النص المفهرس
صفحات 221-240
- ٢٢١ - خطيباً، فأمر بصدقة الفطر، صاع تمر ، أو صاع شعير، عن كل رأس - زاد علىٌّ [ هو ابن الحسن الدار بجر دی ] فی حديثه : أو صاع بر، أو قمح بين اثنين - ثم اتفقا - يعنى عليًّا ومحمد بن يحيى - عن الصغير والكبير. والحر والعبد)). قال الإمام الشافعى : حديث مدينى خطأ ، وقال البيهقى : وقيل فى هذا الحديث ((عن كل رأس)) وقيل ((عن كل إنسان))، وبلغنى عن محمد بن يحيى الذَّهلى أنه كان يميل إلى تصحيح رواية من رواه (( عن كل رأس، أو كل إنسان)). ١٥٥٥ - وعن حُميد - وهو الطويل - عن الحسن - وهو البصرى - قال: ((خطب ابن عباس فى آخر رمضان ، على منبر البصرة، فقال : أخرجوا صدقة صومكم ، فكأنَّ الناس لم يعلموا ، فقال: مَنّ ههنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم ، فإنهم لا يعلمون، فرضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة ، صاعاً من تمر أو شعير، أو نصف صاع [ من] قمح، على كل حر أو مملوك، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، فلما قدم علىّ رأى رُخْصَ(١) التِعْر، قال : قد أوسعَ الله عليكم، فلو جعلتموه صاعاً من كل شىء ؟ قال حميد: وكان الحسن يرى صدقة رمضان على من صام))(٢) وأخرجه النسائى، وقال : الحسن لم يسمع من ابن عباس . وهذا الذى قاله النسائى هو الذى قاله الإمام أحمد وعلى بن المدينى وغيرها من الأيمة ، وقال ابن أبى حاتم: سمعت أبى يقول: الحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله: ((خطبنا ابن عباس)) يعنى خطب أهل ١٥٥٥ - قال ابن القيم رحمه الله: قال الترمذى: سألت أبا عبد الله البخارى عن حديث الحسن ((خطبنا ابن عباس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر))؟ فقال: روى غير يزيد بن هرون عن حميد عن الحسن ((خطب ابن عباس))، فكأنهرأى هذا أصح، قال الترمذى: وإنما قال البخارى هذا ، لأن ابن عباس كان بالبصرة فى أيام على، والحسن البصرى فى أيام عثمان وعلى رضى الله عنهما كان بالمدينة. (١) الرخض، بضم الراء وسكون الخاء. ضد الغلاء: وما يدور على الألسنة، من كسر الراء وفتح الخماء، خطأ، لم يثبت فى مراجع اللغة (٢) الحديث رواه أحمد فى المسند مختصراً ومطولا ٢٠١٨، ٣٢٩١. - ٢٢٢ - البصرة، وقال علي بن المدينى فى حديث الحسن ((خطبنا ابن عباس بالبصرة)): إنما هو كقول ثابت (قدم علينا عمران بن حصين)) ومثل قول مجاهد ((خرج علينا على)) وكقول الحسن ((إن سُراقة بن مالك بن جُمْثُم حدثهم)) وقال ابن المدينى أيضاً: الحسن لم يسمع من ابن عباس ، وما رآه قط ، كان بالمدينة أيام ابن عباس على البصرة (١). باب فى تعجيل الزكاة [٣٢:٢] ١٥٥٦ - عن أبى هريرة قال: ((بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله ١٥٥٦ - قوله (( ما ينقم ابنُ جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله)) فيه دليل على أن مانع الصدقة إذا لم يكن ممتنعاً بقتال وقوة وسلاح، فإنها تستخرج منه ، ولا يعاقب عليه ، وإنما كان قتال أبى بكر مانعى الزكاة لأنهم امتنعوا من أدائها ، واعترضوا دونها بالسلاح. ١٥٥٦ - قال ابن القيم رحمه الله: لفظ مسلم وأبى داود ((فهى على ومثلها معها)) وفيه قولان: أحدهما : أنه كان تسلف منه صدقة عامين ، والثاني : أنه تحملها عنه يؤديها عنه . ولفظ البخارى والنسائى ((فهى عليه صدقة، ومثلها معها))، وفيه قولان: أحدهما: أنه جعله مصرفاً لها، وهذا قبل تحريمها على بنى هاشم ، والثانى: أنه أسقطها عنه عامين لمصلحة ، كما فعل عمر عام الرمادة. ولفظ ابن إسحق: (( هى عليه ومثلها معها)) حكاه البخارى. وفيه قولان: أحدهما : أنه أنظره بها ذلك العام إلى القابل ، فيأخذها ومثلها ، والثاني : أن هذا مدح للعباس وأنه سمح بما طلب منه ، لا يمتنع من إخراج ماعليه ، بل يخرجه ، ومثله معه . وقال موسى بن عقبة: ((فهى له، ومثلها معها))، ذكره ابن حبان وفيه قولان: أحدهما: أن (( له)) بمعنى عليه ، كقوله تعالى (١٧: ٧ وإن أسأمم فلها)، والثانى: إطلاقها له وإخراج النبى صلى اللّه عليه وسلم عنه من عنده برا به، ولهذا قال (( أما شعرت أن عم الزجل صنو أبيه؟)). (١) كل هذا وهم، فان الحسن عاصر ابن عباس يقيناً، وكونه كان بالمدينة أيام أن كان ابن عباس والياً على البصرة لا يمنع سماعه منه قبل ذلك أو بعده : كما هو معروف عند المحدثين ، من الاكتفاء بالمعاصرة. ثم الذى يقطع بسماعه منه ولقاءه إياه مارواه أحمد فى المسند بإسناد صحيح ٣١٢٦ ((عن ابن سيرين: أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: قام لها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: قام وقعد)): وليس بعد هذا بيان فى اللقاء والسماع ، وكتبه أحمد محمد شاكر. - ٢٢٣ - عنه على الصدقة، فمنع ابنُ جَميل ، وخالد بن الوليد ، والعباس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يَنْقِمُ ابن جميل(١)؟ إلا أن كان فقيراً فأغناه الله، وأما خالد بن الوليد، فإنكم تظلمون خالداً، فقد اخْتَبَسَ أدراعَه وأعْتَدَه فى سبيل الله عز وجل. وأما العباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهى علىَّ ومثلها، ثم قال: أما شَعَرتَ أَن عَمَّ الرجل صِنْوٌ الأب ، أو صنو أبيه ؟ ». وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. وقوله ((إن خالداً احتبس أدراعه وعتاده فى سبيل الله)) فإن ((العتاد)) كل ما أعده الرجل من سلاح أو من كوب وآلة للجهاد ، يقال: أعتدت الشىء إذا هيأته، ومن هذا سميت عتيدة العطر والزينة . "وتأويل هذا الكلام على وجهين: أحدهما: أنه إنما طولب بالزكاة عن أتمان الأدراع والعتاد، على أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لازكاة عليه فيها ، إذ قد جعلها حبساً فى سبيل الله . وفيه دليل على وجوب الزكاة فى الأموال التى ترصد للتجارة ، وهو كالاجماع من أهل العلم، وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لازكاة فيها ، وهو مسبوق بالإجماع . وفى الحديث دليل على جواز احتباس آلات الحروب، من الدروع والسيوف والحَجَف. وقد يدخل فيها الخيل والإبل، لأنها كلها عتاد للجهاد، وعلى قياس ذلك: الثياب والبسط والفرُش، ونحوها من الأشياء التى يُنتفع بها مع بقاء أعيانها . وفيه دليل على أن الوقف والحيس قد يصح من غير إخراج من يد الواقف والمحبِس ، وذلك أن الشىء لو لم يكن فى يده لم يكن لمطالبته بالزكاة عنه معنى . والوجه الآخر : أن يكون معناه أنه قد اعتذر الخالد ودافع عنه ، يقول : إذا كان قد احتبس أدراعه وعتاده فى سبيل الله تَبَرُّراً وتقرباً إليه سبحانه، وذلك غير واجب عليه، فكيف يجوز عليه منع الصدقة الواجبة عليه؟ . (١) ابن جميل: قيل اسمه عبد الله، وقيل: لا يعرف له اسم. ويقال: نقم ينقم، كضرب يصرب. ونقم يثقم. كنصر بنصر: إذا جعل الاحسان مما يؤديه إلى كفر النعمة. أى أداه غناه إلى كفر نعمة الله عز وجل ،فما ينقم شيئا فى منع الزكاة، أى ماينكر ويكره إلا أنه يكفر النعمة. من هامش المنذرى. ١ - ٢٢٤ - ١٥٥٧ - وعن حُجَيّة - وهو ابن عَدِى - عن على: ((أن العباس سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فى تعجيل صدقته قبل أن تَحِلَّ، فرخَّص له فى ذلك )) . وأخرجه الترمذي وابن ماجة. وحُجية بن عدى ، قال أبو حاتم الرازى: شيخ لايحتج بحديثه، شبيه المجهول ،، وأخرجه أبو داود من حديث هُشيم مُعْضَلاً، وقال : وحديث هشيم أصح(١). وذكر البيهقى: أن هذا الحديث مختلف فيه، وأن المرسل فيه أصح. وقوله فى صدقة العباس: ((هى عليَّ ومثلها)) فإنه يتأوّل على وجهين : أحدهما : أنه كان قد تسلَّف منه صدقة سنتين، فصارت ديناً عليه . وفى ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلها . ، وقد اختلف العلماء في ذلك : فأجاز كثير منهم تعجيلها قبل أوان محلها ، وذهب إليه الزهرى، والأوزاعى ، وأصحاب الرأى ، والشافعى . وكان مالك بن أنس لايرى تعجيلها عن وقت محلها . وروى عن الحسن البصرى أنه قال: إن للصلاة وقتاً ، وللزكاة رقتاً ، فمن صلى قبل الوقت أعاد ، ومن زكى قبل الوقت أعاد . قلت : قول الحسن البصرى ظاهر، والمعنى بخلافه، لأن الأجل إذا دخل فى الشىء رفقاً بالإنسان، فإن له أن يسوع من حقه ويترك الارتفاق به، كمن مجل حقًّا مؤجلاً لآدمى، وكمن أدى زكاة مال غائب عنه ، وإن كان على غير يقين من وجوبها عليه ، لأن من الجائز أن يكون ذلك المال تالفاً فى ذلك الوقت . والوجه الآخر: هو أن يكون قد قبض صلى الله عليه وسلم منه صدقة ذلك العام الذى شكاه فيها العامل، وتعجل صدقة عام ثان، وقال: ((هى علي ومثلها)) أى الصدقة التى " .. (١) قال فى عون المعبود: والحاصل: أن الاختلاف على الحكم بن عتيبة، فروى الحجاج بي دينار عن الحكم عن حجية بن عدى، كما عند أبى داود والدار قطنى، ومرة قال الحجاج : عن الحكم عن حجر العدوى ، كما عند الدارقطنى. وروى الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن موسى بن طلحة عن طلحة مرفوعا. قال الدار قطنى: اختلفوا عن الحكم فى إسناده . والصحيح عن الحسن بن مسلم مرسل اهـ أقول : وكل هذا تعلل لاوجه له ، فالحديث رواه أحمدفى المسند ٨٢٢ عن سعيد بن منصور ، بالاسناد الذى رواه به أبو داود، وهو إسناد صحيح، والوصل زيادة ثقة، وحجية تابعى ثقة معروف، ترجمه البخارى فى الكبير ج٢ ق ١ ص ١١٩ وقال: ((سمع عليا)). وكتبه أحمد محمد شاكر. - ٢٢٥ - باب فى الزكاة تحمل من بلد إلى بلد [٣٣:٢] ١٥٥٨ - عن إبرهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين عن أبيه: ((أن زياداً، أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة ، فلما رجع قال لعمران : أين المال ؟ قال: وللمال أرسلتنى؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) . وأخرحه ابن ماجة . قد حلَّت ، وأنت تطالبه بها ، مع مثلها من صدقة عام واحد لم تحل ، وذلك أن بعض من أجاز تعجيل الصدقة لم يجوزها أكثر من صدقة عام واحد. وقد يحتمل معنى الحديث : أن يكون صلى الله عليه وسلم قد تحمل بالصدقة وضمن أداءها عنه لسنتين، ولذلك قال ((إن عم الرجل صنو أبيه)» يريد أن حقه فى الوجوب كحق أبيه عليه ، إذ هما شقيقان، خرجا من أصل واحد ، فأنا أنزهه عن منع الصدقة والمطل بهنا وأُؤْدّيها عنه . والأول أصوب ، لأن الضمان فيما لم يجب على العباس ضمان مجهول ، وضمان المجهول غير جائز. وقد روى (( أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن له فى تعجيل صدقته، فرخص له فى ذلك)) وقد رواه أبو داود . وَهو [ الحديث رقم ١٥٥٧]. وقوله ((صنوأبيه)) معناه: أن العم شقيق الأب. وأصل ذلك فى النخلتين تخرجان من أصل واحد ، يقال: صِنْو ، وصِنوان ، وقِنْو، وقِنوان. وقلَّ ما جاء من الجمع على هذا البناء . وقد روى حديث العباس على خلاف هذا الوجه ، وهو أنه قال فى صدقته: (( هى عليه ومثلها معها)»، وقد رواه أبو عبيد، وقال: أرى أنه كان أخر عنه الصدقة عامين ، وليس وجه ذلك إلا أن يكون من حاجة بالعباس إليها ، فإنه يجوز للإِمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر ، ثم يأخذها منه بعد. حدثنيه عبد الله بن محمد المكى حدثنا على بن عبد العزيز عن أبى عبيد . (١٥ - مختصر السنزج ٢) - ٢٢٦ - باب من يعطى من الصدقة، وحَدّ الغِنى [٣٣:٢] ١٥٥٩ - عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:". ((من سأل وله ما يُغنيه ، جاءتْ يوم القيامة خُمُوش، أو خُدوش، أو كدُوح، فى وجهه ، فقيل: يا رسول الله، وما الغنى؟ قال: خمسون درهماً ، أو قيمتها من الذهب)). وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : حديث حسن ، وقد تكلم شُعبة فى حكيم بن جُبير من أجل هذا الحديث. وقال أبو داود: قال يحيى، يعنى ابن آدم: فقال عبد الله بن عثمان لسفيان - يعنى الثورى: حِفْظِى أنَّ شعبة لا يروى عن حكيم بن جبير؟ فقال سفيان : فقد حدثناه زَبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد . وقال الخطابى: وضعفوا الحديث للعلة التى ذكرها يحيى بن آدم . قالوا : أما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده، وإنما قال: فقد حدثناه زُبيد عن محمد بن عبد الرحمن. بن يزيد، حسبُ. وحكى الإمام أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم أن الثورى قال يوماً : أبو بسطام ١٥٥٩ - قلت: ((الخموش)) هى الخدوش، يقال: خمشت المرأة وجهها، إذا خدشته بظفر أو حديدة أو نحوها. و((الكدوح)) الآثار من الحَدْش والعض ونحوه، وإنما قيل للحمار مُكتَّح، لما به من آثار العضاض. وأما تحديده الغنى الذى يحرم معه الصدقة بخمسين درهماً ، فقد ذهب إليه قوم من أهل العلم ، ورأوه حدًّا فى غنى من تحرم عليه الصدقة ، منهم سفيان الثورى، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه. وأبى القولَ به آخرون، وضعفوا الحديث للعلة التى ذكرها يحيى بن آدم، قالوا : وأما مارواه سفيان ، فليس فيه بيانأنه أسنده، وإنما قال: فقدحدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، حَسْبُ ، قالوا : وليس فى الحديث أن مَن ملك خمسين درهماً لم تحل له الصدقة، إنما فيه أنه كره له المسألة فقط، وذلك أن المسألة إنما تكون مع الضرورة، ولا ضرورة بمن يجد ما يكفيه فى وقته إلى المسألة . - ٢٢٧ - يحدث ؛ یعنی شعبة ، هذا الحدیث ، عن حكيم بن جبير ، قيل له : قال : حدثنی ز بیدعن محمد بن عبد الرحمن ، ولم يزد عليه؟ قال أحمد : كأنه أرسله ، أوكره أن يحدث به ، أما يعرف الرجلُ كلاماً نحوذا ؟ وحكى الترمذى أن سفيان صرح بإسناده، فقال: سمعت زبيداً يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد . وحكاه ابن عدي أيضاً ، وحكى أيضاً أن الثوری قال : فأخبرنا به زُبيد . وهذا يدل على أن الثورى حدث به مرتين ، مرة لا يصرح فيه بالإسناد ، ومرة يُسنده، فتجتمع الروايات . وقال أبو عبد الرحمن النسائى : لا نعلم أحداً قال فى هذا الحديث : زبيد : غير يحيى بن آدم ، ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف ، وسئل شعبة عن حديث حكيم ؟ فقال : أخاف النار، وقد كان روى عنه قديماً ، وسئل يحيى بن معین : یرویہ أحد غير حكيم ؟ فقال یحی : نعم ، یرویه یحی بن آدم عنسفيان عن زبيد، ولا أعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن آدم ، وهذا وهم ، لو كان كذا لحدَّثَ به الناسُ جميعاً عن سفيان، ولكنه حديث منكر. هذا الكلام قاله يحيى ، أو نحوه(١) . وقال مالك والشافعى: لاحَدَّ للغنى معلوم ، وإنما يعتبر حال الإنسان بوسعه وطاقته ، فإذا اكتفى بما عنده حرمت عليه الصدقة، وإذا احتاج حَلّت له . قال الشافعى: قد يكون الرجلُ بالدرهم غنيًّا، مع كسب، ولا يُغنيه الألفُ مع ضعفه فى نفسه وكثرة عیاله . وجعل أصحاب الرأى الحدَّ فيه مائتى درهم، وهو النصاب الذى تجب فيه الزكاة ، وإنما أمرنا أن نأخذ الزكاة من الأغنياء، وأن ندفعها إلى الفقراء، وهذا إذا ثبت أنه غنى يملك النصاب الذى تجب عليه فيه الزكاة، فقد خرج به من حَدّ الفقر الذى يستحق به أخذ الزكاة . (١) الحديث رواه أحمد فى المسند ٣٦٧٥ وفصلنا القول فى إسناده هناك. ورواه الحاكم أيضاً من طريق يحي بن آدم ١: ٤٠٧. أحمد محمد شاكر - ٢٢٨ - وقال بظاهره أحمد وإسحق وغيرهما ، ورأوه حَدًّا فى غِنى من تحرم عليه الصدقة . وأبى ذلك آخرون ، وضعفوا الحديث لما تقدم. وقال مالك والشافعى: لا حَدَّ للغنى معلوماً ، وإنما يعتبر حال الإنسان . وقال الشافعى: وقد يكون الرجل بالدرهم غنيَّا مع الكسب، ولا يغنيه الألف ، مع ضعفه فى نفسه ، وكثرة عياله . ١٥٦٠ - وعن عطاء بن يسار عن رجل من بنى أسد أنه قال: ((نزلت أنا وأهلى يبقيع الفَرْقَدِ(١)، قال لى أهلى: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلْه لنا شيئاً نأكله، فجعلوا يذكرون من حاجتهم ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدت عنده رجلاً يسأله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا أجدُ ما أعطيك، فتولَّى الرجل وهو مُغْضَب ، وهو يقول: لَعَمْرى إنك لتعطى من شئتَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغضبُ علىَّ أنْ لا أجد ما أعطيه ، من سأل منكم وله أُوقيَّةً، أو عَدْلها ، فقد سأل إلحافاً ، قال الأسدى: فقلت: لَفْحَةُ لنا خير من أوقية، والأوقية أربعون درهماً، قال : فرجعت ولم أسأله ، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك شعير وزبيب ، فقسم لنا منه، أو كما قال، حتى أغنانا الله عز وجل)). وأخرجه النسائى . ١٥٦١ - وعن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدری عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله ١٥٦٠ - ((اللقحة)) الناقة المَريَّة. وهي التى تُمرى، أى التى تُحْلَب، وجمعها لقاح. و«الأوقيه)) عند أهل الحجاز أربعون درهماً . وذهب أبو عبيد القاسم بن سَلاَّم فى تحديد الغنى إلى هذا الحديث ، وزعم أن من وجد أربعين درهماً حرمت عليه الصدقة . وقوله ((أو عدلها)) يريد قيمتها ، يقال: هذا عَدل الشىء، أى مايساويه فى القيمة ، وهذا عدله - بكسر العين - أى نظيره ومثله فى الصورة والهيئة . (١) هو مدفن أهل المدينة. واليقيع: المكان المقسع من الأرض، وقيل: لا يسمى بقيعاً إلا إذا كان فيه شجر من ضروب شتى . والفرقد من شجر العضاه ، والعضاه : شجر له شوك ، وقيل : الطلح والسدر ، وكان فيه ذلك قبل فذهب وبقى اسمه . - ٢٢٩ - عليه وسلم: ((من سأل وله أوقية فقد ألْفَ، فقلت : ناقتى الياقوتة، هي خير من أوقية ، قال هشام - يعنى ابنَ عمار - خير من أربعين درهماً ، فرجعت فلم أسأله شيئاً - زاد هشام فى حديثه : وكانت الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهماً.)). وأخرجه النسائى . ١٥٦٢ - وعن سَهْل بن الحَنْظَلِيَةِ (١) قال: ((قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عُيْنَةُ بن حِصْن والأفْرَعُ بن حابس ، فسألاه، فأمر لهما بما سألا ، وأمر معاوية ، فكتب لهما بما سألا، فأما الأفْرَعُ فأخذ كتابه ، فلنَّه فى عمامته وانطلق ، وأما عُيِينَة فأخذ كتابه وأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم مكانه ، فقال: يا محمد، أثُرانى حاملاً إلى قومى كتاباً لاأدرى ما فيه، كصحيفة المتلقِس (١)؟ فأخبر معاوية بقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سأل وعنده ما يُغنيه، فإنما يستكثر من النار - وقال النَّفَيْلى فى موضع آخر: من تَمْر جهنم، فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه ?، قال النفيلى فى موضع آخر : وما الغنى الذى لا تنبغي معه المسألة؟ قال : قَدْرُ ما يَغْدِّيه ويعشيه - وقال النفيلى فى موضع آخر: أن يكون له شِبَع يوم وليلة، أو ليلة ويوم» . ١٥٦٢ - صحيفة المتلمس لها قصة مشهورة عند العرب، وهو المتلمس الشاعر ، وكان هجا عمرو بن هند، الملكَ، فكتب له كتاباً إلى عامله يوهمه أنه أمر له فيه بعطية ، وقد كان كتب إليه يأمره بقتله. فارتاب المتلمس (٢) به. ففكه وقرىء له، فلما على مافيه ربى به ونجا . فضر بت العرب المثل بصحيفته بعد . وقوله (( مايغديه ويعشيه)) فقد اختلف الناس فى تأويله، فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث . وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده مايكفيه لقوته المدة الطويلة ، فقد حرمت عليه المسألة . (١) هو سهل بن الربيع الأنصارى ، الأوسى. والحنظلية : أمه . (٢) هو جرير بن عبد المسيح الضبعى ، شاعر جاهلي مشهور. فما هو وطرفة بن العبد عمرو بن هند ملك الحيرة ، فكتب لهما كتابين إلى عامله، أوهمهما أنه كتب لهما بجوائز، وهو إنما كتب إليه بقتلهما ، فأما المتلمس فقض الكتاب وعرف مافيه فهرب وعجا . وأما طرفة فذهب ورفع الكتاب إلى العامل يطمع فى الجائزة، فقتل. وسمى المتلمس لبيته الذى قاله ، وهو: فهذا أوان العرض جر ذبابه وتأبيره والأزرق التلمس - ٢٣٠ - ١٥٦٣ - وعن زياد بن الحرث الصُّدَائي قال: («أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعته - وذكر حديثاً طويلاً - فأتاه رجل ، فقال: أعطنى من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يرضَ بحكم نتيٍ ولا غيره فى الصدقة ، حتى حكم فيها هو ، غيزَّأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقَّكَ)). وقال آخرون : هذا منوخ بالأحاديث التى تقدم ذكرها . قلت: وإنما أعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من سهم المؤلّفة قلوبُهم ، فإن الظاهر من حالهما أنهما ليسا بفقيرين ، وهما سيدا قومهما ورئيسا قبائلهما . ١٥٦٣ قلت: فى قوله ((فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك » دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها فى صنف واحد ، وأن الواجب تفرقتها على أهل السُّهْمان بحصصهم ، ولو كان معنى الآية بيان المحلّ ، دون بيان الحصص، لم يكن للتجزئة معنى. ويدل على صحة ذلك قوله «أعطيتك حقك)) فبين أن لأهل كل جزء على حِدَةٍ حقًّا . وإلى هذا ذهب عكرمة، وهو قول الشافعى . وقال إبرهيم النخعى: إذا كان المال كثيراً يحتمل الأجزاء قَسَّمه على الأصناف، وإن كان قليلاً جاز أن يوضع فى صنف واحد. وقال أحمد بن حنبل : تفريقها أولى، ويجزئه أن يضعه فى صنف واحد . وقال أبوثور: إن قسمه الإمام قَسَّمه على الأصناف ، وإن تولّى قسمه ربُّ المال فوضعه فى صنف واحد رجوتُ أن يسعه . وقال مالك بن أنس: يجتهد ، ويتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخَلَّةَ والفاقة، فإن رأى الخلة فى الفقراء فى عام أكثر قدَّمهم ، وإن رآها فى أبناء السبيل فى عام آخر حوّلها إليهم . وقال أصحاب الرأى: هو مخير يضعه فى أى الأصناف شاء . و کذلك قال سفيان الثوری، وقد روى ذلك عن ابن عباس ، وهو قول الحسن البصرى، وعطاء بن أبى رباح . وفى قوله « إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره فى الصدقات حتی حکم فيها » هو دليل - ٢٣١ - فى إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنّعُم الأفريقى ، وقد تكلم فيه غير واحد . ١٥٦٤ - وعن أبى صالح عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليس المسكين الذى ترده التمرة والتمرتان، والآ كلة والا كلتان، ولكن المسكين الذى لا يسأل الناس شيئاً ، ولا يفطنون به فيعطونه » . على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين : أحدهما : ما تولى الله بيانه فى الكتاب ، وأحكم فرضه فيه ، فليس به حاجة إلى زيادةٍ من بيان النبى صلى الله عليه وسلم ، وبيان شهاداتٍ الأصول . والوجه الآخر: ماورد ذكره فى الكتاب مجملاً، ووُركل بيانه إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فهو يفسره قولاً وفعلاً ، أو يتركه على إجماله ليتنبه فقهاء الأمة، ويستدركوه استنباطاً واعتباراً بدلائل الأصول . وكلُّ ذلك بيانٌ مصدره عن الله سبحانه وتعالى ، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم . ولم يختلفوا فى أن السهام الستة ثابتة مستقرة لأهلها فى الأحوال كلها ، وإنما اختلفوا فى سهم المؤلفة : فقالت طائفة من أهل العلم : سهمهم ثابت ، يجب أن يعطوه . هكذا قال الحسن البصري. وقال أحمد بن حنبل : يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. وقالت طائفة : انقطعت المؤلفة بعدرسول الله صلى الله عليه وسلم، رُوى ذلك عن الشعبى، وكذلك قال أصحاب الرأى . وقال مالك : سهم المؤلفة يرجع على أهل السهام الباقية . وقال الشافعى : لا يعطى من الصدقة مشرك يتألّف على الاسلام . وأما العاملون فهم السعاة وجُبة الصدقة، فإنما يعطون عُمالة قدر أجرة مثلهم . فأما إذا كان الرجل هو الذى يتولى إخراج الصدقة وقَسمها بين أهلها فليس فيها للعاملين حق . ١٥٦٤ - قلت: ((الأ كلة)) مضمومة: اللقمة، والأ كلتان: اللقمتان، فأما الأكلة، مفتوحة ، فهى الواحدة والمرة من الأكل. - ٢٣٢ - وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى من حديث عطاء بن يسار عن أبى هريرة. وفى الحديث : دليل على أن المسكين فى الظاهر عندهم والمتعارف لديهم هو السائل الطوَّاف . وإنما نفى صلى الله عليه وسلم عنه اسم المسكنة ، لأنه بمسألته تأتيه الكفاية ، وقد تأتيه الزيادة عليها ، فتزول حاجته ويسقط عنه اسم المسكنة ، وإنما تدوم الحاجة والمسكنة ممن لا يسأل، ولا يُقْطَن له فيعطى . وقد اختلف الناس فى المسكين والفقير، والفرق بينهما : روي عن ابن عباس أنه قال: ((المساكين هم الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين))، وعن مجاهد وعكرمة والزهرى: أن المسكين الذى يسأل ، والفقير الذى لا يسأل . وعن قتادة : أن الفقير هو الذى به زَمانة ، والمسكين: الصحيح المحتاج . وقال الشافعى : الفقير من لامال له ولا حِرفة تقع منه موقعاً ، زَمِناً كان أو غير زّمِن ، والمسكين من له مال أو حرفة لاتقع منه موقعاً ، ولا تغنيه، سائلاً كان أو غير سائل . وقال بعض أهل اللغة : المسكين الذى لاشيء له، والفقير من له البُلغَة من العَيْش، واحتجٍ بقول الراعى : أما الفقير الذى كانت حَلوبَته وَفْقَ العِيال ، فلم يترك له سَبَد قال: جعل للفقير حَلوبة . وقال غيره من أهل اللغة: إنما اشترط له الحلوبة قبل الفقر، فلما انتزعت منه ولم يترك له سَبَد صار فقيراً لاشىء له ، قال : والمسكين أحسن حالاً من الفقير، واحتج بقول الله تعالى (١٨: ٧٩ أما السّفينة فكانتْ لمسا كين يَعْمَلونَ فى البَحْرِ) فأثبت لهم مع المسكنة ملكاً وكسباً، وهما السفينة والعمل بها فى البحر . وقال بعض من ينصر القول الأول: إنما سماهم مسا كين مجازاً ، وعلى سبيل الترجُم والشفقة عليهم ، إذكانوا مظلومين . وقيل : إن المسكنة مشتقة من السكون والخشوع اللازمين لأهل الحاجة والخصاصة ، والميم زيادة فى الاسم ، وقيل: إن الفقير مُشَبَّ بمن أصيب فَقَاره ، فانقصف ظهره ، من - ٢٣٣ - ١٥٦٥ - وعن أبى سَلَمة عن أبى هريرة - مثله - قال: ((ولكن المسكين المتَعَفِفِ)) ١٥٦٦ - وفى رواية: (( ليس له مايستغنى به، الذى لا يسأل، ولا يُعلَم بحاجته فيُتُصَدَّق عليه، فذاك المحروم)). ومنهم من جعل (( المحروم)) من كلام الزهرى . وأخرجه النسائى بنحوه، وليس فيه ((فذاك المحروم)) . ١٥٦٧ - وعن عُبيد الله بن عَدِىّ بن الخِيَار قال: ((أخبرنى رجلان أنهما أنيا النبى صلى الله عليه وسلم فى حَجَّة الوداع ، وهو يَقْسِم الصدقة، فسألاه منها ، فرفع فينا البصر وخفضه، قرآنًا جَلْدين ، فقال: إن شئما أعطيتكما، ولا حَظَّ فيها لغنى، ولا لقوى مُكتسِب». وأخرجه النسائى. ١٥٦٨ - وعن رَيْحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تحل الصدقة لغنى ، ولا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىّ)). قولهم: فَقَرْتُ الرجل إذا أصبت فَقَاره، كما يقال: بَطَنته إذا أصبت بطنه، ورَأَسْته إذا إذا أصبت رأسه ، إلى ما أشبه ذلك من نظائر هذا الباب . ويشبه أن يكون الفقير أشدهما حاجة، ولذلك بدىء بذكره فى الآية على سائر أصناف أهل الفاقة والخَلَّة، والفقر هو الذى يقابل الغنى، إذا قيل: فقير وغنى، فصار أصلاً للفاقة، وعنه يتفرع المسكنة وغيرها من وجوه الحاجة . ١٥٦٧ - قلت : هذا الحديث أصل فى أن مَنْ لم يُعلم له مال فأمره محمول على العُدْم . وفيه أنه لم يعتبر فى منع الزكاة ظاهر القوة والجلد ، دون أن ضم إليه الكسب، فقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدّنه ، ويكون مع ذلك أخرق اليد لا يعتمل ، فمن كان هذا سبيله لم يمنع من الصدقة ، بدلالة الحديث . وقد استظهر صلى الله عليه وسلم مع هذا فى أمرهما بالإنذار، وقلدهما الأمانة فيما بطن من أمرهما. ١٥٦٨ - قلت: معنى «المِرَّة)» القُوَّة، وأصلها من شِدَّة فَتْل الحبل، يقال: أمررت الحبل، إذا أحكمت فتله . فمعنى المرة فى الحديث : شِدَّة أسْر الخلق ، وصحة البدن التى يكون معها احتمال الكَدِّ والتعب. - ٤-٢٣ - وفى رواية ((لِذِى مِرَّةٍ قوىٍ )) ١٥٦٩ -وفى رواية عن عبد الله بن عمرو قال: ((إن الصدقة لا تحل لقوى، ولا لذى مِرَّةٍ سوىّ )» . ولهذا قال بعضهم : لم يصح إسناده ، وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو . قال أبو داود : والأحاديث الأخر عن النبى صلى الله عليه وسلم، بعضها ((لذى مرة قوى)) وبعضها (( لذى مرة سوى)). وأخرجه الترمذى باللفظ الأول، وقال : حديث حسن. وذكر أن شعبة لم يرفعه . هذا آخر كلامه ، وفى إسناده ريحان بن يزيد. قال يحيى بن معين : ثقة ، وقال أبو حاتم الرازى : شيخ مجهول . باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غنى [٢: ٣٨] ١٥٧٠ - عن عطاء بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحل الصدقة وقد اختلف الناس فى جواز أخذ الصدقة لمن يجدقُوَّة يقدر بها على الكسب: فقال الشافعى : لا تحل له الصدقة ، وكذلك قال إسحق بن راهويه وأبو عبيد. وقال أصحاب الرأى: يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يملك مائتى درهم ، فصاعداً . ١٥٧٠ - قلت: فيه بيان أن للغازى، وإن كان غنيًّا أن يأخذ الصدقة و يستعين بها فى غزوه وهو من سهم سبيل الله ، وإليه ذهب مالك، والشافعى، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه. وقال أصحاب الرأى : لا يجوز أن يعطى للغازى من الصدقة إلا أن يكون منقطعاً به . قلت : سهم السبيل غير سهم ابن السبيل ، وقد فرق الله بينهما بالتسمية ، وعطف أحدهما على الآخر بالواو الذى هو حرف الفرق بين المذكورين المنسوق أحدهما على الآخر ، فقال : ( ٩: ٦٠ فى سبيل الله وابن السبيل ) والمنقطع به : هو ابن السبيل، فأما سهم السبيل - ٢٣٥ - لغنى، إلا لخمسة: لغازٍ فى سبيل الله عز وجل ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جارٌ مسكين فتُصُدِّق علي المسكين، فأهداها المسكين للغنى ». ١٥٧١ - وفى رواية: عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بمعناه. وفى رواية عن زيد - يعنى ابن أسْلَم - قال: حدثنى الثّبْت عن النبى صلى الله علیه وسلم . وأخرجه ابن ماجة مسنداً. وقال أبو عمر النَّمَرى : قد وصل هذا الحديث جماعة من رواية زيد بن أسلم. ١٥٧٢ - وعن عطية عن أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحل فهو على عمومه وظاهره فى الكتاب ، وقد جاء فى هذا الحديث ما بينه ووكَّد أمره ، فلا وجه للذهاب عنه . وفى قوله ((أو رجل اشتراها بماله)) دليل على أن المصدق إذا تصدق بالشىء، ثم اشتراه من المدفوع إليه ، فإن البيع جائز، وقد كرهه أكثر العلماء، مع تجويزهم البيع فى ذلك، وقال مالك بن أنس : إن اشتراه فالبيع مفسوخ . وأما الغارم الغنى، فهو الرجل يتحمل الحمالة ويَدَّان فى المعروف وإصلاح ذات البين ، وله مال إن بيع فيها افتقر ، فيوفر عليه ماله ، ويعطى من الصدقة مايقضى به دينه ، وأما الغارم الذى يدّان لنفسه وهو معسر، فلا يدخل فى هذا المعنى ، لأنه من جملة الفقراء . وأما العامل ، فإنه يعطى منها عمالة على قدر عمله وأجرة مثله، فسواء كان غنيًّا أو فقيراً فإنه يستحق العمالة ، إذا لم يفعله متطوعاً . وأما المهدى له الصدقة ، فهو إذا ملكها فقد خرجت عن أن تكون صدقة ، وهى ملك لمالك تام الملك جائز التصرف فى ملكه . وقد رُوى « أنَّ بَرِيرة أهدت لعائشة لحماً تُصُدّق به عليها ، فقربته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بشأنها، فقال: هذا أوان بَلَغَتْ حِلَّهَا)) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتحل له الصدقة . - ٢٣٦ - الصدقة لغنی إلا فی سبیل الله ، أو ابن السبيل ، أو جارٍ فقير، یُتصدّق عليه ، فيُهدِی لك، أو يدعوك » . عطية : هو ابن سعد، أبو الحسن القَوْفى الكوفى ، لا يحتج بحديثه . بابٌ ، كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة؟ [٢: ٣٩] ١٥٧٣ -عن سهل بن أبى حَثْمة: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم وَدَاء بمائة من إبل الصدقة. يعنى دية الأنصارى الذى قُتل بخيير ». وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة ، مختصراً ومطولاً ، فى القصة المشهورة . وحثمة : بفتح الحاء المهملة ، وسكون التاء المثلثة ، وبعدها ميم مفتوحة وتاء تأنيث ، ١٥٧٣ - قلت : يشبه أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم إنما أعطاه ذلك من سهام الغارمين، على معنى الحمالة فى إصلاح ذات البين ، إذ كان قد شَجَر بين الأنصار وبين أهل خيبر فى دم القتيل الذى وُجد بها منهم ، فإنه لا مَصْرِفِ لمال الصدقات فى الدّيات . وقد يحتج بهذا من يرى جمع الصدقة فى صنف واحد من أهل السهام الثمانية ، وهذا محتمل، ولكن فى وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسوّى بين الأصناف من صدقات مختلفة، ولعله قد كان يجتمع عنده من سهم الغارمین مِئون وألوف ،فليس فيما يحتج به من ذلك. کبیر دَرْك . وقد اختلف الناس فى قَدْر ما يُعطاه الفقير من الصدقة : فكره أصحاب الرأى أن يبلغ به مائتى درهم ، إذا لم يكن عليه دَيْن أو له عيال، وكان سفيان الثورى يقول: لا يُدفع إلى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهماً ، وكذلك قال أحمد بن حنبل . وعلى مذهب الشافعى يجوز أن يعطى على قَدْرِ حاجته من غير تحديد، فإذا زال اسم الفقر عنه لم يعط . - ٢٣٧ - واسم أبى حَثْمة : عبد الله ، وقيل: عبيد الله، وقيل: عامر ، وكنية سهل: أبو محمد، وأبو عبد الرحمن ، وأبو يحيى (١). [باب ما يجوز فيه المسألة](٢) [٢: ٣٩] ١٥٧٤ - عن سمرة - وهو ابن جندب - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (المسائل كُوح يكدَح بها الرجل وجهه ، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك ، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو فى أمر لايجد منه بُدًّا)). وأخرجه الترمذى والنسائى، وقال الترمذى حسن صحيح . ١٥٧٥ - وعن قبيصة بن مُخارق الهلالى قال: (( تحمَّلَتُ حَمَالَةً، فأتيت النبي صلى الله عليه ١٥٧٤ - قلت: قوله (( إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو فى أمر لا يجد منه بدًا)) هو أن يسأله حقه من بيت المال الذى فى يده ، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التى تحويها أيدى بعض السلاطين من غَصْب أملاك المسلمين . ١٥٧٥ - قلت : فى هذا الحديث على كثير وفوائد جَمّة ، ويدخل فى أبواب من العلم والحكم. وذلك أنه قد جعل من تحل له المسأله من الناس أقساماً ثلاثة: غنيًّا، وفقيرين ، وجعل الفقر علي ضربين : فقراً ظاهراً ، وفقراً باطناً ، فالغني الذى تحل له المسألة هو صاحب الحمالة، وهى الكفالة، والجميل الكفيل والضمين ، وتفسير الحمالة : أن يقع بين القوم التشاجر فى الدماء والأموال، ويحدث بسببهما العداوة والشحناء، ويخاف منها الفتق العظيم ، فيتوسط الرجل فيما بينهم، ويسعى فى إصلاح ذات البين ، ويتضمن مالاً لأصحاب الطوايل، يترضاهم بذلك ، حتى تسكن الثائرة ، وتعود بيهم الألفة ، فهذا الرجل صنع معروفاً ، وابتغى بما أتاه صلاحاً، فليس من المعروف أن تورّك الغرامة عليه فى ماله ، ولكن يعان على أداء ماتحمله منه ، ويعطى من الصدقة قدر ما يبرأ به ذمته ، ويخرج من عهدة ما تضمنه منه . (١) هذا الحديث والكلام عليه عند المنذرى فى آخر باب ما يجوز منه المسألة. ولعله سهو من النساخ ، أو كذلك هو فى بعض نسخ أبى داود . والله أعلم (٢) هذا العنوان ليس فى المنذرى . - ٢٣٨ - وسلم، فقال: أقمْ ياقبيصة حتى تأتينا الصدقة ، فنأمرَ لك بها، ثم قال: ياقبيصة ، إن المسألة لا تَحِل إلا لأحد ثلاثة: رجلٌ تحمَّل حَمالة، حلَّت له المسألة ، فسأل حتى يُصيها ثم يُمْسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله ، فلَّت له المسألة ، فسأل حتى يصيب قواماً من عيش، أوسِداداً من عيش، ورجل أصابته فاقةٌ، حتى يقول ثلاثة من ذوى الحِجَى من قومه : قد أصابت فلاناً الفاقة فحلَّت له المسألة، فسأل حتى يُصيب قواماًمن عيش ، أو سِداداً من عيش ، ثم يمسك، وماسواهن من المسألة ياقبيصة سُحْت، يأكلها صاحبها سُحْتً». وأخرجه مسلم والنسائى . وأما النوع الأول من نوعى أهل الحاجة ، فهو رجل أصابته جائحة فى ماله. فأهلكته ، والجائحة فى غالب العرف هى ماظهر أمره من الآفات ، كالسيل يغرق متاعه، والنار تحرقه، والبرد يفسد زرعه وثماره ، فى نحو ذلك من الأمور، وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها ووقوعها ، فإذا أصاب الرجل شىء منها فذهب ماله وافتقر ، حلت له المسألة، ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها . وأما النوع الآخر، فإنما هو فيمن كان له ملك ثابت ، وعرف له يسار ظاهر، فادّعى تَلَفَ ماله من لِصِّ طرقه ، أو خيانة ممن أودعه، أو نحو ذلك من الأمور التى لا يبين لها أثر ظاهر فى المشاهدة والعيان ، فإذا كان ذلك ووقعت فى أمره الرّيبة فى النفوس لم يعطَ شيئاً من الصدقة إلا بعد استبراء حاله ، والكشف عنه بالمسألة من أهل الاختصاص به والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله (( حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجى من قومه: قد أصابت فلاناً الفاقة)) واشتراطه الحجى تأكيد لهذا المعنى، أى لا يكونوا من أهل الغباوة والغفلة، من يخفى عليهم بواطن الأمور ومعانيها ، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبين والتعرف ، وذلك أنه لامدخل لعدد الثلاثة فى شىء من الشهادات ، فإذا قال نفر من قومه، أو جيرانه ، أومن ذوى الخبرة بشأنه .: إنه صادق فيما يدعيه ، أعطى الصدقة . وفيه من العلم أن من ثبت عليه حق عند حاكم من الحكام ، فطلب المحكوم له بهحبسه، وادعى المطلوب الإفلاس والعدم ، فإن الواجب فى ذلك أن ينظر، فإن كان الطالب إنما - ٢٣٩ - ١٥٧٦ -وعن أنس بن مالك: ((أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال: أما فى بيتك شىء ؟ قال: بلى، حِلْسُ ، نلبس بعضه ونبسط بعضه، استحقه عليه بسبب فيه تمليك، مثل أن يقرضه مالاً، أو يبيعه متاعاً فيقبضه إياه ، فإنه يحبس ولا يقبل قوله فى العدم ، لأنه قد ثبت لهملك ماصار إليه، وحصل فى يده من ذلك، فالظاهر من حاله الوجْدُ واليسار ، حتى تقوم دلالة على إفلاس حادث بعده ، فإن أقام البينة على ذلك. لميحبس وخلى عنه ، وإن کانذلك مستحقًاعلیه جنایةمن إتلافمال أوأرش جراحةجرحه بها فى بدنه ، أومن قبل مهر امرأة ، أو ضمان، أو ما أشبهها، مما لميتقدم فيهتمليك ولا إقباض ، فإنه لا يحبس له ، وينظر ، فإن كان له ملك ظاهر انتزع له منه، أو بيع عليه، وإلا أُنْظِرِ إلى الميسرة . وأصل الناس العدم والفقر، وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن أحدكم يسقط من بطن أمه ليس عليه قشرة ، ثم يرزقه الله تعالى ويغنيه))، أو كما قال، وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَظْل الغنىّ ظلم)) وقال ((لَىُّ الواجد يحِلُّ عِرْضه وعقو بته))، فإنما جعله ظالماً مع الوجد والغنى، فلا يجوز حبسه وعقو بته، وهو ليس بظالم . وفى قوله ((أقم حتى تأتينا صدقة، فنأمر لك بها)» دليل على جواز نقل الصدقة من بلد إلى أهل بلد آخر. وفيه أن الحد الذى ينتهى إليه العطاء فى الصدقة هو الكفاية التى يكون بها قوام العيش وسداد الحلة، وذلك يعتبر فى كل إنسان بقدر حاله ومعيشته ، ليس فيه حد معلوم يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم . ١٥٧٦ - فى هذا الحديث من الفقه جواز بيع المزايدة ، وأنه ليس بمخالف لنهيه أن يبيع الرجل على بيع أخيه ، لأن ذلك إنما هو بعد وقوع العقد ووجوب الصفقة ، وقبل التفرق من المجلس، وهذا إنما هو فى حال المراودة والمساومة ، وقبل تمام المبايعة . وفيه إثبات الكسب والأمر به . - ٢٤٠ - .وقَعْب نشرب فيه الماء ، قال: اثقنى بهما ، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: من يشترى هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم ، قال: مَنْ يَزيدُ على درهم؟ مرتين أوثلاثاً،قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين ، فأعطاهما الأنصارى، وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانْبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدُوماً فائتى به ، فشدَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال له : اذهب فاحتَطِب ، وبِعْ، ولا أرَيَنَّك خمسة عشر يوماً، فذهب الرجل يختطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً ، وببعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خيرٌ لك من أن تجىء المسألةُ نُكْتَةً فى وجهك يوم القيامة، إن المسألة لاتصلح إلا لثلاثة : لذى فَقْرٌ مُدْفِعٍ، أو لذى غُرْم مُفْظِع ، أو لذى دم مُوجِع)) . وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة ، وقال الترمذى: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان . هذا آخر كلامه . والأخضر بن عجلان : قال يحيى بن معين : صالح ، وقال أبو حاتم الرازى : يُكتب حديثه . باب كراهية المسألة [٢: ٤١] ١٥٧٧ - عن أبى مسلم الخولاني قال: حدثنى الحبيب الأمين ، أما هو إلىَّ حبيب ، وأما هو عندى فأمين : عَوْف بن مالك قال: (( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة ، فقال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكُنَّا حديثَ عهد وفيه أنه لم ير الصدقة تحل له مع القوة على الكسب. وقوله ((فقر مدقع» فهو الفقر الشديد . وأصله من الدقعاء، وهو التراب ، ومعناه الفقر الذي يفصى به إلى التراب ، لا يكون عنده مايقى به التراب . و(« الغرم المفظع)» هو أن تلزمه الديون الفظيعة الفادحة حتى ينقطع به، فتحل له الصدقة، فيعطى من سهم الغارمين . و((الدم الموجع)) هو أن يتحمل حمالة فى حقن الدماء وإصلاح ذات البين ، فتحل له (المسألة فيها، وقد فسرناه فيما مضى .