النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٤١ - قال أبو داود : هذا إنما كفرت عنه من غير أن تستأمره . وفى رواية: (( والعَرْقُ مكتل يسع ثلاثين صاعاً )) . قال أبو داود : وهذا أصح من حديث يحيى بن آدم - يعنى الحديث الذى قبله . وذكر عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال : يعنى بالعرق زَبِيلاً (١) يأخذ خمسة عشر صاعاً . ٢١٢٨ - وفى رواية: ((فاتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعاً، قال: تَصَدَّقْ بِهْذَا ، قال : فقال: يا رسول الله ، على أفْقَرَ مِنِى ومن أهلى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلهُ أنت وأهلكَ)). ٢١٢٩ - وعن عطاء - وهو ابن يسار - عن أوس أخى عبادة بن الصامت: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أعطاه خمسة عشر صاعاً من شعير، إطعام ستين مسكيناً)). تصدق بها ، ولا يدل ذلك على أنها تجزيه عن جميع الكفارة ، ولكنه يتصدق بها فى الوقت ، ويكون الباقى ديناً عليه حتى يجده، كما يكون للرجل على صاحبه ستون صاعاً ، فيجيئه بخمسة عشر صاعاً، فإنه يأخذها منه ، ويطالبه بخمسة وأربعين ، إلا أن إسناد حديث أبى هريرة أجود وأحسن اتصالاً من حديث سلمة بن صخر . وقال أبو عيسى: سألت محمد بن إسماعيل عن حديث محمد بن إسحق عن سليمان بن يسار؟ فقال : هو مرسل ، سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر . وقد روى أبو داود حديث سلمة بن صخر من غير طريق ابن إسحق ، وذكر فيه العَرْق مقداراً لنحو خمسة عشر صاعاً ، على وفاق حديث أبى هريرة ، ورواه أبو داود فى هذا الباب . ٢١٢٨ - قال الشيخ: وقد ذكرت معنى قوله ((كله أنت وأهلك)» فى كتاب الصيام، وكرهت إعادته ههنا . (١) فى السنن ((زنيلا)) وهو بكمر الزاى. والزبيل، بفتح الزاى من غيرنون: هو الزنيل، بكسرها مع زيادة النون . وقيل : إن زيادة النون خطأ . وانظر نسان العرب. - ١٤٢ - قال أبوداود: وعطاء لم يدرك أوساً ، وهو من أهل بدر، قديم الموت، والحديث مرسل . ٢١٣٠ - وعن هشام بن عروة: ((أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت، وكان رجلاً به لَّمٌ، فكان إذا اشتدَّ لَمَّمُه ظاهَرَ من امرأته، فأنزل الله عز وجل فيه كفارة الظهار )). ٢١٣١ - وأخرجه من حديث هشام بن عروة عن عروة عن عائشة ، مثله. ٢١٣٢ - وعن عكرمة: ((أن رجلاً ظاهَرَ من امرأته، ثم واقعها قبل أن يُكَفَرِ، فَأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره ؟ فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : رأيت بياض ساقها فى القمر ، قال : فَاعْتَزِلْهَا حَتى تُكَفِّرِ عنك)). ٢١٣٣ - وأخرجه أيضاً عن عكرمة عن النبى صلى الله عليه وسلم . وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث حسن غريب صحيح. وقال النسائي : المرسل أولى بالصواب من المسند . باب فى الخلع [٢: ٢٣٥] ٢١٣٤ - عن ثوبان قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( أيما امرأةٍ سألَتْ زوجها طلاقاً من غَيْرِ ما بأس ، حرامٌ عليها رائحةُ الجنة)). وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث حسن . وذكر أن بعضهم رواه ولم يرفعه. ٢١٣٠ - قال الشيخ: معنى ((اللهم)) ههنا، الإلمام بالنساء وشدة الحرص والتوقان إليهن. يدل على ذلك قوله فى هذا الحديث من الرواية الأولى ((كنت امرءاً أصيب من النساء. ما لا يصيب غيرى))، وليس معنى اللم ههنا الخبل والجنون(١)، ولو كان به ذلك ثم ظاهر فى تلك الحالة لم يكن يلزمه شىء من كفارة ولا غيرها . والله أعلم. (١) لعل الأظهر: أن يكون معنى ((اللهم)» هنا: الحمق وسوء الرأى. - ١٤٣ - ٢١٣٥ - وعن حبيبة بنت سهل الأنصارية: ((أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شمَّاس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إلى الصبح ، فوجد حبيبة بنتَ سهل عند بابه فى الفَلَسِ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ هَذِهِ ؟ قالت : أنا حبيبة بنت سهل ، قال : ما شأنكِ ؟ قالت : لا أنا ولا ثابت بن قيس ، لزوجها ، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَذِهِ حبيبة بنتُ سَهْلٍ ، فذكرت ما شاء الله أن تذكر، وقالت حبيبة : يا رسول الله كلُّ ما أعطانى عندى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس : خُذْ مِنْهَا ، فأخذ منها ، وجلست فى أهلها )). ٢١٣٥ - قال الشيخ : فى هذا الحديث دليل على أن الخلع فسخ ، وليس بطلاق ، ولو كان طلاقاً لاقتضى فيه شرائط الطلاق: من وقوعه فى طهر لم تمس فيه المطلقة ، ومن كونه صادراً من قبل الزوج وحده من غير مرضاة المرأة ، فلما لم يتعرف النبى صلى الله عليه وسلم الحال فى ذلك ، فأذن له فى مخالعتها فى مجلسه ذلك ، دل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق ، ألا ترى أنه لما طلق ابن عمر زوجته وهى حائض أنكر عليه ذلك، وأمره بمراجعتها وإمساكها حتى تطهر، فيطلقها طاهراً قبل أن يمسها؟ وإلى هذا ذهب ابن عباس ، واحتج بقول الله تعالى (٢: ٢٢٩ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) قال: ثم ذكر الخلع فقال (٢: ٢٢٨ فإن خفّم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ثم ذكر الطلاق فقال (٢: ٢٣٠ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً ، وإلى هذا ذهب طاوس وعكرمة ، وهو أحد قولى الشافعى ، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وأبو ثور . وروى عن على وعثمان وابن مسعود رضى الله عنهم: أن الخلع تطليقة بائنة ، وبه قال الحسن وإبرهيم النخعى وعطاء وابن المسيب وشريح والشعبى ومجاهد ومكحول والزهرى، وهو قول سفيان وأصحاب الرأى ، وكذلك قال مالك والأوزاعى والشافعى فى أحد قوليه، وهو أصحهما . والله أعلم. - ١٤٤ - وأخرجه النسائى . ٢١٣٦ - وعن عائشة: ((أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شَمَّاس ، فضربها فكسر بَعْضها ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الصبح ، [ فدعا النبى صلى الله عليه وسلم ثابتاً (١)]، فقال: خُذْ بَعْضَ مالها وفَارِقْهَا، فقال: ويَصْلُح ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فإنى أَصْدَقْتُهَا حديقتين، وما بيدها، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: خُذْهُمَا وَفَارِقْهَا، ففعل)). ٢١٣٧ - وعن ابن عباس: ((أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه ، فجعل النبى صلى الله عليه وسلم عِدَّتَهَا حَيْفَةً)). وذكر أنه رُوى مرسلاً. وأخرجه الترمذى مسنداً. وقال هذا حديث حسن غريب. وفى الخبر دليل على أن الخلع جائز على أثر الضرب . وإن كان مكروهاً مع الأذى . وفيه أنه قد أخذ منها جميع ما كان أعطاها . وقد اختلف الناس فى هذا : فكان سعيد بن المسيب يقول: يأخذ منها جميع ما أعطاها ، ولا يزيد على ما ساق إليها شيئاً ، وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك جائز على ما تراضيا عليه، قل ذلك أو كثر. وفيه دليل على أنه لا سكنى للمختلفة على الزوج . ٢١٣٧ - قال الشيخ: هذا أول شىء على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق ، وذلك أن الله تعالى قال (٢: ٢٢٨ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، فلو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد . ٢١٣٧ - قال الشيخ ابن القيم : وروى النسائي حديث امرأة ثابت بن قيس موصولا مطولا عن الرُّبِّع بنت مُعَوِّذ: ((أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته، فكسريدها ، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبى، وأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت ، فقال له : خذ الذى لها عليك ، وخل سبيلها ، قال: نعم، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها)). (١) الزيادة من السنن . - ١٤٥ - ٢١٣٨٠ - وعن ابن عمر قال: ((عدة المختلفة حيضة(١))). قال : واختلف أهل العلم فى عدة المختلفة: فقال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم : إن عدة المختلفة عدة المطلقة ، وهو قول سفيان الثورى وأهل الكوفة، وبه يقول أحمد وإسحق . وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم : عدة المختلفة حيضة، قال إسحق : وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوى . وذكر غيره : أنه أدلّ شىء على أن الخلع فسخ ، وليس بطلاق ، وذلك أن الله سبحانه قال (٢ : ٢٢٨ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على حيضة واحدة . قال الترمذى فى جامعه: الصحيح فى حديث الربيع: ((أنها أمرت أن تعتد»، وهذا مرفوع، وقد صرح فى الرواية الأخرى: ((أن الذى أمرها بذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ثم ذكر الترمذى حديث ابن عباس: ((أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تعتد بمحيضة))، وقال: هذا حديث حسن غريب. والمعروف عن إسحق : أن عدتها حيضة ، وهى إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، نقلها عنه أبو القاسم ، وهو قول عثمان بن عفان وعبدالله بن عباس ، وعن ابن عمر روايتان: إحداهما : أن عدتها عدة المطلقة، ذكره مالك في الموطأ عن نافع عنه . والثانية: حيضة، نقلها ابن المنذر عنه، وهى رواية القعني عنه. قال أبو داود عن القعنى عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: ((عدة المختلفة حيضة))، واختار ابن المنذر أن عدتها حيضة . وقد ذكر الله تعالى فى آية الطلاق ثلاثة أحكام : أحدها : أن التربص فيه ثلاثة قروء ، الثانى: أنه مرتان ، الثالث : أن الزوج أحق برد امرأته فى المرتين . فالخلع ليس بداخل فى الحكم الثالث اتفاقاً ، وقد دلت السنة أنه ليس داخلا فى الحكم الأول، .وذلك يدل على عدم دخوله فى حكم العدد ، فيكون فسخاً . وهذا من أحسن ما يحتج به على ذلك . (١) حديث ابن عباس والكلام عليه وأثر ابن عمر وسياق الخلاف فى عدة المختلفة ، كل ذلك عند المنذرى فى آخر باب الرجل يقول لامرأته: يا أختى ، وهذا خطأ، أعدناه إلى هنا ، وهو موضعه اللائق به. م ١٠ - مختصر المتن - ١٤٦ - باب فى المملوكة تعتق وهى تحت حر أو عبد [٢: ٢٣٧ ] ٢١٣٩ - عن عكرمة عن ابن عباس: (( أن مُغيتاً كان عبداً فقال: يا رسول الله ، اشفع إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بَرِ يرة، اتَّى الله، فإنه زوجك وأبو وَلَدِكِ ، فقالت : يا رسول الله، تأمر ني بذلك؟ قال : لا ، إنما أنا شافع، فكان دموعه تسيل على خَدِّهِ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : ألا تعجبْ من حُبٍّ مُغيثٍ بريرةَ، وبغضها إياه؟)). وأخرجه البخارى بمعناه . ٢١٣٩ - قال الشيخ : كان الشافعى يقول: حديث بريرة هو الأصل فى باب المكافأة فى النكاح ، ولا أعلم خلافاً أن الأمة إذا كانت تحت عبد فعتقت أن لها الخيار ، وإنما اختلفوا فيها إذا كانت تحت حر: فقال مالك والشافعى والأوزاعى وابن أبى ليلى وأحمد وإسحق : لا خيار لها ، وقال الشعبى والنخعى وحماد وأصحاب الرأى وسفيان الثورى: لها الخيار . وأصل هذا الباب ، حديث بريرة. وقد اختلفت الروايات فيه عن عائشة رضى الله عنها: فروى عنها أهل الحجاز أنها قالت: ((كان زوج بريرة عبداً)»، كذلك رواه عروة بن الزبير والقاسم بن محمد، وروى أهل الكوفة ((أن زوجها كان حرًّا))، كذلك رواه الأسود بن يزيد عنها . وقد ذكر أبو داود هذه الأحاديث فى هذا الباب. فكانت رواية أهل الحجاز أولى ، لأن عائشة رضى الله عنها عمة القاسم وخالة عروة، وكانا يدخلان عليها بلا حجاب ، والأسود يسمع كلامها من وراء حجاب . وقد قيل: إن قوله (( كان زوجها حرًّا)» إنما هو من كلام الأسود ، لا من قول عائشة، وحديث ابن عباس هذا لم يعارضه شىء، وهو يخبر أنه كان عبداً، وقد ذكر اسمه، وأثبت L صفته ، فدل ذلك على صحة رواية أهل الحجاز . وفى قولها ((تأمرنى بذلك؟ )) دليل على أن أصل أمره صلى الله عليه وسلم على الحم والوجوب . - ١٤٧ - ٢١٤٠ - وعن ابن عباس: ((أن زوج بريرة كان عبداً أسود، يسمى مُعيناً، فَخَيََّها - يعنى النبى صلى الله عليه وسلم - وأمرها أن تَعْتَدَّ)). وأخرجه البخارى مختصراً. وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة بمعناه . ٢١٤١ - وعن عروة عن عائشة، فى قصة بريرة، قالت: (( كان زوجها عبداً ، فَخَيَّرَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختارت نفسها، ولو كان حُرًّا لم يُخِّها)). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى . ٢١٤٠ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: هكذا الرواية ((وأمرها أن تعتد)» وزاد الدار قطنى: ((عدة الحرة) ولعله مدرج من تفسير بعض الرواة . وقد روى ابن ماجة فى سننه: أخبرنا على بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبرهيم عن الأسود عن عائشة قالت: «أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض»، وهذا مع أنه إسناد الصحيحين ، فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة إلا ابن ماجة، ويبعد أن تكون الثلاث حيض محفوظة ، فإن مذهب عائشة : أن الأقراء الأطهار ، وقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تستبرى، بحيضة كما تقدم، فهذه أولى، ولأن الأقراء الثلاث إنما جعلت فى حق المطلقة ليطول زمن الرجعة ، فيتمكن زوجها من رجعتها متى شاء ، ثم أجرى الطلاق كله مجرى واحداً . وطرد هذا : أن المزنى بها تستبرأ بحيضة ، وقد نص عليه أحمد . وبالجملة : فالأمر بالتربص ثلاثة قروء إنما هو للمطلقة، والمعتقة إذا فسخت فهى بالمختلفة والأمة المستبرأة أشبه، إذ المقصود براءة رحمها، فالاستدلال على تعدد الأقراء فى حقها بالآية غير صحيح ، لأنها ليست مطلقه ، ولو كانت مطلقة لثبت لزوجها عليها الرجعة . وأما الأحاديث فى هذه اللفظة ففى صحتها نظر ، وحديث الدار قطنى، المعروف أن الحسن رواه مرسلا (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بريرة أن تعتد عدة الحرة))، ورواه البيهقى فى سننه من حديث عكرمة عن ابن عباس . وفيه وجه رابع: وهو أنه جعل عدتها عدة المطلقة، رواه البيهقى من حديث أبى معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، ورواه أبو يعلى الموصلى عن محمد بن بكار عن أبى معشر. فهذه أربعة أوجه . أحدها : أن تعتد . الثانى : عدة الحرة . الثالث : عدة المطلقة . الرابع : بثلاث حيض(١) . (١) هكذا فى الأصل . وبعض هذه الأوجه متداخل فى بعض . - ١٤٨ - ٢١٤٢ - وعن القاسم - وهو ابن محمد بن أبى بكر الصدّيق - عن عائشة: ((أن بريرة خَّرَها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان زوجُها عبداً)). وأخرجه مسلم والنسائى . باب من قال كان حرًّا [٢: ٢٣٧] ٢١٤٣ - عن الأسود عن عائشة: ((أن زوج بريرة كان حُرًّا حين أُعْتِقَتْ، وأنها خُبِّرَت فقالت: ما أحبُّ أن أكون معه وأن لى كذا وكذا)). وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه. وقوله ((كان حرًّا)) هو من كلام الأسود بن يزيد ، جاء ذلك مفسراً ، وإنما وقع مدرجاً فى الحديث . وقال البخارى: قول الأسود منقطع. وقول ابن عباس ((رأيته عبداً)) أصح. هذا آخر كلامه . وقد روى عن الأسود عن عائشة ((أن زوجها كان عبداً)) ، فاختلفت الرواية عن الأسود ، ولم تختلف عن ابن عباس وغيره ممن قال (( كان عبداً)). وقد جاء عن بعضهم أنه من قول إبرهيم النخعى، وعن بعضهم أنه من قول الحكم بن عُتَبِبة. قال البخارى: وقول الحكم مرسل . هذا آخر كلامه . وروى القاسم بن محمد وعروة بن الزبير ومجاهد وعمرة بنت عبدالرحمن، كلهم عن عائشة ((أن زوج بريرة كان عبداً))، والقاسم هو ابن أخى عائشة، وعروة هو ابن أختها ، وكانا يدخلان عليها بلا حجاب، وعمرة كانت فى حجر عائشة . وهؤلاء أخص الناس بها . وأيضاً فإن عائشة رضى الله عنها كانت تذهب إلى خلاف ماروى عنها ، وكان رأيها: أنه لا يثبت لها الخيار تحت الحر. وروى نافع عن صفية بنت أبى عبيد: ((أن زوج بريرة كان عبداً))، قال البيهقى: إسناد صحيح. وقال إبرهيم بن أبى طالب: خالف الأسود بن يزيد الناس فى زوج بريرة ، فقال : إنه حر ، وقال الناس : إنه عبد ، والأسود : هو أبو عمرو، ويقال أبو عبد الرحمن ، النخعى ، من تابعى أهل الكوفة . باب حتى متى يكون لها الخيار؟ [٢: ٢٣٨ ] ٢١٤٤ - عن عائشة: ((أن بريرة أُعْتِقَتْ وهى عند مغيث، عبدٍ لآلٍ أبى أحمد، فَخَيَّرَها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال لها: إن قَرُبَكِ فلا خِيَارَ لكِ)) . - ١٤٩ -- فى إسناده محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه . باب فى المملوكين يعتقان معاً، هل تخيَر امرأته؟ [٢: ٢٣٨] ٢١٤٥ - عن عائشة: ((أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها، زوجٌ، قال: فسألتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة )). وأخرجه النسائي وابن ماجة . وفى إسناده عبد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهَب ، وقد ضعفه يحيى بن معين ، وقال مرة : ثقة . وقال النسائي : ليس بذاك القوى . باب إذا أسلم أحد الزوجين [١: ٢٣٨] ٢١٤٦ - عن ابن عباس: ((أن رجلاً جاء مسلماً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال: يا رسول الله، إنها [قد] (١) كانت أسلمت معى ، فَرَّدَّهَا عليه)). وأخرجه الترمذى ، وقال : حسن صحيح . ٢١٤٧ - وعن ابن عباس قال: ((أسلمت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ٢١٤٥ - قال الشيخ: وفى هذا دلالة على أن الخيار بالعتق إنما يكون للأمة ، إذا كانت تحت عبد ، ولو كان لها خيار، إذا كانت تحت حر ، لم يكن لتقديم عتق الزوج عليها معنى ، ولا فيه فائدة . ٢١٤٧ - قال الشيخ : وفى هذا دليل على أن النكاح متى علم بين زوجين فادعت المرأة ٢١٤٥ - قال الشيخ ابن القيم: واستدل به من يقول: إن التخيير إنما يكون للمعتقة تحت عبد، ولو كان لها خيار إذا كانت تحت حر لم يكن لتقديم عتق الزوج عليها معنى ولا فائدة . وفيه نظر . (١) الزيادة من السنن . - ١٥٠ - فَتَزَوَّجَتْ ، فجاء زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنى قد كنت أسامتُ، وعَلِمَتْ بإسلامى، فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر، ورَدَّها إلى زوجها الأول)). وأخرجه ابن ماجة . بابٌ إلى متى ترد عليه امر أته إذا أسلم بعدها؟ [٢: ٢٣٩] ٢١٤٨ - عن ابن عباس قال: ((رَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلمٍ ابنَتَهُ زينبَ على الفرقة ، فإن القول فى ذلك قول الزوج ، وأن قولها فى إبطال النكاح غير مقبول. والشك لا يرحم اليقين . ولا أعلم خلافاً أنه إذا لم يتقدم إسلام أحد الزوجين إسلام الآخر، وكانت المرأة مدخولاً بها، ثم أسلم الآخر قبل انقضاء العدة ، فهما على الزوجية ، فى قول الزهرى والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه . وقال مالك بن أنس: إذا أسلم الرجل قبل امرأته وقعت الفرقة ، إذا عرض عليها الإسلام فلم تقبل . وقال سفيان الثورى، فى المرأة إذا أسلمت : عرض على زوجها الإسلام ، فإن أسلم فهما على نكاحهما ، وإن أبى أن يسلم فرق بينهما. وكذلك قال أصحاب الرأى، إذا كان فى دار الإسلام ، وإن أسلمت المرأة ثم لحق الزوج بدار الكفر فقد بانت منه ، لافتراق الدين ، فإن أسلمت ، وهما فى دار الحرب ولم يخرجا أو واحد منهما إلى دار الإسلام، فهو أحق بها إن أسلم قبل أن تنقضى العدة ، فإذا انقضت العدة فلا سبيل له عليها . وقال ابن شبرمة : تبين منه، كما تسلم ، ولا سبيل له عليها إلا بخطبة ، وبه قال أبو ثور. وروى ذلك عن الحسن وعكرمة وعمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس . ٢١٤٨ - قال الشيخ: وهذا ، إن صح ، فإنه يحتمل أن يكون لأن عدتها قد تطاولت لاعتراض ٢١٤٨ - قال الشيخ ابن القيم : وقال الإمام أحمد: حديث ابن عباس فى هذا أصح ، - ١٥١ - أبى العاصى بالنكاح الأول، لم يُحدث شيئاً - قال محمد بن عمرو فى حديثه: بعد ست سنين، وقال الحسن بن على: بعد سنتين)). وأخرجه الترمذى وابن ماجة. وفى حديث الترمذى: (( بعد ست سنين)). وفى حديث ابن ماجة: ((بعد سنتين)). وقال الترمذى: ليس بإسناده بأس، ولكن لا يعرف وجه هذا الحديث ، ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن الحصين ، من قبل حفظه. وحكى عن يزيد بن هرون أنه ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (( أن النبى صلى الله عليه سبب ، حتى بلغت المدة المذكورة فى الحديث ، إما الطولى منهما وإما القصرى ، إلا أن حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخة ، وقد ضعف أمره على بن المدينى وغيره من علماء الحديث . وقد حدثونا عن محمد بن إسمعيل الصائغ قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبى العاص بن الربيع بنكاح جديد))، فقد عارض هذه الرواية رواية داود بن الحصين ، وفيها زيادة ليست فى رواية داود بن الحصين . والمثبت أولى من النافى ، غير أن محمد بن إسمعيل قال: حديث ابن عباس أصح قيل له: أليس يروى ((أنه ردها بنكاح مستأنف؟)) قال: ليس لذلك أصل. وقال ابن عبد البر: قصة أبى العاص مع امرأته لا تخلو من أن تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار ، فتكون منسوخة بما جاء بعدها ، أو تكون حاملا، واستمر حملها حتى أسلم زوجها، أو مريضة لم تحض ثلاث حيضات حتى أسلم، أو تكون ردت إليه بنكاح جديد - ، ذكر حديث عمرو بن شعيب - تم كلامه. وللناس فى حديث ابن عباس عدة طرق : أحدها : رده باستمرار العمل على خلافه ، قال الترمذي : سمعت عبد بن حميد يقول : سمعت يزيد بن هرون يقول : حديث ابن عباس أجود إسناداً ، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. وقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء أن بانقضاء العدة ينفسخ النكاح إلا شىء روى عن النخعى ، شذ فيه عن جماعة العلماء ، فلم يتبعه عليه أحد ، زعم أنها ترد إلى زوجها، وإن طالت المدة . - ١٥٢ - وسلم ردَّ ابنته على أبى العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد )) ، وقال: حديث. ابن عباس أجود إسناداً، والعمل على حديث عمرو بن شعيب . وقال الخطابى : وهذا ، إن صح ، فإنه يحتمل أن يكون عدتها قد تطاولت ، لاعتراض سبب ، حتى بلغت المدة المذكورة فى الحديث ، إما الطولى منها وإما القصرى ، إلا أن حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخة ، وقد ضعف أمره علىّ بن المدينى وغيره من علماء الحديث . وقال بعضهم: فى هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب ، وقال أبوعيسى الترمذى : قال يزيد بن هرون: العمل فى هذا على حديث عمرو بن شعيب ، وإن كان إسناد حديث ابن عباس أجود . قال الشيخ: وإنما ضعفوا حديث عمرو بن شعيب من قبل الحجاج بن أرطاة ، لأنه. معروف بالتدليس . وحکی عن محمد بن عقيل أن يحيى بن سعيد قال : لم يسمعه حجاج من عمرو. قال الشيخ : وفى الحديث دليل أن افتراق الدارين لا تأثير له فى إيقاع الفرقة ،. وذلك أن أبا العاص كان بمكة بعد أن أطلق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفكه من الثانى : معارضته بحديث عمرو بن شعيب . الثالث : تضعيف داود بن الحصين عن عكرمة . الرابع : حمله على ردها بنكاح مثل الأول ، لم يحدث فيه شيئاً . الخامس : حمله على تطاول زمن العدة . السادس : القول بموجبه، ويروى عن على بن أبي طالب وإبرهيم النخعى؛ وغيرهما . السابع : أن تحريم نكاح الكفار إنما كان فى سورة الممتحنة، وهى نزلت بعد الحديبية ، فلم يكن نكاح الكافر المسلمة قبل ذلك حراماً ، ولهذا فى قصة الممتحنة: ((لما نزلت (١٠:٦٠ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) عمد عمر إلى امرأتين له فطلقهما))، ذكره البخاري . فدل على أن التحريم كان من يومئذ . وإذا ثبت هذا فأبو العاص بن الربيع إنما أسلم فى زمن الهدنة بعد ما أخذت سرية زيد بن حارثة ما معه ، فأتى المدينة فأجارته زينب ، فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جوارها، ودخل عليها فقال: ((أي بنية، أكرمى مثواه ، ولا يخلص إليك، فانك لا محلين له)) وكان هذا بعد - ١٥٣ - معناه ردَّها عليه على النكاح الأول ، أى على مثل النكاح الأول فى الصداق والحباء ، لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره . وقال البخارى : حديث ابن عباس أصح فى أسره، وكان قد أخذ عليه أن يجهز زينب إليه ، ففعل ذلك ، وقدمت زينب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقامت بها . وقد روى أن جماعة من النساء ردهن النبى صلى الله عليه وسلم على أزواجهن بالنكاح. الأول ، منهن امرأة عكرمة بن أبي جهل ، وكان خرج إلى اليمن ، وهند بنت عتبة ، أسلم نزول آية التحريم فى الممتحنة ، ثم إن أبا العاص رجع إلى مكة، فأدى ما كان عنده من بضائع أهل مكة ، ثم أسلم ، وخرج إلى المدينة ، فلم يطل الزمان بين إسلامه ونزول آية التحريم ، فردها عليه بالنكاح الأول . الثامن : أن حديث ابن عباس فى قصته منسوخ ، وسلك ذلك الطحاوى ، وادعى. أن النی صلی الله عليه وسلم ردها إليه بعد رجوعه من بدر حین أسر ، وروی فی ذلك عن الزهرى (( أنه أخذ أسيراً يوم بدر فأتى به النبى صلى الله عليه وسلم، فرد عليه ابنته))، ثم إن الله سبحانه حرم نكاح الكفار فى قضية الممتحنة . التاسع : ما حكاه عن بعض أصحابهم فى الجمع بين الحديثين بأن عبد الله بن عمرو علم تحريم. نكاح الكافر ، فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد، فقال ((ردها عليه بنكاح جديد))، ولم يعلم ابن عباس بالتحريم، فقال ((ردها بالنكاح الأول))، لأنه لم يكن عنده بينهما فسخ نكاح. فهذه مجامع طرق الناس فى هذا الحديث . أفسدها هذان الآخران ، فإنهما غلط محض، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يردها على أبى العاص يوم بدر قط، وإنما الحديث فى قصة بدر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقه، وشرط عليه أن يرد عليه ابنته، لأنها كانت بمكة، فلما أسر أبو العاص أطلقه بشرط أن يرسلها إلى أبيها، ففعل ، ثم أسلم بعد ذلك بزمان فى الهدنة » هذا هو المعروف الذي لا يشك فيه من له علم بالمغازى والسير، وما ذكروه عن الزهري وقتادة فمنقطع لا يثبت . وأما المسلك التاسع، فمعاذ الله أن يظن بالصحابة أنهم يروون أخباراً عن الشىء الواقع والأمر بخلافه، بظنهم واعتقادهم ، وهذا لا يدخله إلا الصدق والكذب ، فإِنه إخبار عن أمر واقع مشاهد ، هذا يقول : ردها بنكاح جديد ، فهل يسوغ أن يخبر بذلك بناء على اعتقاده - ١٥٤ - هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب . وقال الدارقطنى فى حديث عمرو بن شعيب هذا : لا يثبت ، والصواب حديث ابن عباس. وقال الخطابى: وإنما ضعَّفوا حديث عمرو بن أبو سفيان خارج الحرم ، وهى مقيمة بمكة، وهى دار حرب ، لم يستول عليها النبى صلى الله عليه وسلم بعدُ ، فلما عاد إليها وأسلمت هند كانا على نكاحهما . وقد تكلم الناس فى تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب من أبي العاص ، ومعلوم أنها لم تزل مسلمة ، وكان أبو العاص كافراً . من غير أن يشهد القصة، أو تروى له؟ وكذا من قال ((ردها بالنكاح الأول)). وكيف يظن بعبد الله بن عمرو أنه يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم عقد نكاح لم يثبته ، ولم يشهده ، ولا حكى له؟ وكيف يظن بابن عباس أن يقول ((ردها بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا)» وهو لا يحيط علماً بذلك؟ ثمكيف يشتبه على مثله نزول آية الممتحنة ، وما تضمنته من التحريم قبل رد زينب على أبي العاص ، ولو قدر اشتباهه عليه فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم لحداثة سنه ، أفترى دام هذا الاشتباه عليه، واستمر حتى يرويه كبيراً، وهو شيخ الإسلام !! ومثل هذه الطرق لا يسلكها الأيمة ، ولا يرضى بها الحذاق (١). وأما تضعيف حديث داود بن الحصين عن عكرمة ، فما لا يلتفت إليه ، فإن هذه الترجمة صحيحة عند أيمة الحديث لا مطعن فيها ، وقد صحح الإمام أحمد والبخارى والناس حديث ابن عباس ، وحكموا له على حديث عمرو بن شعيب . وأما حملها على تطاول العدة فلا يخفى بعده . وأما حمله على أنه ردها بنكاح جديد مثل الأول ، ففى غاية البعد ، واللفظ ينبو عنه . وأما رده بكونه خلاف الإجماع ففاسد ، إذ ليس فى المسألة إجماع ، والخلاف فيها أشهر ، والحجة تفصل بين الناس . (١) بل هذه من تشقيفات أهل الرأى، الذين يلعبون بالأحاديث ما شاءوا ، ويؤولونها على الوجه الذى يوافق هواهم ، لا يبالون فى سبيل ذلك أن يتناقضوا ، وأن يأتوا بما لا يدخل فى عقل ، ولا يبالون أن يكون فيما يقولون ما يجعل الصحابة والتابعين غير متحرين للصدق ، جريئين على النقل. وقد برأ الله حملة أحمد محمد شاكر العلم من أهل الرواية ، من الصحابة والتابعين وغيرهم ، مما يوهمه كلام هؤلاء . - ١٥٥ - شعيب من قبل الحجاج بن أرْطاة ، لأنه معروف بالتدليس ، وحكى محمد بن عقيل أن يحيى بن سعيد قال : لم يسمعه حجاج من عمرو. باب فيمن أسلم وعنده نساء ا كثر من أربع [أَوْ أُخْتَانِ] [٢٣٩:٢] ٢١٤٩ - عن الحرث بن قيس الأسدى قال: ((أسامت وعندى ثمانُ نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أربعاً)). ووجه ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما زوجها منه قبل نزول قوله عز وجل (٢: ٢٢١ ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) ثم أسلم أبو العاص ، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعا فى الإسلام والنكاح معاً . ٢١٤٩ - قال الشيخ: قوله ((اختر منهن أربعاً)) ظاهره يدل على أن الاختيار فى ذلك إليه، يمسك من شاء منهن ، سواء كان عقد عليهن فى عقد واحد أو متفرقات ، لا يعتبر المتقدمة وليس القول فى الحديث إلا أحد قولين : إماقول إبرهيم النخعى ، وإما قول من يقول : إن التحريم لم يكن ثابتاً إلى حين نزول الممتحنة ، فكانت الزوجية مستمرة قبل ذلك . فهذان المسلكان أجود ماسلك فى الحديث . والله أعلم . ٢١٤٩ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقد اختصر كلام البخارى ، ونحن نذكره لكال الفائدة : قال البخارى : حديث غيلان بن سلمة ، يعنى من حديث عبد الله بن عمر ، غير محفوظ، والصحيح مارواه شعيب وغيره عن الزهري عن محمد بن سويد الثقفى (( أن غيلان أسلم)) قال البخارى: وأما حديث الزهرى، عن سالم، عن أبيه (( أن رجلا من ثقيف طلق نساءه ، فقال عمر رضى الله عنه: لتراجعن نساءك، أولأرجمن قبرك ، كما رجم قبر أنى رغال )) (١). (١) لم يذكر ابن القيم كلام البخارى كاملاً، بل أخل به ، وكلامه ثابت بنصه فى كتاب التاريخ الصغير ( س ١٣٧)، واختصره الترمذى اختصاراً واضحاً (٣: ١٩٠). وستأتي إشارتنا إلى تحقيقنا أحمد محمد شاكر صحة هذا الحديث ، بعد صفحتين . - ١٥٦ - وفى رواية: ((قيس بن الحرث ))، وصوّ به بعضهم. وأخرجه ابن ماجة . وفى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ، وقد ضعفه غير واحد من الأيمة . وقال أبو القاسم البغوى : ولا أعلم للحرث بن قيس حديثاً غير هذا . وقال أبو عمر النمرى: ليس له إلا حديث واحد ، ولم يأت من وجه صحيح. وقد أخرج الترمذى وابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر: (( أن غيلان بن سلمة الثقفى أسلم وله عشر فى العقد ولا المتأخرة منهن ، لأن الأمر قد فُوِّض إليه فى الاختيار من غير استفصال . وإلى هذا ذهب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه ، وأراه قول محمد بن الحسن ، وقد روى ذلك عن الحسن البصرى . وقال أبو حنيفة وسفيان الثورى : إن نكحهن فى عقد واحد فرق بينه وبينهن ، وقال ابن عبد البر: الأحاديث فى تحريم مازاد على الأربع كلها معلولة . وقال ابن القطان : هذا حديث مختلف فيه على الزهرى ، ومالك ومعمر يقولان عنه : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من ثقيف، ويونس فى روايته عنه يقول: عن الزهري عن عثمان بن محمد بن أبى سويد (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الغيلان حين أسلم)» ، ذكره ابن وهب عن يونس ، وروى الليث عن يونس عن ابن شهاب : بلغنى عن عثمان بن أبى سويد ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) الحديث. وروى شعيب بن أبى حمزة وغير واحد عن الزهري: حدثت عن محمد بن سويد الثقفى: ((أن غيلان أسلم»، ذكره البخاري والناس ، وقال معمر عن الزهرى عن سالم عن أبيه: (( أن غيلان أسلم))، ذكره الإمام أحمد بن حنبل وغيره . فهذه خمس وجوه . آخر كلامه . وقد رواه الدار قطنى من حديث سيف بن عبد الله الجرمى أخبرنا سرار بن مجشر عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر: (( أن غيلان بن سلامة أسلم وعنده عشر نسوة، فأمره النبى صلى اللّه عليه وسلم أن يمسك منهن أربعاً ، فلما كان زمن عمر طلقهن، فقال له عمر : راجعهن ، وإلا ورثتهن مالك، وأمرت بقبرك يرجم)) (١). ولكن سيف وسرار ليسا بمعروفين بحمل (١) هو فى الدار قطنى ص ٤٠٤ بلفظ ((فأمره عمر أن يرتجعهن، وقال: لو مت لورثتهن منك، ولأمرت بقبرك يرجم كما رجم قبر أبى رغال )). - ١٥٧ - نسوة فى الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يتخَر أربعاً منهن)). قال البخارى : هذا حديث غير محفوظ ، يعنى أن الصحيح إرساله ، وقد ذكر ذلك وبينه . وقال مسلم بن الحجاج: أهل اليمن أعرف بحديث معمر ، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث حديثاً ، وإلا فالإرسال أولى، يعنى أن أهل البصرة تفردوا بإسناده. وقد روى الحديث عن غير أهل البصرة موصولاً (١) . وأخرجه الدارقطنى من حديث عبد الله بن عباس ، وإسناده ضعيف . وإن كان نكح واحدة بعد الأخرى حبس أربعاً منهن، الأولى، فالأولى ، وترك سائرهن . قال الشيخ : معنى الاختيار المذكور فى الحديث يبطل ، إذا لم يكن له إلا حبس الأوليات . فدل ذلك على أنه يختار من شاء منهن ، الأولى والأخرى فى ذلك سواء. ومن اعتبر فيهن هذا المعنى لزمه أن يعتبر أوصاف عقودهن فيما مضى ، فلا يجيز منها العقود التى خلت عن الشهود والأولياء ، ولا العقود التى وقعت فى أيام العدة من الزوج الأول ، فإذا لم يكن هذا معتبراً فيها ، لأنه حكم ثابت من أحكام الجاهلية ، وقد لقيه الإِسلام بالعفو ، فكذلك التقديم والتأخير، لا فرق بين الأمرين فى ذلك ، فأما الأعيان فإنها قائمة غير فائتة ، وليست كالأوصاف التى قد فاتت بفوات الزمان الذى قد وقع فيه العقد ، فلا يقر الزوج على نكاح امرأة من ذوات المحارم اللاتى لو أراد ابتداء العقد عليهن فى حال الإسلام لم يحللن له . الحديث وحفظه، وقال الدار قطنى فى كتاب العلل - وقد ذكر هذا الحديث -: تفرد به سيف بن عبد الله الجرمى عن سرار ، وسرار ثقة من أهل البصرة . ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته ، بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرده علة. والله أعلم . (١) حديث ابن عمر، فى قصة غيلان بن سلمة الثقفى، رواه أحمد فى المسند مختصراً ومطولاً ٤٦٠٩، ٤٦٢١ من طريق معمر عن الزهرى. وقد بينت فى شرحى هناك صحته، ورددت على من أعله، أحمد محمد شاكر بوالحمد لله . - ١٥٨ - ٢١٥٠ - وعن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: (( قلت: يا رسول الله، إنى أسلمت وتحتى أختان؟ قال : طَلِّقْ أَيَّتَهما شئت)). وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث حسن . وفى لفظ الترمذى: ((اختر أيتهما شئت)). ولفظ ابن ماجة: ((طِلِّق))، كما ذكره أبو داود. ٢١٥٠ - قال الشيخ: فى هذا بيان أن الاختيار إليه فى إمساك من شاء منهن، من المتقدمة والمتأخرة . وفيه حجة لمن ذهب إلى أن اختياره إحداهما لا يكون فسخاً لنكاح الأخرى ، حتى يطلقها . ٢١٥٠ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث يرويه أبو وهب الجيشانى عن الضحاك بن فيروز عن أبيه . قال البخارى : فى إسناد هذا الحديث نظر . ووجه قوله : أن أبا وهب والضحاك مجهول حالهما ، وفبه يحي بن أيوب ، ضعيف . وقوله ((طلق أيتهما شئت)» دليل على أنه إذا طلق واحدة لم يكن اختياراً لها ، كماقال أصحابنا وأصحاب الشافعى، قالوا : لأن الطلاق إنما يكون للزوجة لا للأجنبية، فإذا طلقها كان دليلاً على استبقاء نكاحها ، وهذا ضعيف جداً ، فان طلاقه لها إنما هو رغبة عنها ، وقطع لنكاحها ، فكيف يكون اختياراً لها؟ وهو لو قال: طلقت هذه وأمسكت هذه، أو اخترت هذه: جعلتم التى اختار إمساكها مفارقة ، والتى اختار طلاقها مختارة !! وهذا معلوم أنه ضدمقصوده . وأقصى مافى الباب أنه استعمل لفظ الطلاق فى مفارقتها، والنى صلى الله عليه وسلم قال له «فارق سائرهز»، والمفارقة أيضا من صرائح الطلاق عندكم ، فاذا قال : فارقت هذه ، كان اختياراً لها ! وهذا أحد الوجهين لهم، وإنما يكون مفارقاً لها إذا قال: فسخت نكاح هؤلاء أو اخترت هؤلاء ، ونحوه ، وصاحب الشرع قد أمره بالفراق، وإذا أتى باللفظ الذى أمره به ، كان ذلك فراءالا اختياراً . وأس قولهم : إن الطلاق لا يكون إلا. فى زوجة . قلنا : هذا ينتقض بالفسخ، وإنكم قد قلتم: لو فسخ نكاح إحداهن كان اختياراً للباقيات، ومعلوم أن الفسخ لا يكون إلا فى زوجة، فما هو جوابكم فى الفسخ هو الجواب فى الطلاق . - ١٥٩ - باب إذا أسلم أحد الأبوين، مع مَنْ يكون الولد؟ [٢: ٢٤٠ ] ٢١٥١ - عن رافع بن سِنان: (( أنه أسلم، وأَبَتِ امرأته أن تُسلم، فأنت النبى صلى الله عليه. وسلم، فقالت: ابنتى ، وهى فَطيم، أو شبه(١) ، وقال رافع: ابنتى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اقعدْ ناحيةً ، وقال لها : اقعدى ناحيةً، وَأَفَعَدَ الصَّبية بينهما ، ثم قال : ادْعُوَاهَا، فمالت الصَّبية إلى أمها ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ اهْدِهَا، فمالت إلى أبيها ، فأخذها )). وأخرجه النسائى . باب فى اللعان [٢: ٢٤٠ ] ٢١٥٢ - عن ابن شهاب الزهرى عن سهل بن سعد الساعدى: ((أن عُويمر بن أشقر ٢٦٥١ - قال الشيخ: فى هذا بيان أن الولد الصغير إذا كان بين المسلم والكافر، فإن المسلم أحق به ، وإلى هذا ذهب الشافعى . وقال أصحاب الرأى فى الزوجين يفترقان بالطلاق والزوجة ذمية: إن الأم أحق بأولادها ما لم تزوج ، ولا فرق في ذلك بين الذمية والمسلمة . ٢١٥٢ - قال الشيخ: قوله (( كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، وعابها)) يريد به وأيضاً ، فالطلاق جعل عبارة عن الفسخ ، وإخراجاً للمطلقة ، واستبقاء للأخرى، فكأنه قال : أرسلت هذه وسيبتها ونحوه ، وأمسكت هذه . وأيضاً ، فان النكاح لم تزل أحكامه كلها بالإِسلام، ولهذا قلتم : إن عدة المفارقت من حين الاختيار، لامن حين الإسلام على الصحيح، وعلاتم ذلك بأنهن إنما بن منه بالاختيار لا بالإسلام، فالطلاق أثر فى قطع أحكام النكاح وإزالتها . وأيضاً، فإن العبرة بالقصد والنية، وهو لم يرد قط بقوله ((طلقت هذه) اختيارها ، بل هذا قلب للحقائق ! ! وأيضاً ، فإن لفظ الطلاق لم يوضع للاختيار لغة، ولا شرعاً، ولا عرفاً، ولا هو اصطلاح خاص له يريده بكلامه ، محمله على الاختيار ممتنع . (١) عند المنذرى ((أى شبهه)). - ١٦٠ - المَجْلانى جاء إلى عاصم بن عَدِىّ فقال له: يا عاصم، أرأيتَ رجلاً وجد مَعَ امرأته رجلاً ، أيقتله فتقتلونه ، أم كيف يفعل؟ سَلْ لى يا عاصمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل ، وعابها، حتى كَبُرَ على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رجع عاصم إلى أهله، جاءه مُويمر، فقال له : يا عاصم ، ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عاصم: لم تأتنى بخيرٍ ، قَدْ كَرِهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التى سألُه عنها ، فقال عويمر : والله لا أنتهى حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو وَسْط الناس، فقال: يارسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً ، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أُنْزِلَ فيك وفى صاحبتك المسألة عما لا حاجة بالسائل إليه ، دون ما به إليه الحاجة . وذلك أن عاصماً إنما كان يسأل لغيره لا لنفسه ، فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة فى ذلك ، إيثاراً لستر العورات ، وكراهة لهتك الحرمات . وقد وجدنا المسألة فى كتاب الله عز وجل على وجهين : أحدهما : ما كان على وجه التبين والتعلم فيما يلزم الحاجة إليه من أمر الدين . والآخر : ما كان على طريق التكلف والتعنت . فأباح النوع الأول وأمر به ، وأجاب عنه. فقال تعالى (١٦: ٤٣ و ٢١ :٧ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) وقال (١٠ : ٩٤ فاسأل الذين يقرون الكتاب من قبلك ) وقال فى قصة موسى والخضر (١٨: ٧١ فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكراً) وقال (٣: ١٨٧ لتُبيِّننَّهَ للناس ولا تكتمونه)، فأوجب على من يُسأل عن على أن يجيب عنه ، وأن يبين ولا يكتم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من سئل عن على فكتمه ألجم بلجام من نار))، وقال عز وجل (٢: ١٨٩ يسألونك عن الأهلَّة؟ قل: هى مواقيت للناس والحج ) (٢: ٢٢٢ يسألونك عن الحيض؟ قل: هو أذى) (٨: ١ يسألونك عن الأنفال؟ قل: الأنفال الله والرسول).