النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
١٩٩١ - وعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: ((أن العباس بن عبد الله بن العباس
أنكح عبد الرحمن بن الحُكَم ابنته، وأنكجه عبد الرحمن ابنته، وكانا جَعلا صداقاً،
فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال فى كتابه: هذا الشِغَارُ الذى هى
عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم)».
(١)
٠
فى إسناده محمد بن إسحق
باب في التحليل [ ٢ :١٨٨ ]
١٩٩٢ - عن الحرث عن على رضى الله عنه، قال إسماعيل: وأرَاهُ قد رفعه إلى النبى صلى
الله عليه وسلم، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: « لَنَ الله المُحِلَّ والمُحَلَّلَ لهُ)).
أبطته الشريعة فإنما أفسدته على الجهة التى كاوا يوقعونه، وكانوا يوقعونه مهراً وعقداً،
فوجب أن يفسدا معاً.
وكان ابن أبى هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة واستثنى عضواً من أعضائها ، وهو مالا
خلاف فى فساده .
قال: فكذلك الشغار، لأن كل واحد منهما قد زوج وليته واستثنى بعضه، حتى جعله
مهر صاحبها.
وعليه بعضهم فقال: لأن المعقود له معقود به ، وذلك لأن العقد لها وبها، فصار كالعبد
تزوج على أن تكون رقبته صداقاً للزوجة .
١٩٩٢ - قال الشيخ: أما إذا كان ذلك عن شرط بينهما ؛ فالنكاح فاسد ، لأنه عقد تناهى
إلى مدة، كنكاح المتعة، وإذا ! يكن ذلك شرطًا، وكان فية وعقيدة، فهو مكرره، فإن
أصابها الزوج ثم طلقها وانقضت العدة ، فقد حلت الزوج الأول .
١٩٩١ - قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى ابن حبان فى صحيحه من حديث عبد الرزاق عن
معمر عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا شغار فى الإسلام)،
ومن حديث حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (( لا جلب ، ولا جنب ، ولا شغار ، ومن انتهب نهبة فليس منا ))
(١) وهو ثقة بكل حال، ومع ذلك فقد صرح هنا بالتحديث.

- ٢٢ -
١٩٩٣ - وعن الحرث الأعور عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال:
فرأينا أنه علىٌّ ، عن النبى صلى الله عليه وسلم، بمعناه .
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث على وجابر - يعنى ابن عبد الله
حديث معلول . هذا آخر كلامه . والحرث - هذا - هو ابن عبد الله الأعور الكوفى كنيته:
أبو زهير، وكان كذاباً. وقد روى هُزَيل بن شُرَحْبيل عن عبد الله بن مسعود قال: (( لعن
رسول الله صلى الله عليه وسلم المحل والمحلل له))، أخرجه الترمذى ، وقال الترمذى : حديث
حسن صحيح (١).
وقد كره غير واحد من العلماء أن يضمرا أو ينويا أو أحدهما ، التحليل، وإن لم
يشترطاه .
وقال إبرهيم النخعى : لا يحللها لزوجها الأول ، إلا أن يكون نكاح رغبة ، فإن
كان نية أحد الثلاثة: الزوج الأول، أو الثانى، أو المرأة ، أنه محلل، فالنكاح باطل ، ولا
تجل للأول .
وقال سفيان الثورى: إذا تزوجها وهو يريد أن يحلها لزوجها، ثم بدا له أن يمسكها،
لا يعجبنى إلا أن يفارقها، ويستأنف نكاحاً جديداً . وكذلك قال أحمد بن حنبل .
وقال مالك بن أنس : يفرق بينهما على كل حال .
١٩٩٣ - قال ابن القيم رحمه الله : وحديث جابر الذى أشار إليه رواه الترمذى من
حديث مجالد عن الشعبى عن جابر: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحل والمحلل
له ))، قال : هكذا روى أشعث بن عبد الرحمن عن مجالد عن عامر عن جابر عن النبى صلى
الله عليه وسلم، وهذا حديث ليس إسناده بالقائم ، لأن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل
العلم ، منهم أحمد بن حنبل ، وروى عبد الله بن نمير هذا الحديث عن مجالد عن عامر عن
جابر عن على ، وهذا وهم ، وهم فيه ابن نمير ، والحديث الأول أصح ، قال : وقد روى
الحديث عن على من غير وجه ، قال : فى الباب عن أبى هريرة ، وعقبة بن عامر ، وابن عباس،
قال : والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، متهم عمر
بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعبد الله بن عمر، وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين،
وبه يقول سفيان الثورى ، وابن المبارك، والشافعى ، وأحمد ، وإسحق ، قال: وسمعت الجارود
(١) ورواه أحمد فى المسند ٤٢٨٣، ٤٢٨٤، ٤٣٠٨، ٤٤٠٣.

- ٢٣ -
باب فى نكاح العبد بغير إذن مواليه [ ٢: ١٨٨ ]
١٩٩٤ - عن جابر - وهو ابن عبد الله - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أيُّمَا
عَبْدٍ تَزَوَّجَ بغير إذن مواليه فهو عاهِرٌ )) .
وأخرجه الترمذى ، وقال : حديث حسن . هذا آخر كلامه . وفى إسناده عبد الله بن
محمد بن عقيل ، وقد احتج به غير واحد من الأيمة ، وتكلم فيه غير واحد من الأيمة .
١٩٩٥٠ - وعن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا نكح العبد بغير إذن مولاه
فتكاحه باطل )».
قال أبو داود : هذا الحديث ضعيف ، وهو موقوف ، وهو قول ابن عمر .
١٩٩٤ - قال الشيخ: ((العاشر)) الزانى، والعهر: الزنى. وإنما بطل نكاح العبد من أجل
أن رقبته ومنفعته مملوكتان لسيده، وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده، وكان
فى ذلك ذهاب حقه ، فأبطل النكاح إبقاء لمنفعته على صاحبه. ومن أبطل عقد هذا النكاح
الأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه .
.وقال مالك وأصحاب الرأى: إن أجازه السيد جاز، وإن أبطله بطل ،
وعند الشافعى يثبت النكاح وإن أجازه السيد ، لأن عقد النكاح لا يقع عنده موقوفاً
على إجازة الولى .
يذكر عن وكيع أنه قال بهذا، وقال: ينبغى أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأى ،
قال وكيع : وقال سفيان: إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا يحل له أن
تسکها حتى يتزوجها بنكاح جديد . تم كلامه .
وقال إبرهيم النخعى : لا يحلها لزوجها الأول إلا بنكاح رغبة ، فإن كانت نية أحد الثلاثة :
الزوج الأول ، أو الثانى، أو المرأة ، أن تحلل، فالنكاح باطل ، ولا تحل للأول.
وحديث أبى هريرة الذى أشار إليه الترمذى رواه الإمام أحمد فى مسنده: (( أن النبي
صلى الله عليه وسلم لعل المحل والمحلل له))، قال الترمذى فى كتاب العلل: سألت محمد بن إسمعيل
عن هذا الحديث ؟ فقال : هو حديث حسن ، وعبدالله بن جعفر المخرمى صدوق ثقة ، وعثمان
بن محمد الأخنسى ثقة، وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبرى .

- ٢٤ -
باب فى كراهية أن يخطب الرجل على خطبة أخيه [٢: ١٨٩]
١٩٩٦ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَخْطبُ الرجل على
خطبة أخيه)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة.
١٩٩٦ - قال الشيخ: نهيه عن ذلك فهى تأديب، وليس بهى تحريم يبطل العقد ، وهو
قول أكثر العلماء، إلا أن مالك بن أنس قال: إن خطبها على خطبة أخيه ثملكها فرّق
بينهما، إلا أن يكون قد دخل بها ، فلا يفرق بينهما .
وقال داود : إن خطبها رجل بعد الأول وعقد عليها فالنكاح باطل.
وفى قوله ((على خطبة أخيه)) دليل على أن ذلك إنما نهى عنه إذا كان الخاطب الأول
مسلماً ، ولا يضيق ذلك إذا كان الخاطب الأول يهوديًا أو نصرانيًّا، لقطع الله الأخوة بين
المسلمين وبين الكفار .
وقال الشافعى: إنما نهى عن ذلك فى حال دون حال، وهو أن تأذن المخطوبة فى إنكاح
رجل بعينه، فلا يحل لأحد أن يخطبها فى تلك الحال حتى يأذن الخاطب له،واحتج تحديث
فاطمة بنت قيس : حدثناه الأصم حدثنا الربيع أخبرنا الشافعى أخبرنا مالك عن عبد الله بن
يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس: (( أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها فى عدتها من طلاق زوجها: إذا حالت فآذنينى،
فقالت: فلما حللت أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطبانى، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أما معاوية فصُعلوك، لامال له ، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عائقه، انكحى
أسامة، قالت : ففعلت ، فاغتبطت به )).
قال الشيخ : فخطبته إياها لأسامة على خطبة معاوية وأبى جهم يدل على جواز ذلك ،
فه لم يكن وقع الركون منها إلى الخاطب الأول، أو الإذن منها فيه .
وفى هذا الحديث أنواع من الفقه، منها جواز التعريض للمرأة بالخطبة فى عدمها .
وفيه أن المال معتبر فى بعض أنواع المكافأة .

- ٢٥ -
١٩٩٧ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يخطب أحدكم على
خطبة أخيه ، ولا يَبِيعُ على بيع أخيه، إلا بإذنه)).
وأخرجه مسلم وابن ماجة .
باب الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها [٢ : ١٩٠]
١٩٩٨ - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا خطب
وفيه دليل على جواز نكاح المولى القرشية .
وفيه دليل على جواز أديب الرجل امرأته .
وفيه دليل على أن المستشار إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض مافيه من العيوب على
وجه النصيحة لها والإرشاد إلى مافيه حظها لم يكن ذلك غيبة يأثم فيها .
وقوله ((لا يضع عصاه عن عائقه)) يتأول على وجهين: أحدهما: التأديب والضرب لها،
والآخر أن يكون معناه الأسفار والظعن عن وطنه ، يقال: رفع الرجل عصاه ، إذا سار ،
ووضع عصاه ، إذا نزل وأقام .
١٩٩٨ - قال الشيخ: إنما أبيح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط، ولا ينظر إليها حاسراً ، ولا
١٩٩٧ - قال ابن القيم رحمه الله: وذكر الطبرى أن بعضهم قال: نهيه أن يخطب الرجل
على خطبة أخيه منسوخ بخطبته صلى الله عليه وسلم لأسامة فاطمة بنت قيس .
قال الشيخ ابن قيم الجوزية : يعنى بعد أن خطبها معاوية وأبو جهم. قال : وهذا غلط ،
فإن فاطمة لم تركن إلى واحد منهما ، وإنما جاءت مستشيرة للنبى صلى الله عليه وسلم ، فأشار
عليها بما هو الأصلح لها ، والأرضى لله ولرسوله، ولم يخطبها لنفسه، ومورد النهى إنما هو
خطبة الرجل لنفسه على خطبة أخيه، فأما إشارته على المرأة إذا استشارته بالكف، الصالح فأين
ذلك من الخطبة على خطبة أخيه؟ فقد تبين غلط القائل، والحمد لله.
وأيضاً فإن هذا من الأحكام الممتنع نسخها، فإن صاحب الشرع عالله بالأخوة ، وهى علة .
مطلوبة البقاء والدوام ، لا يلحقها نسخ ولا إبطال .
١٩٩٨ - قال ابن القيم : قال الشافعى: ينظر إلى وجهها وكفهاوهى متغطية، ولا ينظر إلى ما وراء
ذلك . وقال داود : ينظر إلى سائر جسدها .

- ٢٦ -
أحدُ كم المرأة ، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ، فخطبتُ جارية ،
فكنت أنخبّاً لها ، حتى رأيت منها مادعانى إلى نكاحها وتزويجها)).
فى إسناده محمد بن إسحق، وقد تقدم الكلام عليه. وقد أخرج مسلم فى صحيحه من
حديث أبى حازم عن أبى هريرة قال: (( كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم، فأناء رجل
فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظرت إليها؟
قال: لا ، قال: فاذهب فانظر إليها ، فإن فى أعين الأنصار شيئًا)).
باب فى الولى [ ٢: ١٩٠ ]
١٩٩٩ - عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّمَا امرأةٍ نَكَحَتْ
۔۔
يطلع على شىء من عورتها، وسواء كانت أذنت له فى ذلك أو لم تأذن ، وإلى هذه الجملة
ذهب الشافعى وأحمد بن حنبل . وإلى نحو هذا أشار سفيان الثوري .
١٩٩٩ - قوله ((أيما امرأة)) كلمة استيفاء واستيعاب. وفيه إثبات الولاية على النساء كلهن،
ويدخل فيها البكر والثيب ، والشريفة والوضيعة . والولى ههنا : العصبة .
قال الشيخ ابن القيم : وعن أحمد ثلاث روايات : إحداهن : ينظر إلى وجهها
ويديها، والثانية: ينظر ما يظهر غالباً، كالرقبة والساقين ونحوهما. والثالثة: ينظر إليها كلها،
عورة وغيرها ، فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر إليها متجردة ! واللفظ الذى ذكره مسلم ليس
بصريح فى نظر الخاطب، وقد رواه النسائى: (( خطب رجل امرأة من الأنصار ، فقال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل نظرت إليها؟ قال: لا، فأمره أن ينظر إلها)) ، رواه من
طريق يزيد بن كيسان عن أبى حازم عن أبى هريرة . قال مروان بن معاوية الفزارى عن
يزيد: ((خطب رجل امرأة))، وقال سفيان عن يزيد عن أبى حازم عن أبى هريرة: (( أن
رجلاً أراد أن يزوج امرأة))، وهذا مفسر لحديث مسلم (( أنه أخبره أنه تزوج امرأة))،
وقد روى من حديث بكر بن عبد الله المزنى عن المغيرة بن شعبة قال: ((خطبت امرأة على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنظرت إليها؟ قلت: لا،
قال : فانظر، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)).
١٩٩٩ - قال ابن القيم رحمه الله: قال الترمذى - وذكر سليمان بن موسى، راويه عن الزهرى

- ٢٧ -
بغير إذن وليِها (١) فَفِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثلاث مرات - فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب
منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولىُّ مَنْ لاَ وَلَىَّ له)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : هذا حديث حسن . وقال فى موضع
آخر: وحديث عائشة فى هذا الباب عن النبى صلى الله عليه وسلم (( لا نكاح إلا بولى)) هو
عندى حسن . ولم يؤثر عند الترمذى إنكار الزهرى له ، فإن الحكاية فى ذلك عن الزهرى
وفيه بيان أن المرأة لا تكون ولية نفسها .
وفيه دليل على أن ابنها ليس من أوليائها ، إذا لم يكن عصبة لها (٢) .
وفيه بيان أن العقد إذا وقع لا بإذن الأولياء كان باطلاً ، وإذا وقع باطلاً لم يصححه
إجازة الأولياء
وفى إبطاله هذا النكاح وتكراره القول ثلاثاً تأكيد لفسخه ورفعه من أصله .
وفيه إبطال الخيار فى النكاح .
وفيه دليل على أن وطء الشبهة يوجب المهر، وإيجاب المهر إيجاب درء الحدود ، وإثبات
النسب ، ونشر الحرمة .
وفى قوله ((فالمهر لها بما أصاب منها)) دليل على أن المهر إنما يجب بالإصابة، فإن الدخول
إنما هو كناية عنباً.
عن عروة عن عائشة -: سليمان بن موسى ثقة عند أهل الحديث ، لم يتكلم فيه أحدمن المتقدمين،
إلا البخارى وحده، فإنه تكلم فيه من أجل أحاديث انفرد بها، وذكره دحيم ، فقال: فى
حديثه بعض اضطراب ، وقال: لم يكن فى أصحاب مكحول أثبت منه ، وقال النسائى: فى حديثه
شىء ، وقال البزار: سليمان بن موسى أجل من ابن جريح ، وقال الزهرى : سليمان بن موسى
أحفظ من مكحول ، وقال البيهقى : مع مافى مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر
الصادق، وإن نسيه من أخبره عنه . قال الترمذى: ورواه الحجاج بن أرطاة وجعفر بن
(١) هكذا فى المنذرى. والذى فى كل نسخ أبى داود ((بغير إذن مواليها)»
(٢) أنى يؤخذ هذا الحكم من لفظ الحديث أو دلالته؟ ! . أحمد محمد شاكر

- ٢٨ --
قد وهّنها بعض الأيمة . قال البيهقى : مع مافى مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول
خبر الصادق ، وإن نسيه من أخبره عنه . وقال على بن المدينى : حديث إسرائيل صحيح فى
((لا نكاح إلا بولى)). وسئل عنه البخارى؟ فقال: الزيادة من الثقة مقبولة ، وإسرائيل
ثقة ، فإن كان شعبة والثورى أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث
وقوله ((فإن تشاجروا فالسلطان ولى من لاولى له)) يريد به تشاجر العضل والمانعة فى.
العقد ، دون تشاجر المشاحة فى السبق إلى العقد، فأما إذا تشاجروا فى العقد ومراتبهم فى
الولاية سواء ، فالعقد لمن سبق إليه منهم، إذا كان مافعل من ذلك نظراً لها .
ومعنى قوله ((بغير ذن مواليها)» هو أن يلى العقد الولى، أو يوكل بتزويجها غيره،
فيأذن له فى العقد عليها .
وزعم أبو ثور أن الولى إذا أذن للمرأة فى أن تعتقد على نفسها صح عقدها النكاح على
نفسها ، واستدل بهذه اللفظة فى الحديث ، ومعناه التوكيل ، بدليل ماروى (( إن النساء
لا يلين عقد النكاح ».
وقد تكلم بعض أهل العلم فى إسناد هذا الحديث ، وضعفه بشىء حدثنيه الحسن بن يحيى
بن حمويه عن على بن عبد العزيز عن أبى عبيد، قال: حدثنا سمعيل بن إبرهيم عن ابن
جريج عن سليمان بن موسى - وذكر الحديث - قال: وزاد فى آخره شيئًا ما أرى أحداً
يذكره غيره ، قال ابن جريج : ثم لقيت الزهري، فذكرت ذلك له ، فلم يعرفه .
أبى ربيعة عن الزهرى عن عروة عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وروى عن هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبى صلى اللّه عليه وسلم. قال ابن جريج: ثم لقيت الزهرى
فسألته، فأنكره ، فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا، وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: لم
يذكر هذا الحرف عن ابن جريج إلا إسمعيل بن إبرهيم ، قال يحيى بن معين: وسماع إسمعيل
بن إبرهيم من ابن جريم ليس بذاك ، إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن
أبى رواد فيما سمع من ابن جريج، وضعف يحي رواية إسمعيل بن إبرهيم عن ابن جريج.
قال الترمذى: والعمل على حديث النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب (( لا نكاح إلا بولى))
عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، منهم عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب،

-٢٩ =
٢٠٠٠ - وعن أبى موسى - وهو الأشعرى - أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نكاح
إلاّ بولى)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : وحديث أبى موسى حديث فيه
قال الشيخ: ذكر أبو عيسى الترمذى عن يحيى بن معين أنه قال: لم يذكر هذا الحرف
عن ابن جريج إلا إسماعيل بن عُلَية، قال يحيى: وسماع إسمعيل من ابن جريج ليس بذلك،
إنما محج كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيزين أبى روّاد فيما سمع من ابن جريج،
وضعف يحمي رواية إسمعيل عن ابن جريج.
قال أو عيسى : وحديث عائشة هذا عندى حديث حسن صحيح ، وقد رواه الحجاج بن
أرطاة وجعفر بن ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة. ورواه هشام بن غروة أيضاً .
٢٠٠٠ - قال الشيخ: قوله (( لا نكاح إلا بولى)) فيه نفي ثبوت النكاح على معمومه
ومخصوصه إلا بولى .
وقد تأوله بعضهم على نفى الفضياء والكمال ! وهذا تأويل فاسد ، لأن العموم يأتى على
أصله جوازاً أو كمالاً ، والنفى فى المعاملات يوجب الفساد، لأنه ليس لها إلا جهة واحدة ،
وليس كالعبادات والقرب التى لها جهتان من جواز ناقص وكامل ، وكذلك تأويل من زعم
وعبد الله بن عباس ، وأبو هريرة ، وغيرهم . وهكذا روي عن فقهاء التابعين أنهم قالوا:
((لا نكاح إلا بولى))، منهم سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، وشريح ، وإبرهيم النخعى ،
وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثورى، والأوزاعى ، وعبد الله بن
المبارك، والشافعى ، وأحمد ، وإسحق .
٢٠٠٠ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم : قال الترمذى : وحديث أبى موسى حديث فيه
اختلاف : رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع
عن أبى إسحق عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ورواه أسباط بن
محمد وزيد بن حباب عن يونس بن أبى إسحق عن أبى إسحق عن أبى بردة عن أبى موسى
عن النبى صلى الله عليه وسلم، [وروى أبو عبيدة الحداد عن يونس بن أبى إسحق عن أبى

- ٣٠ -
اختلاف، وذكر أن بعضهم رواه مرسلاً، وقال - بعد ذكر الاختلاف - : ورواية هؤلاء
الذين رووا عن أبى إسحق عن أبى بردة عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم:
(( لا نكاح إلا بولى » - عندی أصح .
أنهاولية نفسها ، وتأول معنى الحديث على أنها عقدت على نفسها، فقد حصل نكاحها بولى،
وذلك أن الولى هو الذى يلى على غيره، ولو جاز هذا فى الولاية لجاز مثله فى الشهادة ،
فتكون هى الشاهدة على نفسها ! فلما كان فى الشاهد فاسداً كان فى الولى مثله .
بردة عن أبي موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم نحوه ](١)، ولم يذكر فيه عن أبى إسحق، وقد
روي عن يونس بن أبى إسحق عن أبى بردة عن النبى صلى الله عليه وسلم، [وروى شعبة
والنورى عن أبى إسحق عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم] (١) «لا نكاح إلا بولى))
وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان [ عن أبى إسحق عن أبى بردة ] (١) عن أبى
موسى ، ولا يصح ، ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبى إسحق عن أبى بردة [ عن أبى
موسى](١) عن النبى صلى الله عليه وسلم ((لا نكاح إلا بولى)) عندى أصح، لأن سماعهم
من أبى إسحق فى أوقات مختلفة ، وإن كان شعبة والثورى أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء
الذين رووا عن أبى إسحق هذا الحديث، فإن رواية هؤلاء عندى أشبه [ وأصح] (١) ، لأن
شعبة والثورى سمعا هذا الحديث من أبى إسحق فى مجلس واحد ، وممايدل على ذلك ماحدثنا
محمود بن غيلان حدثنا أبو داود حدثنا شعبة قال سمعت سفيان الثورى يسأل أبا إسحق :
أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولى))؟ فقال: نعم ،
فدل هذا [ الحديث على ] (١) أن سماع شعبة والثوري هذا الحديث فى وقت واحد ، وإسرائيل
هو ثبت فى أبى إسحق، سمعت محمد بن المثنى يقول : سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول : ما فاتنى
الذى فاتنى من حديث الثورى عن أبى إسحق إلا لما اتكلت به على إسرائيل ، لأنه كان يأتى
به أتم . هذا آخر كلام الترمذي .
وقال على بن المدينى : حديث إسرائيل صحيح فى «لا نكاح إلا بولى)). وسئل عنه البخارى ؟
فقال : الزيادة من الثقة مقبولة ، وإسرائيل ثقة ، فإن كان شعبة والثورى أرسلاه فإن ذلك
لا يضر الحديث. وقال قبيصة بن عقبة : جاءنى على بن المدينى فسألنى عن هذا الحديث؟
(١) الزيادة فى هذه المواضع سقطت من نسخة ابن القيم، وزدناها من الترمذى، إذ هى نماء
الكلام على مصمته (ج ٢ ص ١٧٦ من تحفة الأحوذي). أحمد محمد شاكر

- ٣١ -
٢٠٠١ - وعن أم حبيبة: (( أنها كانت عند ابن جَحْش فيلكَ عها، وكان فيمن هاجر
٢٠٠١ - قال الشيخ: إنما ساق النجاشى المهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأضيف
تحدثته به عن يونس بن أبى إسحق عن أبى بردة عن أبى موسى، لم يذكر فيه أبا إسحق .
فقال : استرحنا من خلاف أبى إسحق .
قلت : وكذلك رواه الحسن بن محمد بن الصباح عن أسباط بن محمد عن يونس عن أبى بردة
عن أبى موسى ، ذكره الحاكم فى المستدرك ، فهذا وجه .
(الثانى): رواية عيسى ابنه وحجاج بن محمد المصيحى والحسن بن قتيبة (١) وغيرهم عن
أبى إسحق عن أبى بردة عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
( ثالث): رواية شعبة والنورى عن أبى إسحق عن أبى بردة عن النبى صلى الله عليه وسلم
مرسلاً. هذه رواية أكثر الأثبات عنهما.
(الرابع ): رواية يزيد بن زريع عن شعبة ، ورواية مؤمل بن إسماعيل وبشر بن منصور
عن التورى، كليهما عن أبى إسحق عن أبى بردة عن أبيه موصولاً . فهذه أربعة أوجه .
والترجيح لحديث إسرائيل فى وصله من وجوه عديدة :
أحدها : تصحيح من تقدم من الأيمة له ، وحكمهم لروايته بالصحة ، كالبخارى ، وعلى بن
المدينى، والترمذى ، وبعدهم الحاكم ، وابن حبان ، وابن خزيمة .
الثانى: ترجيح إسرائيل فى حفظه وإتقانه لحديث أبي إسحق ، وهذا شهادة الأمة له ، وإن
كان شعبة والثورى أجل منه، لكنه لحديث أبي إسحق أثفن ، وبه أعرف .
الثالث: متابعة من وافق إسرائيل على وصله، كشريك ، ويونس بن أبي إسحق . قال
عثمان الدارمى : سألت يحيى بن معين : شريك أحب إليك فى أبي إسحق أو إسرائيل ؟
فقال : شريك أحب إلى، وهو أقدم ، وإسرائيل صدوق ، قلت : يونس بن أبي إسحق أحب
إليك أو إسرائيل ؟ فقال : كل ثقة .
الرابع : ما ذكره الترمذى ، وهو أن سماع الذين وصلوه عن أبي إسحق كان فى أوقات
مختلفة ، وشعبة والثورى سمعاه منه فى مجلس واحد .
الخامس : أن وصله زيادة من ثقة ليس دون من أرسله ، والزيادة إذا كان هذا حالها فعى
مقبولة ، كما أشار إليه البخارى ، والله أعلم.
٢٠٠١ - قال ابن القيم رحمه الله: هذا هو المعروف المعلوم عند أهل العلم، أن الذى زوج
(١) الحسن بن قتيبة هذا: هو الخزاعى المدائنى، وهو ضعيف جدا، بل هالك ، انظر ترجمته
فى لسان الميزان (ج ٢ ص ٢٤٦)، وروايته ليست عن أبى إسحق، بل هى عن يونس بن
أبى إسحق عن أبي إسحق، كما فى السنن الكبرى للبيهق (ج ٧ ص ١٠٩). أحمد محمد شاكر

- ٣٢ -
إلى أرض الحبشة، فزوجها النَّجاشىُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي عندهم)) .
وأخرجه النسائى بنحوه .
التزويج إليه ، وكان الذى عقد عليها لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى ،
ووكله بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث به إلى الحبشة فى ذلك ، وقد روى أن
الذى ولى تزويجها والعقد عليها خالد بن سعيد بن العاص ، وهو ابن عم أبى سفيان، إذ كان
أبوها أوٍ سفيان كافراً ، لا ولاية له على مسلمة
أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم هو النجاشى فى أرض الحبشة ، وأمهرها من عنده ، وزوجها
الأول التى كانت معه فى الحبشة هو عبيد اللّه بن جحش بن رئاب ، أخو زينب بنت جحش زوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنصر بأرض الحبشة، ومات بها نصرانياً، وزوج امرأته
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى اسمها قولان: أحدهما: رملة، وهو الأشهر، والتانى:
هند ، وتزويج النجاشى لها حقيقة ، فإنه كان مسلماً ، وهو أمير البلد وسلطانه .
وقد تأوله بعض المتكلفين على أنه ساق المهر من عنده ، فأضيف التزويج إليه ! وتأوله
بعضهم على أنه كان هو الخاطب ، والذى ولى العقد عثمان بن عفان ، وقيل : عمرو بن أمية
الضمرى . والصحيح أن عمرو بن أمية كان وكيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك،
بعث به إلى النجاشى يزوجه إياها ، وقيل : الذى ولى العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص.
ابن عم أبيها . وقد روى مسلم فى الصحيح من حديث عكرمة بن عمار عن ابن عباس قال :
(( كان المسلمون لا ينظرون إلى أبى سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:
يا نبي الله، ثلاث أعطنيهن؟ قال: نعم ، قال: عندى أحسن العرب وأجملها، أم حبيبة بنت
أبى سفيان ، أزوجكها ؟ قال: نعم ، قال : ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك؟ قال : نعم، قال :
وتأمر نى حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال: نعم)) ، وقد رد هذا الحديث جماعة
من الحفاظ ، وعدوه من الأغلاط فى كتاب مسلم ، قال ابن حزم : هذا حديث موضوع لاشك
فى وضعه ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، فإنه لم يختلف فى أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر ، وقال أبو الفرج بن الجوزى فى كتاب الكشف
له : هذا الحديث وهم من بعض الرواة ، لاشك فيه ولا تردد ، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار
راويه، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد الأنصارى، وقال: ليست بصحاح ، وكذلك قال
أحمد بن حنبل: هى أحاديث ضعاف، وكذلك لم يخرج عنه البخارى، إنما أخرج عنه مسام
لقول يحيى بن معين : ثقة .

- ٣٣ -
باب فى العَضْل [٢: ١٩٢]
٢٠٠٢ - عن مَعقِل بن يَسار قال: ((كانت لى أخت تُخْطَبُ إِلىَّ، فأتانى ابن عَمّ لى،
فأنكحتها إياه، ثم طلقها طلاقاً له رَجعة، ثم تركها حتى انقضت عدَّها، فلما خُطبَتْ إلىَّ
وقد يحتمل أيضاً أن يكون النجاشى قد عقد أولاً ، فكان ذلك بمعنى التسمية، فلم يعتبر
صحته ، ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى، فاستأنف العقد وألزمه
والله أعلم .
٢٠٠٢ - قال الشيخ: هذا أدل آية فى كتاب الله تعالى على أن النكاح لا يصح إلا بعقد ولى ،
ولو كان لها سبيل إلى أن تنكح نفسها لم يكن للعضل معنى ، ولا كان المنع يتحقق من جهة
الولى ، ولو كان عقد المرأة على نفسها يصح إذا تزوجها كفء لم يتعذر عليها أن تفعل ذلك،
قال : وإنما قلنا إن هذا وهم ، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله
بن ححش ، وولدت له ، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، وثبتت أم حبيبة
على دينها ، فبعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوجه إياها،
وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم ، وذلك سنة سبع من الهجرة،
. وجاء أبو سفيان فى زمن الهدنة ، فدخل عليها، فنحت بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتى لا يجلس عليه ، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أساما في فتح مكة سنة ثمان ، ولا يعرف أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان. وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث
كقول بعضهم : إنه سأله تجديد النكاح عليها ! وقول بعضهم: إنه ظن أن النكاح بغير إذنه
وتزويجه غير تام ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه إياها نكاحاً تاما ، فسلم له
النبى صلى الله عليه وسلم حاله ، وطيب قلبه بإجابته !! وقول بعضهم: إنه ظن أن التخيير كان
طلاقاً، فسأل رجعتها وابتداء النكاح عليها! وقول بعضهم: إنه استشعر كراهة النبى صلى الله
عليه وسلم لها ، وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها لا ابتداءه ! وقول بعضهم : يحتمل أن
يكون وقع طلاق، فسأل تجديد النكاح! وقول بعضهم: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال
ذلك قبل إسلامه، كالمشترط له في إسلامه، ويكون التقدير: ثلاث إن أسامت تعطينيين !!
وعلى هذا اعتمد المحب الطبرى فى جواباته للمسائل الواردة عليه ، وطول فى تقريره.
وقال بعضهم: إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى، وهى أختها ، وخفى عليه تحريم الجمع
٣ - مختصر السنن - ج٣

- ٣٤-
أتانى يخطبها، فقلت: لا والله لا أُنْكِحُهَا أبداً، قال: ففىَّ نزلت هذه الآية (٢: ٢٣٢.
وإذا طلقتم النساء فبلغنَ أجلهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهن أن يَفْكِحِن أزواجهن) الآية، قال: فَكَفَرْتُ
عن يمينى، فأنكحتها إيّاه)).
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى. وقال الشافعى: وهذا أبين ما فى القرآن، من
أن للولى مع المرأة فى نفسها حقًّا، وأن على الولى أن لا يَعْضُلها، إذا رضيت أن تنكج
بالمعروف ، قال : وجاءت السنة بمثل معنى كتاب الله عز وجل .
وقد كان الذى خطبها إنما هو ابن عمها المكافىء لها فى النسب ، المتقدم لها فى الصحبة ، فدل
ماقلناه على صحة ماذهبنا إليه . والله أعلم .
وقد اختلف الناس فى عقد النكاح بغير ولى ، فقال بظاهر الحديث جماعة ، منهم سعيدان
الثورى ، وابن أبى ليلى ، وابن شبرمة ، والشافعى، وأحمدبن حنبل، وإسحق بن راهويه ،
وأبو عبيد، وروى هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب ، وعبد الله بن مسعود ؛
وابن عباس، وأبى هريرة رضى الله عنهم ، وبه قال ابن المسيب، والحسن البصري ، وعمر
بن عبد العزيز ، وقتادة .
وفرق مالك بن أنس بين المرأة الشريفة والدنيئة، فقال: لا بأس أن تستخلف المرأة
الدنيئة على نفسها من يزوجها، فأما على امرأة لها قدر وغنى ، فإن تلك لا ينبغى أن يتزوجها
إلا الأولياء أو السلطان .
بين الأختين لقرب عهده بالإسلام ، فقد خفى ذلك على ابنته أم حبيبة، حتى سألت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذلك ، وغلط الراوى فى اسمها .
وهذه التأويلات فى غاية الفساد والبطلان، وأيمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها. ولا
يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة، والتأويلات الباردة، التى يكفى فى العام يفس دها
قصورها ، وتأمل الحديث . وهذا التأويل الأخير - وإن كان فى الظاهر أقل فساداً - ٥)و
أكذبها وأبطلها، وصريح الحديث برده، فإنه قال « أم حبيبة أزوجكها؟ قال: نعم» فنو
كان المسؤول تزويج أختها لما أنعم له بذلك صلى الله عليه وسلم ، فالحديث غلط لا ينبغى التردد.
فيه . والله أعلم .

- ٣٥ --
باب إذا أنكح الوليّان [٢ : ١٩٣ ]
٢٠٠٣ عن الحسن - وهو البصرى - عن سَمُرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أيُّمًا
امرأةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فهى الأول منهما، وأَّما رجل باع بَيْعاً من رجلين فهو الأول منهما)».
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى: هذا حديث حسن . هذا
آخر كلامه . وقد قيل : إن الحسن لم يسمع من سمرة شيئاً، وقيل: إنه سمع منه حديث
العقيقة .
باب فى قوله تعالى
(١٩:٤ لا يحل لكم أن ترتوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن) [٢: ١٩٣]
٢٠٠٤ - عن عكرمة عن ابن عباس - قال الشيبانى: وذكره عطاء أبو الحسن السُّوانى،
وقال أبو حنيفة : إذا زوجت المرأة نفسها بشاهدين من كفء فهو جائز.
وقال يعقوب ومحمد : موقوف، حتى يجيزه الولى والحاكم .
٢٠٠٣ - قال الشيخ : اتفق أهل العلم على هذا مالم يقع الدخول من الثانى بها ، فإن وقع
الدخول بها ، فإن مالكاً زعم أنه لا يفرق بينهما ، وكذلك روى عن عطاء ، وهذا إذا كان
قد علم نكاح المتقدم منهما من المتأخر، فإن زوجاها معاً، هذا من زيد وهذا من عمرو،
ولا يعلم أيهما المتقدم ، فالنكاح مفسوخ فى قول أكثر الفقهاء.
وزعم بعضهم أنه يفرق بينهما ، ويقال لها : طلقاها جميعاً، حتى تبين ممن كانت زوجة
له ، وهو قول أبى ثور .
٢٠٠٤ - قال ابن القيم رحمه الله: وقد استشكل بعض المفسرين معنى وراثتهم النساء المنهى عنها،
حتى قال: المعنى لا يحل لكم أن ترثوا نكاحهن ، لترتوا أموالمن كرهاً. قال : وفى المراد
بميراثهن وجهان :

- ٣٦ -
ولا أظنه إلا عن ابن عباس - فى هذه الآية: (((١٩:٤ لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا النساء كرهاً
ولا تعضاوهن) قال: كان الرجل إذا مات كان أولياؤه أحقَّ بامرأته من ولى نفسها ، إن
شاء بعضهم زوجها أو زَوّ جوها ، وإن شاؤًا لم يزوجوها ، فنزلت هذه الآية فى ذلك)).
٢٠٠٥ - وعنه عن ابن عباس قال: (( ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن
اتذهبوا ببعض ما آتَيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) وذلك أن الرجل كان يرث امرأةً ذى
قرابته فَيَعْضُلها حتى تموت، أوَردَّ إليه صَدَاقها، فأحكم الله عن ذلك، ونهى عن ذلك)).
وأخرجة البخارى والنسائى
٢٠٠٦ - وفى رواية: قال ((فوعظ الله ذلك )).
٢٠٠٥ - قال الشيخ: قوله ((أحكم الله )) معناه منع ، قال جرير بن الخطفى :
أَبِى حنيفة أحْكِمُوا سفهاءَكم إنى أخاف عليكمْ أن أَغْضَبَا
أحدهما: ما يصل إلى الأزواج من أموالهن بالموت دون الحياة ، على ما يقتضيه الظاهر من
لفظ الميراث .
الثاني : الوصول إلى أموالهن فى الحياة وبعدها ، وقد يسمى ما وصل فى الحياة ميراثاً،
كما قال تعالى (٢٣: ١١ الذين يرثون الفردوس ).
وهذا تكلف وخروج عن مقتضى الآية ، بل الذى منعوا منه أن يجعلوا حق الزوجية
حقاً موروناً ينتقل إلى الوارث كسائر حقوقه، وهذه كانت شبهتهم أن حق الزوجية انتقل إليهم
من مورثهم ، فأبطل الله ذلك، وحكم بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث إلى الوارث ، بل إذا مات
الزوج كانت المرأة أحق بنفسها ، ولم يرث بضعها أحد ، وليس البضع كالمال ، فينتقل بالميراث .
وقوله (( فوعظ الله ذلك)) فيه وجهان :
أحدهما : أن يقدر فيه حرف جر ، أى فى ذلك .
والثانى : أن يضمن وعظ معنى منع وحذر ونحوه .
واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يحل للرجل أن يمسك امرأته ولا أرب له فيها، طمعاً
أن تموت فيرت مالها ، وفيه نظر. والله أعلم.

- ٣٧ -
باب فى الاستثمار [٢: ١٩٤ ]
٢٠٠٧ - عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تُنْكحِ الشِّيِّبُ حتى
تُسْتَأمَر، ولا البكرُ إلا بإذنها، قالوا: يارسول الله، وما إذنها ؟قال أن تسكت)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٢٠٠٨ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَسْتَأمرَ اليقيمة فى نفسها،
فإن سكتتْ فهو إذنها، وإن أبَتْ فلا جواز عليها)). والإخبار فى حديث يزيد (١) ، قال
أبو داود : وكذلك رواه أبو خالد سليمان بن حيان ومعاذ بن معاذ، عن محمد بن عمرو.
٢٠٠٧ - قال: ظاهر الحديث يدل على أن البكر إذا أنكحت قبل أن تستأذن فتصمت أن
النكاح باطل ، كما يبطل نكاح الثيب قبل أن تستأمر، فتأذن بالقول
وإلى هذا ذهب الأوزاعى ، وسفيان الثورى. وهو قول أصحاب الرأى .
وقال مالك بن أنس ، وابن أبى ليلى ، والشافعى، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه
إنكاح الأب البكر البالغ جائز، وإن لم تُستأذن، ومعنى استئذانها عندهم إنما هو على
استطابة النفس ، دون الوجوب ، كما جاء الحديث باستثمار أمهاتهن، وليس ذلك بشرط فى
صيحة العقد .
٢٠٠٨ - قال الشيخ: فيه دليل على أن الصغيرة لا يزوجها غير الأب، وذلك لأنها لا تستأمر
إلا بعد البلوغ، إذ لامعنى لإذنها ، ولا عبرة لإبائها قبل ذلك . فثبت أنها لا تزوج حتى تبلغ
الوقت الذي يصح منها الإذن أو الامتناع . واليتيمة ههنا: هي البكر البالغ التى مات أبوها
قبل بلوغها ، فلزمها اسم اليم ، فدعيت به وهى بالغ، والعرب ربما دعت الشيء بالاسم
الأول الذى إنما سمى به لمعنى متقدم، ثم ينقطع ذلك المعنى، ولا يزول الاسم ، من ذلك أنهم
(١) قوله ((والاخبار فى حديث يزيد)): هذا من الاختصار المخل الذى وقع فيه النذرى
كثيراً . فإن أبا داود روى الحديث عن يزيد بن زريع وموسى بن إسمعيل، كلاماً عن حماد قال
((حدثنى محمد بن عمرو))، فأبو داود يريد أن قول حماد ((حدثنى)) إنما هو فى رواية يزيد،
وأن رواية موسى ليس فيها تصريح بالاخبار ، بل روى عن حماد عن محمد بن عمرو . ولم يكن
بالمنذوى حاجة فى ذكر هذا إذ حذف الاسناد !!. وكتبه أحمد محمد شاكر
٦

- ٣٨ -
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: حديث حسن ، هذا آخر كلامه .
٢٠٠٩ - وفى رواية قال: ((فإن بكت أو سكتت))، زاد (( بكت)).
قال أبو داود: وليس ((بكت)) بمحفوظ، وهو وهم فى الحديث، الوهم من ابن إدريس
- يريد عبد الله بن إدريس الأودى الكوفى - قال أبو داود: ورواه أبو عمرو ذكوان عن
عائشة: قلت: ((يارسول الله، إن البكر تستحى أن تتكلم ؟ قال: سكانها إقرارها ».
يسمون الرجل المستجمع السنّ ((غلاماً)) وحدّ الغلومة مابين أيام الصبي إلى أوقات
الشباب .
وقدروى عن ابن عباس أنه قال: ((كان الغلام الذى قتله الخضر رجلاً مستجمع السنّ))
وقالت ليلى الأخيلية :
تَتَبَّعَ أقصَى دائها فشفاها
إذا ورد الحجاج أرضاً مريضة
غلام إذا هَزَّ القناة سقاها
شفاها من الداء العُقام الذى بها
فجعلته غلاماً ، وهو رجل محتنك السن ، وكذلك مذهبهم فى نسبة الشىء وإضافته إلى
من كان مَرَّةً يملكه ، كقولهم: دار عمرو بن حريث، وبستان ابن عامر، وقصرأوس، وقبة
الحجاج، وقد يلى الرجل الإمارة والقضاء زماناً، ثم يعزل ، فيدعى أميراً أو قاضياً، ومثل هذا
كثير فى كلامهم ، وكذلك اليتيمة المذكورة فى هذا الحديث هى التى قد لزمها اسم اليتم فى
صغرهابموت أبيها ، فاشتهرت به ، ثم دعيت بذلك فى الكبر على هذا المعنى الذى وصفناه ،
بدليل ماتقدم ذكره من الكلام فى أول الفصل . والله أعلم .
وقد اختلف أهل العلم فى جواز نكاح غير الأب الصغيرة : فقال الشافعى : لا يزوجها
غير الأب والجد ، ولا يزوجها الأخ، ولا الوصى .
وقال الثورى: لا يزوجها الوصي. وقال حماد بن أبى سليمان، ومالك بن أنس: الوصي
أن يزوج اليقيمة قبل البلوغ ، وروى ذلك عن شريح .
وقال أصحاب الرأى: لا يزوجها الوصى حتى يكون وليًّا لها، وللولى أن يزوجها وإن لم
يكن وصيًّا، إلا أن لها الخيار إذا بلغتْ.

- ٣٩ -
هكذا ذكره معلقاً، وقد أخرجه البخارى ومسلم والنسائى مستداً بمعناه.
٢٠١٠ - وعن الثقة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آمِرُوا النساء
فى بناتهن)).
فيه رجل مجهول . قال الشافعى: ولا يختلف الناس أن ليس لأمها فيها أمر، ولكن
على معنى الاستطابة للنفس . وقال غيره: ولأن ذلك أبقى للصحبة، وأدعى إلى الألفة بين
البنات وأزواجهن إذا كان مبدأ العقد برضى من الأمهات، ورغبة منهن ، وإذا كان بخلاف
ذلك لم يؤمن تضريبهن (١) ووقوع الفساد من قبلهن. والبنات إلى الأمهات أميل، ولقولهن
أقبل ، فمن أجل هذه الأمور استحب مؤامرتهن فى العقد على بناتهن. وقال : إن المرأة
ربما علمت من خاصّ أمر ابنتها ومن سر حديثها أمراً لا تستصلح لها معه عقد النكاح،
وذلك مثل العلة تكون بها ، وإلا قد تمنع من إيفاء حقوق النكاح، وعلى نحو من هذا يتأول
قوله ((ولا تزوج البكر إلا بإذنها، وإذنها سكوتها))، وذلك أنها قد تستحى أن تفصح
٢٠١٠٠ - قال الشيخ: مؤامرة الأمهات فى بُضْع البنات ليس من أجل أنهن يملكن من عقد
النكاح شيئاً، ولكن من جهة استطابة أنفسهن ، وحسن العشرة معهن ، ولأن ذلك أبقى
الصحبة، وأدعى إلى الألفة بين البنات وأزواجهن ، إذا كان مبدأ العقدبرضاء من الأمهات،
ورغبة منهن ، وإذا كان بخلاف ذلك لم يؤمن تَضْرِ يَتُهن (١) ، ووقوع الفساد من قبلهن،
والبنات إلى الأمهات أميل، ولقولهن أقبل ، فمن أجل هذه الأمور يستحب مؤامرتهن فى
العقد على بناتهن . والله أعلم .
وقد يحتمل أن يكون ذلك لعلة أخرى ، غير ماذكرناه ، وذلك أن المرأة ربما علمت من
خاص أمر ابنتها، ومن سترٍ حديثها أمراً لا يستصلح لها معه عقد النكاح ، وذلك مثل العلة
تكون بها، والآفة تمنع من إيفاء حقوق النكاح. وعلى نحو هذا يتأول قوله ((ولا تزوج البكر
إلا بإذنها وإذنها سكوتها)»، وذلك أنها قد تستحى من أن تفصح بالإذن، وأن تظهر الرغبة
فى النكاح، فيستدل بسكوتها على سلامتها من آفة تمنع الجماع، أو سبب لا يصلح معه النكاح
لا يعلمه غيرها. والله أعلم.
١٨) التضريب: التحريض . وكذلك التضرية بنحو هذا المعنى.

- ٤٠ -
بالإذن ، وأن تظهر الرغبة فى النكاح، فيستدل بسكوتها على سلامتها من آفة تمنع الجماع،
أو سبب لا يصلح معه النكاح ، لا يعلمه غيرها .
باب فى البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها [٢: ١٩٥]
٢٠١١ - عن ابن عباس: (( أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن
أباها زوَّجها وهى كارهة، خيّها النبي صلى الله عليه وسلم)).
٢٠١١ - قال الشيخ: ففي هذا الحديث حجة لمن لم ير نكاح الأب ابنته جائزاً إلا بإذنها .
وفيه أيضاً حجة لمن رأى عقد النكاح يثبت مع الخيار، غير أن أبا داود ذكر على أثره فى
٢٠١١ - قال ابن القيم رحمه الله: وعلى طريقة البيهقى وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول.
هذا حديث صحيح ، لأن جرير بن حازم ثقة ثبت ، وقد وصله ، وهم يقولون : زيادة الثقة.
مقبولة ، فما بالها تقبل فى موضع ، بل فى أكثر المواضع التى توافق مذهب المقلد ، وترد فى
موضع يخالف مذهبه؟!وقد قبلوا زيادة الثقة فى أكثر من مائتين من الأحاديث رفعاً ووصلاً،
وزيادة لفظ ونحوه ، هذا لو انفرد به جرير ، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب : زيد بن
حبان ، ذكره ابن ماجة فى سننه .
وأما حديث جابر فهو حديث يرويه شعيب بن إسحق عن الأوزاعى عن عطاء عن
جابر: (( أن رجلاً زوج ابنته وهى بكر من غير أمرها، فأتت النبى صلى الله عليه وسلم،.
ففرق بينهما))، رواه النسائى، ورواه أيضاً من حديث أبى حفص التفيسى: سمعت الأوزاعى
قال: حدثنى إبرهيم بن مرة، عن عطاء بن أبي رباح قال: ((زوج رجل ابنته وهى بكر»
وساق الحديث ، وهذا الإرسال لا يدل على أن الموصول خطأ بمجرده .
وأما حديث جرير الذى أشار البيهقى إلى أنه أخطأ فيه على أيوب ، فرواه النسائي أيضاً
من حديث جرير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: (( أن جارية بكراً أتت النبي صلى
الله عليه وسلم ، فقالت: إن أبى زوجنى، وهى كارهة، فرد النبى صلى الله عليه وسلم نكاحها»،
ورجاله محتج بهم فى الصحيح. وقد تقدم قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تنكح البكر إلا
بإذنها))، وهذا نهى صريح فى المنع، حمله على الاستحباب بعيد جداً. وفى حديث ابن عباس:
(( والبكر يستأمرها أبوها)) رواه مسلم وسيأتى، فهذا خبر فى معنى الأمر على إحدى الطريقتين،
أو خبر محض ، ويكون خبراً عن حكم الشرع ، لاخبراً عن الواقع ، وهى طريقة المحققين.