النص المفهرس

صفحات 281-300

- ٢٨١ -
ابن عباس (( أن امرأة سألت)) ورواه عكرمة عن ابن عباس . ثم رواه بريدة بن حصيب
عن النبى صلى الله عليه وسلم. فالأشبه أن تكون هذه القصة التى وقع فيها السؤال نصاً غير قصة.
سعد بن عبادة التى وقع السؤال فيها عن النذر مطلقاً ، كيف؟ وقد روى عن عائشة عن النبى
صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح : النص على جواز الصوم عن الميت ، قال : وقد رأيت بعض
أصحابنا يضعف حديث ابن عباس، لما روى عن يزيد بن زريع عن حجاج الأحول عن أيوب
بن موسى عن عطاء عن ابن عباس أنه قال (( لا يصوم أحد عن أحد ، ويطعم عنه)) وماروى
عنه فى الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان ، وصيام شهر النذر. وضعف حديث عائشة
بما روى عنها فى امرأة ماتت وعليها الصوم. قالت ((يطعم عنها)) وفى رواية عنها ((لا تصوموا
عن موتاكم، وأطعموا عنهم)) قال: وليس فيما ذكروا ما يوجد للحديث ضعفاً. ثمن يجوز
الصيام عن الميت يجوز الإطعام عنه .
وفيما روى عنها فى النهى عن الصوم عن الميت نظر ، والأحاديث المرفوعة أصح إسناداً ،
وأشهر رجالا. وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعى على جميع طرقها
وتظاهرها ، لم يخالفها إن شاء الله .
وممن رأى جواز الصيام عن الميت : طاوس والحسن البصرى والزهرى وقتادة . آخر
كلام البيهقى .
وقد اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال :
أحدها : لا يقضى عنه بحال ، لا فى النذر ولا فى الواجب الأصلي . وهذا ظاهر مذهب
الشافعى ، ومذهب مالك وأبى حنيفة وأصحابه .
الثانى: أنه يصام عنه فيهما . وهذا قول أبى ثور، وأحد قولى الشافعى .
الثالث : يصام عنه النذر دون الفرض الأصلى. وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه ، وقوله
أبى عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن ابن عباس. روى الأثرم عنه أنه « سئل عن
رجل مات وعليه نذر صوم شهر ، وعليه صوم رمضان ؟ قال : أما رمضان فليطعم عنه ، وأما
النذر فيصام )) وهذا أعدل الأقوال . وعليه يدل كلام الصحابة ، وبهذا يزول الإشكال .
وتعليل حديث ابن عباس أنه قال: (( لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه)) ، فإن هذا
إنما هو فى الفرض الأصلى ، وأما النذر فيصام عنه ، كما صرح به ابن عباس ، ولا معارضة بين
فتواه وروايته . وهذا هو المروى عنه فى قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر ،
فرق بينهما ، فأفتى بالإطعام فى رمضان ، وبالصوم عنه فى النذر ، فأى شىء فى هذا مما يوجب
تعليل حديثه ؟ وما روى عن عائشة من إفتائها فى التى ماتت وعليها الصوم : أنه يطعم

- ٢٨٢ -
باب الصوم فى السفر [٢: ٢٩٠ ]
٢٢٩٥ - عن عائشة ((أن حمزة الأسلمىَّ سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله
٢٢٩٥ - قلت : هذا نص فى إثبات الخيار للمسافر بين الصوم والإفطار.
وفيه بيان جواز صوم الفرض للمسافر إذا صامه ، وهو قول عامة أهل العلم ، إلا ماروى
عن ابن عمر أنه قال ((إن صام فى السفر قضى فى الحضر)) وقد روى عن ابن عباس أنه قال
((لا يجزئه)) وذهب إلى هذا من المتأخرين داود بن على.
عنها، إنما هو فى الفرض لا فى النذر، لأن الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان
(( أنه يطعم عنه فى قضاء رمضان ، ولا يصام )) ، فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء،
فلا تعارض بين رأيها وروايتها . وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب ، وموافقة فتاوي
الصحابة لها ، وهو مقتضى الدليل والقياس ، لأن النذر ليس واجباً بأصل الشرع ، وإنما
أوجبه العبد على نفسه ، فصار بمنزلة الدين الذى استدانه ، ولهذا شبهه النبى صلى الله عليه وسلم
بالدين فى حديث ابن عباس . والمسئول عنه فيه : أنه كان صوم نذر ، والدين تدخله النيابة .
وأما الصوم الذى فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام . فلا يدخله النيابة بحال ،
كما لا يدخل الصلاة والشهادتين . فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه ، وقيامه بحق العبودية
التى خلق لها وأمر بها . وهذا أمر لا يؤديه عنه غيره، كما لا يسلم عنه غيره ، ولا يصلى عنه
غيره . وهكذا من ترك الحج عمداً مع القدرة عليه حتى مات ، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى
مات . فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع : أن فعلهما عنه بعد الموت لا يبرى، ذمته . ولا يقبل
منه . والحق أحق أن يتبع .
وسر الفرق: أن النذر التزام المكلف لما شغل به ذمته ، لا أن الشارع ألزمه به إبتداء ، فهو
أخف حكما مما جعله الشارع حقاً له عليه، شاء أم أبى ، والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه .
ولهذا تقبل أن يشغلها المكلف بما لا قدرة له عليه ، بخلاف واجبات الشرع . فإنها على قدر
طاقة البدن، لا تجب على عاجز. فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلى، لأن المكلف
متمكن من إيجاب واجبات كثيرة على نفسه لم يوجبها عليه الشارع ، والذمة واسعة ، وطريق أداء
واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشرع . فلا يلزم من دخول النيابة فى واجبها بعد الموت
دخولها فى واجب الشرع. وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق ، وأعمقهم علماً، وأعرفهم بأسرار
الشرع ومقاصده وحكمه . وبالله التوفيق.

- ٢٨٣ -
إني رجل أَسْرَدُ الصَّوْمَ ، أفأصوم فى السفر؟ قال: صُمْ إن شئت، وأفطر إن شئت)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة .
٢٢٩٦ - وعن حمزة بن محمد بن حمزة الأسلمى عن أبيه عن جده قال: ((قلت: يارسول الله
إنى صاحب ظَهر أعالجه: أسافر عليه، وأكريه ، وإنه ربما صادفنى هذا الشهر - يعنى
رمضان - وأنا أجد القوة، وأنا شاب، فأجد أن أصوم يارسول الله أهْونُ عَلَىَّ من أن
أُؤَخَّره فَيَكونَ ديناً ، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجرى ، أو أفطر؟ قال : أى ذلك
شئت يا حمزة )) .
وأخرجه مسلم والنائى من حديث أبى مراوح عن حمزة بن عمرو بنحوه .
٢٢٩٧ - وعن ابن عباس قال: ((خرج النبى صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى
بلغ عُسْفَان ، ثم دعا بإناء، فرفعه إلى فيه ، ليريه الناس ، وذلك فى رمضان ، فكان ابن
عباس يقول : قد صام النبى صلى الله عليه وسلم وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي .
عسفان - بضم العين وسكون السين المهملتين . وبعد السين فاء وألف ونون -
قرية جامعه بها منبر، على ستة وثلاثين ميلا من مكة سميت عسفان : لتعسف السيول فيها .
ثم اختلف أهل العلم بعد هذا فى أفضل الأمرين منهما .
فقالت طائفة: أفضل الأمرين : الفطر، وإليه ذهب ابن المسيب والشعبى والأوزاعى ،
وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهوية. وقال أنس بن مالك وعثمان بن أبى العاص : أفضل
الأمرين: الصوم فى السفر ، وبه قال النخعى ، وسعيد بن جبير. وهو قول مالك ، والثورى
والشافعى ، وأصحاب الرأى .
وقالت فرقة ثالثة: أفضل الأمرين: أيسرهما على المرء، لقوله عز وجل (٢: ١٨٥
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فإن كان الصوم عليه أيسر صامه ، وإن كان الفطر
أيسر فليفطر . وإليه ذهب مجاهد ، وعمر بن عبد العزيز ، وقتادة .
:

- ٢٨٤ -
٢٢٩٨ - وعن أنس، قال: « سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رمضان ، فصام
بَعْضُفَا وأفطر بعضنا، فلم يَعِبَ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)).
وأخرجه البخارى ومسلم .
٢٢٩٩ - وعن قَزَعَةَ - وهو ابن يحيى - قال (( أتيت أبا سعيد الخدرى، وهو يفتى
الناس، وهم مُكِتُّون عليه ، فانتظرت خَلْوَتِهُ ، فلما خلا سألته عن صيام رمضان في السفر؟
فقال: خرجْنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى رمضان ، عام الفتح، فكان رسول الله.
صلى الله عليه وسلم يصوم، حتى بلغ منزلاً من المنازل، فقال: إنكم قد دنوتم من عَدُوّكم،
والفطر أقوى لكم. فأصبحنا منا الصائم ، ومنا المفطر، قال: ثم سرنا فنزلنا منزلاً ، فقال :
إنكم تُصَبِّحُونُ عدوكم ، والفطر أقوى لكم، فأفطروا . فكانت عزيمةً من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قال أبو سعيد: ثم لقد رأيتُنى أصوم مع النبى صلى الله عليه وسلم
قبل ذلك وبعد ذلك )).
وأخرجه مسلم .
باب اختيار الفطر [٢: ٢٩١]
٢٣٠٠ - عن جابر بن عبد الله: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى رجلاً
يُظَلَّلُ عليه ، والزحام عليه . فقال: ليس من البِرّ الصيامُ فى السفر)).
٢٢٩٩ - قلت : وزعم بعض أهل العلم أنه إذا أنشأ السفر ، فى رمضان ، لم يجز له أن يفطر
واحتج بقوله تعالى (٢: ١٨٥ فمن شهد منكم الشهر فليصمه).
وفى هذا الحديث دلالة على غلط هذا القائل، ومعنى الآية : شهود الشهر كله . ومن
شهد بعضه ولم یشهد کله . فإنه لم يشهد الشهر.
٢٣٠٠ - قلت : هذا كلام خرج على سبب. فهو مقصور على من كان فى مثل حاله . كأنه
٢٣٠٠ - قال الشيخ شمس الدين: وقد احتج به من يوجب الفطر فى السفر.
واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكانوا
يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .

- ٢٨٥ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى ، فإن قال من يميل إلى قول أهل الظاهر : بأن
هذا يدل على أن صوم رمضان فى السفر لا يجزىء. قيل له : هذا الحديث خرج لفظه على
شخص معين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظلل عليه ، كما ذكر ههنا . وفى
رواية: ((فأجهده الصوم)) فقال هذا القول، أى ليس البرأن يبلغ الإنسان من نفسه ذلك .
قال : ليس من البرأن يصوم المسافر، إذ كان الصوم يؤديه إلى مثل هذه الحال . بدليل
صيام النبى صلى الله عليه وسلم فى سفره عام الفتح . وبدليل خبز حمزة الأسلمى ، وتخبيره بين
بين الصوم والإفطار، ولو لم يكن الصوم براً لم يخيره فيه . والله أعلم.
. واحتجوا أيضاً بحديث دحية بن خليفة الكلى (( أنه لما سافر من قريته فى رمضان ،
.وذلك ثلاثة أميال أفطر، فأفطر معه الناس ، وكره ذلك آخرون ، فلما رجع إلى قريته قال :
.والله لقد رأيت أمراً ما كنت أظن أنى أراه ، إن قوماً رغبوا عن هدى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه ، يقول ذلك للذين صاموا . ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضنى إليك)).
رواه أبو داود وغيره .
واحتجوا أيضاً بأن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بقبول رخصة الفطر . فروى النسائى من
حديث جابر، يرفعه ((ليس من البر أن تصوموا فى السفر، وعليكم برخصة اللّه التى رخص لكم
فاقبلوها » .
واحتجوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم فى الذين صاموا ((أولئك العصاة)) رواه النسائي
فى قصة فطره عام الفتح .
واحتجوا أيضاً بقول عبد الرحمن بن عوف ((الصائم فى السفر كالمفطر فى الحضر)).
رواه النسائى . ولا يصح رفعه ، وإنما هو موقوف .
واحتجوا أيضاً بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام أخر ، فهى فرضه الذى أمر
به ، فلا يجوز غيره . وحكى ذلك عن غير واحد من الصحابة .
. وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم. فى السفر على الإطلاق،
وقد أخبر أبو سعيد « أنه صام مع النبى صلى الله عليه وسلم بعد الفتح فى السفر)).
قالوا: وأما قوله (( ليس من البر الصيام فى السفر))، فهذا خرج على شخص معين ، رآه
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظلل عليه، وجهده الصوم، فقال هذا القول ، أى ليس البر

- ٢٨٦ -
والله قد رخّص له فى الفطر. ويدل على صحة هذا التأويل: صوم رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى السفر ، ولو كان الصوم فى السفر إنما لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد
الناس منه: ويحتمل قوله: صلى الله عليه وسلم (( ليس البر)) أى ليس هو أبُّ البر. لأنه
أن يجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ بها هذا المبلغ، وقد فسح الله له فى الفطر. فالأخذ إنما يكون
بعموم اللفظ الذى يدل سياق الكلام على إرادته ، فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار
إليه فى السفر .
وأيضاً فقوله: (( ليس من البر)»، أى ليس هو أبر البر، لأنه قد يكون الإفطار أبر منه
إذا كان فى حج أو جهاد يتقوى عليه . وقد يكون الفطر فى السفر المباح براً ، لأن الله تعالى
أباحه ورخص فيه، وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برخصه، وما يحبه الله فهو بر ، فلم ينحصر
البر فى الصيام فى السفر. وتكون ((من)) على هذا زائدة، ويكون كقوله تعالى (٢ : ١٧٧
ليس البر أن تولوا وجوهكم - الآية) وكقولك: ما جاءنى من أحد، وفى هذا نظر. وأحسن
منه أن يقال: إنها ليست بزائدة ، بل هى على حالها . والمعنى : أن الصوم فى السفر ليس من
البر الذى تظنونه وتتنافسون عليه . فإنهم ظنوا أن الصوم هو الذى يحبه الله ولا يحب سواه ،
وأنه وحده البر الذى لا أبر منه ، فأخبرهم أن الصوم فى السفر ليس من هذا النوع الذى
تظنونه، فإنه قد يكون الفطر أحب إلى الله منه، فيكون هو البر .
قالوا : وأماكون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالمراد به
واقعة معينة ، وهى غزاة الفتح ، فإنه صام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر ، فكان فطره آخر
أمريه ، لا أنه حرم الصوم، ونظير هذا قول جابر: ((كان آخر الأمرين من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار)) إنما هو فى واقعة معينة، دعى لطعام فأ كل منه،
ثم توضأ وقام إلى الصلاة، ثم أكل منه وضلى ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين منه: ترك الوضوء
مما مست النار. وجابر هو الذى روى هذا وهذا ، فاختصر، بعض الرواة، واقتصر منه على
آخره. ولم يذكر جابر لفظاً عن الني صلى الله عليه وسلم: إن هذا آخر الأمرين منى، وكذلك
قصة الصيام، وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا وهذا، وآخرهما منه الفطر، وترك الوضوء،
وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها .
وأما قصة دحية بن خليفة الكلى ، فإنما أنكر فيها على من صام رغبة عن سنة النبي صلى
الله عليه وسلم ، وظنا أنه لا يسوغ الفطر. ولاريب أن مثل هذا قد ارتكب منكراً، وهو
عام بصومه . والذين أمرهم الصحابة بالقضاء وأخبروا أن صومهم لا يجزيهم هم هؤلاء، فإنهم،
٠

- ٢٨٧ -
قد يكون الإفطار أبرَّ منه إذا كان فى حج أو جهاد. ليتقوَّى عليه. وقد يكون الفطر
فى السفر المباح برا. لأن الله تبارك وتعالى أباحه .: وقوله: (( ليس من البر)) هو كقوله:
صاموا صوماً لم يشرعه الله، وهو أنهم ظنوا أنه حتم عليهم كالمقيم . ولا ريب أن هذا حكم ﴾
يشرعه الله، فلم يمتثلوا ما أمروا به من الصوم ، فأمرهم الصحابة بالقضاء.
هذا أحسن ما حمل عليه قول من أفتى بذلك من الصحابة ، وعليه يحمل قول من قال
منهم ((الصائم فى السفر كالمفطر فى الحضر)) وهذا من كمال فقههم، ودقة نظرهم رضى الله عنهم.
قالوا: وأما قول النبى صلى الله عليه وسلم ((عليكم برخصة اللّه التى رخص لكم فاقبلوها))
فهذا يدل على أن قبول المكلف لرخصة اللّه واجب، وهذا حق، فإنه متى لم يقبل الرخضة
ردها ولم يرها رخصة، وهذا عدوان منه ومعصية ، ولكن إذا قبلها ، فإن شاء أخذ بها ، وإن
شاء أخذ بالعزيمة . هذا مع أن سياق الحديث يدل على أن الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم
وخاف على نفسه، ومثل هذا يؤمر بالفطر. فعن جابر (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر
برجل فى ظل شجرة يرش عليه الماء . قال: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا : يا رسول الله صلم.
قال: إنه ليس من البر أن تصوموا فى السفر ، وعليكم برخصة الله التى رخص لكم فاقبلوها »
رواه النسائي .
قالوا: وأما قول النبى صلى الله عليه وسلم ((أولئك العصاة)) فذاك فى واقعة معينة، أراد
منهم الفطر خالفه بعضهم، فقال هذا . ففى النسائى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال
(( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح فى رمضان ، فصام حتى بلغ كراع
الغميم ، فصام الناس معه ، فبلغه أن الناس شق عليهم الصيام ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر
فشرب ، والناس ينظرون ، فأفطر بعض الناس وصام بعض . فبلغه أن ناساً صاموا . فقال :
أولئك العصاة )) فالنبى صلى الله عليه وسلم إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به، فلما لم يقتد به بعضهم
قال ((أولئك العصاة))، ولم يرد بذلك تحريم الصيام مطلقاً على المسافر. والدليل عليه :
ما روى النسائى أيضاً عن أبى هريرة قال: (( أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران،
فقال لأبى بكر وعمر : ادنيا، فكلا . فقالا: إنا صائمان . فقال: ارحلوا لصاحبكم ، اعملوا
لصاحبكم ))، وأعله بالإِرسال. ومر الظهران: أدنى إلى مكة من كراع الغميم، فإن كراع
الغميم بين يدى عسفان بنحو ثمانية أميال، وبين مكة وعسفان ستة وثلاثون ميلا.
قالوا : وأما احتجاجكم بالآية ، وأن الله أمر المسافر بعدة من أيام أخر ، فهى فرضه الذى
لا يجوز عيره، فاستدلال باطل قطعاً. فإن الذى أنزلت عليه هذه الآية، وهو أعلم الخلق
بمعناها والمرادمنها ، قد صام بعد نزولها بأعوام فى السفر، ومحال أن يكون المراد منها ماذكرتم،
....

- ٢٨٨ -
( ليس البر). و((من)) قد تكون زائدة. كقولهم: ماجاءنى من أحد . وأبى ذلك
سيبويه. ورأى أن: ((من)) فى قوله: ماجاءنى من أحد. تأ كيداً للاستغراق وعموم النفى.
٢٣٠١ - وعن أنس بن مالك. رجل من بنى عبد الله بن كعب، إخوة بنى قُشَير- قال:
((أغارت خيلٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتبيت، فانطلقت، إلى رسول الله
٢٣٠١ - قلت: قد يجمع نظم الكلام أشياء ذات عدد، منسوقة في الذكر ، مفترقة فى الحكم
وذلك أن الشَّطر الموضوع من الصلاة يسقط لا إلى قضاء، والصوم يسقط فى السفر ترخيصاً
بـ
٠
ولا يعتقده مسلم ، فعلم أن المراد بها غير ما ذكرتم. فإما أن يكون المعنى: فأفطر، فعدة من أيام
أخر ، كما قال الأكثرون ، أو يكون المعنى : فعدة من أيام أخر تجزى عنه، وتقبل منه ، ونحو
ذلك . فما الذى أوجب تعيين التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر ، أو ففرضه ، ونحو ذلك ؟
وبالجملة : ففعل من أنزلت عليه تفسيرها، وتبيين المراد منها ، وبالله التوفيق.
وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصرى العلم ، يحتجون بعموم نص على حكم، ويغفلون عن
عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذى يبين مراده، ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص ،
وفهم معانيها .
وكان يدور بينى وبين المكيين كلام فى الاعتمار من مكة فى رمضان وغيره ، فأقول لهم :
كثرة الطواف أفضل منها ، فيذكرون قوله صلى الله عليه وسلم: ((عمرة فى رمضان تعدل
حجة ))، فقلت لهم فى أثناء ذلك : محال أن يكون مراد صاحب الشرع العمرة التى يخرج إليها
من مكة إلى أدنى الحل، وأنها تعدل حجة، ثم لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلاً، لا قبل
الفتح ولا بعده ، ولا أحد من أصحابه، مع أنهم كانوا أحرص الأمة على الخير ، وأعلمهم بمراد
الرسول، وأقدرهم على العمل به. ثم مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم ؟
يقدر أن يحج أحدهم فى رمضان ثلاثين حجة أو أكثر ، ثم لا يأتى منها بحجة واحدة ،
وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب ، حتى يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر؟ هذا
ما لا يظنه من له مسكة عقل. وإنما خرج كلام النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة المعتادة التى
فعلها هو وأصحابه ، وهى التى أنشؤا السفرلها من أوطانهم ، وبها أمر أم معقل ، وقال لها :
((عمرة فى رمضان تعدل حجة)) ولم يقل لأهل مكة: اخرجوا إلى أدنى الحل فأكثروا من
الاعتمار، فإن عمرة فى رمضان تعدل حجة . ولا فهم هذا أحد منهم . وبالله التوفيق .

- ٢٨٩ -
صلى الله عليه وسلم، وهو يأكل ، فقال: اجلس فأصِبْ من طعامنا . فقلت : إنى صائم ،
فقال: اجْلِسْ ، أَحَدِّثْكَ عن الصلاة وعن الصيام، إن الله تعالى وَضَعَ شَطْرَ الصلاةِ ، أو
نِصْفَ الصلاة . والصَّوْمَ : عن المسافر ، وعن المرضع ، أو الخبَلَى. والله لقد قالهما جميعاً،
أو أحدَهما ، قال : فتلهَفَّتْ نفسى أن لا أكون أكلت من طعام رسول الله صلى الله
عليه وسلم )) .
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى: حديث حسن . ولا يعرف
لأنس بن مالك هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد. هذا آخر
كلامه. وفى الرواة: أنس بن مالك خمسة: اثنان صحابيان ،هذا، وأبو حمزة أنس بن مالك
الأنصارى، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنس بن مالك، والد الإمام مالك بن أنس،
روى عنه حديث ، فى إسناده نظر ، والرابع : شيخ حمصى ، حدث ، والخامس : كوفى
حدث عن حماد بن أبى سليمان والأعمش وغيرهما .
باب فيمن اختار الصيام [٢: ٢٩٢]
٢٣٠٢ - عن أبى الدرداء، قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض
للمسافر ، ثم يلزمه القضاء إذا أقام . والحامل والمرضع تفطران إبقاء على الولد ، ثم تقضيان
وتُطعمان، من أجل أن إفطارهما كان من أجل غير أنفسهما.
ومن أوجب على الحامل والمرضع مع القضاء الإطعام : مجاهد والشافعى وأحمد .
وقال مالك: الحبَلَى تقضى ولا تكفّرٍ. لأنها بمنزلة المريض. والمرضع تقضى وتكفر. وقال
الحسن وعطاء : تقضيان ولا تطعمان ، كالمريض، وهو قول الأوزاعى والثورى. واإليه
ذهب أصحاب الرأى .
٢٣٠٢ - قال الشيخ الحافظ شمس الدين : واختلف أهل العلم فى الأفضل من الصوم والفطر.
فذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب والشعبى والأوزاعى وإسحق
من أول هذه الملزمة لم يشترك أخونا المحقق: الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر فى التصحيح ، لأنه
سافر إلى الرياض، رده الله سالماً .
م ١٩ - مختصر السن

- ٢٩٠ -
غَزَوَاتِهِ فِى حَرّ شديد ، حتى إنَّ أحدنا لَيَضَعُ يده على رأسه، أو كَفَّهُ على رأسه ، من شدّة
الحرّ ، ما فينا صائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبدُ الله بن رواحة)).
وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة .
٢٣٠٣ - وعن سنان بن سلمة بن المحبّق الهذلى عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (( مَنْ كَانَتْ له ◌َحُولٌ تأوِى إلى شِبَعٍَ فَلْيَصُمْ رمضان، حيث أدركه)) .
فى إسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدى العَوْدى البصرى . قال ابن معين: ليس به
بأس . وقال أبو حاتم الرازى: يكتب حديثه، وليس بالمتروك. وقال: مُحَوِّل من
كتاب الضعفاء . وقال البخارى : لين الحديث، ضعفه أحمد . وقال البخارى أيضاً :
عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث ، ذاهب الحديث. ولم يَعُدَّ البخارى هذا الحديث.
شيئًاً. وقال أبو حاتم الرازى: لين الحديث، ضعفه أحمد بن حنبل . وذكر له أبو جعفر
العقيلى هذا الحديث، وقال: لا يتابَع عليه، ولا يعرف إلا به .
باب متى يفطر المسافر إذا خرج؟ [٢: ٢٩٢]
٠
٢٣٠٤ - عن عبيد بن جَبْر، قال: (( كنت مع أبى بَصْرة الفِفَارى (١) - صاحب النبي
:
٢٣٠٤ - قلت : فيه حجة لمن رأى للمقيم الصائم إذا سافر من يومه أن يفطر. وهو قول
الشعبى. وإليه ذهب أحمد بن حنبل .
وأحمد إلى أن الفطر أفضل . وذهب أنس وعثمان بن أبي العاص إلى أن الصوم أفضل . وهو
قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك . وذهب عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة إلى أن أفضل
الأمرين: أيسرهما. لقوله تعالى (٢: ١٨٥ يريد الله بكم اليسر ولا يزيد بكم العسر).
وذهبت طائفة إلى أنهما سواء ، لا يرجح أحدهما على الآخر .
وذهبت طائفة : إلى تحريم الصوم فى السفر ، وأنه لا يجزى .
وقد علمت أدلة كل فريق مما تقدم .
٢٣٠٤ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : وقد روى الترمذى عن محمد بن كعب قال ((أتيت أنس بن
مالك فى رمضان، وهو يريد سفراً. وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب المفر . فدعا بطعام
(١) إسمه جميل - مصغراً - بن وقاص.

- ٢٩١ -
صلى الله عليه وسلم - فى سفينة من الفُسطاط، فى رمضان، فَرُفِع، ثم قُرِّبَ غَدَاه -
قال: جعفر - وهو ابن مُساهر - فى حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسُّفْرة، قال:
اقتربْ، قلتُ: ألستَ ترى البيوت؟ قال أبو بَصْرة: أترغبُ عن سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ قال جعفر فى حديثه: فأكل)).
وجبر: بفتح الجيم ، وسكون الباء الموحدة، وبعدها راء مهملة. وعبيد - هذا - قبطى
من تابعى أهل مصر. والسفينة: فميلة بمعنى فاعلة، كأنها تَسفن الماء. أى تقشره . وفى
الفسطاط: ست لغات: فُبطاط، وفستاط، وفسَّاط، وكسر الفاء لغة فيهن. والفُسَاط،
وعن الحسن أنه قال: يفطر إن شاء فى بيته يوم يريد أن يخرج .
وقال إسحق بن راهوية: إذا وضع رِجله فى الرَّحْل فله أن يفطر، وحكاه عن أنس
ابن مالك ، وشبهوه بمن أصبح صائماً ثم مرض فى يومه . فإن له أن يفطر من أجل المرض.
قالوا: وكذلك من أصبح صائماً ثم سافر. لأن كل واحد من الأمرين سبب للرخصة حدث
بعد مضى شىء من النهار .
قلت : السفر لا يشبه المرض . لأن السفر من فعله. وهو الذى ينشئه باختياره . والمرض
شيء يحدث عليه ، لا باختياره .. فهو يعذر فيه، ولا يعذر فى السفر الذى هو فعل نفسه .
ولو كان فى الصلاة فرض كان له أن يصلى قاعداً . ولو سافر وهو مصل لم يكن له أن يقصر
وقال أصحاب الرأى: لا يفطر إذا سافر يومه ذلك. وهو قول مالك والأوزاعى والشافعى
وروى ذلك عن النخعى ومكحول والزهرى .
فأكل . فقلت له: سنة؟ فقال: سنة. ثم ركب)) قال الترمذى: هذا حديث حسن . وفيه
حجة لمن جوز للمسافر الفطر فى يوم سافر فى أثنائه. وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ،
وقول عمرو بن شرحبيل والشعبى وإسحق . وحكاه عن أنس ، وهو قول داود وابن المنذر .
وقال مالك والشافعى وأبو حنيفة: لا يفطر . وهو قول الزهرى والأوزاعى ومكحول .
وفى المسألة قول شاذ جداً ، لا يلتفت إليه. وهو أنه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم ، ثم
سافر فى أثنائه، لم يجز له الفطر . ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافراً. وهذا قول عبيدة

- ٢٩٢ -
ههنا : فسطاط مصر. والفُسطاط أيضاً : مجتمع أهل الكوفة حول جامعها . وأصله :
عمود الخباء الذى يقوم عليه. ويقال للبصرة أيضاً: الفسطاط (١).
باب مسيرة ما يفطر فيه [٢٩٣:٢]
٢٣٠٥ - عن منصور الكلبى ((أن دِخْيَة بن خليفة خرج من قرية من دمَشقُ مَرَّة إلى
قدر [قرية(٢)] عَقَبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال ، فى رمضان ، ثم إنه أفطر، وأفطر
معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قومه(٣) قال: والله لقد رأيت اليوم أمهاً
ما كنت أظنُّ أتّى أراه، إن قوماً رغبوا عن هَدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه،
يقول ذلك للذين صاموا ، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضنى إليك)).
قلت : وهذا أحوط الأمرين. والإقامة إذا اختلط حكمها بحكم السفر غلب
حكم المقام .
٢٣٠٥ - قلت: فى هذا حجة لمن لم يَحُدَّ السفر الذى يترخص فيه الإفطار بحدٍ معلوم ، ولكن
يراعى الاسم ويعتمد الظاهر. وأحسبه قول داود وأهل الظاهر.
فأما الفقهاء فإنهم لا يرون الإفطار إلا فى السفر الذى يجوز فيه القصر. وهو عند أهل
العراق: ثلاثة أيام . وعند أهل الحجاز : ليلتان أو نحوهما . وليس الحديث بالقوي.
السلمانى وأبى مجلز وسويد بن غفلة. وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خرج إلى
الفتح فى رمضان . فصام ، وأفطر )»
٢٣٠٥ - قال الشيخ شمس الدين : قال المجوزون للفطر في مطلق السفر : هب أن حديث دحية
لم يثبت. فتمد أطلق الله تعالى السفر، ولم يقيده بحد، كما أطلقه فى آية التيمم. فلا يجوز حده
إلا بنص من الشارع، أو إجماع من الأمة ، وكلاهما مما لا سبيل إليه . كيف وقد قصر أهل
مكة مع النبى صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ، ولا تأثير للنسك فى القصر بحال ؟ فإن الشارع
(١) قال الشوكانى: والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى والحافظ فى التلخيص، ورجال إسناده
ثقات، وأخرج البيهقى عن أبى إسحق عن أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل ((أنه كان يسافر وهو صائم ،
فيفطر من يومه)).
(٢) الزيادة من السنن .
(٣) فى السنن ((قريته)).

- ٢٩٣ -
قال الخطابي : وليس الحديث بالقوى . وفى إسناده رجل ليس بالمشهور ، وهو يشير
إلى منصور الكلبى ، فإن رجال الإسناد جميعهم ثقات ، محتج بهم فى الصحيح سواه . وهو
مصرى ، روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليَزْنى. ولم أجد من روى عنه سواه، فيكون
مجهولاً، كما ذكره الخطابى. ولم يزد فيه البخارى على: منصور الكلبى . وقال ابن يونس فى
تاريخ المصريين : منصور بن سعيد بن الأصبغ الكلبى . وقال البيهقى : والذى روينا
عن دحية الكلبى - إن صح ذلك - فكأنه ذهب فيه إلى ظاهر الآية فى الرخصة فى
السفر. وأراد بقوله: ((رغبوا عن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه )) فى قبول
الرخصة ، لافى تقدير السفر الذى أفطر فيه . والله أعلم.
وفى إسناده رجل ليس بالمشهور ، ثم إن دحية لم يذكر فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أفطر فى قصير السفر، إنما قال: ((إن قوماً رغبوا عن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم))
ولعلهم إنما رغبوا عن قبول الرخصة فى الإفطار أصلا .
إنما علل القصر بالسفر ، فهو الوصف المؤثر فيه . وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
سمى مسيرة البريد سفراً، فى قوله: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريداً
إلا مع ذي محرم )) وقال تعالى (٦:٥ وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من
الغائط ، أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا يدخل فيه كل سفر، طويل أو قصير .
وقال صلى الله عليه وسلم (( إذا سافرتم فى الخصب فأعطوا الإبل حقها من الأرض. وإذا
سافرتم فى الجدب فبادروا بها نقبها)) وهذا يعم كل سفر ، ولم يفهم منه أحد اختصاصه باليومين
فما زاد. ونهى (( أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) ونهى ((أن يسافر الرجل وحده ))
وأخبر ((أن دعوة المسافر مستجابة)) وكان ((يتعوذ من وعثاء السفر)) وكان ((إذا أراد
سفراً أقرع بين نسائه )) .
ومعلوم أن شيئاً من هذه الأسفار لا يختص بالطويل . ولا أنه لو سافر دون اليومين لم
يقرع بين نسائه ، ولم يقض للمقيمات . فما الذى أوجب تخصيص اسم السفر بالطويل بالنسبة
إلى القصر والفطر دون غيرهما ؟
قالوا : وأين معنا فى الشريعة تقسيم الشارع السفر إلى طويل وقصير، واختصاص أحدهما
بأحكام لا يشاركه فيها الآخر ؟ .

- ٢٩٤ -
٢٣٠٦ - وعن ابن عمر (( أنه كان يخرج إلى الغابة(١)، فلا يُفْطر ولا يُقْصِر)».
باب من يقول: صمت رمضان كله [٢: ٢٩٤ ]
٢٣٠٧ - عن أبى بكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لاَ يَقُولَنَّ أحدكم: إنى
صمت رمضان كُلَّه. فلا أدرى، أكَرِه التزكية، أو قال: لابد من نَوْمَةٍ أو رَقْدَةٍ؟ )).
وأخرجه النسائى .
باب فی صوم العیدین [٢: ٢٩٥]
٢٣٠٨ - عن أبى عبيد قال: ((شهدت العيد مع عمر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، ثم
قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين: أما يومُ الأضحى،
فتأكلون من لحم نُسُكِكُمْ ، وأما يوم الفطر، ففطركم من صيامكم)) .
وقد يحتمل أن يكون دحية إنما صار فى ذلك إلى ظاهر اسم السفر ، وقد خالفه غير
واحد من الصحابة. فكان ابن عمر وابن عباس لايريان القصر والإفطار في أقل من أربعة
بُرُدٍ . وهما أفقة من دحية وأعلم بالسنة .
٣٢٠٨ - قوله ((أما يوم الفطر ففطركم من صيامكم » يدل على أنه من نذر صوم ذلك اليوم
لم يلزمه صيامه ولا قضاؤه، لأن هذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيه، وقد وُسم هذا اليوم بيوم
الفطر. والفطر مضادٌ للصوم . ففى إجازة صومه إبطال لمعنى اسمه .
وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن الصيام لا يجوز فى هذين اليومين ، غير أن أهل العراق
ذهبوا إلى أنه لو نذر صومهما لزمه قضاؤه. والنذر إنما يلزم فى الطاعة دون المعصية. وصيام
ومعلوم أن إطلاق السفر لا يدل على اختصاصه بالطويل، ولم يبين النبى صلى الله عليه وسلم
مقداره . وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع ، فسكوته عن تحديده من أظهر الأدلة على أنه
غير محدود شرعاً .
قالوا : والذين حددوه - مع كثرة اختلافهم وانتشار أقوالهم - ليس معهم نص بذلك،
وليس حد بأولى من حد ، ولا إجماع فى المسألة ، فلا وجه التحديد . وبالله التوفيق.
(١) الغابة: موضع من عوالى المدينة، من ناحية الشام ، على بريد منها . فيه أموال لأهل المدينة،
من طرفائه صنع منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

- ٢٩٥ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بمعناه أتم منه .
٢٣٠٩- وعن أبى سعيد الخدرى قال: ((نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يومين:
يوم الفطر، ويوم الأضحى، وعن لِبْسَتَيْنِ: الصَّمَّاءِ، وأن يَحْتَبِىَ الرجل فى الثوب الواحد.
وعن الصلاة فى ساعتين: بعد الصبح، وبعد العصر)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى. وقد تقدم الكلام على الصماء والاحتباء والصلاة .
باب صيام أيام التشريق [٢: ٢٩٥]
٢٣١٠ - عن أبى مُرَّة، مولى أم هانىء ((أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو
بن العاص، فقرَّب إليهما طعاماً، فقال : كُلْ ، قال: إنى صائم ، فقال عمرو: كل ، فهذه
الأيامُ التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها ، وينهى عن صيامها ، قال
مالك: وهى أيام التشريق )).
٢٣١١ - وعن عُقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يوم عَرَفة ويومُ
النَّحْر، وأيام التشريق: عيدنا أهلَ الإِسلام ، وهى أيام أكل وشرب)).
وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حسن صحيح. وقد أخرج مسلم هذا الحديث
فى صحيحه من حديث كعب بن مالك الأنصارى. وأخرجه أيضاً من حديث نبيشة الخير،
هذين اليومين معصية ، لنهى النبى صلى الله عليه وسلم عنه . فالنذر لا يتعقد فيهما، ولا يصح،
كما لايصح من الحائض ، لو نذرت أن تصوم أيام حيضها .
٢٣١١ - قلت: وهذا أيضا كالتعليل فى وجوب الافطار فيها، وأنها مستحقة لهذا المعنى.
فلا يجوز صيامها ابتداء تطوعاً، ولا نذراً، ولا عن صوم التمتع ، إذا لم يكن المتمتع
صام الثلاثة الأيام في العشر. وهو قول على رضى الله عنه، والحسن، وعطاء ، وغالب
مذهب الشافعى .
وقال مالك والأوزاعى وإسحق : يصوم المتمتع أيام التشريق ، إذا فاتته الثلاث فى
للمشر. وروى ذلك عن ابن عمر، وعائشة، وعروة بن الزبير رضى الله عنهم .

- ٢٩٦ -
وهو نبيئة الهذلى. وفيه ((وذكر الله)) وقد روى هذا الحديث أيضاً من رواية بشر بن سحيم
وله صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رواية بشربن سحيم عن على بن أبى طالب).
وروى أيضاً من حديث أبى هريرة، ومن حديث عبد الله بن حذافة ، ومنها ما هو مقصور
على الأكل والشرب. ومنها ما فيه معهما ((وذكر الله)) ومنها ما فيه ((وذكر)) ومنها
مافيه « وصلاة)) وقد وقع فىبعض طرق حديث على رضى الله عنه «إنها أيام أكل وشرب
ونساء وبعال، وذكرٍ لله)) وقد خرج حديث علىّ جماعة من طرق، ليس فى شىء منها ذكر
النساء والبعال ، وحديث عقبة بن عامر وكعب بن مالك ونبيشة وبشربن سحيم وأبى هريرة
وعبد الله بن حذافه - مع كثرة طرقها - ليس فى شىء منها ذكر النساء والبعال ، وهو لفظ
غريب . والله عز وجل أعلم .
النهى أن يخص يوم الجمعة بصوم [٢: ٢٩٥]
٢٣١٢ - عن أبى هريرة؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يُعُمْ أحدكم يوم
الجمعة ، إلا أن يصوم قبله بيوم ، أو بعده)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٢٣١٢ - قال الشيخ شمس الدين: وقد أخرجا فى الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر قال :
((سألت جابراً: أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم)) وروى البخارى
فى صحيحه عن جويرية بنت الحرث « أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة ، وهى
صائمة ، فقال: أصمت أمس ؟ قالت : لا . قال : تريدين أن تصومى غداً؟ قالت : لا . قال :
فأفطرى)) وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تخصوا ليلة
الجمعة بقيام من بين الليالى ، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ، إلا أن يكون فى صوم
يصومه أحدكم)) وروى الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم
( يوم الجمعة يوم عيد. فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده))
وعدد النسائى عن عبد الله بن عمرو القارى قال: سمعت أبا هريرة يقول .: ((ما أنا نهيت عن
صيام يوم الجمعة، محمد صلى الله عليه وسلم ، ورب البيت، نهى عنه)) ورى النسائي أيضاً عن محمد
بن سيرين عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا الدرداء، لا تخص
يوم الجمعة بصيام دون الأيام ، ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالى))

- ٢٩٧ -
اختلف العلماء فى صيام يوم الجمعة . فنهت طائفة عن صومه ، إلا أن يصوم قبله أو بعده ،
على ماجاء فى الأحاديث الصحيحة . روى ذلك عن أبى هريرة وسلمان . وهو مذهب الشافعى
وقال مالك : لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومَنْ يُقْتَدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة ،
وصيامه حسن. وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه. وأراه كان يتحرَّاه. وقد قيل: إن
هذا الرجل هو محمد بن المنكدر . وقال الداودى: لم يبلغ مالكا هذا الحديث . ولو بلغه
لم يخالفه .
واختلفوا فى النهى عن صومه . فقال قوم: لأنه يوم عيد . روى عن على بن أبى طالب
وأبى ذَرِّ أنهما قالا ((إنه يوم عيد، وطعام وشراب، فلا ينبغى صيامه)) وبه قال أحمد
وإسحق . وأورد الطحاوى فى ذلك حديثاً مسنداً، غير أن فى إسناده مقالا ، وقال بعضهم :
ليقوّى على الصلاة فى ذلك اليوم. وقيل : خشية أن يستمر، فيفرض ، أو خشية أن يلتزم
الناس من تعظيمه ما التزمه اليهود والنصارى فى سبتهم وأحدهم، من التعظيم وترك العمل .
النهى أن يخص يوم السبت بصوم [٢: ٢٩٧ ]
٢٣١٣ - عن عبد الله بن بُشْر الشُّلى، عن أخته الصماء، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
فذهب طائفة من أهل العلم إلى القول بهذه الأحاديث . منهم : أبو هريرة وسلمان . وقال
به أحمد والشافعى. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يكره. وفى الموطأ: قال مالك: لم أسمع أحداً
من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة . وصيامه حسن . وقد رأيت
بعض أهل العلم يصومه . وأراه كان يتحراه . قال الداودى: لم يبلغ مالكا هذا الحديث.
ولو بلغه لم يخالفه. وقد روى النسائى عن زر بن حبيش عن ابن مسعود (( أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وقلما رأيته يفطر يوم الجمعة)) وإسناده
صحيح . ولا معارضة بينه وبين أحاديث النهى. إذ ليس فيه: أنه كان يفرده بالصوم . والنهى
إنما هو عن الإفراد ، فمتى وصله بغيره زال النهى .
٢٣١٣ - قال الشيخ شمس الدين: حديث عبد الله بن بسر - هذا - رواه جماعة عن خالد
بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء . ورواه النسائى عن عبد الله بن بسر عن
النبى صلى الله عليه وسلم . ورواه أيضاً عن الصماء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
فهذه ثلاثة أوجه .
وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديماً وحديثاً. فقال أبو بكر الأثرم: سمعت أباعبد الله

- ٢٩٨ -
(( لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افُرض عليكم، وإن لم يجد أحدُ كم إلاَّ لِجَاء(١) عِنب
أُو عودَ شجرة، فَلْيَمْضُغْهُ)) .
يسأل عن صيام يوم السبت يفرد به ؟ فقال : أما صيام يوم السبت يفرد به : فقد جاء فيه ذلك
الحديث ، حدیث الصماء ، یعنی حدیث ثور بن یزید عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر
عن أخته الصماء عن النى صلى الله عليه وسلم ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))
قال أبو عبدالله: يحيى بن سعيد ينفيه، أبى أن يحدثنى به . وقد كان سمعه من ثور. قال: فسمعته
من أبى عاصم . قال الأثرم : حجة أبى عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت : أن الأحاديث
كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها: حديث أم سلمة، حين سئلت: (( أى الأيام كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياماً لها ؟ فقالت: السبت والأحد)) ومنها حديث
جويرية: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوم الجمعة: أصمت أمس؟ قالت : لا . قال:
أتريدين أن تصومى غداً؟)) فالغد: هو يوم السبت . وحديث أبى هريرة (نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة، إلا مقرونا بيوم قبله، أو يوم بعده )) فاليوم الذى بعده:
هو يوم السبت , وقال: ((من صام رمضان وأتبعه بست من شوال)) وقد يكون فيها السبت .
وأمر بصيام الأيام البيض ، وقد يكون فيها السبت، ومثل هذا كثير . فقد فهم الأثرم من كلام
أبى عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث ، وأنه رخص فى صومه ، حيث ذكر الحديث الذى
يحتج به فى الكراهة . وذكر أن الإمام علل حديث يحيى بن سعيد ، وكان ينفيه ، وأبى أن
يحدث به ، فهذا تضعيف للحديث .
واحتج الأثرم بما ذكر فى النصوص المتواترة على صوم يوم السبت ، يعنى أن يقال : يمكن
حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره . وحديث النهى على صومه وحده .
وعلى هذا تتفق النصوص .
وهذه طريقة جيدة ، لولا أن قوله فى الحديث (( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض
عليكم)» دليل على المنع من صومه فى غير الفرض مفرداً أو مضافاً، لأن الاستثناء دليل التناول،
وهو يقتضى أن النهى عنه يتناول كل صور صومه ، إلا صورة الفرض . ولو كان إنما يتناول
صورة الإفراد ، لقال : لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده ، كما قال
فى الجمعة . فلما خص الصورة المأذون فى صومها بالفرضية علم تناول النهى لما قابلها . وقد ثبت
صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها . كقوله فى يوم الجمعة ((إلا أن
تصوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده )) فدل على أن الحديث غير محفوظ، وأنه شاذ . وقد قال
(١) اللحاء : القشر على العود .

- ٢٩٩ -
قال أبوداود : وهذا الحديث منسوخ .
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: حديث حسن. هذا آخر
كلامه . وقيل : إن الصماء أخت بُسر .
أبو داود: قال مالك: هذا كذب. وذكر بإسناده عن الزهرى: أنه كان إذا ذكر له النهى
عن صيام يوم السبت ، يقول : هذا حديث حمصى . وعن الأوزاعى قال : مازات كاتماً له حتى
رأيته انتشر ، يعنى حديث ابن بسر هذا .
وقالت طائفة ، منهم أبو داود : هذا حديث منسوخ .
وقالت طائفة ، وهم أكثر أصحاب أحمد : محكم، وأخذوا به فى كراهية إفراده بالصوم ،
وأخذوا بسائر الأحاديث فى صومه مع ما يليه .
قالوا : وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل ، فإنه سئل فى رواية الأثرم عنه؟ فأجاب
بالحديث . وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص
دليل على أنه قائل به، لأنه ذكره فى معرض الجواب ، فهو متضمن للجواب والاستدلال معاً.
قالوا : وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد: فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة فى الحديث.
قالوا : وإسناده صحيح . ورواته غير مجروحين ولا متهمين ، وذلك يوجب العمل به .،
وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه، لأنها تدل على صومه مضافاً ، فيحمل النهى على صومه
مفرداً ، كما ثبت فى يوم الجمعة .
ونظير هذا الحكم أيضاً : كراهية إفراد رجب بالصوم، وعدم كراهيته موصولاً بما قبله
أو بعده .
ونظيره أيضاً : ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن
أبى هريرة فى النهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان: أنه النهى عن ابتداء الصوم فيه . وأما
صومه مع ما قبله من نصفه الأول ، فلا يكره .
قالوا : وقد جاء هذا مصرحاً به فى صوم يوم السبت . ففي مسند الإمام أحمد من حديث
ابن لهيعة: حدثا موسى بن وردان عن عبيد الأعرج حدثتنى جدتى، يعنى الصماء ((أنها دخلت على
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت، وهو يتغدى. فقال: تعالى تغدى. فقالت: إنى
صائمة . فقال لها : أصمت أمس ؟ قالت : لا . قال : كلى ، فان صيام يوم السبت لا لك ،
ولا عليك)) وهذا - وإن كان فى إسناده من لا يحتج به إذا انفرد - لكن يدل عليه ما تقدم
من الأحاديث . وعلى هذا: فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تصوموا يوم السبت))
أى لا تقصدوا صومه بعينه إلا فى الفرض ، فإن الرجل يقصد صومه بعينه ، بحيث لو لم يجب

-- ٣٠٠ -
وروى هذا الحديث من حديث عبد الله بن بسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن حديث الصماء عن عائشة زوح النبى صلى الله عليه وسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم .
وقال النسائى : هذه أحاديث مضطر بة .
عليه إلا صوم يوم السبت ، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت ، فإنه يصومه وحده .
وأيضاً فقصده بعينه فى الفرض لا يكره ، بخلاف قصده بعينه فى النفل ، فإنه يكره .
ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة . فالمزيل للكراهة فى الفرض مجرد
كونه فرضاً ، لا المقارنة بينه وبين غيره . وأما فى النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه ،
أو موافقته عادة ، ونحو ذلك .
قالوا: وأما قولكم: إن الاستثناء دليل التناول - إلى آخره - فلا ريب أن الاستثناء
أخرج صورة الفرض من عموم النهى . فصورة الاقتران بما قبله أو بما بعده أخرجت بالدليل
الذى تقدم، فكلا الصورتين مخرج . أما الفرض: فبالمخرج المتصل. وأما صومه مضافاً :
فبالمخرج للنفصل ، فبقيت صورة الإفراد ، واللفظ متناول لها ، ولا مخرج لها من عمومه ، فيتعين
حمله عليها .
ثم اختلف هؤلاء فى تعليل الكراهة ، فعالها ابن عقيل : بأنه يوم يمسك فيه اليهود ،
ويخصونه بالإمساك ، وهو ترك العمل فيه ، والصائم فى مظنة ترك العمل ، فيصير صومه تشبهاً
بهم، وهذه العلة منتفية فى الأحد .
ولا يقال : فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ، ومع هذا فإنه لا يكره ، لأنه إذا
صامه مع غيره لم يكن قاصداً تخصيصه المقتضى للتشبه ، وشاهده : استحباب صوم يوم قبل
عاشوراء وبعده إليه ، لتنتفى صورة الموافقة .
وعالمه طائفة أخرى: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه ، فقصده بالصوم دون غيره
يكون تعظماً له، فكره ذلك ، كماكره إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم ، لما عظمه أهل الكتاب ،
وإفراد رجب أيضاً لما عظمه المشركون. وهذا التعليل قد تعارض بيوم الأحد ، فإنه يوم عيد
للنصارى ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: « اليوم لنا، وعداً لليهود، وبعد غد للنصارى»
ومع ذلك فلا يكره صومه .
وأيضاً فإذا كان يوم عيد، فقد يقال: مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر ، فالصوم فيه
تحقيق للمخالفة ، ويدل على ذلك: مارواه الإمام أحمد والنسائى وغيرهما من حديث كريب مولى
ابن عباس قال « أرسلنى ابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة
أسألها: أى الأيام كان النبى صلى الله عليه وسلم أكثرها صياماً ؟ فقالت : كان يصوم السبت