النص المفهرس
صفحات 281-300
- ٢٨١ - عطاء عن عُبيد اللينى المكى ، فأما عبيد بن عمير - مولى ابن عباس - فغير مشهور ، ولم يدرك ابن أبى ذئب عُبيدَ بن عمير الليثى، فلعلهما اثنان رويا الحديث، إن صح قول ابن صالح . باب فى الصبى يحج [٢: ٧٦ ] ١٦٦١ - عن ابن عباس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَوْ حَاءٍ، فلقى رَكْبًا، فسلم عليهم ، فقال: من القوم ؟ فقالوا: المسلمون، فقالوا: فمن أنتم؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففزِعَت امرأةٌ ، فأخذت بعَضُد صَبِىٍّ، فأخرجتِهِ من مَحَفَّتِهَا فقالت: يا رسول الله، هل لهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجرٌ))(١). وأخرجه مسلم والنسائى. ١٦٦١ - قلت: إنما كان له من ناحية الفضيلة، دون أن يكون ذلك محسوباً عن فرضه لو بقى حتى يبلغ ويدرك مَدْرك الرجال . وهذا كالصلاة يؤمر بها إذا أطاقها ، وهى غير واجبة عليه وجوب فرض، ولكن يكتب له أجرها تفضلاً من الله، ويكتب لمن يأمره بها ويرشده إليها أجر. فإذا كان له حج فقد على أن من سنته أن يوقف به فى الموقف، ويطاف به حول البيت محمولاً، إن لم يطق المشى، وكذلك السعى بين الصفا والمروة، فى نحوها من أعمال الحج. وفى معناه المجنون إذا كان مأيوساً من إفاقته . وفى ذلك دليل على أن حجه إذا فسد أو دخله نقص ، فإن حُبرانه واجب عليه كالكبير، وإن اصطاد صيداً لزمه الغداء، كما يلزم الكبير. وفى وجوب هذه الغرامات عليه فى ماله كما يلزمه لو أتلف مالاً لإنسان، فيكون غُرمه فى ماله أو وجوبها على وَلِّهِ ، إذ كان هو الحامل له على الحج والنائب عنه . وفى ذلك نظر، وفيه اختلاف بين الفقهاء ، وقال بعض أهل العراق: لا يحج بالصبي الصغير. والسُّنة أولَى ما اتّبع . (١) هذا الحديث رواه أبوداود عن أحمد بن حنبل، وهو فى المسند بهذا الاسناد ١٨٩٨ ٢١٨٧، ٠٣١٩٦٠٠٣١٩٠٠٢٦١٠ - ٢٨٢ - باب فى المواقيت [٢: ٧٦ ] ١٦٦٣ - عن ابن عمر، قال: ((وَقْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحُلَيْفَةَ، ولأهل الشام الْجُحْفَة، ولأهل تَجْد قَرْناً، وبلغنى: أنه وَقَّتَ لأهل اليمن يَلَمْلَمَ » . وأخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة والنسائى . ١٦٦٣ - وعن ابن عباس قال: ((وَقَّتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم - بمعناه، قال: ولأهل اليمن يللم ، وفى رواية: ألم ، قال: فَهنَّ لَهُنَّ ولمن أَى عليهن من غير أهلهن ، ممن كان يُريد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك ، قال ابن طاوس: من حيث أنشأ، قال : وكذلك، حتى أهل مكة يُهْلُّون منها». وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. ١٦٦٣ - قلت: معنى التحديد فى هذه المواقيت أن لا تتعدى ولا تُتجاوز إلا باستصحاب الإحرام . وقد أجمعوا أنه لو أحرم دونها ، حتى يوافي الميقات محرماً ، أجزأه . وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة ، فإنها إنما ضُربت حدًّا لئلا تقدم الصلاة عليها. وفى الحديث بيان أن المدنى إذا جاء من الشام على طريق الجُحْفة . فإنه يحرم من الجحفة ، ويصير كأنه شامى، وإذا أتى اليمانى على ذى الحليفة، أحرم منه ، وصار كأنه إنما جاء من المدينة . وفيه أن من كان منزله وراء هذه المواقيت مما يلى مكة ، فإنه يحرم من منزله الذى هو وطنه . وفيه أن ميقات أهل مكة فى الحج خاصة مكة . والمستحب للمكي أن يحرم قبل أن يخرج إلى الصحراء ، إذا بلغ طرف البلد أحرم قبل أن يُصْحِر، فأما إذا أراد العمرة ، فإنه لا يحرم لها من جَوْف مكة، لكنه يخرج إلى أدنى الحل فيحرم منه ، ألا ترى أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبى بكر أن يخرج بعائشة فُيُعْمِرها من التنعيم ؟ . - ٢٨٣ - ١٦٦٤ - وعن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأهل العراق ذَاتَ عِرْقٍ)). وأخرجه النسائى. وأخرج مسلم من حديث أبى الزبير: (( أنه سمع جابر بن عبدالله يُسأل عن المَهلِ ؟ فقال: سمعت - أحسبه رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث - وفيه : مُهَلُّ العراق من ذات عِرق)). وأخرجه ابن ماجة من حديث إبرهيم بن يزيد الحوزى عن أبى الزبير عن جابر قال: ((خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم))، فذكره جازماً به، غير أن إبرهيم - هذا - لا يحتج بحديثه. وفى صحيح البخارى: (( أن عمر بن الخطاب حَدَّ لهم ذات ◌ِرق)) وكان الإمام أحمد بن حنبل ينكر هذا الحديث مع غيره على أفلح بن حميد، أعنى حديث ائشة فى ذات عرق . ١٦٦٥ - وعن ابن عباس قال: ((وَقَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق)) (١). وفى قوله ((ممن كان يريد الحج والعمرة)) بيان أن الإحرام من هذه المواقيت إنما يجب على من كان عند مروره بها قاصداً حجًّا أو عمرة، دون من لم يرد شيئاً منهما. فلو أن مدنيا مَرَّ بذى الحليفة ، وهو لا يريد حجّاً ولا عمرة، فسار حتى قَرُب من الحرم، فأراد الحج أو العمرة ، فإنه يحرم من حيث حضرته النية، ولا يجب عليه دم ، كما يجب على من خرج من بيته يريد الحج والعمرة فطوى الميقات وأحرم بعد ماجاوزه . وذهب الأوزاعى وأحمد وإسحق إلى أن عليه دماً إن لم يرجع إلى الميقات. ودلالة الحديث توجب أن لا دَمَ عليه . ١٦٦٥ - قلت : الحديث فى العقيق أثبت منه فى ذاتٍ عِرْق . والصحيح منه: أن عمر بن ١٦٦٥ - قال ابن القيم رحمه الله: وقال ابن القطان: علته الشك فى اتصاله، فإن محمد بن على بن عبد الله بن عباس يرويه عن ابن عباس، ومحمد بن على إنما هو معروف فى الرواية عن (١) رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، وهو فى المسند ٣٢٠٥ وقد بينت فى شرحى أنه إسناد صحيح ، خلافا لما يميل إليه المنذرى. أحمد محمد شاكر : - ٢٨٤ - وأخرجه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن . هذا آخر كلامه . وفى إسناده يزيد بن أبى زياد ، وهو ضعيف ، وذكر البيهقى أنه تفرد به . ١٦٦٦ - وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( مَن أهَلَّ بحجّة أو ◌ُمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخَر، أو وجبت له الجنة - شك عبد الله أيتهما قال )). الخطاب وَقَّتها لأهل العراق، بعد أن فتحت العراق . وكان ذلك فى التقدير على موازاة قرن لأهل نجد . وكان الشامى يستحب أن يحرم أهل العراق من العقيق ، فإن أحرموا من ذاتٍ عِرْق أجزأهم . وقد تابع الناسُ فى ذلك عمر بن الخطاب إلى زماننا هذا . ١٦٦٦ - قلت: فى هذا جواز تقديم الإحرام على الميقات من المكان البعيد مع الترغيب فيه، وقد فعله غير واحد من الصحابة . وكره ذلك جماعة ، أنكر عمر بن الخطاب على عمران بن الحصين إحرامه من البصرة، وكرهه الحسن البصرى، وعطاء بن أبى رباح ، ومالك بن أنس . أبيه عن جده ابن عباس، وفى صحيح مسلم حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس (( أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم)) الحديث، وحديثه عن أبيه عن جده: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً أولماً ، ثم صلى ولم يمس ماء)» ذكره البزار ، وقال : ولا أعلم روى عن جده إلا هذا الحديث، يعنى «وقت لأهل المشرق)) إلخ وأخاف أن يكون منقطعاً، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبى حاتم أنه روى عن جده، وقال مسلم فى كتاب التميز (١): لم يعلم له سماع من جده ولا أنه لقيه ١٦٦٦ - قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث - حديث أم سلمة - قال غير واحد من الحفاظ: إسناده ليس بالقوى ، وقد سئل عبد الله بن عبد الرحمن بن يجنس (٢): هل قال ((ووجبت له الجنة)) أو قال «أو وجبت)) بالشك، بدل قوله ((غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)» ؟هذا هو الصواب بأو. وفى كثير من النسخ ((ووجبت)) بالواو، وهو غلط. والله أعلم. (١) كتاب التمييز: من مؤلفات مسلم بن الحجاج. ذكره الذهبي فى ترجمته فى تذكرة الفاظ ٢: ١٥١ (٢) بضم الياء المثناة ثم حاء مهملة مفتوحة، ثم نون مشددة مكسورة، ثم بين مهملة. - ٢٨٥ - وأخرجه ابن ماجة، ولفظه: ((من أَهَلَّ بَعْرة من بيت المقدس غفر له)) .. ج: وفى رواية: ((من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب)). وقد اختلف الرواة فى متنه وإسناده اختلافاً كثيراً ١٦٦٧ - وعن الحرث بن عمرو السَّهمى قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمنى، أو بعرفات، وقد أطاف به الناسُ ، قال: فيجىء الأعرابُ، فإذا رأوا وجهه قالو : هذا وُجْهٌ مبارك ، قال: وَوَقَّتَ ذَاتَ عِرْقُ لأهل العراق ». ٠٧٠ وأخرجه النسائى. وقال البيهقى: وفى إسناده من هو غير معروف.٢×٦ باب الحائض تهل بالحج [٢: ٧٨ ١٦٦٨ - عن عائشة قالت: ((نُفِسَتْ أسماء بنت عميس بمحمد بن أبى بكر بالشّجْرة(١)، فأمرٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن تقتل وتُهُلَّ)). وأخرجه مسلم وابن ماجة .... ١٦٦٩ - وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت تغتسلان وتحرمان، وتقضيان المناسك كلّها، غير الطواف بالبيت)) .. وقال أحمد بن حنبل : وَجِهُ العمل المواقيت ، وكذلك قال إسحق . قلت: يشبه أن يكون عمر إنما كره ذلك شفقاً أن يعرض للمحرم إذا بعدت مسافته آفة تفسد إحرامه، ورأى أن ذلك في قصير المسافة أسلم (٣). ١٦٦٩ - قلت : فيه من العلم استحباب التشبه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال، والاقتداء بأفعالهم ، طمعاً فى درك مراتبهم ، ورجاء لمشاركتهم فى نيل المثوبة . (١) الشجرة، وفى رواية عند مسلم ((بذى الحليفة)) وفى رواية ((بالبيداء)): هذه المواضع الثلاثة متقاربة. فالشجرة بذى الخليفة. وأما البيداء فهى فى طرف ذى الحليفة . وكان رسول الله الله صلى الله عليه وسلم نزل بذى الحليفة حقيقة، وهناك بات وأحرم، فسمى منزل الناس كلهم. : (٢) ولعل الأظهر: أن عمر رأى أن ذلك باب فى تعدى حدى الرسول صلى الله عليه وسلم. ومخالفة عن أمره فيجه إلى فتنة. وقد ذكر أبو شامة فى كتاب البدع والحوادث : أن مالكا سئل عمن يحرم قبل الميقات، فقال: يظن أنه أهدى من رسول الله صلى الله عليه وسلم. - ٢٨٦ - وفى رواية: (( حتى تطهر)) . وأخرجه الترمذى ، وقال : غريب من هذا الوجه . هذا آخر كلامه . وفى إسناده. خُصيف ، وهو ابن عبد الرحمن الحرانى ، كنيته أبو عون . وقد ضعفه غير واحد . باب الطيب عند الاحرام [٧٨:٢] ١٦٧٠ - عن عائشة قالت: (( كنت أُطَيِّبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت ». ومعلوم أن اغتال الحائض والنفساء قبل أوان الطهر لا يطهرهما ، ولا يخرجهما عن حكم الحدث . وإنما هو لفضيلة المكان والوقت . ومن هذا الباب: أمر النبي صلى الله عليه وسن الأسْلَمِين أن يمسكوا بقية نهار عاشوراء عن الطعام، وكذلك القادم فى بعض نهار الصوم يمسك بقية نهاره فى مذاهب الفقهاء، والعادم الماء والتراب ، والمصلوب على الخشبة ، والمحبوس فى الخُِّ والمكان القذر ، يصلون على حسب الطاقة عند بعضهم ، ولا يجزيهم ، وعليهم الإعادة عند الإمكان . وهذا باب غريب من العلم . وفى أمره صلى الله عليه وسلم الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. وفيه دليل على أن المحدث إذا أحرم أجزأه إحرامه . وفيه بيان أن الطواف لايجوز إلا طاهراً. وهو قول عامة أهل العلم، إلا أنه قد حكى عن أبى حنيفة أنه قال: إذا طاف جنباً وانصرف من مكة لم يلزمه الإعادة، وَجْبُره بدم . وعند الشافعى أن الطواف لانجزئه إلا بما يجزىء به الصلاة ، من الطهارة وسَقْر العورة، فإن ترك شيئاً منها أعاد. - ٢٨٧ - وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ١٦٧١ - وعنها قالت: ((كأنى أنظر إلى وَبيصِ الطيب (١) فى مَفْرِق رسول الله على الله عليه وسلم ، وهو محرم)) . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . باب التلبيد [٢: ٧٩] ١٦٧٢ - عن سالم - يعنى ابن عبد الله - عن أبيه قال: ((سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يُهِلُّ مُكَبِدًا ». ١٦٧١ - قلت: (( وبيص المسك)) بريقه، يقال: وبَص الشىء، وبَصَّ أيضاً بصيصاً، إذا بَرَق . وفيه من الفقه: أن للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه بطيب يبقى أثره عليه بعد الإحرام ، وأن بقاءه بعد الإحرام لا يضره، ولا يوجب عليه فدية ، وهو مذهب أكثر الصحابة ، روى عن سعد بن أبي وقاص ((أنه كان يفعل ذلك))، وأن ابن عباس (( رأى محرماً وعلى رأسه مثل الرُّبّ من الغالية)). وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير وهو محرم ، وفى رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال. وبه قال الشافعى وأحمد وإسحق. وقال مالك بن أنس : يكره الطيب للمحرم . وقال أبو حنيفة : إن تطيب بما يبقى أثره بعد الإحرام كانت عليه الفدية ، وشبهوه باللباس يستصحب الإحرام . والحديث حجة على من كره ذلك . وما يفرق به بين الطيب واللباس: أن سبيل الطيب الاستهلاك، وسبيل الثياب الاستبقاء، ولذلك صار إذا حلف أن يتطيب وعلى بَدّنه طيب، لا يحنث مع ترك إزالته، ولو حلف لا يلبس وعليه ثياب ، لزمه نزعه عن نفسه ، وإلا حنث . (١) وفى رواية فى السنن ((المسك)): - ٢٨٨ - وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . ١٦٧٣ - وعنه: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم لَيََّ رأسه بالَسَلْ))(١) باب فى الهدى [٢: ٧٩] ١٦٧٤ -عن ابن عباس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية ، فی هدايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ◌َمَلاً كان لأبِى جَهْل، فى رأسه بُرَةُ فِضَّةٍ - قال ابن منهال(٢): بِرَةٌ مِنْ ذَهَب - زاد التفتلى -: يغيظ بذلك المشركين)). (٣) فى إسناده أيضاً محمد بن إسحق . ١٦٧٣ - قلت: تلبيد الشعر قد يكون بالصمغ، وقد يكون بالعسل، وإنما يفعل ذلك بالشعر ليجتمع ويتلبد ، فلا يتخلله الغبار، ولا يصيبه الشعث ، ولا يقع فيه الدبيب . ١٦٧٤ - قلت : فيه من الفقه أن الذكران فى الهدى جائزة . وقد روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يكره ذلك فى الإبل، ويرى أن يهدى الإناث منها. وفيه دليل على جواز استعمال اليسير من الفضة فى مُجم المرا كب من الخيل وغيرها، وفى معناه لو كُتبت بغلة بحلقة فضة أو نحوها جاز. والبُرَة: حلقة تجعل فى أنف البعير، وتجمع على البُرِّينَ. وقوله (( يغيظ بذلك المشركين)) معناه: أن هذا الجمل كان معروفاً بأبى جهل ، فازه النبی صلي الله عليه وسلم فی سلبه ، فکان یغیظهم أن يروه فى يده ، وصاحبه قتيل سليب . (١) وفى نسخة من السنن ((بالغسل)). وفى عون المعبود: قال ابن عبد السلام: يحتمل أنه بفتح المهملتين ، ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون العجمة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمى وغيره. قال فى فتح البارى: ضبطناه فى روايتنا فى سنن أبى داود بالمهملتين: قاله السيوطى . اهـ (٢) فى النذری ((قال ابن شهاب))، وهو خطأ فليس لا بن شهاب رواية فى هذا الاستاد ، بل هو (( ابن منهال)) كما فى السنن. (٣) ورواه أحمد فى المسند ٢٣٦٢، ورواه أيضاً مختصراً ٢٠٧٩، ٢٤٢٨، ٠٢٤٦٦ ٪ - ٢٨٩ - باب فى هدى البقرة (١) [٧٩:٢] ١٦٧٥ - عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحر عن آلٍ محمد فى حَجَّة الوداع بقرةً واحدة )). وأخرجه النسائى وابن ماجة . ١٦٧٦ - وعن أبى هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَبح عمَّن اعتمر من نسائه بقرة بينهن)). وأخرجه النسائى وابن ماجة . ١٦٧٦ - قلت : البقرة تجزىء عن سبعة، كالبدنة من الإبل. وفيه بيان جواز شركة الجماعة في الذبيحة الواحدة . وممن أجاز ذلك ، عطاء ، وطاوس ، وسفيان الثوري، والشافعى . وقال مالك بن أنس : لا يشتركون فى شىء من الهدى والبُدْن والفسك . وعن أبيحنيفة أنه قال : إن كانوا كلهم يريدون النسك فجائز، وإن كان بعضهم يريد النسك وبعضهم اللحم لم يجز. وعند الشافعى يجوز على الوجهين معاً . ١٦٧٦ - قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى النسائى من حديث إسرائيل عن عمار عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: ((ذبح عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حججنا بقرة بقرة))، وعن الزهرى عن عمرة عن عائشة قالت: ((ماذبح عن آل محمد فى حجة الوداع إلا بقرة»، وبه عن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر عن آل محمد فى حجة الوداع بقرة واحدة))، وسيأتى قول عائشة: ((ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم البقر يوم النحر)). ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج بنسائه كلهن، وهن يومئذ تسع، وكلهن كن متمتعات حتى عائشة ، فإنها قرنت ، فإن كان الهدى متعدداً فلا إشكال ، وإن كان بقرة واحدة بينهن ، وهن تسع ، فهذا حجة لإسحق ومن قال بقوله : أن البدنة تجزىء عن عشرة ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد . وقد ذهب ابن حزم الى أن هذا الاشتراك فى البقرة (١) كذا فى النذرى، وفى السنن (البقر)) بالجمع. ١٩ - مختصر السنن - ج٢ - ٢٩٠ - باب فى الإشعار [٢: ٧٩] ١٦٧٧ - عن ابن عباس: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلي الظهر بذى الخليفة، ثم دعا ببُدْنهِ (١) فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سَلَت الدم عنها، وقادها بنعلين، ثم وفيه دليل على أن القارن لا يلزمه أكثر من شاة ، وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كُنَّ قارنات، بدليل قوله لعائشة (( طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك)) ولقولها ((إن نساءك ينصرفن بحجٍ وعمرة، وأنصرف بحج))، وحكى عن الشعبى أنه قال : على القارن بَدّنة . وزعم داود أنه لاشىء على القارن، وإنما فرَّ بذلك عن القياس ، وذلك أن أكثر أهل العلم قاسوا دَمَ القران على دم المتعة ، إذهو منصوص عليه ، ولم يكن عنده فى القارن نص ، فأبطله . ١٦٧٧ - قلت : الإشعار: أن يطعن فى سنامها بمبضع، أو نحو ذلك ، حتى يسيل دمها، فيكون ذلك علماً أنها بدنة. ومنه الشعار فى الحروب ، وهو العلامة يعرف بها الرجل صاحبه ، ويميز بذلك بينه وبين عدوه . وفيه بيان أن الإشعار ليس من جملة مانهى عنه من المُثْلة، ولا أعلم أحداً من أهل العلم إنما كان بين ثمان نسوة، قال: لأن عائشة لما قرنت لم يكن عليها هدى. واحتج بما فى صحيح مسلم عنها، من قولها (فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معى عبد الرحمن بن أبى بكر فأردفنى، وخرج بي إلى التنعيم فأهلات بعمرة ، فقضي الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن فى ذلك هدى، ولاصدقة ولاصوم )) وجعل هذا أصلا فى إسقاط الدم عن القارن . ولكن هذه الزيادة وهى (( ولم يكن فى ذلك هدى)) مدرجة فى الحديث من كلام هشام بن عروة ، بينه مسلم فى الصحيح . قل : أنبأنا أبو كريب أنبأنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - فذكر الحديث - وفى آخره قال عروة فى ذلك: (( أنه قضى الله حجها وعمرتها)) قال هشام: ((ولم يكن فى ذلك هدى ولا صيام ولا صدقة)) جعل وكيع هذا اللفظ من قول هشام وابن نمير وعبدة لم يقولا : قالت عائشة، بل أدرجاه إدراجاً ، وفصله وكيع وغيره . (١) فى السنن ((ببدنة)) وفى نسخة منها (ببدنته)). - ٢٩١ - أتي براحلته، فلما قعد عليها واستوت به على البَيْداء، أَهَلَّ بالحج)). أنكر الإشعار، غير أبى حنيفة ، وخالفه صاحباه، وقالا فى ذلك بقول عامة أهل العلم . وإنما المثلة أن يقطع عضو من البهيمة يراد به التعذيب ، أو تُبانَ قطعة منها للأ كل ، كما كانوا يفعلون ذلك من قطعهم أسنمة الإبل ، وأليَّات الشاء، يبينونها والبهيمة حية ، فتعذب بذلك. وإنماسبيل الإشعار سبيل ما أبيح من الكَىِّ والتبزيغ والتَّوْديح (١) فى البهائم، وسبيل الختان والفِصاد والحجامة فى الآدميين، وإذا جاز الكَىُّ والَّدْغ بالميسم، لُيُعْرف بذلك مِلْك صاحبه، جاز الإشعار، ليُعلم أنه بَدَنة نُسُك، وَتُصان فلا يُعْرَض لها ، حتى تبلغ المحل. وكيف يجوز أن يكون الإشعار من باب المثلة؟ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة متقدماً وأشعر بُدنه عام حَجَّ، وهو متأخر. وفيه أيضاً من السنة التقليد، وهو فى الإبل كالإجماع من أهل العلم. وفيه : أن الإشعار من الشق الأيمن، وهو السنة ، وقد اختلفوا فى ذلك ، فذهب الشافعى وأحمد بن حنبل إلى أن الإشعار فى الشِّقِّ الأيمن . وقال مالك: يشعر فى الشّق الأيسر. وروى ذلك عن ابن عمر . قلت: ويشبه أن يكون هذا من المباح، لأن المراد به التشهير والاعلام ، فبأيهما حصل هذا المعنى جاز. والله أعلم . وقال الشافعى: نُشعر البقر كالإبل. وقال مالك: تُشْعَر إن كانت لها أسنمة ، وإلا فلا . وقوله (( سلت الدم بيده)) أى أماطه بإصبعه. وأصل ((السلت)) القطع، ويقال: سلت الله أنف فلان ، أى جدّعه . وقوله ((استوت على البيداء)) أى عَلَتْ فوق البيداء. وقال الخليل : أتينا أبا ربيعة الأعرابى ، وهو فوق سطح ، فلما رآنا قال: استووا ، يريد اصعدوا . (١) يزغ الحاجم والبيطار: شرط، والمبزغ - كمنبر - المشرط. والودج - بفتح الواو وسكون الدال قطع الودج - والودج: عرق العنق - كالتوديج اهـ قاموس. - ٢٩٢ - ١٦٧٨ - وفى رواية: « ثم سلت الدم بيده)). ١٦٧٩ - وفى رواية: ((سلت الدم عنها بإصبعه)). قال أبو داود : هذا من سنن أهل البصرة [الذى] تفردوا به . وأخرجه مسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة (١). ١٦٨٠ - وعن المسور بن تَخْرمة ومروان أنهما قالا: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبية ، فلما كان بذى الحليفة قَلَّدَ الْهَدْىَ، وأشعره وأحرم». وأخرجه البخاري والنسائى. ١٦٨١ - وعن عائشة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى غماً مُقَلَّدة)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي وابن ماجة بنحوه. باب تبديل الهدى [٢: ٨٠] ١٦٨٢ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: ((أهدى عمر بن الخطاب بُخْتِيًّا (٢) فأعْطِى بها ثلثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، إنى أهديت بخيتًاً ١٦٨١ - فيه من الفقه أن الغم قد يقع عليها اسم الهدى ، وزعم بعضهم أن الغنم لا ينطلق عليها اسم الهدى . وفيه أن الغنم تقلد . وبه قال عطاء والشافعى ، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه . وقال أصحاب الرأى : لاتقلد الغنم ، وكذلك قال مالك . ١٦٨٢ - قال ابن القيم رحمه الله : هو الجهم بن الجارود . وقد ذكر هذا الحديث البخارى فى تاريخه الكبير ، وعلله بهذه العلة ، وأعله ابن القطان بأن جهم بن الجارود لا يعرف حاله ، ولا يعرف له راو إلاأبو عبدالرحيم خالد بن أبى يزيد. قال: وبذلك ذكره البخارى وأبو حاتم(٣) (١) رواه أحمد فى المسند مطولاً ومختصراً ١٨٥٠، ٢٢٩٦، ٢٥٢٨، ٣١٤٩، ٠٣٥٢٥ (٢) فى نسخة ((نجيبا)) والنجيب الفاضل من كل حيوان. (٣) انظر التاريخ الكبيرج ١ ق ٢ ص ٢٢٩ - ٢٣٠. - ٢٩٣ - فأعطيت بها ثلثمائة دينار، أفأبيعها وأشترى بثمنها بُدْناً؟ قال: لا ، انْجَرْها إِيَّاها». قال البخارى : لا نعرف للجَهم سماعاً من سالم . باب من بعث بهديه وأقام [٢: ٨١] ١٦٨٣ - عن عائشة قالت: ((فَتَلْتُ قَلاَئِدَ بُدْنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدئَّ، ثم أشعرها وقلّدها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حَرُم عليه شىء كان له حِلاً)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي وابن ماجة . ١٦٨٤ - وعنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهْدِى، من المدينة، فأقْتِلُ قلائِدِ هَدْيه ، ثم لا يَجْتنب شيئاً مما يجتذب المحرم)). . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . ١٦٨٥ - وعنها قالت: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدى، فأنا فَتَلْتُ قَلاَئدهَا بيدى ، من عِهْنٍ كان عندنا ، ثم أصبح فينا حلالاً ، يأتى ما يأتى الرجل من أهله)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . باب فى ركوب البُدن [٨١:٢] ١٦٨٦ - عن أبى هريرة: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يَسُوق بَدَّنَةً، ١٦٨٥ قلت : وممن قال بظاهر الحديث، فلم يَرَ الرجل يكون بتقليد الهدى محرماً حتى يحرم: مالك والشافعى . وقال سفيان الثورى ، وأحمد بن حنبل، وإسحق: إذا أراد الحج وقلد . فقد وجب عليه . وقال أصحاب الرأى: إذا ساق الهدى ثم قلده ، فقد وجب عليه الإحرام ، فإن لم تكن له "نية فهو بالخيار بين حجة أو عمرة، وروى عن ابن عمر أنه كان يقول: ((إذا قلد هديه فقد أحرم ))، وكذلك قال عطاء. و «العهن )) الصوف المصبوغ ألوانًاً . ١٦٨٦، ١٦٨٧ - قلت: اختلف الناس فى ركوب البدن ، فقال أحمد وإسحق ، له أن - ٢٩٤ - فقال: اركبها، قال: إنّها بدنة، فقال: اركها، وَيْكَ - فى الثانية، أو [فى] الثالثة)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ١٦٨٧ -وعن أبى الزبير قال: ((سألت جابر بن عبد الله عن ركوب الهدى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ارْ كَبْهَا بِالْمَعْرُوف إذا أُلْجِئْتَ إليها، حتى تَجِدَ ظَهْراً » . وأخرجه مسلم والنسائى . باب فى الهدى إذا عَطِب قبل أن يبلغ [٨١٤:٢] ١٦٨٨ - عن ناجية الأسلمى: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ معه بهدىٍ، فقال: إِنْ عَطَبَ فانحره، ثم اصبُعُ نَعْله فى دمه، ثم خَلٍّ بينه وبين الناس)). وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث ناجية حديث حسن صحيح. يركبها، ولم يشترطا منه حاجة إليها . وقال مالك : لا بأس أن يركبها ركوباً غير فادح . وقال الشافعى : يركبها إذا اضطر إليها ، وله أن يحمل المعي والمضطر على هديه. وكأنه ذهب إلى حديث جابر . ومن تقدم ذكرهم ذهبوا إلى حديث أبى هريرة . وقال أصحاب الرأى: ليس له أن يركبها، وإن فعل ذلك لضرورة ونقصها الركوب شيئاً ضمن مانقصها ، وتصدق به . وكذلك قال الثورى . ١٦٨٨ - قلت: إنما أمره بأن يصبغ نعله فى دمه، ليعلم المارُّ به أنه هدى، فيتجنبه إذا لم يكن محتاجاً ، ولم يكن مضطرًا إلى أكله . وفى قوله (( خل بينه وبين الناس)) دلالة على أنه لا يحرم على أحد أن يأكل منه إذا احتاج إليه ، وإنما حظر على سائقه أن يأكل دونهم. وقال مالك بن أنس : فإن أكل منها شيئاً . كان عليه البدل . - ٢٩٥ - ١٦٨٩ - وعن ابن عباس قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاناً الأسْلَمِىَّ، وبعث معه بثمانِ عشرةَ بَدَنة، فقال: أرأيتَ إن أَزْحَفَ عَلىَّ منها شيءٍ؟ قال: تنحرُها ثم تصبُغْ نعلها فى دَمها ، ثم اضربها على صَفْحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحدٌ من. أهل رُفقتك)). (١) وفى رواية: ((اجعله على صفحتها)) مكان ((اضربها)). وأخرجه مسلم والنسائى، وفى صحيح مسلم: ((فأزْحَفَت عليه بالطريق)». هكذا وقع ههنا. ١٦٩٠ - وعن على قال: لما نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدْنَهُ ، فنحر ثلاثين بيده ، وأمرنى فنحرتُ سائرها » . فى إسناده : محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه . ١٦٩١ - وعن عبد الله بن قُرْط، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أعظم الأيام عند ١٦٨٩ - قوله: ((أزحف)) معناه أعْيَا وَكَلَّ، يقال: زَحَفَ البعير، إذا جَرّ فِرْسِه على الأرض من الإعياء. وأزحفه السير، إذا جهده فبلغ هذه الحال . وقوله (( لاتأ كل منها أنت ولا أحد من أصحابك)) يشبه أن يكون معناه حرم عليه ذلك وعلى أصحابه، لِيَحْسِمِ عنهم باب التهمة ، فلا يَعْتَلُوا بأن بعضها قد زَحف، فينحروه إذا قَرِ موا إلى اللحم ، فيأكلوه . والله أعلم. ١٦٩١ - قلت: ((يوم القَرَّ)) هو اليوم الذى يلى يوم النحر، وإنما سُمى يوم القر، لأن الناس يَقَرون فيه بمنى، وذلك لأنهم قد فرغوا من طواف الإفاضة والنحر ، فاستراحوا وقَرُّوا . ١٦٩١ - قال ابن القيم رحمه الله: وفيه أى فى الحديث - دليل على أن يوم النحر أفضل الأيام، وذهبت جماعة من العلماء إلى أن يوم الجمعة أفضل الأيام ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : (( خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)) وهو حديث صحيح رواه ابن حبان وغيره . وفصل النزاع أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ، ويوم النحر أفضل أيام العام ، فيو النحر مفضل على الأيام كلها ، التى فيها الجمعة وغيرها ، ويوم الجمعة مفضل على أيام الأسبوع . فإن اجتمعا فى يوم تظاهرت الفضيلتان ، وإن تباينا ، فيوم النحر أفضل وأعظم، لهذا الحديث. والله أعلم . (١) رواه أحمد فى المسند ١٨٦٩، ٢١٨٩، ٢٥١٨. - ٢٩٦ - الله يوم النحر ، ثم يوم القَرّ ، وهو اليوم الثانى، قال: وَقُرِّب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدناتٌ خمسٌ أوستٌّ، فطفِقْن يَزْ دَلِنِ إليه، بأيَّتِهِنَّ يبدأ ، فلما وجَبَتْ جُنوبها قال، فتكلم بكلمة خَفية لم أفهمها، فقلت : ما قال ؟ قال : من شاء اقتطع)) . وأخرجه النسائى . ١٦٩٢ - وعن غرفة (١) بن الحرث الكندى، قال: «شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حَجَّة الوداع، وأُرِىَ بِالْبُدْنِ، فقال: ادعوا لى أبا حَسَن ، فدُعى له علىٌّ ، فقال له: خذ بأسفل الحَربة ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلاها، ثم طعنا بها البدن ، فلما فرغ ركب بَغْلته، وأردف عليًا)). ذكر محمد بن موسى الحضرى أن هذا الحديث لم يروه عن حَرملة - يعنى ابن عمران- غير ابن المبارك ، ولم يروه عن ابن المبارك غير عبد الرحمن بن مهدى. باب كيف تنحر البدن؟ [٢: ٨٣] ١٦٩٣ - عن جابر - وهو ابن عبد الله -: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البَدَنَةً مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى، قائمة على مابقى من قوائمها » . وقوله ((يزدلفن)) معناه يقتربن ، من قولك : زلف الشىء إذا قرب ، ومنه قوله تعالى (٦٤:٢٦ وأزلفنا ثَمَّ الآخرين) ومعناه - والله أعلم - القرب والدنو من الهلاك، وإنما سميت المزدلفة لاقتراب الناس فيها إلى منى، بعد الإفاضة من عرفات . وقوله ((وجبت جنوبها)) معناه زهقت أنفسها، فسقطت على جنوبها ، وأصل الوجوب السقوط . وفى قوله (( من شاء اقتطع )» دليل على جواز هبة المشاع . وفيه دلالة على جواز أخذ النَّار فى عَقْد الإملاك، وأنه ليس من باب النُّهَ ، وإنما هو من باب الإباحة، وقد كره ذلك بعض العلماء ، خوفاً أن يدخل فيما نهى عنه من النُّهَى . (١) غرفة: بالغين المعجمة والراء المفتوحتين، كما فى المشتبه الذهبي ٣٥٧ وضبطه بعضهم بسكون الراء، وضبطه بعضهم بالعين الهملة والراء الفتوحتين. والصواب الأول . وانظر التاريخ الكبير البخارى ج ٤ ق ١ ص ١٠٩ - ١١٠. - ٢٩٧ - ١٦٩٤ - وعن زياد بن جُبير قال: ((كنت مع ابن عمر بمنّ، فمرَّ برجل وهو ينحر بَدَنَتَهُ وهى باركة، فقال: ابَعَثْها قياماً مُقَيِّدَةً، سُنَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم » . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . ١٦٩٥ - وعن على رضى الله عنه قال: ((أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بُدْنِهِ، وأَقْسِمَ جلودها وجِلاَلَهَا، وأمرنى أن لا أُعْطى الجزَّار منها شيئاً، وقال: نحن نعطيه. من عندنا )) . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة . ١٦٩٥ - قلت: قوله ((أمرنى أن لاأعطى الجزار منها شيئاً)) أى لا يعطى على معنى الأجرة. شيئاً منها ، فأما أن يُتَصَدَّق به عليه فلا بأس به ، والدليل على هذا قوله «نعطيه من عندنا)» أى أجرة عمله، وبهذا قال أكثر أهل العلم . وروي عن الحسن البصرى أنه قال: لا بأس أن يُعطَى الجازر الجلد. وأما الأ كل من لحوم الهدى: فما كان منها واجباً لم يتحل أكل شىء منه، وهو مثلالدم الذى يجب فى جزاء الصيد، وإفساد الحج، ودم المتعة والقِران ، وكذلك ما كان نذراً أوجبه المرء على نفسه. وما كان تطوعاً كالضحايا والهدايا، فله أن يأكل منه ويُهدى ويتصدق . وهذا كله على مذهب الشافعى . وقال مالك : يؤكل من الهدى الذى ساقه لفساد حجه ، ولفوات الحج، ومن هدى المتمتع ، ومن الهدى كله ، إلا فدية الأذى وجزاء الصيد؛ وما نذره للمسا كين . وقال أحمد بن حنبل ، و إسحق بن راهويه : لا يؤكل من النذر، ولا من جزاء الصيد ، ویؤ کل ما سوى ذلك، وروی ذلك عن ابن عمر . وعند أصحاب الرأى : يأكل من هدى المتعة ، وهدى القران ، وهدى التطوع، ولا يأكل مما سواها . - ٢٩٨ - باب فى وقت الإحرام [٢: ٨٤ ] ١٦٩٦ - عن سعيد بن جُبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: ((يا أبا العباس، عَجبتُ لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب ؟ فقال: إنى لأعلى الناس بذلك ، إنها إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حَجَّةً واحدةً ، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًّا، فلما صلى فى مسجده بذى الحليفة رَ كعتيه، أوجبَ فى مجلسه، فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه ، فسمع ذلك منه أقوام ، فظنْه عنه، ثم ركب، فلما اسْتَقَّلَّتْ به ناقته أَهَلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام ، وذلك أنَّ الناس إنما كانوا يأتون أَرْسَالاً ، فسمعوه حين استقلَّتْ به ناقته يُهِلُّ فقالوا: إنما أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما علا على شَرفِ البَيْدَاءِ أهلَّ ، وأدرك ذلك منه أقوام ، فقالوا: إنما أهلَّ حين علا على شَرفِ البيداء، وأَيْمُ الله، لقد أوجب فى مُصَلَّه، وأهلَّ حين استقلَّتْ به ناقته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء، [قال سعيد](١) فمن أخذ بقول ابن عباس أهلَّ فى مصلاه إذا فرغ من ركعتيه )). فى إسناده خُصيف بن عبد الرحمن الحرانى، وهو ضعيف . وفى إسناده أيضاً محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه . (٢) ١٦٩٧ - وعن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه قال: ((بَيداؤكم هذه التى تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، ما أهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد ، يعنى مسجدَ ذى الحليفة)». وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة . ١٦٩٨ - وعن عُبيد بن جُريح أنه قال لعبد الله بن عمر: (( يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعاً، لم أرأحداً من أصحابك يصنعها ، قال: ماهنَّ يا ابن جريج ؟ قال رأيتك لا يَسُّ من الأركان إلا الما نِيَّيْن، ورأيتك تلبَس الفعال السِّبْتِيَّةُ، ورأيتك تصبُغ بالصفرة، (١) زيادة من السنن. (٢) الحديث رواه أحمد فى المسند ٢٣٥٨. وهو حديث صحيح، فان ابن اسحق ثقة. زعموا أنه يدلس، ومع هذا فقد صرح فى هذا الاسناد بالتحديث . وخصيف ثقة. ومن تكلم فيه فلا حجة له، وقه فصلت ذلك فى شرح الحديث ١٨٣١ من المسند. أحمد محمد شاكر. - ٢٩٩ - ورأيتك إذا كنت بمكة أهلَّ الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهلَّ أنت حتى كان يومُ التّروية؟ فقال عبد الله بن عمر: أما الأركان، فإنى لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمَس إلا الَمَانِيْنِ ، وأما النعال السّبْتية، فإنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسن النعال التى ليس فيها شَعَر، ويتوضأ فيها ، فأنا أحب أن ألبسها ، وأما الصفرة ، فإنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، فأنا أحبُّ أن أصبغ بها، وأما الإهلال، فإنى لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم ◌ُهلُّ حتى تنبعث به راحلته » . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة ، مطولاً ومختصراً . ١٦٩٩ - وعن أنس قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذى الخليفة ركعتين ، ثم بات بذى الخليفة حتى أصبح ، فلما ركب راحلته واستوت به ، أهلَّ ». وأخرجه البخارى . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى مختصراً ليس فيه ذكر المبيت ١٧٠٠ - وعنه ((أن النبى صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جَبَل البيداء أهلَّ)». وأخرجه النسائى . ١٧٠١ - وعن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص قالت: قال سعد: « کان نیی الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الْفُرْع (١) أَهلَّ إذا استقلت به راحلته، وإذا أَخذ طريق أُحُدٍ أُهلَّ إذا أشرف على جبل البيداء ». فى إسناده محمد بن إسحق بن يسار ، وقد تقدم الكلام عليه . باب الاشتراط فى الحج [٢: ٨٥] ١٧٠٢ - عن ابن عباس ((أن ضُبَاعَةَ بنتَ الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله صلى الله ١٧٠٢ - قلت: قد اختلف الناس فى هذا المعنى، وفى إثبات الاشتراط فى الحج : فذهب بعضهم إلى أنه خاص لها ، وقال : يشبه أن يكون بها مرض ، أو حال كان غالب ظنها أنها تعوقها (١) الفرع - بضم الفاء وسكون الراء المهملة، ويقال بضمهما : موضع بأمالى المدينة واسع فيه مساجد النبى صلى الله عليه وسلم ومنابر وقرى كثيرة. ويقال: هى أول قرية مارت إسمعيل وأمه بالتمر ، وهى بين مكة والمدينة . اهـ من عامش المنذرى - ٣٠٠ - عليه وسلم ، فقالت: يارسول الله، إنى أريد الحج، أشترط ؟ قال: نعم، قالت: فكيف أقول؟ قال : قولى: لَبَّك اللهم لَبِيك، وَيَحِلِّى من الأرض حيث حَبَستَنَى)). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى من حديث عروة عن عائشة . ضباعة : بضم الضاد المعجمة ، وبعدها باء موحدة ، وبعدها الألف، وبعد الألف عين مهملة ، وتاء تأنيث ، لها صحبة، وهى بنت عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . عن إتمام الحج، فقدَّمت الاشتراط فيه ، وأذن لها النبى صلى الله عليه وسلم في ذلك ،كما أذن لأصحابه فى رَفْض الحج، وليس ذلك لغيرهم ، قال هذا القائل: وسواء قدّم المحرم الشرط أو لم يشترط، فإنه لا يحل إلا ما يحل به عامة المجرمين. وأثبت بعضهم معنى هذا الشرط، واستدل بهذا الحديث على أن الإحصار لا يقع إلا بعدوّ مانع، وأما المرض وسائر العوائق فلا يقع بها الإحلال ، قال : ولو كان يقع به الإحلال لما احتاجت إلى هذا الشرط . وممن قال لا حَصْر إلا حصر العدو: ابن عباس ، وروى معناه عن ابن عمر ، وإليه ذهب الشافعى وأحمد وإسحق . وقال أصحاب الرأى: لافرق بين العدوّ والمرض ، فى أن الإحصار واقع بهما . وقال سفيان الثورى : الإحصار بالكسر والمرض والخوف . قلت: وفى قوله ((ومحلى من الأرض حيث حبستنى)) دليل على أن المحصَر يحل حيث يحبس، وينحر هديه هناك، حرماً كان أو حلاً ، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حين أحصر ، نحر هديه وحلَّ . وقال أصحاب الرأى: دم الإحصار لايراق إلا فى الحرم، يقيم المحصَر على إحرامه ويبعث بالهدى ، ويواعدهم يوماً يُقُدِّر فيه بلوغ الهدى المنسك ، فإذا كان ذلك الوقت حل .