النص المفهرس

صفحات 201-220

- ٢٠١ -
باب رضاء المصدّق [٢: ١٧ ]
١٥٢٤ - عن بشير بن الخَصَاصِيَّة - وما كان اسمه بشيراً ، ولكن رسول اللهصلى الله عليه.
وسلم سماه بشيراً - قال: (( قلنا: إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أَفَتَكْتُم أموالنا
بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: لا)).
وفى رواية قال: (( قلنا: يارسول الله، إن أصحاب الصدقة يعتدون)).
رفعه عبد الرزاق عن معمر .
وهو بشير بن معبد، والخصاصيَّةَ: أمه (١)، وكان اسمه فى الجاهلية: زَحما، وهو بفتح
الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وراء مهملة ، وزحم:
بفتح الزاى وسكون الحاء المهملة وبعدها ميم، والخصاصية بفتح الخاء المعجمة ، وبعدها صاد
مهملة مفتوحة، وبعد الألف صاد مهملة مكسورة، وياء آخر الحروف مفتوحة (٢)،
وتاء تأنيث .
١٥٢٤ - قلت : يشبه أن يكون نهاهم عن ذلك من أجل أن للمصدق أن يستحلف رب المال
إذا اتهمه ، فلو كتموه شيئاً منها واتهمهم المصدق، لم يجزلهم أن يحلفوا على ذلك ، فقيل
لهم: احتملوا لهم الضّيمِ، ولا تكذبوهم ولا تكتموهم المال، وقد روى ((أذّ الأمانة إلى من
ائتمنك، ولا تَخُنَ من خانك)».
وفى هذا تحريض على طاعة السلطان ، وإن كان ظالماً ، وتوكيد لقول من ذهب
إلى أن الصدقات الظاهرة لايجوزأن يتولاها المرء بنفسه، لكن يخرجها إلى السلطان .
(١) قال الحافظ فى التهذيب: «جزم ابن عبد البر وغيره أن الخصاصية آمه، وليس كذلك.
بل هى إحدى جداته ، وهى والدة جده الأعلى ضبارى بن سدوس ).
(٢) فى عون المعبود: بياء مشددة. والحديث أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه. وسكت عنه
أبو داود والنذرى. وفى إسناده: ديسم السدوسى . ذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال ابن حجر
فى التقريب: مقبول. وفى الباب عن جرير بن عبدالله وأبى هريرة عند البيهقى اهـ.

- ٢٠٢ -
١٥٢٥ - وعن عبد الرحمن بن جابر بن عَتيك عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((سيأتيكم رُكَيْبِ مُبَغَّضُون، فإذا جاؤوكم فرحّبوا بهم، وخَلَّا بينهم وبين
ما يبتغون ، فإن عدلوا فلأنفسهم ، وإن ظلموا فعليها ، وأرضوهم ، فإن تمام زكاتكم
رضاهم ، وليدعوا لكم)».
فى إسناده: أبو الغُصْن ، وهو ثابت بن قيس المدنى الغفارى ، مولاهم، وقيل: مولى
ابن عفان ، قال الإمام أحمد: ثقة ، وقال يحيى بن معين : ضعيف ، وقال مرة : ليس بذاك
صالح، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم محمد بن حِبَّن البُسْتِى: كان قليل الحديث،
كثير الوهم فيما يرويه، لا يحتج بخبره، إذا لم يتابعه عليه غيره. هذا آخر كلامه . وفى الرواة
خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس ، لا يعرف فيهم من تُكُلِّمَ فيه غيره .
١٥٢٦ - وعن جرير بن عبد الله قال: (( جاء ناسٌ ، يعنى من الأعراب ، إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: إن ناسا من المصدقين يأتونا فيظلمونا ، قال : فقال : أرضوا
مُصَدِّقِيكم، قالوا: يارسول الله، وإن ظلمونا؟ قال: أرضوا مصديقكم، زاد عثمان - وهو
ابن أبى شيبة - : وإن ظُلم ، قال أبو كامل - وهو الجَحْدَرِى - فى حديثه: قال جرير:
١٥٢٥- قوله « رکیب)» تصغير رَ كْب، وهو جمع راكب ، كما قيل: صَحْب، فى جمع صاحب،
وَتَجْر ، فى جمع تاجر، وإنما عنى به السعاة إذا أقبلوا يطلبون صدقات الأموال ، فجعلهم
مُبَغَّضين، لأن الغالب فى نفوس أرباب الأموال بُغضُهُم والنَّكَرُّه لهم علمِاَ جُبلت عليه
القلوب من حُبّ المال، وشِدَّة حلاوته فى الصدر، إلا من عصمه الله ممن أخلص النية ،
واحتسب فيها الأجر والمثوبة .
وفيه من العلم: أن السلطان الظالم لا ◌ُغالَب باليد، ولا يُنَازَع بالسلاح .
١٥٢٥ - قال ابن القيم رحمه الله: وفى الرواة خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس لا نعرف فيهم
من تكلم فيه غيره .

-- ٢٠٣ -
ماصدر عني مصدق ، بعد ما سمعت هدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا وهو
عَنِّى راضٍ » .
وأخرجه مسلم والنسائى .
باب دعاء المصدق لأهل الصدقة [١٨:٢]
١٥٢٧ - عن عبد الله بن أبى أوفَى قال: (( كان أبى من أصحاب الشجرة (١)، وكان النبى
صلى الله عليه وسلم إذا أناه قوم بصدقتهم ، قال: اللهم صَّلّ على آلَ فلان ، قال فأتاه أبى
بصدقته ، فقال: اللهم صل على آل أبى أوفَى (٢))).
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة .
١٥٢٧ - قلت : الصلاة فى هذا الموضع معناه الدعاء والتبرك ، وهو تأويل قوله تعالى
(٩: ٠٢ ١ خُذْ من أموالهم صَدَقَةً تُطَهِّهم وتُزَّ كْيهم بها، وصَلِّ عليهم إنَّ صلانَكَ سَكَنٌ
لهم). ومن هذا قول الأعشى :
وقابلها الريح فى دَنِها
وصلَّى على دَنِها وارْتَسم
قال أبو العباس أحمد يحيى بن يزيد : ودعالها بأن لاتَحْمُض ولا تفسد .
وفيه دليل على أن الصلاة ، التى هي بمعنى الدعاء والتبريك ، يجوز أن يصلى بها على
غير النبى صلى الله عليه وسلم (٣) .
فأما الصلاة التي هي تحية لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها بمعنى التعظيم والتكريم،
وهي خِصِيصَى له، لا يشركه فيها إلا آلَهُ، وإنما يستحق المزكي الصلاة والدعاء إذا
أعطى الصدقة طوعاً. ولا يستحقها من استُخْرِجت منه الصدقة كرهاً وقهراً.
(١) هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله علية وسلم بالحديبية بيعة الرضوان، تحت الشجرة،
وكانت سمرة ، وذلك سنة ست من الهجرة.
(٢) الآل: من يؤول إلى الشخص بما هو أخص به من الصفات وأظهر المزايا فيه. قال الرسول
صلى الله عليه وسلم: المؤمنون به والمهتدون بهداه. وآل فرعون: كل من ينتسب ويؤول اليه بمثل
كفره وبغيه . والصلاةهنا: هى الدعاء وطلب المنحة والصلة من الله سبحانه للمصلى عليه بحسب ما يستحق
من المكافأة والجزاء على ما قدم مما دعا إلى الصلاة عليه. وصلاة الله على عبده: إعطاؤه المنح والمطايا
اللائقة به، قال تعالى (٤٣:٣٣ هو الذى يصلى عليكم وملائكته) كما قال (٣٣: ٥٦ إن الله وملائكته
يصلون على النبي) . وكتبه محمد حامد الفقى .

- ٢٠٤ -
باب تفسير أسنان الإبل [٢: ١٩ ]
قال أبو داود : سمعته من الرّياشِّ وأبى حاتم وغيرهما، ومن كتاب النَّضْر بن شُميل،
ومن كتاب أبى عبيد(١)، فربما ذكر أحدهم الكلمة ، قالوا :
يُسَمَّى الحُوار، ثم الفَصيل إذا فُصِل ، ثم تكون بنتَ مخاض لسنةٍ ، إلى تمام سنتين،
فإذا دخلت فى الثالثة : فهى ابنة لبون ، فإذا تمت له ثلاث سنين فهو حِقُّ وحِقة ، إلى
تمام أربع سنين ، لأنها استحقت أن تُركب ويُحمل عليها الفحل، وهى تَلْقَح، ولا يُلفح
الذكر حتى يُنِى (٣)، ويقال للحقة: طَروقة الفحل، لأن الفحل يَطْرُقُها ، إلى تمام أربع
سنين ، فإذا طعنت فى الخامسة فهى جَذَعة ، حتى يتم لها خمس سنين، فإذا دخلت فى السادسة
وألقى ثَنِيَّته فهو حينئذ تَنِىّ، حتى يستكمل ستًّا، فإذا طعن فى السابعة سمى الذكر رُ باعِىِّ،
والأنثى رُباعيةً ، إلى تمام السابعة ، فإذا دخل فى الثامنة وألقى السن السّديس الذى بعد
الرَّباعية ، فهوسَديس ، وسَدَس، إلى تمام الثامنة، فإذا دخل فى التسع طلع نابُهُ، فهو بازِل،
أي بَزَل نابُهُ، يعنى طلع، حتى يدخل فى العاشرة، فهو حينئذ مُخْلِفٍ ، ثم ليس له اسم،
ولكن يقال له : بازل عام ، وبازل عامين ، ومُخلِف عام ، ومخلف عامين ، ومخلف ثلاثة
أعوام، إلى خمس سنين ، والخَلِفَةِ : الحامل .
(١) الرياشى - بكسر الراء ثم ياء تحتانية مخففة: اسمه عباس بن الفرج البصرى النحوى، وثقه
ابن حبان والخطيب. أبو حاتم : هو سهل بن محمد بن عثمان السجستانى النحوى المقرىء البصرى،
كان إماماً فى علوم القرآن واللغة والشعر، أخذ عن الأخفش وأبى عبيدة والأصمعى وغيرهم، روى
عنه أبو داود تفسير أسنان الابل ، والنسائى والبرد وابن دريد ، وعليه يعتمد ابن دريد فى اللغة ،
مات سنة ٢٥٥ . وله ترجمة فى التهذيب ٤: ٢٥٧ - ٢٥٨ وبغية الوعاة ٠٢٦٥ والنضر بن شميل
الكوفى النحوى، وثقه ابن معين والنسائى، وكتابه فى غريب الحديث. وأبو عبيد هو: القاسم
بن سلام البغدادى ، صاحب التصانيف ، قال أبو داود: ثقة مأمون ، وكتابه فى غريب الحديث .
(٢) ثنى البعير: أى استكمل ستا من السنين، بالقاء ثنيته. قال ابن سيدة: وللانسان والخف
والسبع : ثنيتان من فوق ، وثنيتان من أسفل، يعنى الأسنان، وألقح الفحل الناقة إلقاءا ولقاءا،
بوزن أعطى إعطاء وعطاء: إذا أولدها ، ولقحت الناقة بالكر لقحاولقاا بالفتح : إذا ولدت.

- ٢٠٥ -
قال أبو حاتم : والجُدُوعة : وقتٌ من الزمن ، ليس بسنّ .
وفصول الأسنان: عند طلوع سهيل (١).
قال أبو داود : أنشدنا الرياشي :
فابنُ اللبون الحِقِّ ، والحقُّ جَذَعْ
إذا سهيلٌ أولَ الليل طلعْ
لم يَبْقَ من أسنانها غيرُ الهُبَعْ (٢).
والهبع : الذى يولد فى غير حينه .
باب أبن تُصدق الأموال [٢٠:٢]
١٥٢٨ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
(( لا جَلَب، ولا جَنَب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم)».
١٥٢٨ - قلت (( الجلب)) يفسر تفسيرين: يقال: إنه فى رهان الخيل، وهو أن يجلب عليها
عند الرَّ كْض، ويقال: هو فى الماشية، يقول : لا ينبغى للمصدق أن يقيم بموضع، ثم يرسل
إلى أهل المياه، فيجلبوا إليه مواشيهم ، فيصدقها ، ولكن لِيَأتهم على مياههم ، حتى
يصدقهم هناك .
وأما (( الجَنَب)) فتفسيره أيضاً على وجهين : أحدهما : أن يكون فى الصدقة ، وهو أن
أصحاب الأموال لا يُجَنِّبون عن مواضعهم ، أى لا يبعدون عنها، حتى يحتاج المصدِّق إلى أن
يتبعهم ، ويُمْعِن فى طلبهم .
وقيل ((الجَنَب)) فى الرهان ، وهو أن يركب فرساً فيَرَكُضَه، وقد أجنب معه فرسا
آخر ، فإذا قارب الغاية رکبه وهو جامٌّ ، فيسبق صاحبه .
(١) يعنى أن حساب أسنان الابل من وقت طلوع النجم الذى يسمى سهيلا. لأن سهيلا إنما يطلع
فى زمن نتاج الابل . فالتى كانت ابنة ليون تصير عند طلوع سهيل حقة، وقلما تنتج الا بل إلا فى
زمن طلوع سهيل ، فالا بل التى تلد فى غير زمنه يحسب سنها من ولادتها .
(٢) قال فى اللسان: الهبع: الفصيل يولد فى الصيف. وقيل: هو الذى فصل آخر النتاج . وقال
ابن السكيت: العرب تقول: ماله هبع ولاربح. فالربع: مانتج فى أول الربيع، والهبع: مانتج فى الصيف.

- ٢٠٦ -
وقد أخرجه أبو داود فى الجهاد ، من حديث الحسن البصرى عن عمران بن حُصَين ،
وليس فيه (« ولا تؤخذ صدقاتهم إلا فى دورهم)). وأخرجه أيضاً من هذا الوجه الترمذى.
والنسائى. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. هذا آخر كلامه . وقد ذكر على بن
المدينى ، وأبو حاتم الرازى ، وغيرهما من الأيمة أن الحسن لم يسمع من عمران بن حُصين .
وعن محمد بن إسحق - وهو ابن يسار - فى قوله: (( لاجلب، ولا جنب)) قال: أن
تصدق الماشية فى مواضعها ، ولا تجلب إلى المصدق. والجنب عن هذه الفريضة أيضاً ،
لا يجْنِب أصحابها، يقول: ولا يكون الرجل بأقصى موضع(١) أصحاب الصدقة فتُجَنَب
إليه ، ولكن تؤخذ فى موضعه .
باب الرجل يبتاع صدقته [٢: ٢١ ]
١٥٢٩ - عن عبد الله بن عمر: (( أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه حَمَل على فرس فى
سبيل الله، فوجده يباع ، فأراد أن يبتاعه ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟
فقال: لا تبتاعُه ، ولا تَعُد فى صدقتك)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
باب صدقة الرقيق [٢١:٢ ]
١٥٣٠ - عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس فى الليل والرقيق.
زكاة ، إلا زكاة الفطر فى الرقيق)).
فى إسناده رجل مجهول(٢). وقد أخرج مسلم من حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال: (( ليس فى العبد صدقة، إلا صدقة الفطر)).
١٥٣١ - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المسلم فى عبده ولا
فرسه صدقة)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
(١) فى السنن ((مواضع))
(٢) رواه ابن حزم فى المحلى فى المسئلة ٧٠٥ من طريق ابن عبد الحكم عن سعيد بن أبى مريم عن
نافع بن زيد عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن أبى هريرة .

- ٢٠٧ -
باب صدقة الزرع [٢٢:٢ ]
١٥٣٢ - عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فيما
سَقَّتِ السماءِ والأنهار والعيون أو كان بَعْلاً العشرُ، وفيما سُقِىَ بِالسَّانى أو النَّصْح
نصف العشر)).
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجة .
١٥٣٣ - وعن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
((فيما سقت الأنهار والعيون العشر، وما سُقى بالسوانى ففيه نصف العشر)».
وأخرجه مسلم والنسائى. وقال النسائى: ورواه ابن جُريح عن أبى الزبير عن جابر قولَه
ولا نعلم أحداً رفعه غير عمرو ، يعنى ابن الحرث ، وحديث ابن جريج أولى بالصواب ، وإن
كان عمرو أحفظ منه، وعمرو من الحفاظ ، روى عنه مالك .
١٥٣٤ - وعن معاذ بن جبل: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن ، فقال:
١٥٣٢ - قال أبو داود: ((البعل)) ماشَرِب بعروقه ولم يُتَعَنَّفى سقيه، وكذلك قال أبو عبيد.
((والسوانى)): جمع السانية، وهى البعير الذى يُسْنِىَ عليه، أى يُستقى. ((والنصح)) مثله،
وهو السَّقَى بالرشاء . وهذا مما تقدم بيانه ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم جعل صدقة ما خفّت
مؤنته وكَثُرت منفعته على التضعيف ، تَوَسِعَةً على الفقراء، وجعل ما كثرت مؤنته على
التنصيف، رِفْقاً بأرباب الأموال.
قلت : وأما الزرع الذى يسقى بالقِنى ، فالقياس على هذا أن يُنظر، فإن كان لا مؤنة
فيها أكثر من مُؤْمَة الْفر الأول، وكَسْحِها فى بعض الأوقات، فسبيلُها سبيلُ النهر والسَّيْح
فى وجوب العشر فيها ، وإن كان تكثر مؤنتها ، بأن لاتزال تَتَدَاعَى وَتَنْهار، ويكثر نُضوب
مائها، فيُحتاجَ إلى استحداث حَفْر، فسبيلها سبيلُ ماء الآبار التى تنزح منها بالسوانى.
والله أعلم .
١٥٣٤ - قلت : فيه من الفقه: أن الزكاة إنما تخرج من أعيان الأموال وأجناسها ، ولا يجوز
صرف الواجب منها إلى القِيَم ...

- ٢٠٨ -
خذ الحَبَّ من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر )).
وأخرجه ابن ماجة .
قال أبو داود : شَبَرَت قِتَّاءةً بمصر ثلاثة عشر شبراً، ورأيت أتْرُجَّة على بعير
بقطعتين ، قُطِت وصيّت على مثل عدلين.
باب زكاة العسل [٢٢:٢]
١٥٣٥٠ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (( جاء هلال، أحدُ بنى مُثْعان،
وفيه دليل على أن من وجبت عليه شاة فى خمسٍ من الإبل، فأعطى بعيراً منها ، فإنه يُقُبل
منه ، وقال داود: لا يقبل منه ذلك، ويُكلّف الشاة ، لأنه خلاف المفروض عليه ،
وحكى ذلك عن مالك أيضاً .
قلت : الأصل أن الواجب عليه فى كل جنس من أجناس الأموال جزء منه، إلا أن
الضرورة دَعَتْ فى هذا إلى العدول عن الأصل إلى غيره ، وذلك لأمرين: أحدهما : أن الزكاة
أمرُها مبنىٌّ على أخذ القليل من الكثير، فلو كان البعير مأخوذاً من الخمس لكان خمس
المال مأخوذاً ، وهو كثير، وفى ذلك إجحاف بأرباب الأموال. والمعنى الآخر: أنه لو جُعل
فيها جزء من البعير لأدَّى ذلك إلى سوء المشاركة باختلاف الأيدى على الشخص الواحد ،
فُعُدل عنه إلى الشاة، إرفاقاً للمعطى والآخذ ، والله أعلم، فإذا أعطى رب المال بعيراً منها
فقد تبرع بالزيادة على الواجب. وكان عليه مأجوراً . إن شاء الله .
١٥٣٥ - قلت: فى هذا دليل على أن الصدقة غير واجبة في العسل ، وأن النبي صلى الله
عليه وسلم إنما أخذ العشر من هلال المتعِى، إذ كان قد جاء بها متطوعاً، وحمى له الوادى
إرفاقً ومعونة له ، بدل ما أخذ منه . وعقل عمر بن الخطاب المعنى فى ذلك ، فكتب إلى عامله
يأمره بأن يحمى له الوادى إن أدى إليه. العشر، وإلا فلا. ولو كان سبيله سبيل الصدقات
الواجبة فى الأموال لم ◌ُخَيِّره فى ذلك ، وكيف يجوز عليه ذلك ، مع قتاله فى كافة الصحابة مع
أبى بكر مانعى الزكاة ؟ .

- ٢٠٩ -
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نَحْلٍ له، وكان سأله [أن] يَحْمِىَ وادياً، يقال له سَلَبة،
فحَمَى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادى ، فلما وليَ عمر بن الخطاب رضى الله عنه
كتب سُفيان بن وَهْب (١) إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك؟ فَكتب عمر: إن أدَّى
إليك ما كان يؤدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نَحْله فاحْمٍ له سَلَبَةَ، وإلا
فإنما هو ذباب غَيْثٍ ، يأكله من يشاء )».
١٥٣٦ - وفى رواية ((أن شبابة بَطْن من فَهْم(٢))، وفيه قال: ((من كلٍ عَشْر قِرَبٍ قِرْبة)).
ومن لم يرَ فيه الصدقة مالك، وابن أبى ليلَى ، والثورى ، والشافعى، وأبو ثور.
وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز. وأوجبها مكحول، والزهرى، والأوزاعى، وأصحاب
الرأى . وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: فى العسل العشر.
وقوله ((حمى له الوادى)) معناه: أن النحْل إنما ترعَى من البَقْل والنبات أنوارَها ومارَخُص
ونَعُم منها ، فاذا ◌ُميت مراعيها أقامت فيها ، وأقبلت تَعْسِل فى الخلايا، فكثرت منافع
أصحابها، وإذا شوركت فى تلك المراعى نَفَرَت عن تلك المواضع، وأمعنت فى طلب المرعى،
فَيَكون ريعها حينئذ أقلَّ .
وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر، وهو أن يكون ذلك بأن يحمىَ له الوادى الذى يُعسَّل
فيه ، فلا يُترك أحدٌ أن يتعرض للعسل فيَشْتاره، وذلك أن سبيل العسل سبيل المياه والمعادن
والصُّيود، وليس لأحد عليها ملك، وانما تُملك باليد لمن سبق إليها ، فاذا حمى له الوادى،
ومنع الناس منه حتى يجتازه هؤلاء القوم ، وجب عليهم بحق الحماية إخراج العشر منه .
ويدل على صحة هذا التأويل قوله ((فإنما هو ذباب غيث، يأ كله من يشاء))
ومعنى هذا الكلام: أن النحل إنما تتبع مواقع الغيث، وحيث يكثر المرعى ، وذلك
شأن الذباب ، لأنها تألفُ الغِياض والمكان المعْشِب.
(١) خولانى له صحبة.
(٢) نزلوا المراة والطائف. قال فى المغرب: بنو شبابة قوم بالطائف من ختم، كانوا يتخذون
فالنحل حتى نسب إليهم . فقيل : عسل شبابى.
١٤ - مختصر السنن - ج٢

- ٢١٠ -
١٥٣٧- وفى رواية: ((كان يحمى لهم واديين))، وفيه: ((فأدَّوْا إليه ما كانوا يؤدون إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمى لهم وادييهم)) .
وفى رواية: (( واديين له)) .
وأخرجه النسائى، وأخرج ابن ماجة طرفاً منه . وقد تقدم الكلام على حديث عمرو
بن شعيب . وقال البخارى: وليس فى زكاة العسل شىء يصح. وقال الترمذى: ولا يصح
عن النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب كبير شىء. وقال أبو بكر بن المنذر : ليس فى
وجوب صدقة العسل حديث يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع ، فلا زكاةفيه.
باب، فى خَرْص العنب [٢٣:٢]
١٥٣٨ - عن سعيد بن المسيَّب عن عَتَّاب بن أَسِيد قال: ((أمر رسول الله صلى الله عليه
١٥٣٨ - قلت: إنما يخرص من الثمر ما يحيط به البصر بارزاً، لا يحول دونه حائل، ولا يخفى
موضعه فى خلال وَرَق الشجر ، والعنب فى هذا المعنى كتمر النخل .
فأما سائر الثمار فانها لا يجرى فيها الخرص . لأن هذا المعنى فيها معدوم.
وفائدة الخرص ومعناه: أن الفقراء شركاء أرباب الأموال فى الثمر ، ولو مُنع أرباب
المال من حقوقهم ومن الانتفاع بها إلى أن تبلغ الثمرة غاية جَفافها لأضر ذلك بهم ، ولو
انبسطت أيديهم فيها لأخَلَّ ذلك بحصَّة الفقراء منها، إذ ليس مع كل أحد من التّقِيّة ما تقع
به الوثيقة فى أداء الأمانة ، فوضعت الشريعة هذا الغيار ليتوصل به أرباب الأموال
إلى الانتفاع، ويحفظ على المساكين حقوقهم ، وإنما يفعل ذلك عند أول وقت بُدُوِّ صلاحها
قبل أن يُؤكل ويستهلك ، ليعلم حصة الصدقة منها، فيخرج بعد الجفاف بقدرها تمراً
وزيباً .
وفيه دليل على صحة القسمة فى الثمار بين الشركاء بالخرص ، لأنه إذا صح أن يكون
عياراً فى إفراز حِصَّة الفقراء من حِصَّة أرباب الأموال ، كان كذلك عيدراً فى إفراز حصص
الشركاء ..

- ٢١١ -
وسلم أن يُخْرَص العنب ، كما يخرص النخل ، ويؤخذ زكانه زييباً، كما تؤخذ صدقة
النخل تمراً)) .
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. وقال الترمذى : هذا حديث حسن غريب،
وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ، وسألت محمداً -
يعنى البخارى - عن هذا؟ فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ ، وحديث سعيد بن المسيب
عن عتاب بن أسيد أصح. هذا آخر كلامه . وذكر غيره أن هذا الحديث منقطع . وما
ذكره ظاهر جدًّا، فإن عتاب بن أسيد تُوفّى فى اليوم الذى توفى فيه أبو بكر الصديق
رضي الله عنهما . ومولد سعيد بن المسيب فى خلافة عمر ، سنة خمس عشرة ، على المشهور ،
وقيل : كان مولده بعد ذلك . والله عز وجل أعلم .
قلت : ولم يختلف أحد من العلماء فى وجوب الصدقه فى التمر والزبيب .
واختلفوا فى وجوب الصدقة فى الزيتون : فقال ابن أبى ليلى: لازكاة فيه ، لأنه أُدْم
غيرما كول بنفسه، وهو آخر قولى الشافعى. وأوجبها أصحاب الرأى، وهو قول مالك،
والأوزاعى ، والثورى، إلا أنهم اختلفوا في كيفية ما يؤخذ من الواجب فيه : فقال أصحاب
الرأى: يؤخذ من ثمرته العُشْر، أو نصف العشر. وقال الأوزاعى : يؤخذ العشر منه ،
بعد أن يعصر زيتاً صافياً.
وأما الحبوب فقد اختلف العلماء فيها : فقال أصحاب الرأى : تجب الصدقة فى الحبوب ،
ما كان مُقْتاتاً منها أو غير مقتات .
وقال الشافعى: كل ماجمع من الحبوب أن يزرعه الآدميون ويَيْبَس ويُدَّخر
ويُقُتات ففيه الصدقة، فأما مايُتَفَكَّه به ، أو مايُؤتدم به ، أو يتداوى به ، فلا
شىء فيه .

- ٢١٢ -
بابٌ فى الخرص [٢: ٢٤]
١٥٣٩ - عن عبد الرحمن بن مسعود - وهو ابن نيار الأنصارى - قال: ((جاء سَهْل بن
أبِى حَثْمة إلى مجلسنا، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خَرَصْم فجُذُوا (١)،
١٥٣٩ - قال أبو داود: الخارص يدع الثلث للخُرفة . وكذا قال يحيى القطان .
قلت : فى هذا الحديث إثبات الخرص والعمل به، وهو قول عامة أهل العلم ، إلا
ماروى عن الشعبي ، أنه قال: الخرص بِدْعة. وأنكر أصحاب الرأى الخرص.
وقال بعضهم : إنما كان ذلك الخرص تخويفاً للأَ كَرَة، لئلا يخونوا، فأما أن يلزم
به حكم فلا ، وذلك أنه ظَنٌّ وَتَخمين. وفيه غَرَر، وإنما كان جوازه قبل تحريم الربا
والقِمار .
قلت : العمل بالخرص ثابت ، وتحريم الربا والقمار والميسر متقدم ، وبقى الخرص يعمل
به رسول الله صلى الله عليه وسلم طول عمره، وعمل به أبو بكر وعمر رضى الله عنهما في زمانهما
وعامة الصحابة على تجويزه والعمل به ، لم يُذكر عن أحد منهم فيه خلاف. فأما قولهم :
إنه ظن وتخمين ، فليس كذلك ، بل هو اجتهاد فى معرفة مقدار الثمار، وإدراكه بالخرص
الذى هو نوع من المقادير والمعايير ، كما يعلم ذلك بالمكاييل والموازين ، وإن كان بعضها
أخْصَر من بعض ، وإنما هذا كإباحته الحُكم بالاجتهاد عند عدم النص، مع كونه معرَّضا
للخطأ ، وفى معناه تقويم المتعلقات من طريق الاجتهاد .
وباب الحكم بالظاهر باب واسع، لا ينكره عالم.
قلت: وقد ذهب بعض العلماء فى تأويل قوله ((دعوا الثلث، أو الربع)) إلى أنه متروك
لهم من عُرْض المال توْسِعة عليهم ، فلو أخذوا باستيفاء الحق كله لأضر ذلك بهم ، وقد
(١) الجذاذ: قطع تمر النخل، وفى المنذرى ونسخة من السنن ((فخذوا)) بالخاء المعجمة. وهى
التى شرح عليها الخطابى .

- ٢١٣ -
ودعوا الثلث ، فإن لم تَدَعُوا، أو تجذوا الثلث ، فدَعُوا الربع» .
وأخرجه الترمذى والنسائى .
باب، متى يُخرص التمر [٢: ٢٤]
١٥٤٠ - عن عائشة [أنها] قالت، وهى تذكر شأن خَيْبَرَ: ((كان النبى صلى الله عليه وسلم
يبعث عبدَ الله بن رَواحَةً إلى يهود، فيخرص النخل حين يطيب، قبل أن يؤكل منه)) :
وفى إسناده رجل مجهول . وقد أخرج أبو داود فى كتاب البيوع من حديث أبى الزبير
عن جابر أنه قال: « أفاء الله على رسوله خيبر ، فأقرّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما
كانوا، وجعلها بينه وبينهم ، فبعث عبد الله بن رواحة، فخرصها عليهم)». ورجال
إسناده ثقات .
باب مالا يجوز من الثمرة فى الصدقة [ ٢: ٢٥]
١٥٤١ - عن أبى أمامة بن سهل عن أبيه قال: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
الجُعْرور ولَوْنِ الحُبَيق (١) أن يؤخذا فى الصدقة)). قال الزهرى: لونين من تمر المدينة.
١٥٤٢ - وعن عوف بن مالك قال: ((دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ،
يكون منها السقاطة ينتابها الطير، ويخترفها الناس للأ كل، فترك لهم الربع تَوْسعة عليهم،
وكان عمر بن الخطاب يأمر الخرَّاص بذلك.
وبقول عمر قال أحمد وإسحق . وذهب غير هؤلاء إلى أنه لا يترك لهم شيئاً شائعاً فى
جملة النخل، بل يُفُرِد لهم نخلات معدودة، قد عُلم مقدار ثمرها بالخرص .
(١) الجعرور - بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الراء المهملة بعدها واو مم راء - ضرب من
الدقل ، هو أرذل التمر. وقال الأصمعى: ضرب من الدقل يحمل شيئاً صغيراً لاخير فيه. ولون الحبيق:
منسوب إلى ابن حبيق ، تمر أغبر صغير ، مع طول فيه . من هامش المنذرى .

- ٢١٤ -
وبيده عصا، وقد عَلَقَ رجل [فَنَّا] حَشَفا، فطعن بالعصا فى ذلك القِنْو، وقال: لوشاء رَبُّ
هذه الصدقة تصدق بأطيبَ منها، وقال: إن ربَّ هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة)).
وأخرجه النسائي وابن ماجة .
باب زكاة الفطر [٢٥:٢]
١٥٤٣ - عن ابن عباس قال: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طَهْرَةً
١٥٤٣ - قوله «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر)) فيه بيان أن صدقة الفطر
فرض واجب ، كافتراض الزكوات الواجبة فى الأموال .
وقیه أن مافرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما فرضه الله تعالى فى كتابه ، لأن
طاعته صادرة عن طاعته .
وقد قال بفرضية زكاة الفطر ووجو بها عامة أهل العلم، غير أن بعضهم تعلق فيها بخبر
مروى عن قيس بن سعد، أنه قال «أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل
الزكاة ، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا بها ولم ينهنا، فنحن نفعله)) ..
قلت : وهذا لا يدل على زوال وجوبها ، وذلك أن الزيادة فى جنس العبادة لا توجب
نسخ الأصل المزيد عليه ، غير أن محل سائر الزكوات الأمول ، ومحل زكاة الفطر
الرقاب .
وقد عللت بأنها (( طُهرة للصائم من الرفَت واللغو)) فهى واجبة على كل صام غَنِيِّ
ذِى جِدَةٍ ويُسْر؛ أو فقير يجدها فضلاً عن قونه، إذ كان وجوبها عليه بعلمة التطهير،
وكلّ من الصائمين محتاجون إليها ، فإذا اشتركوا فى العلمة اشتركوا فى الوجوب.
ويشبه أن يكون إنما ذهب من رأى إسقاطها عن الأطفال إلى هذا ، لأنهم إذا كانوا
لا يلزمهم الصيام، فلا يلزمهم طُهرة الصيام. فأما أكثر أهل العلم فقد أوجبوها على الأطفال.
إيجابها على البالغين .

- ٢١٥ -
للصيام من اللغو والرَّفَكَ، وطَعْمَةٌ للمساكين، من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ،
ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من المصدقات)).
وأخرجه ابن ماجة .
بابٌ متى تؤدَّى؟ [٢: ٢٥]
١٥٤٤ - عن ابن عمر قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدَّى
قبل خروج الناس إلى الصلاة ، قال : فكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين » .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى ، وليس فى حديث فعل ابن عمر.
باب، كم يؤدى فى صدقة الفطر؟ [ ٢: ٢٦ ]
١٥٤٥ - عن ابن عمر: (( أن رسول الله صلى عليه وسلم فرض زكاة الفطر، قال فيه فيا
وأماوقت إخراجها : فالسُّنة أن تخرج قبل الصلاة ، وهو قول عامة أهل العلم. وقدرخص
ابن سيرين ، والنخعى فى إخراجها بعد يوم الفطر. وقال أحمد: أرجو أن لايكون بذلك
بأس .
وقال بعض أهل العلم : تأخير إخراجها عن وقتها من يوم الفطر كنأخير إخراج زكاة
الأموال عن ميقاتها ، فمن أخرها كان آثماً ، إلا من عذر .
١٥٤٥ - قلت : فيه من الفقه أن وجوب زكاة الفطر وجوب فرض ؛ لا وجوب
استحباب .
وفيه بيان أنها واجبة على الصغير والكبير .
وفيه دليل على أنها واجبة على مَنْ ملك مائتى درهم أو لم يملكها .
وقد اختلف أهل العلم فى ذلك . فقال أصحاب الرأى : من حلّت له الصدقة فلا تجب
عليه صدقة الفطر. والحدّ فى ذلك عندهم : ملك المائتين .

- ٢١٦ -
قرأه علىَّ مالك: زكاةُ الفطر من رمضان صاع من تمر ، أو صاع من شعير، على كل حُرٍ
أو عبد، ذكر، أو أنثى من المسلمين)).
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
١٥٤٦ - وعنه قال: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً - فذكر بمعى
مالك ، زاد: والصغير والكبير، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . وقال أبو داود : رواه عبد الله العُمَرَى عن نافع
((على كل مسلم)). ورواه سعيد الجُمَحى عن عبيد الله عن نافع قال فيه: ((من المسلمين».
والمشهور عن عبيد الله ليس فيه (( من المسلمين ».
وقال مالك بن أنس : صدقة الفطر على الغني والفقير. وهو قول الشعبي، وابن سيرين ،
وعطاء ، والزهرى .
وقال الشافعى: إذا فضل عن قُوت المرء وقوت أهله مقدار مايؤدّى عن زكاة الفطر
وجبت عليه ، وكذلك قال ابن المبارك ، وأحمد بن حنبل .
واختلفوا فى وجوبها على الصغير الطفل : فقال أكثر الفقهاء : هى واجبة على الصغير
وجوبها على الكبير، وقال محمد بن الحسن: لا تجب صدقة الفطر فى مال الصغير يتيماً أو
غير يقيم . وروى عن على بن أبى طالب رضي الله عنه أنه قال: ((صدقة الفطر إنما هى على
من أطاق الصوم » .
وقوله ((على كل حر أو عبد)): ظاهره إلزام العبد نفسه، إلا أنه لاملك له ، فيلزم.
السيد إخراجها عنه ، وقال داود: هو لازم للعبد ، وعلى سيده أن يمكّنه من الكسب
حتی یکسب فيؤديه .
وفيه دليل على أنه يزكي عن عبيده المسلمين، كانوا للتجارة أو للخدمة ، لأن عموم اللفظ
يشملهم كلهم ، وفى دلالته وجوبها على الصغير منهم والكبير، والحاضر والغائب، وكذلك
الآبق منهم ، والمرهون ، والمغصوب، وفى عبيد عبيده، وفى كل من أضيف إلى ملكه .

- ٢١٧ -
:
١٥٤٧ - وعنه عن النبى صلى الله عليه وسلم: « أنه فرض صدقة الفطر صاعاً من شعير أو
تمر، على الصغير والكبير، والحر والمملوك ـ- زاد موسى: والذكر والأنثى)).
وأخرجه البخارى ومسلم .
١٥٤٨ - وعنه قال: (( كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه.
وسلم صاعاً من شعير، أو تمر، أو سُلْت(١)، أو زبيب - قال: قال عبدالله(٢): فلما كان عمرًا.
رحمه الله، وكثرت الحنطة ، جعل عمر نصف صاع حِنْطة مكانَ صاع من تلك الأشياء)».
وأخرجه النسائى. وفى إسناده عبد العزيز بن أبى رَوَّاد، وهو ضعيف (٣).
وفيه دليل على أنه لا يزكى عن عبيده الكفار، لقوله: ((من المسلمين)) فقيده بشرط
الإسلام ، فدل أن عبده الذمى لا يلزمه ، وهو قول مالك ، والشافعى ، وأحمد بن حنبل ،
وروى ذلك عن الحسن البصرى .
وقال الثورى وأصحاب الرأى : يؤدى عن العبد الذمى ، وهو قول عطاء ، والنخعى ..
وفيه دليل على أن إخراج أقل من صاع لا يجوز، وذلك أنه ذكر فى الخبر ((التمر
والشعير)) وهما قوت أهل ذلك الزمان فى ذلك المكان ، فقياس ما يقتاتونه من البُرِّ وغيره
من الأقوات أنه لايجزىء منه أقل من صاع .
وقد اختلف الناس فى هذا ، فقال مالك ، والشافعى ، وأحمد ، وإسحق : لا يجزيه
من البر أقلُّ من صاع ، وروي ذلك عن الحسن، وجابر بن زيد .
وقال أصحاب الرأى ، والثورى: يجزيه نصف صاع من بُرٍ، فأما سائر الحبوب، فلا
يجزيه أقل من صاع، غير أن أبا حنيفة قال : يجزيه من الزبيب نصف صاع ، كالقمح .
وروى جماعة من الصحابة إخراج نصف صاع من البر.
(١) السلت - بضم السين وسكون اللام - نوع من الحب دون الشعير.
(٢) فى المنذرى ((عبيد اللّه))، وهو خطأ، الحديث حديث عبد الله بن عمر، وليس فى اسناده
((عبيد الله»:
(٣) إطلاق الضعف على عبد العزيز ليس بجيد، فمو ثقوه أكثر وأعرف، منهم يحي القطان وابن
معين وأبو حاتم ، ومن ضعفه فانما تكلم فيه من قبل رأيه ، ولسنا نوافقهم على ذلك . وكتبه
أحمد محمد شاكر

- ٢١٨ -
١٥٤٩ - وعن نافع قال: قال عبد الله: ((فعدَل الناس بعدُ نصفَ صاءٍ من بُرٍ ، قال:
وكان عبد الله يعطى التمر ، فأعْوَز أهلَ المدينة التمرُ عاماً، فأعطى الشعير)».
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى ، مختصراً ومطولاً .
١٥٥٠ - وعن أبى سعيد الخُدْرِى قال: (( كنا نخرج، إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم، زكاة الفطر، عن كل صغير وكبير، حُرٍّ أو مملوك ، صاعاً من طعام ، أو صاعاً من
أقِطِ ، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من زبيب، فلم نَزَل نخرجه حتى
١٥٥٠ - قلت: قوله ((صاعاً من طعام)) : زعم بعض أهل العلم أن الطعام عندهم اسم خاص
لبر، قال: ويدل على صحة مانأولناه من ذلك : أنه قد ذكر فى الخبر الأقِطَ والشعير والتمر
والزبيب ، وهى أقواتهم التى كانوا يقتانوبها فى الحضَر والبدو، ولم يذكر الحنطة ، وكانت
أغلاها وأفضلها كلها ، فلولا أنه أرادها بقوله ((صاعاً من طعام)» لكان يجرى ذكرها عند
التفضيل ، كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات .
وزعم غيره أن هذا جملة قد فصلت ، والتفصيل لا يخالف الجملة ، وإنما قال فى أول
الحديث: ((صاعاً من طعام)) ثم فصله فقال: (( صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو
كذا أو كذا )» واسم الطعام شامل لجميع ذلك ، وإنما كان يجوز ما قاله من تأول الطعام
على البر خاصة، لو كان قال: ((صاعاً من طعام أو صاعاً من كذا)) بحرف (( أو )) الفاصلة
بين الشيئين ثم نسَق عليه ما بعده شيئاً شيئاً.
قلت: قد رواه غير أبى داود بحرف ((أو)) الفاصلة من أول الحديث إلى آخره.
حدثنا الأصم حدثنا الربيع أخبرنا الشافعى أخبرنا أنس بن عياض عن داود بن قيس
سمع عياض بن عبد الله بن سعد بن أبى سَرْح يقول: إن أبا سعيد الخدرى قال: (( كنا نخرج
فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من
أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر)). وذكر الحديث.
قلت : إن صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يخرج صاع من قمح، فأخرج

- ٢١٩ -
قدم معاوية حاجًّا أو معتمراً، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناسَ أن قال :
إلى أرى أنَّ مُدَّين من سَمْراء الشام تعدل صاعاً من تمر حد الناس بذلك . فقال أبوسعيد :
فأما أنا فلا أزال أخرجه أبداً ما عشت)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة، مطولاً ومختصراً. وذكر
. أبو داود أن بعضهم قال فيه: (( أو نصف صاع من حنطة)) قال: وليس بمحفوظ. وذكر
أن بعضهم قال فيه: ((نصف صاع من بُرٍ)) وهو ومَ.
١٥٥١ - وعنه قال: (( لا أُخرج أبداً إلا صاعاً، إنا كنا نخرج على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم صاع تمر ، أوشعير، أو أقطٍ ، أوز بيب))، قال: زاد سفيان - يعنى ابن عيينة:
(( أو صاع من دقيق )) قال حامد - يعنى ابن يحيى -: فأنكروا عليه. فتركه سفيان. قال
أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عُبينة. وقال البيهقى: رواه جماعة عن ابن عجلان، منهم
حاتم بن إسمعيل. ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم فى الصحيح ، ويحيى القطان ، وأبو خالد
الأحمر، وحمادبن مسعدة، وغيرهم. فلم يذكر أحد منهم ((الدقيق)) غير سفيان، وقد أنكر
عليه فتركه . وروى عن ابن سيرين عن ابن عباس ، مرسلاً موقوفاً على طريق التوهم ،
وليس بثابت . وروى من أوجه ضعيفة ، لا تَسْوَى ذكرها
عنه نصف صاع على سبيل البدل على مارواه معاوية ، فإنه لا يجزىء ، لما فيه من الربا، لأن
حقيقته بيع صاع قمح بنصف صاع منه ، ولكنه إذا أخرج نصف صاع منه جزى عن نصف
الحق ، وعليه أن يخرج النصف الآخر .
وفى الحديث دليل على أن إخراج القيمة لايجوز، وذلك لأنه ذكر أشياء مختلفة القيم
فدل أن المراد بها الأعيان لاقيمتها .
وفيه دليل على أنه لا يجوز إخراج الدقيق والسويق ونحوها ، لأن هذه الحبوب كلها
أموال كاملة المنفعة ، لم يذهب من منافعها شىء ، وهذا المعنى غير موجود فى الدقيق
والسويق ونحوها .

- ٢٢٠ -
باب من روى نصف صاع من قمح [٣٠:٢]
١٥٥٢ - عن عبد الله بن ثعلبة، أو ثعلبة بن عبد الله بن أبى صُعَير عن أبيه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : «صاع من بُّ أو قمح، على كل اثنين ، صغير أو كبير، حر
أو عبد ، ذكرأوأنثى، أماغنيكم فيزكيه الله تعالى، وأما فقيركم، فيردُّ الله تعالى عليه أكثر
مما أعطى ».
وفى رواية « غنى أو فقير )) .
فى إستاده النعمان بن راشد ، ولا يحتج بحديثه .
١٥٥٣ - وفي رواية: عن ثعلبة بن عبد الله - أو قال: عبد الله بن ثعلبة - عن النبى صلى الله
عليه وسلم .
١٥٥٤ - وعن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير عن أبيه قال: ((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم
١٥٥٢ - قلت : فى هذا حجة لمذهب من أجاز نصف الصاع من البر .
وفيه دليل على أنها واجبة على الطفل ، كوجوبها على البالغ .
وفيه بيان أنها تلزم الفقير إذا وجد ما يؤديه، ألا تراه يقول: (( وأما فقيركم فيرد الله
عليه أكثر مما أعطى)»؟ فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه، مع إجازته له أن يأخذ
صدقة غيره .
وفى قوله ((ذكر أو أنثى)) دليل لمن أسقط صدقة الزوجة عن الزوج، لأنه فى الظاهر
إيجاب على المرأة ، فلا يزول الفرض عنها إلا بدليل ، وهو مذهب أصحاب الرأى ، وسفيان
الثورى .
وقال مالك والشافعى وأحمد بن حنبل ، وإسحق بن راهويه: يخرج الزوج عن زوجته
لأنه يمونها ، وقد يروى فيه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
1
عمن مونون)).
قلت: إن صح قوله ((عمن تمونون))، وإلا فلا يلزمه ذلك عن زوجته ، ولو كان لها
عبيد كان عليها إخراج الصدقة عنهم ، فَلأن يلزمها إخراجها عن نفسها أولى .