢٦٥٩ - عن جابر بن عبد الله، قال « کان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن یأتی
الرجُل أهله طُروقاً ))
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائى بنحوه .
٢٦٦٠ - وعنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إنَّ أحسنَ مادخلَ الرجلُ على أهله
إخلتقدم من سفر: أولُ الليل)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى بنحوه .
٢٦٥٩ - قوله ((طروقا)) أى ليلاً. يقال لكل ما أتاك ليلاً: طارق، ومنه قوله تعالى
((والسِماء والطارق) أبى النجم. لأنه يطرق يطلوعه ليلاً .
(١) (عزورا)) بفتح فكون ففتح، مقصور؛ ويقال: عزور، مثل قسور، هى ثنية بالجحفة
عليها الطريق من المدينة إلى مكة .

- ٨٧ -
٢٦٦١٠ - وعنه، قال « كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فى سفر، فلما ذهبنا لندخل، قال:
أمهلوا حتى ندخلَ ليلا، لكن تَمْتَشِطَ الشَّمِئَة، وَتَسْتَجِدَّ الْمَغِيبة ».
وأخرجه النسائى ، وفى البخاري ومسلم معناه .
قال أبو داود: قال الزهرى: ((الطرق)) بعد العشاء.
وقال غيره : الطروق ، بالضم : المجىء إليهم بالليل من سفر أو غيره على غفلة ليستغفلهم
- ويطلب عَثَراتهم، كما فسره الحديث الآخر ((يتخونهم بذلك))
ويقال لكل آت بالليل: طارق. ولا يكون بالتهار إلامجازا. ومنه قوله تبارك وتعالى
(١:٨٦ والسماء والطارق) أى النجم، لأنه يطرُق بطلوعه ليلا: ومنه طَرَقَهُ وفاطمه(١).
وقال أبو موسى: أصل الطرق : الدقُّ والضرب . ومنه سمى الطريق .. لأن المارة تَدُقُّهُ
بأرجلها. والمطرقة من هذا. فسمى الآتى بالليل طارقا لحاجته فى الوقت الذى يأتى به إلى
دقِّ الباب الذى يقصده . لأن العادة فى الأبواب أن تفتح بالنهار وتغلق بالليل .
وقيل: الطرق: السكون . ومنه الحديث (( أنه أطرق رأسه)) أى أمسك عن الكلام
«وسکن . ولما كان اللیل یُسْكن فيه ، ومن يأتى فيه يأتى بسكون . قيل : طارق .
باب فى التلقي [ ٣: ٤٥ ]
٢٦٦٣ - عن السائب بن يزيد، قال (( لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة من غزْوَة
تبوك تَلقَّاه الناس ، فَلَقِيته مع الصبيان على ثَنِيَّة الوَدَاعِ ».
وأخرجه البخارى والترمذى .
فيه تمرين الصبيان على مكارم الأخلاق ، واستجلاب الدعاء لهم .
(٢٦٦١ - قال الشيخ ((-وتستحد)) أى تُصلح من شأن نفسها. والاستحداد: مشتق من
الحديد. ومعناه: الاحتلاق بالموسى، يقال: استخدّ الرجل إذا احتلق بالحديد. واستعان
بمعناه إذا حلق عانته .
(١) كذا فى الأصل .

- ٨٨ -
قال المهلب : التلقى للمسافرين والقادمين من الجهاد والحج بالبشر والسرور : أمر
معروف ، ووجه من وجوه البر .
باب فيما يستحب من إنفاد الزاد فى الغزو إذا قفل [٣: ٤٦]
٢٦٦٣ - عن أنس بن مالك ((أن فتّ من أَسلَمَ قال: يارسول الله، إنى أريد الجهاد،وليس
لى مال أتجهز به ، قال: اذهب إلى فلان الأنصارى ، فانه قد تَجَهَّز،فمرض. فقل له : إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقْرِئك السلامَ، وقل له : ادفع إلىَّ ماتجهزت به . فأتاه، وقال
له ذلك ، فقال: يافلانة ، ادفعى إليه ما جهزتِنى به ، ولا تحبسى منه شيئاً [ فوالله لا تحبسين.
منه شيئاً (١) ] فيبارك لك فيه)»
وأخرجه مسلم
إما لأنه كان أخرجه لله. ليتجهز به فمنعه المرض. أو لأمر النبي صلى الله عليه وسلم له
فى الحديث ( بدفعه اليه )» وترغيبه فى ذلك
باب فى الصلاة عند القدوم من السفر [٣: ٤٦]
٢٦٦٤ - عن ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حین أقبل من حجّته ، دخل
المدینة، فأناخَ على باب مسجده، ثم دخله، فركع فيه ركعتین ، ثم انصرف إلى بيته - قال
نافع : فكان ابنُ عمر کذلك يصنع ))
فى إسناده محمد بن إسحاق ، وقد تقدم اختلاف الأئمة فى الاحتجاج بحديثه . وقد
جاءت هذه السنة فى أحاديث ثابتة
باب فى كراء المقاسم [٣: ٤٦]
٢٦٦٥ - عن أبي سعيد - وهو الخدرى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إيا
والْقُسَامَةَ . قال: فقلنا: وما الْقُسَامَةُ ؟ قال: الشىء يكون بين الناس فيُنْتَقَص منه »
٢٦٦٥ - قال الشيخ ((القسامة)) مضمومة القاف: اسم لما يأخذه القسام لنفسه فى القسمة.
كالنَّشارة لما ينشر ، والفُصالة لما يفصل، والعُجالة لما يعجَّل للضيف من الطعام.
(١) الزيادة من السنن.

- ٨٩ -
فى إسناده موسى بن يعقوب الزمعى ، وفيه مقال .
القسامة - بضم القاف - اسم لما يأخذه القَسَّام لنفسه فى القسمة، كالنّشارة. لما ينشر،
13
والفُضْالة: لما يفضل، والمُجالة: لما يُعجَّل للضيف من الطعام.
وقال أبو سليمان: وليس فى هذا تحريم الأجرة القسام إذا أخذها باذن المقسوم لهم
وإنما جاء هذا فيمن ولى أمر قوم . وكان عريفا لهم أو نقيبا . فاذا قسم بينهم سهامهم أمسك
منها شيئا لنفسه. يستأثر به عليهم. وقد جاء بيان ذلك فى الحديث الآخر - وذَ كَر المرسل.
الذی بعده :-
٢٦٦٦ - وعن عطاء بن يسار، عن النبى صلى الله عليه وسلم نحوه، قال (( الرجل يكون.
على الغنائم (١) بينَ الناس، فيأخذ من حظِّ هذا، وحظ هذا)).
هذا مرسل .
باب فى التجارة فى الغزو [٣: ٤٧ ]
٢٦٦٧ - عن عبد الله بن سلمان ( أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثه قال.
لما فَتَحْنَا خيبر، أخرجوا غنائمهم من المتاع والسَّبِى ، فجعل الناسُ يبتاعون غناتمهم ، فجاء
رجل فقال: يارسول الله، لقد ربحتُ ربحا مارَ بِحَ اليوم مثله أحدٌ من أهل هذا الوادى».
قال: ويحك، وما ربحت؟ قال: مازلت أبيع وأبتاع حتى ربحتُ ثلاثمائة أوقية ، فقال.
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَا أَنَبِّئُكَ بخير رَجُلٍ ربح. قال: ماهو يارسول الله ؟ قال.
ركعتين بعد الصلاة))
وليس فى هذا تحريم الأجرة القسام إذا أخذها بإذن المقسوم لهم، وإنما جاء هذا فيمن.
ولى أمر قوم فكان عريفاً عليهم ، أو نقيباً . فاذا قسم بينهم سهامهم أمسك منها شيئاً.
لنفسه يستأثر به عليهم . وقد جاء بيان ذلك فى الحديث الآخر .
٢٦٦٦ - قال الشيخ : القئام الجماعات . قال الفرزدق: فئام ينهضون إلى فئام .
٨
(١) وفى السنن: ((الفئام من الناس)) وهى التى شرح عليها الخطابى، والقئام - بكسر أوله - الجماعات.

- ٩٠ -
باب في حمل السلاح إلى أرض العدو [٣: ٤٧]
٢٦٦٨ - عن أبى إسحاق، - وهو السَّبيعى - عن ذى الْجَوْشَنِ رجلٍ مِن الضِّبَاب، قال
(( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن فرغَ من أهل بَدْر ، بابن فرسٍ لى يقال لها:
الْقَرْجَاء، فقلت: يا محمد، إنى قد جئتك بابن القرحاء لتتخذه . قال: لا حاجة لى فيه ،
وإن شئتَ أن أُفِيضَك به الْمُخْتَارَةَ مِن دُروعِ بَدْر فَعَلْتُ. قلت: ما كنتُ أقيضه
اليوم بغُرّة ، قال : فلا حاجة لی فيه ))
ذو الجوشن : اسمه أوس، وقيل: شرحبيل. وقيل: عثمان ، وسمى ذا الجوشن: مِن
أجل أن صدره كان ناتئا. وكنيته : أبو شَمِرٍ.
وقيل : إن أبا اسحاق لم يسمع منه . وإنماسمع من ابنه شمر.
وقال أبو القاسم البغوى: ولا أعلم لذى الجوشن غير هذا الحديث. ويقال: إن
أبا اسحاق سمعه من شمر بن ذي الجوشن عن أبيه . والله أعلم. هذا آخر كلامه.
والحديث لا يثبت . فانه دائر بين الانقطاع ، أو رواية من لا يعتمد على روايته .
والمقايضة فى البيوع: المعاوضة. وهى أن يعطى الرجل متاعا، ويأخذ متاعا آخر
لا نقد فيه .
و (( أقيضك)) معناه : أُبدلك به ، وأعوضك منه .
وسمي الفرس غُرَّة ، وأكثر ما يستعمل فى العبد والأمة. وأبو عمرو بن الغلاء يقول:
لا تكون الغرة إلا عبداً أبيض أو جارية بيضاء .
وقد أشار بعضهم إلى حديث أبى هريرة. قال (( قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
٢٦٦٨٠ - قوله (( أقيضك به)) معناه أبدلك به ، وأعوضك منه ، والمقايضة فى البيوع المعاوضة
أن يعطى متاعاً ويأخذ آخر لانَقْد فيه .
وفيه أنه سمى الفرس غُرَّة. وأكثر ما جاء ذكر الغرة فى الحديث إنما يزاد بها القسمة

- - ٩١ -
فى الجنين بغرة : عبدٍ أو أمة ، أو فرسٍ . أو بغل ))
قال : فجعل الفرس والبغل غرة ، غير أن هذا اللفظ غير محفوظ .
وسيأتى الكلام على هذا الحديث فى موضعه إن شاء الله تعالى.
باب فى الإقامة بأرض الشرك [٣: ٤٧ ]
٢٦٦٩ - عن سمرة بن جندب قال (( أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ
جَامَع المشرِكَ، وسكنَ مَعهُ، فإنهُ مِثْلهُ)) .
قد تقدم نجوه ، والكلام عليه فى حديث جرير بن عبد الله .
آخر الجزء السادس عشر، آخر كتاب الجهاد.
من أولاد آدم عليه السلام عبد أو أمة وعلى ذلك تفسير قوله فى الجنين- وقضائه فيه بغرة
عبد أو أمة .
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لاتكون الغرة إلا عبداً أبيض أو جارية بيضاء .
أخبرنى به أبو محمد الكرانى حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا زكريا المنقرى حدثنا الأصمى
عن أبى عمرو
وقد روى حديث الجنين عيسى بن يونس ، فجاء بزيادة تفرد بها لم يذكرها غيره من
رواة الحديث، فقال ((عبد أو فرس أو بغل)) فجعل الفرس والبغل غرة .

- ٩٢ -
أول كتاب الضحايا
باب ماجاء فى إيجاب الأضاحى [٣: ٤٩]
٢٦٧٠ عن مِخْنَفِ بن سُليم قال - ونحن وقوف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات-
قال (( يا أيها الناس، إنَّ على أهلِ كلِّ بيت فى كلِّ عام أُضحيةً وعَتيرَة، أتدْرونَ
ما العَقِيرَة؟ هذه التى يقول الناس الرَّجمِية)).
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: حسن غريب . ولا نعرف
هذا الحديث مرفوعا إلا من هذا الوجه من حديث ابن عوف . هذا آخر كلامه .
٢٦٧٠ - قلت ((العتيرة)) تفسيرها فى الحديث: أنها شاة تذيح فى رجب. وهذا هو الذي
يشبه معنى الحديث ، ويليق بحكم التدین
فأما العتيرة التى كان يَعْتِرها أهل الجاهلية: فهى الذبيحة تذبح للصم. فَيُصَبُّ دمَها على
رأسه، والعَتَر: بمعنى الذبح. ومنه قول الحارث بن حِلّزة:
٢٦٧٠ - قال ابن القيم رحمه الله: وقال عبد الحق: إسناد هذا الحديث ضعيف. وقال ابن
القطان: يرويه حبيب بن مخنف (١) ، وهو مجهول عن أبيه . وفيه أبو رملة عامر بن
أبى رملة لا يعرف إلا به . انتهى .
وقد روى أحمد فى مسنده عن أبى رزين العقیلی انه قال « یا رسول الله، إنا كنا نذبح فى
رجب ذبائح، فنأكل منها ونطعم من جاءنا . فقال: لا بأس بذلك))
وفى المسند أيضاً، وسنن النسائى عن الحرث بن عمرو (( أنه لقى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فى حجة الوداع . قال : فقال رجل : يا رسول الله ، الفرائع والعتأثر؟ قال: من
شاء فرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر . فى الغنم أضحية))
وسيأتي بعد هذا فى باب العتيرة قول النبى صلى الله عليه وسلم « فى كل سأئمة من الغنم فرع»
فهذه الأحاديث تدل على مشروعيته .
وقال ابن المنذر: ثبت أن عائشة قالت (( أمر النبى صلى الله عليه وسلم في الفرعة من كل
(١) فى هذا نظر فإنى لم أجد في كتب الرجال لمخنف بن سليم ولداً اسمه حبيب، وإنما ذكر ابن الأثير
في أسد الغابة فى ترجمة مخنف : يروى عنه أبو رملة .

- ٩٣ -
وقد قيل: إن هذا الحديث منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم ((لافرَعَ ولا عتيرة))
وقيل : لا فرع واجبا . ولا عتيرة واجبة ، ليكون جمعاً بين الأحاديث .
وقال الخطابي : هذا الحديث ضعيف المخرج . وأبو رملة مجهول .
وقال أبو بكر المغافرى : وحديث مخنف بن سليم ضعيف ، ولا يحتج به . هذا آخر كلامه
وأبو رملة اسمه عامر. وهو بفتح الراء المهملة ، وبعدها ميم ساكنة، ولام مفتوحة ،
وتاء تأنيث .
عَننا باطلا وظلماً، كما تع ترعن حُجرة الربيض الظباء (١)
أى تذبح . واختلفوا فى وجوب الأضحية
فقال أكثر أهل العلم : إنها ليست بواجبة ، ولكنها مندوب إليها .
خمسين بواحدة)) قال: وروينا عن نبيشة الهذلى قال ((سئل رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقالوا : يا رسول اللّه، إنا كنا نعتر عتيرة فى الجاهلية فى رجب، فما تأمرنا؟
فقال: فى كل سأئمة فرع)) اختصر الحديث. وسيأتي لفظه. قال: وخبر عائشة وخبر نبيشة
ثابتان . قال : وقد كانت العرب تفعل ذلك فى الجاهلية ، وفعله بعض أهل الإسلام . فأمر النبى.
صلى الله عليه وسلم بهما، ثم نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال (( لا فرع ولا
عتيرة)) فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنهما . ومعلوم أن النهى لا يكون إلا عن شيء قد كان
يفعل؛ ولا نعلم أن أحداً من أهل العلم يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان نهاهم عنهما ثم
أذن فيهما ، والدليل على أن الفعل كان قبل النهى: قوله فى حديث نبيشة « إنا كنا نعتر عتيرة
فى الجاهلية ، وإنا كنا نفرع فرعاً فى الجاهلية)» وفى إجماع عوام علماء الأمصار على عدم
استعمالهم ذلك وقوف عنالأمر بهما مع ثبوت النهى عن ذلك بيان لما قلنا . وقد كان ابنسيرين
من بين أهل العلم يذبح العتيرة فى شهر رجب ، وكان يروى فيها شيئاً . وکان الزهرى يقول
(« الفرعة أول نتاج، والعتيرة شاة كانوا يذبحونها فى رجب)» آخر كلام ابن المنذر .
(١) البيت في قصيدته فى المعلقات، قال شارحها الزوزنى ((العين)) الاعتراض. والفعل عن يعن.
والعبر ذبح العتيرة، وهى ذبيحة كانت تذبح للأصنام فى رجب و((الحجرة)) الناحية والجمع: الحجرات ،
وقد كان الرجل ينذر: إن بلغ الله غنمه مائة ذبح منها واحدة للاصنام. ثم ربما ضنت نفسه بها. فأخذ
ظبياً وذبحه مكان الشاة الواجبة عليه . يقول: ألزمتمونا ذنب غيرنا عننا باطلا ، كما يذبح الظبى لحق وجب
فى الغنم

-- ٩٤ __
وقال البيهقى : فى حديث مخنف بن سليم : وهذا - إن صح - فالمراد به على طريق
الاستحباب . وقد جمع بينها وبين العتيرة . والعتيرة غير واجبة بالإجماع . هذا آخر كلامه .
وقد قال الخطابي : وكان ابن سيرين من بين أهل العلم يذبح العتيرة فى شهر رجب،
وکاز يروى فيها شيئا، ولم يره منسوخا .
وقال اليَحْصُبى: وقال بعض السلف ببقاء حكمها .
وقال أبو حنيفة : هى واجبة . وحكاه عن ابراهيم
وقال محمد بن الحسن: هى واجبة على المياسير .
قلت : هذا الحديث ضعيف المخرج ، وأبو رملة مجهول .
وقال أبو عبيد: هذا منسوخ . وكان إسحق بن راهويه يحمل قوله «لا فرع ولا عتيرة »
أى لا يجب ذلك. ويحمل هذه الأحاديث على الإذن فيها . قال الحازمى : وهذا أولى مما
سلكه ابن المنذر .
وقال الشافعى : الفرعة شىء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة فى أموالهم ، فكان
أحدهم يذبح بكر ناقته، لا يعدوه ، رجاء البركة فيما يأتى بعده ، فسألوا النبى صلى الله عليه وسلم
فقال (( افرعوا إن شئتم)) أى اذبحوا إن شئتم. وكانوا يسألونه عما يصنعونه فى الجاهلية ،
خوفاً أن يكون ذلك مكروهاً فى الإسلام، فأعلمهم أنه لا يركة لهم فيه ، وأمرهم أن يعدوه ،
ثم يحملون عليه فى سبيل الله.
قال البيهقى : أو يذبحونه ويطعمونه ، كمافى حديث نبيشة .
قال الشافعى: وقوله (( الفرعة حق)) أى ليست بباطل، ولكنه كلام عربى يخرج على
جواب السائل . قال الشافعى: وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (( لا فرع ولا عتيرة»
وليس باختلاف من الرواة ، إنما هو : لا فرعة ولا عتيرة واجبة . والحديث الآخر فى الفرعة
والعتيرة يدل على معنى هذا أنه أباح الذبيح ، واختار له أن يعطيه أرملة ، أو يحمل عليه فى
سبيل الله . والعتيرة: هى الرجبية . وهى ذبيحة كان أهل الجاهلية يتبررون بها فى رجب.
فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((لا عتيرة)) على معنى: لا عتيرة لأزمة.
وقوله - حين سئل عن العتيرة - ((إذبحوا لله فى أى شهر كان، وبروا لله وأطعموا))
أى اذبحوا إن شئتم واجعلوا الذبح الله لا لغيره فى أى شهر كان ، لا أنها فى رجب دون
ما سواه من الشهور . آخر كلامه .

- ٩٥-
٢٦٧١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((أمرت
بيوم الأضحى عيداً، جعله اللهعز وجل لهذه الأمة - قال الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا
مَنِيحَةً (١) أنثى، أفْضَحِّى بها؟ قال: لا ، ولكن تأخذ من شَعَرك وأظفارك، وتقصُّ
شار بك ، وتحلقُ عانتك ، فتلك تمامُ أضحيتك عند الله عز وجل ))
وأخرجه النسائى. قيل: سميت الضحية، وسمى بذلك اليوم : لأن وقتها وقت تَحاء
النهار ، وهو ارتفاعه .
باب الأضحية عن الميت [٣: ٥٠]
٢٦٧٢ - عن حَفَشَ - وهو أبو المعتمر الكناني الصنعاني - قال ((رأيت علياً يضحِّى
بكبشين، فقلت : ما هذا ؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانى أن أضحى
عنه ، فأنا أُضَحِّى عنه)) .
وأخرجه الترمذى وقال: غريب ، لا نعرفه إلا من حديث شريك. هذا آخركلامه.
وحنش تكلم فيه غير واحد . وقال ابن حبان البستى : كان كثير الوم فى
الأخبار ، ينفرد عن على بأشياء لا تشبه حديث الثقات حتى صار ممن لا يحتج به .
وشريك : هو ابن عبد الله القاضى . وفيه مقال . فقد أخرج له مسلم فى المتابعات .
وقال أصحاب أحمد : لا يسن شىء من ذلك . وهذه الأحاديث منسوخة .
قال الشيخ أبو محمد : ودليل النسخ أمران .
أحدهما : أن أبا هريرة هو الذى روى حديث ((لا فرع ولا عتيرة)) وهو متفق عليه.
وأبو هريرة متأخر الإسلام ، أسلم فى السنة السابعة من الهجرة .
والثانى : أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمراً متقدماً على الإسلام . فالظاهر بقاؤهم عليه
إلى حين نسخه واستمرار النسخ من غير رفع له . قال : ولو قدرنا تقدم النهى على الأمر بها
لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها . وهذا خلاف الظاهر .
فإذا ثبت هذا ، فإن المراد بالخبر: نفى كونها سنة ، لا تحريم فعلها ، ولا كراهته . فلو ذبح
إنسان ذبيحة فى رجب ، أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو للصدقة به أو إطعامه ، لم يكن
ذلك مكروها .
(١) المنيحة - بفتح الميم ثم نون - شاة اللبن ونحوها تعطى للفقيرة ليحلب-ويشرب لبنها)، ثم يردها

- ٩٦ -
باب الرجل يأخذ من شَعَرَه فى العشر وهو يريد أن يضحى [٤ : ٥١ ]
٢٦٧٣ - عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من كان له ذِيجٌ يَذَحُهُ
فإذا أهلَّ هلالُ ذي الحجة فلا يأخُذَنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئاً، حتى يُضَحِّى))
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بمعناه .
٢٦٧٣ - قلت (( الذيح)) بكسر الذال: الضحية التى يذبحها المضحى.
واختلف العلماء فى القول بظاهر هذا الخبر
فكان سعيد بن المسيب يقول به . ويمنع المضحّى من أخذ أظفاره وشعره أيام العشر
من ذى الحجة
٢٦٧٣ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف الناس فى هذا الحديث ، وفى حكمه .
فقالت طائفة: لا يصح لرفعه، وإنما هو موقوف . قال الدار قطنى فى كتاب العلل : ووقفه
عبد الله بن عامر الأسلمى ويحيى القطان وأبو ضمرة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد
ووقفه عقيل على سعيد قوله . ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة : قولها .
ووقفه ابن أبى ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن أبى سلمة عن أم سلمة . قولها : ووقفه
عبد الرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد: قوله . والمحفوظ عن مالك
موقوف . قال الدار قطنى : والصحيح عندى قول من وقفه ونازعه فى ذلك آخرون ، فصححوا
رفعه. منهم مسلم بن الحجاج، ورواه فى صحيحه مرفوعاً . ومنهم أبو عيسى الترمذى ، قال :
هذا حديث حسن صحيح . ومنهم ابن حبان ، خرجه فى صحيحه. ومنهم أبو بكر البيهقى ، قال :
هذا حديث قد ثبت مرفوعاً من أوجه لا يكون مثلها غلطاً ، وأودعه مسلم فى كتابه. وصححه
غير هؤلاء، وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد عن أم سلمة عن
التى صلى الله عليه وسلم ، ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم سلمة
عن النبى صلى الله عليه وسلم. وليس شعبة وسفيان بدون هؤلاء الذين وقفوه ، ولا مثل هذا
اللفظ من ألفاظ الصحابة ، بل هو المعتاد من خطاب النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله « لا يؤمن
أحدكم ))، ((أيعجز أحدكم))، (أيحب أحدكم))، ((إذا أتى أحدكم الغائط))، ((إذا جاء
أحدكم خادمه بطعامه » ونحو ذلك .
وأما اختلافهم فى متنه : فذهبت إليه طائفة من التابعين ومن بعدهم . فذهب إليه سعيد
بن المسيب وربيعة بن أبى عبد الرحمن وإسحق بن راهويه ، والإمام أحمد وغيرهم . وذهب
٠

- ٩٧ -
وفى لفظ لمسلم «فلا يمس شيئاً من شعره وبَشَره شيئاً)).
وفى لفظ لابن ماجة « فلايمس من شعره ولا بشَره شيئاً)»
قال بعضهم: أراد بالشعر: شعر الرأس . وبالبشر : شعر البدن . فعلى هذا لا يدخل
فيه قَدْمِ التّفر ، ولا يكره.
وكذلك قال ربيعة بن أبى عبد الرحمن . وإليه ذهب أحمد وإسحاق .
وكان مالك والشافعى يريان ذلك على الندب والاستحباب
ورخص أصحاب الرأى فى ذلك .
آخرون إلى أن ذلك مكروه لا محرم . وحملوا الحديث على الكراهة . منهم مالك وطائفة
من أصحاب أحمد ، منهم أبو يعلى وغيره .
وذهبت طائفة: إلى الإباحة ، وأنه غير مكروه . وهو قول أبى حنيفة وأصحابه .
والذين لم يقولوا به ، منهم من أعله بالوقف ، وقد تقدم ضعف هذا التعليل . ومنهم من
قال: هذا خلاف الحديث الثابت عن عائشة، المتفق على صحته (( أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يبعث بهديه، ويقيم حلالاً، لا يحرم عليه شىء))
قال الشافعى : فإن قال قائل : ما دل على أنه اختيار لا واجب ؟
قيل له : روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت ((أنا فتلت
قلائد هدى النبي صلى الله عليه وسلم بيدى ، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بعث
بها مع أبى بكر ، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شىء أحله الله له حتى نحر الهدى))
قال الشافعى : وفى هذا دلالة على ما وصفت ، وعلى أن المرء لا يحرم بعثه بهديه ، يقول :
البعث بالهدى أكثر من إرادة الأضحية .
ومنهم من رد هذا الحديث بخلافه للقياس ، لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس والطيب، فلا
يحرم عليه حلق الشعر ولا تقليم الظفر .
وأسعد الناس بهذا الحديث : من قال بظاهره لصحته ، وعدم ما يعارضه .
وأما حديث عائشة فهو إنما يدل على أن من بعث بهديه وأقام فى أهله فإنه يقيم حلالاً ،
ولا يكون محرماً بإرسال الهدى ، رداً على من قال من السلف: يكون بذلك محرماً ، ولهذا
روت عائشة لما حكى لها هذا الحديث .
وحديث أم سلمة يدل على أن من أراد أن يضحى أمسك فى العشر عن أخذ شعره
وظفره خاصة ، فأى منافاة بينهما ؟
م ٧ - مخمصر السنن - ج ٤

- ٩٨ -
وقيل: أراد بالشّعَر: جميع الشعر، والبشر: الأظفار .
ويؤيد هذا اللفظ : الحديث عند مسلم، وعند جميع من ذكر معه مشتمل على الشعر
والظفر .
والذيح - بكسر الذال المعجمة - هو المذبوح، كالطَّحن، بمعنى المطحون، أى من
كان له كبش يذبحه .
ذكر بعضهم : أن مذهب ربيعة وأحمد وإسحاق وابن المسيب : المنع من الحلق.
والتقليم ، أخذاً محديث أم سلمة .
قلت : وفى حديث عائشة دليل: على أن ذلك ليس على الوجوب . وهو قولها ((فَتَلْتُ
قلائد هَذْى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى. ثم قلدتها . ثم بعث بها . ثم لم يَخْرُم
عليه شىء كان أحله الله له ، حتى نَجر الهدى)).
ولهذا كان أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين : هذا فى موضعه ، وهذا فى موضعه .
وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبد الرحمن بن مهدى عن هذين الحديثين ؟ فقال : هذا له
وجه ، وهذا له وجه .
ولو قدر بطريق الفرض تعارضهما لكان حديث أم سلمة خاصاً ، وحديث عائشة عاماً .
ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول الخاص ، توفيقاً بين الأدلة . ويجب حمل حديث عائشة.
على ما عدا ما دل عليه حديث أم سلمة ، فان النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى.
عنه ، وإن كان مكروها .
وأيضاً : فعائشة إنما تعلم ظاهر ما يباشرها به ، أو يفعله ظاهراً من اللباس والطيب . وأما
ما يفعله نادراً ، كقص الشعر وتقليم الظفر ، مما لا يفعل فى الأيام العديدة إلا مرة . فهى لم
تخبر بوقوعه منه صلى الله عليه وسلم فى عشر ذي الحجة، وإنما قالت (( لم يحرم عليه شىء)).
وهذا غايته : أن يكون شهادة على نفى ، فلا يعارض حديث أم سلمة. والظاهر : أنها لم ترد
ذلك بحديثها، وما كان كذلك فاحقال تخصيصه قريب ، فيكفى فيه أدنى دليل .
وخبر أم سلمة صريح فى النهى . فلايجوز تعطيله أيضاً . فأم سلمة تخبر عن قوله وشرعه.
لأمته، فيجب امتثاله . وعائشة تخبر عن نفى مستند إلى رؤيتها، وهى إنما رأت أنه لا يصير
بذلك محرماً ، يحرم عليه ما يحرم على المحرم . ولم تخبر عن قوله : إنه لا يحرم على أحدكم.
بذلك شىء. وهذا لا يعارض صريح لفظه .