النص المفهرس
صفحات 1-20
لايسر لِلحَافِظ المِندرى ومَعَالِ السُّنْ أَبِى سُلِمَان الخطابى شْ الألباب ◌ّ الجوزية الجزء الثالث تحقيق أحمَد محمد شاكر ومحمد عَشَارِيفَة الناشر دار المعرفة للطبَاعَة وَالنشْر بَيروت - لبنان بخ الصّ الرحمن الرحيم كتاب النكاح باب التحريض على النكاح [٢ : ١٧٣ ] ١٩٦٢ - عن علقمة قال: ((إنى لأمشى مع عبد الله بن مسعود بمنّى، إذْ لَقِيَهُ عثمان، فاستَخْلاَه، فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة قال لى: تعال يا علقمة فجئت ، فقال له عثمان: ألا نزوجك يا أبا عبد الرحمن جارية بكراً ، لعله يرجع إليك من نفسك ماكنت تعهد ؟ فقال عبد الله : لئن قلت ذاك لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اسْتَطَاعَ مِنكم البَاءة(١) فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر، وأَحْصَنُ للفرج، ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم ، فإنه له وِجَاء )) . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى(٢) ١٩٦٢ - قال الشيخ: الباءة: كناية عن النكاح، وأصل الباءة : الموضع الذى يأوى إليه الإنسان، ومنه اشتق مباءة الغنم، وهو المراح الذى تأوى إليه عند الليل ، والوجاء: رَضُّ الأنثيين ، والخِصَاء: نزعهما . وفيه من الفقه استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه . وفيه دليل على أن النكاح غير واجب. ويحكى عن بعض أهل الظاهر أنه كان يراه على الوجوب . وفيه دليل على جواز التعالج لقطع الباءة بالأدوية ونحوها . وفيه دليل على أن المقصود فى النكاح الوطء، وأن الخيار فى العنة واجب. (١) فيها أربع لغات: إحداها بالمد وآخرها تاء. مثال الباعة. والثانية بالمد بلا تاء، والثالثة مقدورة وبعد الألف هاء. والرابعة بهاء فقط دون مد، وأصل الياء فى المعنى: العزل، لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا ، وقيل: لأن الرجل يستمكن منها كما يستمكن من داره ، وقد يسمى النكاح نفسه باء (٢) رواه أحمد فى المسند مطولا ومختصراً ٣٥٩٢، ٠٢٣: ٥ ٠٤٠ ٤١١٢. - ٤ - باب ما يؤمر به من زويج ذات الدين [٢: ١٧٤ ] ١٩٦٣ - عن أبى هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ((تُمكحُ النساء لأربع: لمالها ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين ثّرِ بَتْ يداك)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . ١٩٦٣ - قال الشيخ : فيه من الفقه مراعاة الكفاءة فى المناكح ، وأن الدين أولى ما اعتبر فيها . وقوله ((تربت يداك)) كلمة معناها الحث والتحريض، وأصل ذلك فى الدعاء على الإنسان، يقال: ترب الرجل، إذا افتقر، وأترب، إذا أثرى وأيسر، والعرب تطلق ذلك في كلامها، ولا يقصد بها وقوع الأمر . وزعم بعض أهل العلم أن القصد به فى هذا الحديث وقوع الأمر وتحقيق الدعاء . وأخبرنى بعض أصحابنا عن ابن الأنبارى أحسبه رواه عن الزهرى أنه قال : إنما قال النبى صلى الله عليه وسلم له ذلك لأنه رأي أن الفقر خير من الغنى . واختلف العلماء فى تحديد الكفاءة، فقال مالك بن أنس: الكفاءة فى الدين، وأهلُ الإسلام كلهم بعضهم لبعض أكفاء ، وهو غالب مذهب الشافعى ، وقد اعتبر فيها أيضاً الحرية ، وربما اعتبر غير ذلك أيضاً . وقد روي معنى قول مالك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين وابن عون وحماد بن أبى سليمان . وقال سفيان الثورى : الكفاءة الدين والحسب، وكان يرى التفريق إذا نكح المولى عربية ، وكذلك قال أحمد بن حنبل . وقال أصحاب الرأى: قريش بعضهم لبعض أكفاء، وكل من كان من الموالى له أبوان أو ثلاثة فى الإسلام، فبعضهم لبعض أكفاء ، وإذا أعتق عبد أو أسلم ذمى فإنه ليس بكف. - ٥ باب فى تزويج الأبكار [٢ : ١٧٥] ١٩٦٤ - عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: ((قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتزوجت؟ قلت: نعم، قال: بكرٌ أم ثيب؟ فقلت: ثيباً، قال: أفلاِيكرْ تلاَعِبُهَا وِتْلاَعِبُكَ؟)) . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث عمرو بن دينار عن جابر . وأخرجه ابن ماجة من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر . [باب النهى عن تزويج من لم يلد من النساء] [٢: ١٨٥". ١٩٦٥ - وعن عكرمة عن ابن عباس قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتى لا تَمْفَعَ يَدَ لامِسٍ؟ قال: غَرِّيها، قال: أخاف أن تَتَبَعها نفسى !قال: فاستمتع بها » . لامرأة لها أبوان أو ثلاثة فى الإسلام من الموالى، وإذا تزوجت المرأة غير كفء فسلم أحد من الأولياء فليس لمن بقى من الأولياء أن يفرقوا بينهما . وروى عن ابن عباس أنه لم ير المولى كفؤاً العربية، وروي مثل ذلك عن سلمان الفارسى . ١٩٦٥ - قال الشيخ: قوله ((لا تمنع يد لامس)) معناه: الريبة، وأنها مطاوعة لمن أرادها، لا تردّ يده. وقوله ((غربها )» معناه: أبعدها، يريد الطلاق ، وأصل الغرب البعد. وفيه دليل على جواز نكاح الفاجرة ، ، وإن كان الاختيار غير ذلك . وأما قوله (٢٤: ٣ والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين ) فانما نزلت فى امرأة من الكفار خاصة ، وهى بني كانت بمكة يقال لها عناق ، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ . (١) زيادة من السنن. - ٦ - وأخرجه النسائى ، ورجال إسناده محتج بهم فى الصحيحين على الانفاق والانفراد ، وذكر: الدارقطنى أن الحسين بن واقد تفرد به عن عمارة بن أبى حفصة ، وأن الفضل بن مؤسي السينانى تفرد به عن الحسين بن واقد. وأخرجه النسائى من حديث عبد الله بن عُبيد بن عُمير الليثى عن ابن عباس، وبوب عليه فى سننه: تزويج الزانية. وقال : هذا الحديث ليس بثابت، وذكر أن المرسل فيه أولى بالصواب. وقال الإمام أحمد: ((لا تمنع يد لا مس)) تعطى من ماله ، قلت : فإن أبا عبيد يقول: من الفجور؟ قال: ليس هو عندنا إلا أنها تعطى من ماله ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بإمساكها وهى تفجُر. وسئل عنه ابن الأعرابى؟ فقال : من الفجور. وقال الخطابى: ومعناه الرية، وأنها مطاوعة لمن أرادها لا ترد يده. ١٩٦٦ - وعن مَعْقِل بن يسار قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى أصبتُ امرأةً ذاتَ حسب وجمال ، وإنها لا تلد، أفْ تزوجها؟ قال. لا، ثم أتاه الثانية، فنهاه ، ثم أتاه الثالثة، فقال: تَزَوَّجُوا الَوَدُودَ الولود، فإنى مُكاثر بكم [الامَمَ ]َ(١)). وأخرجه النسائى . باب فى قوله تعالى (٣:٢٤ الزابي لا ينكح إلا زانية) [٢: ١٧٦] ١٩٦٧ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن مَرْتَد بن أبى مرثد الفَنَوى كان يحمل الأسارَى بمكة ، وكان بمكة بَغِىٌّ يقال لها عَنَاقُ، وكانت صَديقته، قال: جثثُ الننى صلى الله عليه وسلم ، فقلت: يارسول الله، أنكح عَناقَ؟ قال: فسكت عنى ، فنزلت. (٣:٢٤ والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك)، فدعانى فقرأها علىَّ، وقال: لا تنكحها)). ومعنى قوله ((فاستمتع منها)) أى لاتمسها إلا بقدر ماتقضي متعة النفس منها ومن وطئها: والاستمتاع من الشىء: الانتفاع » إلى مدة، ومن هذا نكاح المتعة الذى حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله تعالى ٤٠: ٣٩ هذه الحياة الدنيا متاع) أى متعة إلى حين ثم تنقطع . (١) الزيادة من بعض نسخ أبى داود . - ٧ - وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب . وأخرجه الترمذى والنسائى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الترمذى : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. هذا آخر كلامه. ومرتد: بفتح الميم وسكون الراء المهملة ، وفتح الثاء المثلثة وبعدها دال مهملة، وتقييد كنية أبيه كذلك، والغنوى: بفتح الغين المعجمة وبعدها نون مفتوحة ، نسبة إلى غَنِيّ ، بفتح الغين وكسر النون ، وهو غنی ین يعصر، ويقال أعْصُر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر . ١٩٦٨ - وعن عمرو بن شعيب عن سعيد المقبری عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَفْكِحُ الزانى الجلودُ إلا مثلَه)). باب فى الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها [٢: ١٧٧ ]. ١٩٦٩ - عن أبى موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أَعْتَقَ جاريته وَنَزَوَّجَهَا، كان له أجران)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى مختصراً ومطولاً . ١٩٧٠ - وعن أنس: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أعتق صَفِيَّةً وجعل عِتْقِهَا صَدَاقَهَا)). ١٩٧٠ - قال الشيخ: قد ذهب غير واحد من العلماء إلى ظاهر هذا الحديث ، ورأوا أن من أعتق أمة كان له أن يتزوجها ، بأن يجعل عتقها عوضاً عن بضعها، ومن قال ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصرى وإبرهيم النخعى والزهرى ، وهو قول أحمدبن حنبل وإسحق بن راهويه ويحكى ذلك أيضاً عن الأوزاعي وكره ذلك مالك بن أنس ، وقال: هذا لايصلح، وكذلك قال أصحاب الرأى ... وقال الشافعى: إذا قالت الأمة: أعتقنى على أن أنكحك وصداقى عنتقى، فأعتقها على ذلك ، فلها الخيار فى أن تنكح أو تدع ، ويرجع عليها بقيمتها فإن نكحته ورضيت بالقيمة التى له عنيها فلا بأس . - ٨ - وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى . وتأول هذا الحديث من لم يجز النكاح على أنه خاص النبى صلى الله عليه وسلم، إذ كانت له خصائص فى النكاح ليست لغيره . وقال بعضهم : معناه أنه لم يجعل لها صداقًا ، وإنما كانت فى معنى الموهوبة التى كان النبى صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بها، إلا أنها لما استبيح نكاحها بالعتقى صار العتق كالصداق لها، وهذا كقول الشاعر: وأمهرن أرماحاً من الحظ ذبلا أى استبحن بالرماح ، فصرن كالمبيرات ، وكقول الفرزدق : وذات حليل أنكحتنا رماحنا حلالاً لمن بنى بها إ تطلق واحتج أهل المقالة الأولى بأنها لو قالت طلقى على أنى أخيط لك ثوباً لزمها ذلك إذا طلقها ، فكذلك إذا قالت أعتقنى على أن أنكحك . وحكوا عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا خلاف أن صفية كانت زوجة النبى صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل من نكاحها غير هذه اللفظة، فدل أنها سبب النكاح. قال الشيخ: وأجاب عن الفصل الأول بعض من خالفهم فقال: إنما صح هذا فى الثوب لأنه فعل، والفعل يثبت فى الذمة كالعين، والنكاح عقد، والعقدلا يثبت فى الذمة، والعتق على النكاح كالسَّم فيه، ولوأسْلمْ رَجْل امرأة عشرة دراهم على أن يعزوج بها لم يصح، كذلك هذا. فأما الفصل الآخر ، وهو ما حكي عن أحمد، فقد يحتمل أن يكون ذلك خصوصاً للنبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قد استأنف عقد النكاح عليها وه ولم ينقل ذلك مقروناً بالحديث، لأن من سنته صلى الله عليه وسلم أن النكاح لا ينعقد إلا بالكلام أو بما يقوم مقامه من الإيماء فى الأخرس ونحوه، ويحمل ماخفى من ذلك على حكم ماتظهر، وروّى أنه نكخها وجعل عتقها صداقها، فإن ثبت ذلك فلا حاجة بنا معه إلى إلى التأويل، والله أعلم . - ٩ - باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب [٢: ١٧٧] ١٩٧١ - عن سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يحرمُ من الرَّضاعة ما يحرمُ من الولادَةِ)). وأخرجه الترمذى والنسائى بمعناه، وقال الترمذى: حسن صحيح . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى من حديث عَمْرَة عن عائشة . ١٩٧٢ - وعن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة: (( أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله، هل لك فى أختى؟ قال: فَأَقَلُ ماذا؟ قالت: فتنكحها، قال: أخْتَكِ ؟ قالت: م، قال: أَوَ تُحِتِينَ ذاكِ؟! قالتُ: لَستُ بُمُخْلِيَةِ بِك، وأحَبُّ مَن شَرَ كَى فى خيرٍ أُخْثَىَ، قال : فإنها لا تخلُّ لى، قالت: فوالله لقد أخبرتُ أنك تخطب دُرَّة، أو ذَرَّةَ - شَك ◌ِهير- ١٩٧١ - وفى هذا الحديث بيان أن حرمة الرضاع فى المناكح خرمة الأنساب ، وأن المرتضعين من الرجال والنساء باللبن الواحد كالمنتسبين منهم إلى النسب الواحد . وهذا قد يجرى على عمومه في تحريم المرضعة وذوى أرحامها على المرضع مجرى النسب، وذلك أنه إذا أرضعته صارت أمَّا له، فحرم عليه نكاحها ونكاح ذات محارمها ، وهي لا تحرم على أبيه ولا على أخيه ، ولا على ذوى أنسابه، غير أولاده وأولاد أولاده. وفيه دليل على أن الرضاع بلبن السفاح لا يوقع الحرمة بين الرضيع وبين المسافح وأولاده، كما تقع الحرمة بولادته، ولا يثبت به النسب . وفيه أن مايلحق به النسب من نكاح صحيح أو نكاح بشبهة من مسلمة أو دمية فإنه يحرم بالرضاع فيه النكاح . وفيه أن الجمع بين الأختين من الرضاع محرم ، وكذلك بين المرأة وعمتها أو خالتها من الرضاع . وفيه أن لبن الضرار محرم ، كغيره من اللبن الذي ليس بضرار، وكان ابن أبى ذهب بقول : لبن الضرار لايحرم من النكاح ، وعامة أهل العلم على خلافه . - ١٠ - بنت أبى سلمة، قال: بنت أم سلمة ؟! قالت: نعم ، قال: أما والله لو لم تكن رَيبتى فى حِجْرِى مِلحَلَّت لى، إنها ابنة أخى من الرضاعة، أرضعتنى وأباها ثُوَيْبَةُ، فلا تَعْرِ ضْنَ علىَّ بناتِكَنَّ ولا أخواتِكنَّ)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة ، من حديث زينب بنت أبى سلمة عن أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم المحفوظ أنها دُرة، بالدال المعجمة. ياب فى لبن الفحل [٢ :١٧٩ ] ١٩٧٣ - عن عائشة قالت: ((دخل علىَّ أفلحُ بن أبى القُمْيس، فاستقرتُ منه، قال: تَستترين منى، وأنا عمك ؟ قالت: قلت: من أين ؟ قال: أرضعتك امرأةٌ أَخِى، قالت: إنما أرضعتنى المرأة، ولم يرضعى الرجل، فدخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثته، فقال : إنَّهُ عَمُّكِ ، فَلْيَلِجْ عليكِ)). باب فى رضاعة الكبير [١٨٠:٢] ١٩٧٤ - عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها زجل ، قال ١٩٧٣- قال الشيخ: تنزيل هذا الباب أن يجعل المرضع بمنزلة الولد من روج المرضعه ، وهو أو كان ولد من مائه حرم على أخيه، إذ كان له عمَّ، فكذلك إذا رضع من لبن كان حدوثه تقعله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الرضاع فى التحريم كالولادة. وقد قال عامة الفقهاء بتحريم ثبن الفحل وانتشار الحرمة به، إلا نفر يسير، منهم إسماعيل بن علية الأصفهانى، وقد روى ذلك عن ابن المسيب . ١٩٧٤ - قال الشيخ : معناه أن الرضاعة التى تقع بها الحرمة هي ماكان فى الصغر والرضيع طفل يقوله اللبن ويسد جوعه، وأما ما كان منه بعد ذلك فى الحال التى لا يسد جوعه اللبن ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما فى معناهما من الثقل ، فلا حرمة له . وقد اختلف العلماء فى تحديد مدة الرضاع : فقالت طائفة منهم : إنها حولانٍ ، وإليه ذهب سفيان الثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه ، واحتجوا بقوله تعالى (٢: ٢٣٣ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم - ١١ - حفص ؛ فَشَقَّ ذلك علیه ، وتغيّر وجهه ـ ثم اتفقا - قالت : يا رسول الله ، إنه أخی من الرضاعة، فقال: أُنْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانَكُنَّ ، فإنما الرضاعة من المَجَاعة)). وأخرجه البخاري ومسلم والنسائى . ١٩٧٥ - [ وعن أبى موسى - وهو الهلالى - عن أبيه عن ابن لعبد الله بن مسعود عن أز مسعود قال: ((لا رضاعٍ إلا ما شَدَّ العظمَ وأنْبَتَ اللحم، فقال أبو موسى: لا تسألونا وهذا الحَبْرفيكم)) (١)] . ١٩٧٦ - وعن أبى موسى الهلالى عن أبيه عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم ومعناه، وقال: ((أنْشَزَ الْعَظْمَ)). سئل أبو حاتم الرازى عن أبى موسى الهلالى؟ فقال: هو مجهول، وأبوه مجهول (٢). باب من حرم به [٢ : ١٨٠ ] ١٩٧٧ - عن عائشة زوج التى صلى الله عليه وسلم وأمّ سَلَمة: ((أن أبا حُذيفة بن عتبة بن الرضاعة ) ، قالوا : فدل أن مدة الحولين إذا انقضت فقد انقطع حكمها ، ولا عبرة لما زاد بعد تمام المدة. وقال أبو حنيفة: حولان وستة أشهر. وخالفه صاحباه، وقال زفر بن الهديل ثلاث سنين. ويحكى عن مالك أنه جعل حكم الزيادة على الحولين، إذا كانت يسيراً، حكم الحوين ١٩٧٦ - قال الشيخ: أنشر العظم، معناه: ماشد العظم وقواه، والإنشار بمعنى الإحياء، فى قوله تعالى ( ثم إذا شاء أنشره). ويروى ((أنشر العظم)) بالزاى معجمة، ومعناه: زاد فى حجمه منشرً . ١٩٧٧ - قال الشيخ: ذهب عامة أهل العلم فى هذا إلى قُول أم سلمة، وحملوا الأمر فى ذلك على حد الوجهين: إما على الخصوص، وإما على النسخ ، ولم يروا العمل به . ١٩٧٧ - قال ابن القيم : وقد قال بقول عائشة فى رضاع الكبير الليث بن سعد وعطاء وأهل الظاهر . (١) زيادة من السنن. (١) رواه أحمد فى المسند ٤١١٤ وبينت علته وضعفه هناك. أحمد محمد شاكر - ١٢ - ربيعة بن عبدِ شمس كان تبَنَّى سالماً، وأنكحه ابنة أخيه هندَ بنت الوليدين عتبة بن ربيعة، وهو مولّى لامرأة من الأنصار، كما تبنّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيداً، وكان من تبنى رجلاً فى الجاهلية دعاه الناس إليه وَوُرّثَ ميراثَه ، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى فى ذلك (٣٣: ٥ ادعوم لآبائهم - إلى قوله - فإخوانكم فى الدين ومواليكم)، فَرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أبٌ كان مولّى وأخا فى الدين، فجاءت سَهْلة بنت سهيل بن عمرو القرشى ثم العامرى، وهي امرأة أبى حذيفة، فقالت: يارسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يأوى معى ومع أبى حذيفة فى بيت واحد ، ويرانى فُضْلاً (١)، وقد أنزل الله عز وجل فيهم ماقد علمتَ ، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات ، فكان بمنزلة ولدهامن الرضاعة ، فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها و بنات إخوتها أن يُرْضِعْنَ من أَحَبَّت عائشةً أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيراً - خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثم يدخل عليها، وأبَتْ أُمُّ سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس، حتى يُرْضَع فى المهد، وقُمن لعائشة: والله ما ندرى، لعلها كانت رخصة من النبى صلى الله عليه وسلم السالم، دون الناس )). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . وقد استدل الشافعى بهذا الحديث على أن العدد الذى يقع به حرمة الرضاع هو الخمس، وهو مع ذلك لا يقول برضاع الكبير، فكأنه يقول: إن الخبر تضمن أمرين: رضاع الكبير، وتعليق الحكم على عدد الخمس ، فإذا جرى النسخ فى أحدها لمعنى، لم يوجب نسخ الآخر مع عدم ذلك المعنى ، وقد يصح الاستدلال الواجب بما ليس بواجب، ألا ترى أن النبى صلى الله عليه وسلم حين مَرَّ به الرجل فسلم عليه وهو يبول لم يرد عليه السلام حتى والأكثرون حملوا الحديث إما على الخصوص ، وإما على النسخ ، واستدلوا على النسخ بأن قصة سالم كانت فى أول الهجرة، لأنها هاجرت عقب نزول الآية، والآية نزلت فى أوائل الهجرة . وأما أحاديث الحكم بأن التحريم يختص بالصغر ، فرواها من تأخر إسلامهم من الصحابة، نحو أبى هريرة وابن عباس وغيرهم ، فتكون أولى . (١) ((فضلا) بضم القاء والضاد، بوزن ((جنب))، أى متبذلة فى ثياب المهنة. - ١٣ - باب ، هل يحرم مادون خمس رضعات [٢: ١٨٢]. ١٩٧٨ - عن عائشة أنها قالت: ((كان فيما أنزل الله عز وجل من القرآن عشر رضعات يُحْرٍّ من، ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن، فتوفى النبى صلى الله عليه وسلم وهُنَّ ما يُقْرَأْ من القرآن)) .. وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ١٩٧٩ - وعنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُحَرَمُ المَصَّةُ ولا المصتان)). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى . وابن ماجة . تيمم بالتراب فضرب كفيه فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه ، فاتخذه العلماء أصلاً فى إيجاب الضربتين فى التيم ومسح الذراعين ، وإن كان ذلك منه فى غير موضع الوجوب. وقولها ((ويرانى فضلاً)) أى يرانى متبذلة فى ثياب مهنتى، يقال: تفضلت المرأة : إذا تبذنت فى ثياب مهنتها . ١٩٧٨، ١٩٧٩ - قال الشيخ: وهذا يؤيد ماذهب إليه الشافعى، من اعتبار عدد الخمس فى التحريم، إلا ان أكثر الفقهاء قد ذهبوا إلى أن القليل من الرضاع وكثيره محرم ، وهو قول سفيان الثورى ومالك والأوزاعى ، وإليه ذهب أصحاب الرأى . وقال أبو عبيد: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات، كأنه ذهب إلى استعمال دليل الخطاب من قوله ((لايحرم المصة والمصتان))، فكان مازاد على المصتين - وهو الثلاث - بخلاف حكم مندوبها ، وهو قول أبى ثور وداود. وقد حكي عن بعضهم أن التحريم لايقع بأقل من عشر رضعات ! وهو قول شاذ لا اعتبار به . وأما قولها «فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مما يقرأ من القرآن)) فإنها تريد بذات قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى صار بعض من لم يبلغه النسخ يقرؤه على الرسم الأول . - ١٤ - باب فى الرَّضْخ عند الفِصَال [٢: ١٨٣] ١٩٨٠ - عن حجاج بن حجاج عن أبيه قال: ((قلت: يارسول الله ما يُذْهِبُ غَنِى مَذَمَّةٌ الرضاعة؟ قال: الفُرَّةُ: العَبْدُ أو الأمَة)) . وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. هذا آخر كلامه . وأبوه: هو الحجاج بن مالك الأسلمى ، سكن المدينة ، وقيل: كان ينزل العَرْج، ذكره أبو القاسم البغوى، وقال : لا أعلم للحجاج بن مالك غير هذا الحديث، وقال النمرى : له حديث واحد . باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء [٢: ١٨٣] ١٩٨١ - عن عامى - وهو الشعبى - عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تُفْكَحُ المرأةُ على عَمَّتها، ولا العَمَّة على بنت أخيها ، ولا المرأةُ على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى ، ولا الصغرى على الكبرى » وأخرجه البخارى تعليقا . وأخرجه الترمذى والنسائي، وقال الترمذى: حسن صحيح. وفيه دليل على جواز نسخ رسم التلاوة وبقاء الحكم، ونظيره نسخ التلاوة فى الرجم وبقاء حكمه، إلا أن القرآن لايثبت بأخبار الآحاد ، فلم يجز أن يثبت ذلك بين الدفتين، والأحكام تثبت بأخبار الآحاد . فجاز أن يقع العمل بها . والله أعلم . ١٩٨٠ - قوله ((مذمة الرضاع)) يريد ذمام الرضاع وحقه، وفيه ((مَذمَّة، ومَذَمّة)) بكسر الذال وفتحها ، تقول: إنها قد خدمتك، وأنت طفل، وحضنتك وأنت صغير، فكافئها بخادم تخدمها، تكفيها المهنة، قضاء لذمامها وجزاء لها على إحسانها. ١٩٨١ - قال الشيخ : يشبه أن يكون المعنى فى ذلك ما يخاف من وقوع العداوة بينهن ، لأن المشاركة فى الحظ من الزوج توقع المنافسة بينهن ، فيكون منها قطيعة الرحم . وعلى هذا المعنى تحريم الجمع بين الأختين المملوكتين فى الوطء ، وهو أكثر قول أهل العلم . وقياسه أن لا يجمع بين الأمة وبين عمتها أو خالتها فى الوطء . - ١٥ - ١٩٨٢ - وعن قبيصة بن ذؤيب أنه سمع أبا هريرة يقول: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَجْمَعَ بين المرأةُ وخالتها، وبين المرأة وعمتها)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ١٩٨٣ - وعن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنه كره أن يُجْمَع بين العمة والحالة ، وبين الحالتين والعمتين)). فى إسناده خصيف بن عبد الرحمن أبو عون الحرَّانى، وقد ضعفه غير واحد من الحفاظ (١) ١٩٨٤ - وعن عروة بن الزبير: (( أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى (٤: ٣ وإن خِفُْ أن لا تُقْسِطُوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء) قالت: يا ابنَ أختى، هي اليقيمة تكون فى حَجْرٍ وَلِيِّها ، فتشاركه فى ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليُّها أن يتزوجها بغير أن يُقْسِطَ فى صداقها فيعطيَها مثل ما يعطيها غيره، وَفْهُوا أنَّ ينكحوهن إلا أن يُقْسطوا لهن، ويبلغوا بهنَّ أعلى سُنَّتِهِنَّ من الصَّاق، وأَمِرُوا أن ينكحوا ماطاب لهم من النساء سواهن، قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفْتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله عز وجل (١٢٧:٤ يستفتونك فى النساء، قل : الله يفتيكم فيهن وما يُقْلَى عليكم فى الكتاب فى يَتَامَى النساء اللآلى ١٩٨٤ - قوله ((بغير أن يقسط فى صداقها)) معناه: بغير أن يعدل فيه فيبلغ به سنه مهر مثلها ، يقال: أقسط الرجل فى الحكم، إذا عدل، وقسط: إذا جار . قال الله تعالى (٩:٤٩ وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)، وقال (١٥:٧٢ وأما القاسطون فكانوا لجهم حطباً)، قال: وتأويل الآية وبيان معناها: أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى فقال : وإن خفم من (١) الحق أن خصيفاً ثقة، وأن ما أنكر عليه من الخطأ إنما هو من الرواة عنه، ولذلك ترجمة البخارى فى الكبير (ج ٢ ق ١ ص ٢٠٨) فلم يذكر فيه جرحاً ، ولم يذكره فى الضعفاء . والحديث رواه أحمد فى المسند ١٨٧٨ من طريق خصيف عن عكرمة، ورواه أيضاً ٣٥٣٠ من طريق أبى حريز عن عكرمة، وكذلك رواه الترمذى من طرق أبى حريز (ج ٢ ص ١٨٨ من أحمد محمد شاكر تحفة الأحوذي ) وصححه . - ١٦ - د. لا تؤموهن من كتب لهنَّ وترغبون أن ننكجوهن) قالت: والذى ذكر الله أنه يُتْلَى عليهم في الكتاب الآية الأولى التى قال الله سبحانه فيها (وإن خفتم أن لا تقطوا فى اليتامى فانكحوا ماطاب لكم من النساء)، قالت عائشة: وقول الله عز وجل فى الآية الآخرة ( وترغبون أن تنكحوهن) می رغبة أحدكم عن یقیمته التى تكون فى حجره ، حين تكون قليلة المال والجمال ، فَنُهُوا أن ينكحوامارغبوا في ماذا وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط ، من أجل رغبتهم عنهن ، قال يونس - وهو ابن يزيد - : وقال ربيعة فى قول الله عز وجل ( وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى) قال: يقول: اتركوهن إن خفتم ، فقد أحللتُ لكم أربعاً)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسانى . ١٩٨٥ - وعن على بن حسين: ((أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مَقّلَ الحسين بن على رضى الله عنهما، لقيه المِسْوَر بن مَخْرمة، فقال له: هل لك إلىَّ من حاجة تأمرنى بها ؟ قال : فقلت له: لا، قال: هل أنت مُعْطِىَّ سَيْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنى أخاف أن يَغلبك القوم عليه ؟ وأَنْمُ الله لئن أعطيتنيه لا يُخْذَصُ إليه أبداً حتى يُبْلَغَ إلى نفسي، إن على بن أبى طالب رضى الله عنه خطب بنتَ أبى جَهْلٍ على فاطمةَ رضى الله عنها ، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس فى ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلٍ، فقال: إن فاطمة مِنِّى، وأنا أتَخَوَّفُ أن تُفُتْنَ فى دينها ، قال: ثم ذكرِ أنفسكم المشاحة فى صدقاتهن، وأن لا تعدلوا فتبلغوا بهن صداق أمثالهن، فلا تنكحوهن، وانكحوا غيرهن من الغرائب اللواتى أحل لكم خطبتهن من واحدة إلى أربع، وإن خضم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فانكحوا منهن واحدة ، أو ما ملكتم من الإماء. ١٩٨٥ - قال ابن القيم : وفى الاستدلال بهذا نظر، فإن هذا حكم من النبى صلى الله عليه وسلم مؤيد مؤكد بالقسم ، ولكن حلف المسور بن مخرمة أنه لا يوصل إليه أبداً ، ظاهر فيه ثقته بالله فى إبراره . - ١٧ - صِهْراً له من بنى عبد شمس ، فأثنى عليه فى مصاهرته إياه، فأحسن، قال: حَدَّثَنِى فَصَدَقَنَى، ووعدنى فوفى لى ، وأنى لست أُحَرْمُ حلالاً ولا أُحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنتُ رسول الله وبنت عدوّ الله مكاناً واحداً أبداً)) ١٩٨٦ - وفى رواية: ((نسكت علىٌّ عن ذلك النكاح)) . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي وابن ماجة، مختصراً ومطولاً . ١٩٨٧ - وعن عبد الله بن أبى مليكة أن المسور بن مخرمة حدثه أنه سمع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على المنبر يقول: ((إن بنى هشام بن المغيرة استأذوني أن يُنكِحُوا ابنتَهم من وفيه رد على من يقول : إن المسور ولد بمكة فى السنة الثانية من الهجرة ، وكان له يوم موت النبى صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، هذا قول أكثرهم. وقوله ((وأنا يومئذ محتلم)» هذه الكلمة ثابتة فى الصحيحين وفيه تحريم أذى النبى صلى الله عليه وسلم بكل وجه من الوجوه ، وإن كان بفعل مباح ، فإذا تأذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز فعله، لقوله تعالى (٥٣:٣٣ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) . وفيه غيرة الرجل وغضبه لا باته وحرمته . وفيه بقاء مار الآباء فى الأعقاب ، لقوله ((بنت عدو الله))، فدل على أن لهذا الوصف تأثيراً فى المنع ، وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة، وعليه بقاء أثر صلاح الآباء فى الأعقاب، لقوله تعالى (٨٢:١٨ وكان أبوهما صالحاً). وفيه أوضح دليل على فضل فاطمة ، وأنها سيدة نساء هذه الأمة ، لكونها بضعة من النبى صلى الله عليه وسلم وفيه ثناء الرجل على زوج ابنته بجميل أوصافه ومحاسن أفعاله وفيه أن أذى أهل بيته صلى الله عليه وسلم وإرابتهم أذى له . وقوله (( يريبنى ما أرابها)) يقول: رابنى فلان إذا رأيت منه ما يريبك، وتكرهه، وأرابنى أيضاً، قال الفراء: هما بمعنى واحد وفرق آخرون بينهما بأن ((رابنى)): تحققت منه الريبة، و((أرابنى)): إذا ظننت ذلك به ، كأنه أوقعك فها. والصهر الذى ذكره النبى صلى الله عليه وسلم هو أبو العاص بن الربيع، وزوجته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبنت أبي جهل هذه المخطوبة ، قال عبد الغنى بن سعيد وغيره : اسمها العوراء . وهذه العبارة ذكر بعضها المنذرى بمنعاها . .. it - ١٨ - على بن أبى طالب، فلا آذَنُ، ثم لا آذن ، ثم لا آذن ، إلا أن يريد ابنُ أبى طالب أن يطلق ابنتى وينكح ابنتهم ، فإنما ابنتي بَضْعَةٌ مِنِّى، يُريني ما أرابها، ويؤذينى ما آذاها)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة ، مختصراً ومطولاً . باب فى نكاح المتعة [١٨٦:٢] ١٩٨٨ - عن الزهرى قال: ((كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متْعَةً النساء، فقال رجل يقال له رَبيع بن سَبْرَة: أشهد على أبى أنه حدَّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها فى حَجَّة الوداع))(١). وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة بنحوه أتم منه . ١٩٨٨ - قال الشيخ : تحريم نكاح المتعة كالإجماع بين المسلمين ، وقد كان ذلك مباحاً فى صدر الإسلام ، ثم حرمه الله فى حجة الوداع ، وذلك فى آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يبق اليوم فيه خلاف بين الأيمة ، إلا شيئاً ذهب إليه بعض الروافض . وكان ابن عباس يتأول فى إباحته للمضطر إليه بطول العزبة ، وقلة اليسار والجدّة، ثم توقف عنه، وأمسك عن الفتوى به . حدثنا ابن السماك قال حدثنا الحسن بن سلام. السواق قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا عبد السلام عن الحجاج عن أبى خالد عن المنهال عن سعيد بن جبير قال: ((قلت لابن عباس: هل تدرى ماصنعت، وبما أفْقِيتَ ؟ قد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء ، قال : وما قالت ؟ قلت : قالوا : قد قلت للشيخ لما طال مَحْبِسُهُ يا صاح هل لك فى فتيا ابن عباس؟ هل لك فى رَخْصَةَ الأطراف آنسة تكون مثواك حتى يصدر الناس ؟ فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله ما بهذا أفتيت ، ولا هذا أردت ،. ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير، وما تحل إلا للمضطر ، وما هي. إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير». (١) رواه أحمد فى مسنده ١٥٤٠٢. - ١٩ - ١٩٨٩ - وعنه عن ربيع بن سَبْرَة عن أبيه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَرمَ متعة النساء)) (١). قال الشيخ : فهذا يبين لك أنه إنما سلك فيه مذهب القياس ، وشبهه بالمصطر إلى الطعام ، وهو قياس غير صحيح ، لأن الضرورة فى هذا الباب لانتحقق كهى فى باب الطعام ، الذى به قوام الأنفس ، وبعدمه يكون التلف ، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة ، ومصابرتها ممكنة، وقد تَحْسَم مادتها بالصوم والعلاج ، فليس أحدهما فى حكم الضرورة كالآخر . ١٩٨٩ - قال ابن القيم رحمه الله: وأما ابن عباس، فإنه سلك هذا المسلك فى إباحتها عند الحاجة والضرورة ، ولميحها مطلقاً ، فلما بلغه إكثار الناس منها رجع ، وكان يحمل التحريم على من لم يحتج إليها. قال الخطابي : حدثنا ابن السماك، حدثنا الحسن بن سلام حدثنا الفضل بن دكين حدثنا عبدالسلام عن الحجاج عن أبى خالد عن المنهال عن ابن جبير قال: (( قلت لابن عباس: هل تدرى ماصنعت ، وبما أفتيت ? قد سارت بفتياك الركبان ، وقالت فيه الشعراء . قال : وما قالوا ؟ قلت : قالوا : قد قلت للشيخ لما طال محبسه ياصاح هل لك فى فتيا ابن عباس ؟ تكون مثواك حتى رجعة الناس ؟ هل لك فى رخصة الأطراف آنسة فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون ! والله ما بهذا أفتيت ، ولا هذا أردت ، ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير، وما تحل إلا للمضطر، وما هى إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير )). وقال إسحق بن راهويه : حدثنا روح بن عبادة حدثنا موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظى يحدث عن ابن عباس قال: « كانت المتعة فى أول الإسلام ، متعة النساء ، فكان الرجل يقدم بسلعته البلد ، ليس له من يحفظ عليه شيئه ويضم إليه متاعه ، فيتزوج المرأة إلى قدر مايرى أنه يقضى حاجته ، وقد كانت تقرأ ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ) حتى نزلت (حرمت عليكم أمهاتكم - إلى قوله - محصنين غير مساحين) فتركت المتعة وكان الإحصان ، إذا شاء طلق، وإذا شاء أمسك ، ويتوارثان ، وليس لهما من الأمر شىء )) . فهاتان الروايتان المقيدتان عن ابن عباس تفسران مراده من الرواية المطلقة المقيدة ، والله أعلم . (١ ) المسند ١٥٤٠١ . - ٢٠ - باب فى الشّغار [١٨٧:٢ ] ١٩٩٠ - عن ابن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشّغار)). زاد مدد فى حديثه: قلت لنافع: « ما الشغار؟ قال: يَنْكح ابنةَ الرجل ويُفكحه ابنته بغير صداق، ويَنْكح أختَ الرجل فيُنْكحه أخته بغير صداق)). وأخرجه البخارى والترمذي والنسائي وابن ماجة . ١٩٩٠ - قال الشيخ: تفسير الشغار ما بينه نافع، وقد روى أو داود أيضاً فى هذا الباب بإسناده عن الأعرج: (( أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته ، وكانا جعلاه صداقاً ، فأمر معاوية بالتفرقة بينهما ، وقال : هذا الشغار الذی نحی رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه)) . قال الشيخ: فإذا وقع النكاح على هذه الصفة كان باطلاً، لأن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وأصل الفروج على الحظر، والحظر لا يرنفع بالحظر، وإنما يرتفع بالإباحة. ولا يختلف الفقهاء أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المرأة على عمتها أو حالتها على التحريم ، وكذلك نهيه عن نكاح المتعة ، فكذلك هذا . ومن أبطل هذا النكاح مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وأبو عبيد . . وقال أصحاب الرأى وسفيان الثورى: النكاح جائز، ولكل واحدة منهما مهر مثلها، ومعنى النهى فى هذا عندهم أن يستحل الفرج بغير مهر. وقال بعضهم: أصل الشغر فى اللغة: الرفع، يقال: شغر الكلب برجاله: إذا رفعها عند البول ، قال: فإنما يسمى هذا النكاح شغاراً لأنهما رفعا المهربينهما . قال الشيخ : وهذا القائل لا ينفصل ممن قال بل سمى شغاراً لأنه رفع العقد من أصاه ، فارتفع النكاح والمهر معاً ، ويبين لك أن النهى قد انطوى على الأمرين معاً ، أن البدل ههنا ليس شيئاً غير العقد ، ولا العقد شيئاً غير البدل ، فهو إذا فسد مهراً فسد عقداً، وإذا