النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٠ ١٩ -
فذكر مثل هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطْلِقُوا تمامة . فانطلَقَ إلى نَخْلِ
قريب من المسجد ، فاغتسل، ثم دخل المسجد . فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله )» .
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
٢٥٦٤ - وفى رواية لأبى داود ((ذا ذِمٌ)) (١) .
٢٥٦٥ - وعن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارَةَ ، قال قَدِمَ بالأسارى
حين قُدم بهم ، وسَوْدَةُ بنتُ زَمْعَة عند آل عَفْراء، فى منَاخِهِم : على عَوْفٍ ومُعَوِّذٍ ابنى
عَفراء ، قال : وذلك قبل أن يُضربَ عليهن الحجابُ، قال: تقول سَوْدة: والله إنى لِعِنْدهم
إذ أتيت ، فقيل: هؤلاء الأساري ، قد أُتى بهم، فرجعتُ إلى بيتى ، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم فيه، وإذا أبو يزيد سُهَيْلُ بن عمرو فى ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عُنقه بحَبْل ـ
ثم ذكر الحديث)).
[ قال أبو داود: وهما قتلا أبا جهل بن هشام، وكانا انتدبا له ولم يعرفه، وقُتلا
(٢)
يوم بدر](٢) .
باب فى الأسير يُنَالُ منه ويُضْرَب [٣: ١٠]
٢٥٦٦ - عن أنس ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَدَبَ أصحابه ، فانطلقوا إلى بَدْرِ،
وإذا هم بِرَوَايا قُريش، فيها عبدٌ أسودُ لبنى الحجَّاجِ، فأخذه أصحابُ رسول الله صلى الله
ء
٢٥٦٦ - (( السحب)) الجرّ العنيف.
((والقليب)) البئر التى لم تُطْوَ. وإنما هى حقيرة قُلِبَ ترابها . فسميت قليبا.
و ((الروايا)) الإبل التى يستقى عليها. واحدتها: راوية. وأصل الراوية: المزادة.
فقيل للبعير: راوية ، لحمله المزادة .
وفيه دليل على جواز ضرب الأسير الكافر ، إذا كان فى ضربه طائل .
(١) ((ذا ذم)) أى: ذا ذمام وحرمة، وهو بكسر الذال المعجمة وتشديد الميم.
(٢) زيادة من السنن. والضمير (هما)) يعود على ابنى عفراء

- ٢٠ -
عليه وسلم، فجعلوا يسألونه: أين أبوسفيان؟ فيقول: والله مالى بشىء من أمره علمٌ، ولكن
هذه قريشٌ، قد جاءت، فيهم أبو جهل، وعُتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأُمَيَّةُ بن خَلَفَ، فإذا
قال لهم ذلك ضربوه ، فيقول: دعونى، دعونى أخبركم ، فإذا تركوه قال: والله مالى بأبى سفيان
على، ولكن هذه قريش قد أقبلت ، فيهم أبو جهل وعُتبة ، وشيبة ابنا ربيعة ، وأمية بن
خلف قد أقبلوا ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلى، وهو يسمع ذلك ، فلما انصرف قال :
والذى نفسى بيده، إنكم لتضربونه إذا صَدَقكم، وتَدَعونه إذا كذّبكم، هذه قريش قد
أقبلت لِتَمنَعَ أبا سفيان - قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا مَصْرَع فلان
غداً - ووضع يده على الأرض - وهذا مَصْرع فلان غدا - ووضع يده على الأرض - وهذا
مَضرع فلان غداً - ووضع يده على الأرض - فقال: والذى نفسى بيده، ما جاوزَ أحدٌ
منهم عن موضع يَدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأخذ بأرجلهم، فسُحِبُوا، فَاُلْقُوا فِى قَلِيب بَدْرٍ )) .
وأخرجه مسلم أتم منه .
باب فى الأسير يُكرَه على الاسلام [٣: ١١ ]
٢٥٦٧ - عن ابن عباس، قال ((كانت المرأةُ تَكونُ مِقْلَاة، فتجعل على نفسها إنْ عَاشَ
لها ولدٌ: أن تُهَوِّدَه، فلما أُجْلِيَتْ بنو النَّضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا نَدعُ
أبناءنا، فأنزل الله عز وجل ( ٢: ٢٥٦لا إ كراه فى الدين. قد تَبَيَّن الرّشْدُ من الغَِّ)
٢٥٦٧ - قلت (( المقلاة)) هى المرأة التى لا يعيش لها ولد. وأصله من القّلت. وهو الهلاك.
قال الشاعر :
◌ُغاث الطير أكثرها فِراخاً وأم الصَّقر مِقْلاةٌ نَزور
وفيه دليل: على أن من انتقل من كفر وشرك إلى يهودية ، أو نصرانية ، قبل مجىء
دين الإسلام. فإنه يقرّ على ما كان انتقل إليه . وكان سبيله سبيل أهل الكتاب فى أخذ
الجزية منه ، وجواز مناكتته واستباحة ذبيحته .
فأما من انتقل عن شرك إلى يهودية أو نصرانية ، بعد وقوع نسخ اليهودية ، وتبديل
ملة النصرانية . فإنه لا يُقَرُّ على ذلك .

- ٢١ -
قال أبو داود : المقلاة : التى لا يعيش لها ولد .
وأخرجه النسائى .
وأصله: من القَلَت - بالتحريك - وهو الهلاك.
وقال بعضهم: الآية منسوخة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على
دين الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا الإسلام.
وقال أبو جعفر النحاس : قول ابن عباس فى هذه الآية أولى الأقوال ، لصحة إسناده.
وأن مثله لا يؤخذ بالرأى . فلما أخبر أن الآية نزلت فى كذا، وجب أن يكون أولى الأقوال
وأن تكون الآية مخصوصة نزلت فى هذا. وحُكم أهل الكتاب كحكمهم .
فأما دخول الألف واللام: فللتعريف ، لأن المعنى لا إكراه فى الإسلام.
وقال غيره : فيه دليل على أز من انتقل من كفر وشرك إلى يهودية أو نصرانية قبل
مجىء الإسلام، فإنه يُقَرَّ على ما كان انتقل إليه. فكان سبيله سبيلَ أهل الكتاب فى أخذ
الجزية منه. وجواز منا كته، واستباحة ذبيحته. فأما من انتقل عن شرك إلى يهودية أو
نصرانية ، بعد وقوع نسخ اليهودية ، وتبديل ملة النصرانية - فإنه لا يقر على ذلك .
باب فى قتل الأسير ، ولا يعرض عليه الاسلام [٣: ١١]
٢٥٦٨ - عن سعد، - وهو ابن أبى وقاص - قال ((لما كان يومُ فتح مكة أمَّنَ رسول الله صلى
الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفرٍ ، وامرأتين، وسماهم، وابنَ أبى سَرْح - فذكر الحديث-
وأما قوله سبحانه (٢: ٢٥٦ لا إ كراه فى الدين) فإن حكم الآية مقصور على مانزلت
فيه من قصة اليهود (١) ، فأما إ كراه الكفار على دين الحق فواجب. ولهذا قاتلناهم على أن
يسلموا أو يؤدوا الجزية ، ويرضوا بحكم الدين عليهم ..
٢٥٦٨ - قلت: معنى ((خائنة الأعين)) أن يضمر بقلبه غير ما يظهره للناس . فإذا كَفَّ بلسانه
(١) الآية عامة. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أمراء السرايا: أن لا يبدؤا بقتال
حتى يدعوا الناس إلى الاسلام . فإن قبلوا وإلا طلبوا منهم الجزية . والا قاتلوهم لكف شرهم وإزالتهم من
طريق الدين، حتى لا يصدوا غيرهم عنه. ولقد كان أبناء الأنصار المتهودون ضعفاء أذلة لا شوكة لهم
ولا يخشى شرهم ؛ فلذلك تركوا. ولم يعبأ بهم شيئاً. وإلزام العرب الاسلام لتطهير مركز الدعوة، ولذلك
أجلى عمر اليهود من الجزيرة .

- ٢٢ -
قال : وأما ابن أبى سَرْح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم الناس إلى البيعة جاء به ، حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يانبي
الله ، بایع عَبْدَ الله ، فرفع رأسه ، فنظر إليه ، ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ،
ثم أقبل على أصحابه، فقال: أما كان فيكم رجلٌ رشيد، يقوم إلى هذا، حين رآنى كَفَفْتُ
يدى عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندرى يارسول الله ما فى نفسك، ألاَّ أوْماتَ بَعْينك ؟
قال: إنه لا ينبغى لنبيّ أن تكون له خائنةُ الأعين)).
وأخرجه النسائى. وفى إسناده: إسمعيل بن عبد الرحمن الشُّدى، وقد احتج به مسلم .
وتكلم فيه غير واحد .
وفى إسناده أيضاً أسباط بن نصر. وقد احتج به مسلم فى صحيحه. وتكلم فيه غير واحد .
٢٥٦٩ - وعن عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد المخزومى، قال: حدثنى جَدِّى، عن
أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - يوم الفتح - ((أربعة لا أُؤْمِّهم فى حِلّ
ولا حرم - فسماهم - قال: وَقَيْنتين كانتا ◌ِقْيَسِ. فَقُتِلتْ إحداهما، وأفلَتَتْ الأخرى.
وأسلمت )) .
بو جده: هو سعيد بن يَرْ بوع المخزومى. كان اسمه: الصُّرم. فسماه النبى صلى الله
عليه وسلم: سعيداً ، وهو بضم الصاد المهملة ، وبعدها راء مهملة ساكنة وميم .
وأومأ بعينه إلى خلاف ذلك فقد خان . وكان ظهور تلك الخيانة من قِبَلٍ عينيه ، فسميت
خائنة الأعين ، ومعنى الرشدههنا : الفطنة لصواب الحكم فى قتله .
وفيه دليل على أن ظاهر السكوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشىء يراه
يُسْنَع بحضرته: يَحُلُ محل الرضا به ، والتقرير له.
قلت : عبد الله بن أبى الشّرح كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم فارتد عن الدين
فلذلك غلّظ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أ كثَرّ مما غلظ على غيره من المشركين .

-- ٢٣ -
٢٥٧٠ - وعن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عامَ الفتح،
وعلى رأسه المغْفَرُ، فلما نَزَعه جاءه رجلٌ ، فقال: ابْنُ خَطَل متعلّق بأستار الكعبة، فقال :
اقتلوه ))
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
باب فى قتل الأسير صبراً [٣: ١٢]
٢٥٧١ - عن إبراهيم - وهو النخعى - قال ((أراد الضحاك بن قَيْس أن يستعمل مسروقا،
فقال له عمارة بن عُقبة : أنستعمل رجلا من بقايا قتلة عثمان ؟ فقال له مسروق : حدثنا
عبد الله بن مسعود - وكان فى أنفسنا مَوْتُوقَ الحديث - أن النبى صلى الله عليه وسلم لما
أراد قتل أبيك، قال: مَنْ للصِّبْية؟ قال: النار. فقد رضيتُ لك ما رضى لك رسول الله
صلى الله عليه وسلم )) .
باب فى قتل الأسير بالنَّبل [٢: ١٣]
٢٥٧٢ - عن ابن تغْلِى (١) - وهو عبيد بن تعلى الفلسطينى - قال ((غزونا مع عبد الرحمن
بن خالد بن الوليد. فأتى بأربعة أعلاج من العدو، فأمر بهم فقتلوا صَبْراً».
٢٥٧٠ - قلت : فى كَوْن المغفر على رأسه : دليل على جواز ترك الإحرام للخائف على نفسه
إذا دخل مكة، وعلى أن صاحب الحاجة إذا أراد دخول الحرم لم يلزمه الإحرام ، إذا لم يرد
حجاً أو عمرة؛ وكان ابن خطل به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى وجهٍ مع رجل من
الأنصار، وأتمر الأنصارى عليه ، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصارى فقتله،
:وذهب بماله. فلم ينفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم له الأمان، وقَتَلَه بحق ماجناه فى
الإسلام .
وفيه دليل على أن الحرم لا يعصم من إقامة حكم واجب ، ولا يؤخره عن وقته .
(١) فى أصل المنذرى وضع على اللام فتحة. وفى الخلاصة ضبطه بكسر اللام .

- ٢٤ -
قال أبو داود: قال لنا غير سعيد عن ابن وهب ـفى هذا الحديث- قال ((بالنبل صبراً،
فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصارى ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل
الصَّبْر، فوالذي نفسي بيده، لو كانت دُجاجة ما صَبَرْتُهَا ، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن خالد
بن الوليد ، فأعتق أربع رقابٍ )) .
تِعْلى: بكسر التاء ثالث الحروف وسكون العين المهملة.
باب فى المن على الأسير بغير فداء [٣: ١٣ ]
٢٥٧٣ - عن أنس (( أن ثمانين رجلا من أهل مَكَّةَ هَبَطُوا على النبى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه من جبالِ التّنعيم، عند صلاة الفجر ، ليقتلوهم . فأخذهم رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم سَلْمًا ، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل (٢٤:٤٨ وهو الذى
كَفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطْن مَّكَّة ) إلى آخر الآية »
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى.
٢٥٧٤ - وعن محمد بن جُبیر بن مُظیم ، عن أبيه ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأساری.
بَدْر ((لَوْ كَانَ مُطِعِمٍ بن عَدِيّ حَيًّا، ثم كَلَّمنى فى هؤلاء النّتْىَ لأطلقتهم له)) .
وأخرجه البخارى ومسلم.
٢٥٧٣ - قوله ((سلما)) يعنى أسراء، يقال؛ رجل سلم، أى أسيرٌ"، وقوم سلم، الواحد والجماعة
سواء . قال الشاعر :
فاتَّقَين مروان فى القوم السَّلَم
٢٥٧٤ - (( الَّقْنَىَ)) جمع الَِّنِ وهو المنتن، يقال: تَيْنَ الشىء يَنْتَنُ.، فهو خَيِنٌ. ويجمع.
على النَّنَى، كما يقال: زَمِنَ الرجل يَزْمَن ، فهوِ زَمِنٌ ، ويجمع على الزَّمْنِى.
وفيه دليل على جواز إطلاق الأسير والمنِّ عليه من غير فداء .

- ٢٥ -
باب فى فداء الأسير بالمال [٣: ١٣]
٢٥٧٥ - عن عمر بن الخطاب ، قال « لما کان یومُ بدر ، فأخذ ۔۔ یعنی النبيَّ صلى الله عليه.
سلم - الغِداء أنزل الله عز وجل (٦٨،٦٧:٨ ما كان لنبى أن يكون له أسْرَى حتى يُنْخِنْ.
فى الأرض - إلى قوله - لَسَّكم فيما أخذتم) من الفداء، ثم أحَلَّ لهم الغنائم)).
وأخرجه مسلم بنحوه، فى أثناء الحديث الطويل .
٢٥٧٦ - وعن ابن عباس، (( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فِداء أهل الجاهلية يَومٍ.
بدر : أربعمائة)).
وأخرجه النسائى .
٢٥٧٦ - قلت : فى هذه الأحاديث الثلاثة : حديث جبير بن مطعم ، وحديث ابن عباس ».
وحديث عبد الله بن مسعود: دليل على أن الإمام مخير فى الأسارى البالغين : إن شاء.
منّ عليهم ، وأطلقهم من غير فداء ، وإن شاء فاداهم بمال معلوم ، وإن شاء قتلهم . أيّ
ذلك كان أصلح ، ومن أمر الدين وإعزاز الإسلام أوقع .
وإلى هذا ذهب الشافعى وأحمد . وهو قول الأوزاعى وسفيان الثورى .
وقال أصحاب الرأى: إن شاء قتلهم ، وإن شاء فاداهم ، وإن شاء استرقّهم . ولا تُمُّ
عليهم ، فيطلقهم بغير عوض ، فيكون فيه تقوية للكفار ، وزيادة فى عددهم.
وزعم بعضهم أن المنَّ كان خاصاً للنبى صلى الله عليه وسلم دون غيره .
قلت : التخصيص فى أحكام الشريعة لا يكون إلا بدليل . والنبى صلى الله عليه وسلم:
إذا حكم بحكم فى زمانه كان ذلك سُنة وشريعة في سائر الأزمان . وقد قال سبحانه (٤٧: ٤
فإذا لقيتم الذين كفروا فَضَرْب الرِّفاب، حتى إذا أنخنتموهم فشدوا الوثاق ، فإما مَنَّا بعد ،
وإما فداء - الآية) وهذا خطاب لجماعة الأمة كلهم، ليس فيه تخصيص للنبى صلى الله عليه.
وسلم . وإنما كان فعله امتثالاً للآية.
وأما الذى اعتلوا به من تقوية الكفر : فإن الإمام إذا رأى أن يعطى كافراً عطية:

- ٢٦ -
٢٥٧٧ - وعن عائشة قالت (( لما بعث أهلُ مكة، فى فِداء أسْرَاهُمْ، بَعَثَتْ زينبُ فى فداء
أبى العاص بمالٍ ، وبعثت فيه بقلادة لها ، كانت عند خديجةً ، أدخلتها بها على أبى العاص ،
قالت: فلما رآها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رَقّ لها رِقَّةً شديدةً ، وقال: إن رأيتم أن
تُطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذى لها؟ قالوا: نعم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخذ عليه، ووعده، أن يُخَلّ سبيل زينب إليه ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
زيدَ بن حارثة ورجلاً من الأنصار، فقال: كونا ببَطْن يَأْجِجَ، حتى تمرَّ بكما زينبُ
فَتَصحباها حتى تأتيا بها)).
فى إسناده محمد بن إسحق . وقد تقدم الكلام عليه .
ويأجج: بفتح الياء آخر الحروف، وبعدها همزة وجيمين، الأولى مكسورة - موضع على
ثمانية أميال من مكة . كان ينزله عبد الله بن الزبير. فلما قتله الحجاج أنزله المجذّمين،
وبنواحى مكة موضع آخر يقال له : ياجج . وهو أبعدهما ، بينه وبين مسجد
التنعيم ميلان .
٢٥٧٨ - وعن مروان - وهو ابن الحكم - والمْوَر بن ◌َخْرَمة ((أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال - حين جاءه وَفْدُ هوازن مسلمين - فسألوه أن يَرُدَّ إليهم أموالهم، فقال
لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَعِى مَنْ تَرَوْنَ، وأَحَبُّ الحديث إلىَّ أصدَقُهُ،
يستميله بها إلى الإسلام كان ذلك جائزاً ، وإن كان فى ذلك تقوية له ، فكذلك هذا.
وقد أعطى النبى صلى الله عليه وسلم رجلاً من الكفار غماً بين جبلين .
حدثناه ابن الأعرابى حدثنا عبد الرحمن بن منصور الحارثى حدثنا عبد الرحمن بن يحيى
بن سعيد العذرى عن مالك بن أنس عن أبى الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه،
قال ((جاء رجل من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله شيئاً بين جبلين ،
فكتب له بها، فأسلم ، ثم أتى قومه فقال لهم: أسلموا، فقد جئتكم من عند رجل يعطي عطاء
من لايخاف الفاقة )) .
وفى أخذه فى الغداء المالَ دليلٌ على فساد قول من يقول : إنه يفادى بالرجال ولا يفادى
.بالمال . ويحكى نحو هذا القول عن مالك بن أنس .

-- ٢٧ --
فاختاروا: إما السَّبِىَ، وإما المال. فقالوا: نختارٍ سَبْينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأثنى على الله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء جاءوا تائبين، وإنى قد رأيتُ
أن أردّ إليهم سَبَيَهم، فمن أحبَّ منكم أن يُطَيِّبَ ذلك، فليفعل، ومن أحبَّ منكم أن يكون
على حَظِّه حتى نعطيَه إياه من أول ما يُفِىء الله علينا فليفعل؟ فقال الناس : قد طَّيْنَا لك
يارسول الله ، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نَدْرِى مَنْ أذِنَ مِنْكُمْ مَمَّنْ لَمْ
يأْذَنْ، فارجعوا حتى يرفَعَ إلينا عُرَفَاؤُكم أمركم . فرجع الناسُ ، فكلّمهم عرفاؤهم فأخبروهم
أنهم قد طَيِّبُوا وأذنوا)).
وأخرجه البخارى والنسائى مختصراً ومطولاً .
٢٥٧٩ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - فى هذه القصة - قال: فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (( رُدُّوا عليهم نساءهم وأبناءهم. فمن مَّك بشىء من هذا
الَىْء فإن له به علينا سِتَّ فرائض من أول شىء يُفيئه الله علينا ، ثم دنا - يعنى النبى
صلى الله عليه وسلم - من بعير، فأخذَ وَبَرة من سَنامِهِ ، ثم قال: يا أيها الناس ، إنه ليس لى
٢٥٧٩ - قوله ((من مسّك)) يريد: أمسك، يقال: مسكت بالشىء وأمسكته،
بمعني واحد .
وفيه إضمار، وهو الرد ، كأنه قال : من أصاب شيئاً من هذا الفيء فأمسكه
ثم رده .
وقوله: (( من أول شىء يفيئه الله علينا)) فإنه يريد الخمس الذى جعله الله له
من الفىء، وكان الخمس من الفىء لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، ينفق منه على أهله،
ويجعل الباقى فى مصالح الدين، وسَدِّ حاجة المسلمين، وذلك معنى قوله (( إلا الخمس، والخمس
مردود عليكم)).
وقد استدل بعض أهل العلم بهذا على أن سَهم النبى صلى الله عليه وسلم ساقط بعد موته،
ومردود على شركائه المذكورين معه فى الآية، وكذلك سهم ذى القربى. وإلى هذا ذهب
أصحاب الرأى .

- ٢٨ -
من هذا الفى شىء، ولا هذا - ورفع إصبعيه - إلا أُخْمِ، والمس مَرْدُودٌ عليكم، فأدّوا
الخياط وإِخْيَط، فقام رجل فى يده كُبَّةٌ من شَعَر، فقال: أخذتُ هذه الأصلح بها بَرْذَعةً
لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لك . فقال:
أما إذا بلغتَ ما أرى، فلا أَرَبَ لى فيها، ونبذها)).
وأخرجه النسائى .
باب فى الامام يقيم عند الظهور على العدو بعرضتهم [ ٣: ١٦ ]
٢٥٨٠ - عن أبي طلحة، قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غَلَبَ على قوم أقام
بالْعَرْضَةِ ثلاثاً، قال ابن المثنّى: إذا غلبَ قوماً أحبَّ أن يقيم بعْضَتِهِم ثلاثاً)).
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذى والنسائى .
وابن المثنی : هو محمد بن المثنی شیخ أبى داود .
وقال بعضهم : هو للخليفة بعده ، يصرفه فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه
فیه أيام حياته .
وقال الشافعى: هو موضوع فى كل أمر حُصِّن به الإسلام وأهله: من سَدّ ثغر، وإعداد
كُراع، وسلاح، وما دعا إلى مصلحة فيه .
وفى قوله (( أدوا الخياط والمخيط)) دليل على أن قليل مايغنم وكثيره مقسوم بين من.
شهد الوقعة: ليس لأحد أن يستبد بشيء منه ، وإن قل ، إلا الطعام الذى قد وردت فيه
الرخصة ، وهذا قول الشافعى .
وقال مالك: إذا كان شيئاً خفيفاً فلا أرى به بأساً أن يرتفق به آخذه دون.
أصحابه .

-- ٢٩ -
باب فى التفريق بين السي [٣: ١٦ ]
٢٥٨١ - عن ميمون بن أبى شبيب (١) عن على ((أنه فَرَّق بين جارية وولدها. فنهاه
النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ورَدّ البيع)»
قال أبو داود : ميمون لم يدرك عليّاً .
{قُتِلَ بالجماجم ، والجماجم سنة ثلاثة وثمانين .
قال أبو داود: والحَرَّة سنة ثلاث وستين ، وقتل ابن الزبير سنة ثلاث
وسبعين(٢)] .
وذكر الخطابى : أن إسناده غير متصل ، كما ذكره أبو داود .
قال بعضهم : لم يختلف أهل العلم : أن التفريق بين الولد الصغير وبين والدته غير
جائز، إلا أنهم اختلفوا فى الحد الذى يجوز معه التفريق .
٢٥٨١ - قلت : لم يختلف أهل العلم فى أن التفريق بين الولد الصغير و بين والدته غير جائز،
إلا أنهم اختلفوا فى الحدِّ بين الصغر الذى لا يجوز معه التفريق، وبين الكبر الذى يجوز
معه . فقال أصحاب الرأى : الحد فى ذلك : الاحتلام .
وقال الشافعى: إذا بلغ سبعاً أو ثمانيّاً .
وقال الأوزاعى : إذا استغنى عن أمه فقد خرج من الصغر .
وقال مالك: إذا أثفر(٣).
٢٥٨١ - قال الشيخ شمس الدين رحمه الله: وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال:
« قدم على النبى صلى الله عليه وسلم بسبى، فأمرنى ببيع أخوين ، فبعتهما وفرقت بينهما . ثم
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته. فقال: أدركهما وار تجعهما، وبعهما جميعاً، ولا تفرق
بينهما)) أخرجه الحاكم ، وقال: هو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه . وفى جامع الترمذى من
(١) فى المنذرى ((ابن شبيب)) وهو خطأ .
(٢) الزيادة من السنن . ويقصد بذلك أبو داود أن يقيم الدليل على أن ميمونا لم يدرك
(٣) أتفر الصبى واثغر - بتشديد التاء - أصله: افتعل: نبتت أسنانه: اه من القاموس

- ٣٠ -
قال الإمام أحمد : لا يفرّق بينهما بوجه ، وإن كبر الولد واحتلم .
ويشبه أن يكون المعنى عنده فيه : قطيعة الرحم ، وصلة الرحم واجبة مع الصغر
والكبر. وفى حديث سلمة بن الأكوع - الذى بعد هذا - ما يدل على جواز التفريق
بين الأمة وولدها الكبير.
وقال أحمد : لا يفرق بينهما بوجه ، وإن کبر الولد واحتلم .
قلتَ : ويشبه أن يكون المعنى فى التفريق عند أحمد: قطيعة الرحم . وصلة الرحم
واجبة مع الصغر والكبر .
ولا يجوز عند أصحاب الرأى التفريق بين الأخوين إذا كان أحدهما صغيراً والآخر
کبیراً ، فإن کانا صغیرین جاز.
وأما الشافعى : فإنه يرى التفريق بين المحارم فى البيع . ويجعل المنع فى ذلك مقصوراً
على الولد .
ولا تختلف مذاهب العلماء فى كراهة التفريق بين الجارية وولدها الصغير، سواء كانت
مسبية من بلاد الكفر، أو كان الولد من زنا، أو كان زَوَّجَها أهلها فى الإسلام
فجاءت بولد .
ولا أعلمهم يختلفون فى أنَّ التفرقة بينهما فى العتق جائزة . وذلك أن العتق لا يمنع من
الحضانة كما يمنع منها البيع، والرهن فى ذلك بمعنى البيع .
واختلفوا فى البيع إذا وقع على التفريق: فقال أبو حنيفة: هو ماض، وإن
كرهناه .
حديث أبى أيوب الأنصارى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من فرق بين
الجارية وولدها ، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)) قال الترمذى: حسن غريب.
وأخرجه الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجه، ولیس کما قاله . فإن فى إسناده حسين
بن عبد اللّه، ولم يخرج له فى الصحيحين. وقال أحمد: فى حديثه مناكير. وقال البخارى :
فيه نظر. ولفظ الترمذى فيه ((من فرق بين والدة وولدها)).

- ٣١ -
باب الرخصة فى المدركين يفرق بينهم [٣: ١٧ ]
٢٥٨٢ - عن إياس بن سلمة، قال: حدثنى أبي، قال ((خرجنا مع أبى بكر، وأمَّرَه علينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغزونا فَزارة ، فَشَنَّا الغارة، ثم نظرتُ إلى عُقٍ من الناس
فيه الذُّرية والنساء، فرميت بسهم ، فوقع بينهم وبين الجبل، فقاموا، جئتُ بهم إلى أبى
بكر، فيهم امرأة من فزارة، عليها قِشْع (١) من أدَمٍ، معها بنت لها من أحسن العرب،
فتفلنى أبو بكر ابنتها، فقدمتُ المدينة . فلقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى : ياسلمة
هب لى المرأة. فقلت : والله لقد أعجَبَتْنِ، وما كشفت لها ثوبا، فسكت، حتى إذا كان من
وغالب مذهب الشافعى : أن البيع مردود .
وقال أبو يوسف : البيع مردود .
واحتجوا بخبر على رضى الله عنه هذا، إلا أن إسناده غير متصل، كما ذكره.
أبو داود .
٢٥٨٢ - قوله ((عنق من الناس)) يريد جماعة منهم. ومن هذا قوله تعالى (٢٦: ٤ فظلت
أعناقهم لها خاضعين) أى جماعاتهم. ولو كان المراد به الرقاب لقيل ((خاضعات))
والله أعلم .
(( والقِشْع)) الخِلْد، وفيه لغتان، يقال: فَشْع، وقِشْع. ومنه قولك: قشعت الشىء
إذا أخذتَ قشره. والقُشَاعة: ما أخذته من جلدة وجه الأرض .
وفى قوله ((نغلنى أبو بكر ابنتها )) دليل على أن النفل قبل الخمس .
٢٥٨٢ - قال ابن القيم رحمه الله: وفى صحيح الحاكم من حديث عبادة بن الصامت قال ((نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرق بين الأم وولدها، فقيل: يا رسول الله، إلى متى ؟
قال: حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية)) وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
(١) القشع - مثلث القاف - الفرو الخلق.

- ٣٢ -
الغد لقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السوق. فقال: ياسلمة، هَبْ لى المرأة ، لله
أبوك . فقلت : يا رسول الله، والله ما كشفت لها [ثوباً] وهى لك، فبعث بها إلى أهل
مكة وفى أيديهم أسري . فنداهم بتلك المرأة )) .
وأخرجه مسلم .
باب المال يصيبه العدو من المسلمين، ثم يدركه صاحبه فى الغنيمة [٣: ١٧ ]
٢٥٨٣ - عن ابن عمر (( أن غلاما لابن عمر أبَقَ إلى العدو. فظهر عليه المسلمون، فردّه
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمر ، ولم يقسم )).
٢٥٨٤ - وعنه قال «ذهب فرسٌ له، فأخذها العدو، فظهر عليهم المسلمون ، فرُدَّ عليه فى
وفيه دليل: على جواز التفريق بين الأم وولدها الكبير، خلاف ما ذهب إليه أحمد
بن حنبل .
وفى قوله (( ما كشفت لها ثوباً)» وسكوت النبى صلى الله عليه وسلم وتركه الإنكار
عليه : دليل على أنهم كانوا يستبيحون إذ ذاك وطء الوثنيات . وذلك قبل نزوله من
الحديبية . ولولا إقامة هذه الجارية على كفرها لما ردت إلى أهل مكة، وهم كفار إذ ذاك.
٢٥٨٣ - قلت: فى هذا دليل على أن المشركين لا يُحرزون على مسلم مالاً بوجه ، وأن
المسلمين إذا استنقذوا من أيديهم شيئاً كان للمسلم ، وكان عليهم رده عليه، ولا
يغنمونه .
واختلفوا فى هذا: فقال الشافعى: صاحب الشىء أحق به ، قسم أو لم يقسم .
وقال الأوزاعى والتوری : إن أدر كه صاحبه قبل أن يقسم فهو له، وإن لم يدركه حتى
قسم كان أحق به، وكذلك قال أبو حنيفة، إلا أنه فرق بين المال يغلب عليه العدؤُّ وبين
العبد يأبق، فيأسره العدو: فقال فى المال مثل قول الأوزاعى، وقال فى العبد مثل
قول الشافعى .

- ٣٣ -
زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبِقَ عبدٌله ، فلحِقَ بأرض الروم ، فظهر عليهم
المسلمون فردَّه عليهم خالد بن الوليد ، بعد النبى صلى الله عليه وسلم ))
وأخرجه البخارى وابن ماجة.
باب فى عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون [٣: ١٧ ]
٢٥٨٥ - عن على بن أبى طالب قال ((خرج عِبِدَانٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
- يعنى يوم الحديبية - قبل الصلح . فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يامحمد ، والله ما خرجوا
إليك رغبةً فى دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرقِّ. فقال ناس: صدقوا يارسول الله، رُدِّمُ
إليهم ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: ما أراكم تنتهون يامعشر قريش،
حتى يبعث الله عليكم من يضربُ رقابكم على هذا، وأبى أن يردهم. وقال: هم عتقاء
الله عز وجل )).
وأخرجه الترمذى أتم منه . وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من
هذا الوجه، من حديث رِبْعِىٌّ بن خراش عن عليّ .
وقال أبو بكر البزار: ولا نعلمه يروى عن على إلا من حديث ربعى عنه .
٢٥٨٥ - قلت: هذا أصل فى أن من خرج من دار الكفر مسلماً، وليس لأحد عليه يد
قدرة ، فإنه حٌُّ. وإنما يعتبر أمره بوقت الخروج منها إلى دار الإسلام.
فأما الحالة المتقدمة : فلا عبرة بها ، وحكمها مهدوم بما تجدد له من الملكة فى الاسلام،
فلو أن رجلا من الكفار خرج إلينا وفى يده عبد له ، فأسلما جميعاً، قبل أن يقدر عليهما
كان الحر منهما حراً، والعبد عبداً، وملك السيد: مستقر عليه كما كان .
فلو أن العبد غَلَب على سيده فى دار الحرب ثم خرجا إلينا مسلمين، ويد العبد ثابتة
على السيد، كان السيد مملوكاً. والمملوك مالكاً. وعلى هذا القياس .
٣٢ - مختصر السنن - ج ٤

- ٣٤ -
باب فى إباحة الطعام فى أرض العدو [٣: ١٨ ]
٢٥٨٦ - عن ابن عمر ((أن جيشاً غنموا فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً
وعَسَلاً . فلم يؤخذ منهم الخمسُ)).
٢٥٨٧ - وعن عبد الله بن مُغَفَّل قال (( دُلّىَ جِراب من شَحْم يوم خيبر. قال: فأتيته
فالتزمته ، ثم قلت: لا أعطي من هذا أحداً اليوم شيئاً. قال : فالتفتُّ، فإذا رسول الله
صلى الله عليه وسلم يتبَّم إلىَّ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
باب فى النهى عن النّهى إذا كان فى الطعام قلّة فى أرض العدو [٣: ١٨]
٢٥٨٨ - عن أبى ◌َبيد - واسمه لمازَة بن زَّار - قال ((كنا مع عبد الرحمن بن سَمرة بكابل
٢٥٨٦ - قلت: لا أعلم خلافاً بين الفقهاء فى أن الطعام لا يخمس فى جملة مايخمس من الغنيمة ،
وأن لواجده أكله ، ما دام الطعام في حَدِّ القِلّة، وعلى قدر الحاجة . ومادام صاحبه مقيما فى
دار الحرب . وهو مخصوص من عموم الآية ببيان النبى صلى الله عليه وسلم، كما خص منها
السلب وسهم النبى صلى الله عليه وسلم والصَّفِيَّ
ورخص أكثر العلماء فى علف الدواب ، ورأوه فى معنى الطعام . للحاجة إليه .
وقال الشافعى: فإن أ كل فوق الحاجة أدَّى ثمنه فى المغنم، وكذلك إن شرب شيئاً
من الأشربة والأدوية التى لا تجرى مجرى الأقوات؛ أو أطعم صُقُوره أو بُزانه لحماً منه :
أدى قيمته فى المغنم ، وإنما يحل له قدر الحاجة حسب. وليست يده على الطعام فى دار الحرب
يَدَ ملك حقيقة. وإنما له يد الارتفاق والانتفاع به قدر الحاجة . وهذا على أحد قولى.
. الشافعى .
٢٥٨٨ - قلت (( النهى)) اسم مبنى على فُعْلَى: من النهب، كالرُّغْبَى من الرّغبة.
وإنما نهى عن النهب ، لأن الناهب إنما يأخذ ما يأخذه على قدر قوته ، لا على قدر
استحقاقه، فيؤدى ذلك إلى أن يأخذ بعضهم فوق حظه ، وأن يُبخس بعضهم حقه .

- ٣٥ -
فأصاب الناسُ غُنيمة فانتبهوها ، فقام خطيباً ، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ينهَى عن النُّهَْى. فردُّوا ما أخذوا. فقسمه بينهم)).
لبيد: بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها دال مهملة.
ولمازَة : بضم اللام وفتح الميم ، وبعد الألف زاى مفتوحة ، وتاء تأنيث. وزبار:
بفتح الزاى وتشديد الياء الموحدة وفتحها ، وبعد الألف راء مهملة . وبالخفض.
٢٥٨٩ - وعن محمد بن أبى مجالد عن عبد الله بن أبى أَوْنَى قال: ((قلت : هل تخمِسون
- يعنى الطعام - فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبنا ظعاماً يوم خيبر ،
فكان الرجل يجىء، فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف )).
٢٥٩٠ - وعن رجل من الأنصار قال (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
سفرٍ فأصاب الناس حاجة شديدة وجَهْد، وأصابوا غنماً، فانتهبوها ، فإنَّ قدرونا لتغْلِي إذا
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى على قوسه، فأكفأ قدورنا بقوسه ، ثم جعل
يُرَمِّل اللحم بالتراب، ثم قال: إن النَّهْبَة ليست بأحلَّ من الميتة ، أو إن الميتة ليست بأحل
من النهبة )) الشك من هَنّاد، وهو ابن السَّرِىِّ.
باب فى حمل الطعام من أرض العدو [ ٣: ١٩]
٢٥٩١ - عن القاسم - مولى عبد الرحمن - عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وإنما لهم سهام معلومة : للفارس سهمان ، وللراجل سهم ، فإذا انتهبوا الغنيمة بطلت القسمة
وعدمت التسوية .
٢٥٩١ - واختلفوا فيما يخرج به المرء من الطعام من دار الحرب .
فقال سفيان: يرد ما أخذ منه إلى الإمام، وكذا قال أبو حنيفة. وهو أحد قولى الشافعى
وقال فى موضع آخر: له أن يحمله . لأنه إذا ملكه فى دار الحرب فقد صار له ،
فلا معنى لمنعه من الخروج به .
وإلى هذا ذهب الأوزاعى، إلا أنه قال: لا يجوز له أن يبيعه . إنما له الأكل فقط .
فإن باعه وضع ثمنه فى مغانم المسلمين .

- ٣٦ -
قال ((كنا نأكل الجزر فى الغزو، ولا نقسمه، حتى إنْ كُنَّا لنرجع إلى رحالنا ، وأخْرِ جُتنا
منه مُلأَةٌ)) .
القاسم تكلم فيه غير واحد .
باب فى بيع الطعام إذا فضل عن الناس فى أرض العدو [ ٣ : ١٩]
٢٥٩٢ - عن عبد الرحمن بن غَم قال (( رابطنا مدينة قِنَّسْرِين مع شُرَحبيل بن السَّيْطِ،
فلما فتحها أصاب فيها غَماً وبقراً ، فقسم فينا طائفة منها ، وجعل بقيتها فى المغنم ، فلقيت
معاذ بن جبل ، حدَّثته، فقال معاذ: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر،
فأصبنا فيها غنماً ، فقسم فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة ، وجعل بقيتها
فى المغنم )) .
قوله ((قسم فينا طائفة)) أى قدر الحاجة للطعام. وقسم البقية بينهم على السهام،
والأصل : أن الغنيمة تُخَمَّس والباقى مقسوم، إلا أن الضرورة لما أباحت الطعام للجيش
والعلف لدوابهم صار قدر الكفاية منها مستثنَى ببيان النبى صلى الله عليه وسلم . وما زاد
على ذلك مردود إلى المغنم، لا يجوز بيعه لآخذه ، والاستثمار بثمنه .
وكان مالك بن أنس يرخص فى القليل منه ، كاللحم والخبز ونحوها . قال : لا بأس أن
يأكله فى أهله . وكذلك قال أحمد .
٢٥٩٢ - قوله ((قسم فينا طائفة)) أى قدر الحاجة للطعام، وقسم البقية بينهم على السهام .
والأصل: أن الغنيمة مخموسة ، ثم الباقى بعد ذلك مقسوم ، إلا أن الضرورة لما دعت
إلى إباحة الطعام للجيش ، والعلف لدوابهم ، صار قدر الكفاية منها مستثنى، ببيان النبى
صلى الله عليه وسلم وما زاد على ذلك مردود إلى المغنم . لا يجوز بيعه لآخذه والاستئثار
بثمنه .

- ٣٧ -
باب فى الرجل ينتفع من الغنيمة بالشىء [٣: ١٩ ]
٢٥٩٣ - عن رُويفع بن ثابت الأنصارى: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركبْ دابة من فَىء المسلمين، حتى إذا أعْجَفها ردها فيه . ومن
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين، حتى إذا أخْلَقَهَ رده فيه)).
فى إسناده محمد بن إسحق . وقد تقدم الكلام عليه .
باب الرخصة فى السلاح يقاتل به فى المعركة [٣: ٢٠ ]
٢٥٩٤ - عن أبى عبيدة - وهو ابن عبد الله بن مسعود - عن أبيه قال ((مررت ، فإذا
أبو جهل صريع ، قد ضربت رجله ، فقلت : يا عدو الله ، يا أبا جهل ، قد أخزى الله
٢٥٩٣ - قلت: أما فى حال الضرورة وقيام الحرب. فلا أعلم بين أهل العلم اختلافاً فى
جواز استعمال سلاح العدو ودوابهم ، فأما إذا انقضت الحرب : فإن الواجب ردها
فى المغنم .
فأما الثياب والْرْفِىّ (١) والأدوات: فلا يجوز أن يستعمل شىء منها إلا أن يقول قائل :
الثياب: إنه إذا احتاج إلى شىء منها حاجة ضرورة كان له أن يستعمله ، مثل أن يشتد البرد
فيستدفىء بثوب ، ويتقوى به على المقام فى بلاد العدو مَرْصداً لقتالهم .
وسئل الأوزاعى عن ذلك ؟ فقال : لا يلبس الثوب للبرد ، إلا أن يخاف الموت .
٢٥٩٤ - قوله ((أبعد من رجل)) هكذا رواه أبو داود. وهو غلط، إنما هو ((أعمد من
رجل)) بالميم بعد العين. وهى كلمة العرب، معناها : كأنه يقول : هل زاد على رجل قتله قومه،
يُهَوِّن على نفسه ما حَلَّ به من الهلاك. حكاها أبو عبيد عن أبى عبيدة معمر بن المثنى.
وأنشد لابن ميّادة :
وأعمد من قوم كفاهم أخوه صِدَام الأعادى ، حين قلتُ: ينوبها
يقول : هل زادنا على أن كفانا إخواننا ؟
(١) خرفى المناع : أثاث البيت ومتاعه المستعمل فيه لحاجة أهل البيت ، كالقدور وأشباهها

- ٣٨ -
الأخِرِ، قال : ولا أهابه عند ذلكُ. فقال: أبعدُ من رجل قتله قومه؟ فضربته بسيفٍ
غير طائل ، فلم يُغْن شيئاً، حتى سقط سيفه من يده، فضربته حتى بَرَد)).
١
وأخرجه النسائي مختصراً. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه .
باب فى تعظيم الغلول [٣: ٢٠ ] .
٢٥٩٥ - عن زيد بن خالد الجهنى (( أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تُوُفِّى
يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صلوا على صاحبكم ، فتغيّت
وجوه الناس لذلك. فقال: إن صاحبكم غَلَّ في سبيل الله. ففَتَّشْنا متاعه، فوجدنا خَرَزاً
من خرز يهود ، لا تساوى درهمين ».
وأخرجه ابن ماجة .
٢٥٩٦ - عن أبي هريرة: أنه قال « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر،
فلم نَْنَ ذهبا ولا وَرِقاً، إلا الثيابَ والمتاع، والأموال. قال: فوجَّه رسول الله صلى الله
عليه وسلم نحو وادى القُرَى - وقد أُهدىَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبد أسود ،
يقال له: مِدْعَم - حتى إذا كانوا بوادى القُرَى، فبينا مِدْعمٍ يَحُطَّ رَحْل رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم : إذ جاءه سهم فقتله ، فقال الناس : هنيئاً له الجنة . فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: كلا ، والذى نفسى بيده إن الشَّعْلة التى أخذها يوم خيبر من المغانم لم تُحِبْها
المقاسم لتَشْتَعِل عليه ناراً . فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشِراكٍ ، أو شرا كين، إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شِراك من نار، أو قال : شراكان
من نار)» .
وقوله ((برد )) يريد مات. وأصل الكلمة من الثبوت . يريد سكون الموت ، وعدم
حركة الحياة، ومن ذلك قولهم: بَرَدَ لى على فلان حق ، أى ثبت .
وقوله ( غير طائل )) أى غير ماض ، وأصل الطائل: النفع والعائدة ، يقال: أتيت
فلاناً فلم أر عنده طائلاً .
وفيه أنه قد استعمل سلاحه فى قتله ، وانتفع به قبل القسم .