النص المفهرس

صفحات 161-180

- ١٦١ -
لم يروعنه غير ابنه شُتَيْربِن شَكَل. وذكر له أبو القاسم البغوى هذا الحديث ، وقال :
ولا أعلم له غيره .
١٤٩٦ - وعن أبى اليَسر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: اللهم إنى
أعوذ بك من الهُدْم ، وأعوذ بك من التّرَدّى ، وأعوذ بك من الغَرَق والحَرَق والهَرَم ،
وأعوذ بك أن يَتَخْبَطَى الشيطان عند الموت، وأعود بك أن أموت فى سبيلك مُدْبِراً ،
وأعوذ بك أن أموت لَدِيغاً ».
وفى رواية: (( والغَمِ » .
وأخرجه النسائى .
١٤٩٧ - وعن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول: (( اللهم إنى أعوذ بك من
البَرَص ، والجُنُون، والجُذَام، وَسِئء الأسقام)).
وأخرجه النسائى .
١٤٩٦٠ - قلت : استعاذته من تخبط الشيطان عند الموت ، هو أن يستولى عليه الشيطان عند
مفارقته الدنيا، فيضله ويحول بينه وبين التوبة، أو يعوقه عن إصلاح شأنه، والخروج من
مظلمة تكون قبله، أو يُؤيسه من رحمة الله، أو يتكره الموت ، ويتأسف على حياة الدنيا،
فلا يرضى بما قضاه الله من الغناء والنُّقلة إلى الدار الآخرة، فيختم له بالسوء ، ويلقى الله
وهو ساخط عليه .
وقد روى أن الشيطان لا يكون فى حال أشدَّ على ابن آدم منه فى حال الموت ، يقول
لأعوانه : دونكم هذا، فإن فاتكم اليوم لم تلحقوه .
بالله نعوذ من شره، ونسأله أن يبارك لنا فى ذلك المصرع، وأن يخّم لنا بخير.
١٤٩٧٠ - قلت: يشبه أن يكون استعاذته من هذه الأسقام لأنها عاهات تفسد الخلقة ، وتبقى
الشَّين، وبعضها يؤثر فى العقل، وليست كسار الأمراض ، التى إنما هي أعراض لا تدوم،
كالحمى والصداع، وسائر الأمراض التى لا تجرى مجرى العاهات، وإنما هي كفارات ،
وليست بعقوبات .
(١١ - مختصر الق ج ٢)

- ١٦٢ -
١٤٩٨ - وعن أبى سعيد الخدرى قال: ((دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم
المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له:(أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة، مالى أراك
جالساً فى المسجد فى غير وقت صلاة؟ قال: هُمُومٌ لَزِ مَتْنِى ودُيُونٌ ، يا رسول الله، قال:
أفلا أُعْلِمُكَ كلاماً إذا قُلْتَهِ أَذْهَبَ اللّه هَنَّكَ، وَقَضَى عنك دَيْنَكَ؟ قال : قلت: بلى،
يا رسول الله، قال: قُلْ إذا أَصْبَحْت وإذا أَمْسَيْت: اللهم إنى أعوذ بك من الهمّ
والخَزَن، وأعوذ بك من العَجْزِ والكَسَل ، وأعوذ بك من الجبن والبُخْل ، وأعوذ بك
[ من ] غَلَبَةَ الدَّين، وقَهْر الرجال، قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله هَِّى، وقضى
عنی دْنِى)) .
فى إسناده غَسَّان بن عوف ، وهو بصرى، وقد ضُعَفَ.
آخر كتاب الصلاة
[ وهو آخر المجلد الأول من عون المعبود]

- ١٦٣ -
كتاب الزكاة (١) (١:٢]
١٤٩٩ - عن أبى هريرة قال: ((لما تُوُفِّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسْتُخْلِفَ
أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبى بكر : كيف تقاتل
١٤٩٩ - قال أبو سليمان : هذا الحديث أصل كبير فى الدين، وفيه أنواع من العلم وأبواب من
الفقه، وقد تعلق الروافض وغيرهم من أهل البدع بمواضع شبه منه، ونحن نكشفها بإذن الله
ونبين معانيها ، والله المعين عليه والموفق له .
ومما يجب تقديمه فى هذا أن يُعلم أن أهل الرِّدة كانوا صنفين: صنف منهم ارتدوا عن
الدين ونابدوا الملة وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله (( وكفر من كفر من
العرب)» وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما: أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على
دعواه فى النبوة، وأصحاب الأسود العَنَسى، ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم ، وهذه
الفرقة بأسرها منكرة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مدعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر رضى
الله عنه ، حتى قتل الله مسيلمة باليمامة، والعنسى بصنعاء ، وانقضت جموعهم، وهلك أكثرهم،
والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة إلى غيرها من
جماع أمر الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه فى الجاهلية، فلم يكن يسجد لله سبحانه على
بسيط الأرض إلافى ثلاثة مساجد، مسجد مكة، ومسجد المدينة ، ومسجد عبد القيس بالبحرين
فى قرية يقال لهاجُوانا ففي ذلك يقول الأعور الثرينى يفتخر بذلك:
والمسجد الثالث الشرقى كان لنا . والمنبران، وفصل القول فى الخطب
أيامَ لامنبر فى الناس نعرفه إلا بطيبة والمحجوج ذى الحجب
وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم من الأرد محصورين بُجوَانًا إلى أن فتح الله على المسلمين
العامة ، فقال، بعضهم - وهو رجل من بني بكر بن كلاب(٢) - يستنجد أبا بكر:
ألا أَبْلغ أبا بكرٍ رسولاً وفِتْيَان المدينة أجمعينا
(١) هذا الكتاب مؤخر فى الخطابى ، وقبله كتاب الجنائز.
(٢) هو عبد الله بن حذف، كمافى تاريخ الطبرى ٢٥٦:٣

- ١٦٤ -
الناس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أُمِرْت أن أقاتل الناس حتى يقولوا
قعود فى جُوَانًا مُحْصَرِينا
فهل لكم إلى قوم کرام
دماء البُدْنِ يغشى الناظرينا
كأن دماء هم فی کل فَجٍْ
وجدنا النصر للمتوكلينا
توكلنا على الرحمن ، إنا
والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة
ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بَغْى، وإنما لم يُدعَوا بهذا الاسم فى ذلك
الزمان خصوصاً لدخولهم فى غمار أهل الردة، فأضيف الاسم فى الجملة إلى الردة، إذ كانت أعظم
الأمرين وأهمهما، وأرخ مبدأ قتال أهل البغى بأيام على بن أبى طالب، إذ كانوا متفردين فى
زمانه لم يختلطوا بأهل شرك ، وفى ذلك دليل على تصويب رأى علي رضى الله عنه فى قتال
أهل البغى، وأنه إجماع من الصحابة كلهم . وقد كان فى ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من
يسمح بالزكاة ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأى ، وقبضوا على أيديهم فى
ذلك، كبنى يَرْبوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبى بكر رضى الله
عنه ، فمنعهم مالك بننو يرة عن ذلك، وفرقها فيهم ، وقال فى شعرله :
مُصَرَّرَةٌ أخلاقُها لم تُجَرَّد
فقلت القومى: هذه صدقاتكم
وأرهنكم يوماً بما قُلْتُه يدي
سأجعل نفسی دون ما تتقونه
وقال بعض شعرائهم ممن سلك هذه الطريقة، فى منع الزكاة ، تحرِّض قومه ويأمرهم
على قتال من طالبهم بها :
فيا عجباً ، مابال ملك أبي بكر؟
أطعنا رسول الله مادام بيننا
لكالثَّر، أو أحلى لديهم من التمر
وإن الذى سالوكمُ(١) فمنعَمٌ
كراماً على العزّاء فى ساعة العسر
سنمنعهم ما دام فينا بقية
قلت : وفى أمر هؤلاء عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه ، فراجع
أبا بكر رضى الله عنه وناظره، واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل
(١) «سالوكم) بتسهيل الهمزة من ((سأل))

- ١٦٥ -
لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عَصم منی ماله ونفسه ، إلا بحقه، وحسابه على الله عز
جـ
الناس ، حتى يقولوا: لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله)). وكان هذا
من عمر رضى الله عنه تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر فى آخره ويتأمل شرائطه، فقال له
أبو بكر (( إن الزكاة حق المال)) يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء
شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يجب بأحدهما والآخر معدوم ، ثم قايسه بالصلاة ، ورد
الزكاة إليها، فكان فى ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من
رأى الصحابة، ولذلك رَدَّ المختلَفَ فيه إلى المتفَقِ عليه، فاجتمع فى هذه القضية الاحتجاج من
عمر بالعموم ، ومن أبى بكر بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس، وأن جميع
مايتضمنه الخطاب الوارد فى الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته به،
فلما استقر عند عمر رضى الله عنه صحة رأى أبى بكر رضى الله عنه ویان له صوابه تابعه على
قتال القوم ، وهو معنى قوله: ((فلما رأيت أن الله تقد شرح صدر أبى بكرعرفت أنه الحق))
يشير إلى انشراح صدره بالحجة التى أدلى بها والبرهان الذنى أقامه نصًّا ودلالة.
وقد زعم قوم من الروافض أن عمر رضى الله عنه إنما أراد بهذا القول تقليد أبى بكر
رضى الله عنه، وأنه كان يعتقد له العصمة والبراءة من الخطأ، وليس ذلك كما زعموه ، وإنما
وجهه ما أوضحته لك وبينته .
وزعم زاعمون منهم أن أبا بكر رضى الله عنه أول من سمى المسلمين كفاراً، وأن القوم
كانوا متأولين فى منع الصدقة ، وكانوا يزعمون أن الخطاب فى قوله تعالى (٩: ١٠٣ خذ من
أموالهم صدقة تُطَهِّهم وتُزَ كِّيهم بها، وصَلِّ عليهم إنَّ صَلاَتَك سَكَنٌ لهم) خطاب خاص فى
مواجهة النبى صلى الله عليه وسلم دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لاتوجدفيمن سواه وذلك أنه ليس
لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما النبى صلى الله عليه وسلم، ومثل هذه
الشبهة إذا وجد كان مما يُعْذر فيه أمثالهم ، ويرفع به السيف عنهم، فكان ماجرى من أبى
بكر عليهم عَشْفاً وسوء سيرة! وزعم بعض هؤلاء أن القوم كانوا قد اتهموه ولم يأمنوه على
أموالهم! إلى مايشبه هذا الكلام الذى لا حاصل له ولا طائل فيه !!

- ١٦٦ -
وجل؟ فقال أبو بكر: والله لأُقاتلنّ من فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال،
قلت: وهولاء قوم لاخلاق لهم فى الدين ، وإنما رأس مالهم البَهْتُ والتكذُّبُ والوقيعة
فى السلف. وقد بينا أنّ أهل الرِّدّة كانوا أصنافاً، منهم من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوّة
مسلمة وغيره ، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء الذين سماهم
الصحابةَ كفاراً، ولذلك رأى أبو بكر سَبْىَ فرارِيهِمْ، وساعده على ذلك أكثر الصحابة،
واستولد علىّ بن أبى طالب رضي الله عنه جاريةً من سبي بني حنيفة، فولدت له محمد بن على،
الذى يُدعَى ابن الحنفية ، ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتدّ لايُسْبَى
فأما ما نعو الزكاة منهم المقيمون علي أصل الدين فإنهم أهل بغى، ولم يسموا على الانفراد
عنهم كفاراً، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين فى منع بعض مامنعوه من
حقوق الدين، وذلك أن الردة اسم لغوى، وكل من انصرف عن أمر كان مقبلاً إليه قد
ارتدعنه ، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق ، فانقطع عنهم اسم
الثناء والمدح بالدين ، وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقًّا ،
ولزوم الاسم إياهم صدقاً .
فأما قوله تعالى ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) وما ادعوه من وقوع الخطاب فيه
خاصًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: خطاب
عام كقوله: (٦:٥ يا أيها الذين آمنوا إذا قم إلى الصلاة) الآية ، وكقوله :
(٢: ١٧٨ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) فى نحو ذلك من أوامر الشريعة.
وخطاب خاص للنبي صلي الله عليه وسلم لا يشركه فى ذلك غيره، وهو ما أُبین به عن غيره
بسِمَة التخصيص وقطع التشريك، كقوله تعالى (١٧: ٧٩ ومن الليل فتهجَّد به نافلة لك)
وكقوله : (٥٠:٣٣ خالصة لك من دون المؤمنين) وخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه وسلم،وهو
وجميع أمته فى المراد به سواء، كقوله تعالى: (١٧: ٧٨ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق
الليل) وقوله: (٩٨:١٦ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وكقوله: (١٠٢:٤
وإذا كنت فيهم فأقت لهم الصلاة ) فى نحو ذلك من خطاب المواجهة، فكل من دلكت

- ١٦٧ -
والله لو منعوبى عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقاتلتهم على منعه ،
له الشمس كان عليه إقامة الصلاة واجبة ، وكل من أراد قراءة القرآن كانت الاستعاذة
معتَصماً له : وكل من حضره العدوّ وخاف فوت الصلاة أقامها على الوجه الذى فعلها
رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنّها لأمته، ومن هذا النوع قوله تعالى: ( خذ من أموالهم
صدقة ) صلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذى حذوه فى أخذها منهم ، وإنما الفائدة فى
مواجهة النبى صلى الله عليه وسلم بالخطاب أنه هو الداعى إلى الله سبحانه ، والمبين عنه معنى
ما أراده ، مُقُدم اسمه فى الخطاب ليكون سلوك الأمة فى شرائع الدين على حسب ما ينهجه
ويبينه لهم ، وعلى هذا المعنى قوله: (٦٥: ١ يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن)
فافتتح الخطاب بالتنويه باسمه خصوصاً ، ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عموماً، وربما كان
الخطاب له مواجهة والمراد به غيره، كقوله: ( ١٠: ٩٤ فإن كنتَ فى شَكِّ مما أنزلنا
إليك فأسئل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ) إلى قوله: ( فلا تكونن من الممترين) ،
ولا يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم قد شك قط فى شيء مما أنزل عليه، وكقوله (٣٢: ١٤
أن اشكر لى ولوالديك)(١) وقال: (١٧: ٢٣ وبالوالدين إحساناً) وهذا خطاب لم يتوجه
عليه ولم يلزمه حكمه، لأمرين: أحدهما: أنه لم يدرك والديه ، ولا كان واجباً عليه لو أدركهما
أن يحسن إليهما ويشكرهما إحسان الآباء المسلمين وشكرهم .
وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة ، فإن الفاعل لها قد ينال
ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيها ، وكل ثواب موعود على عمل من
الطاعات كان فى زمان حياته صلى الله عليه وسلم ، فإنه باق غير منقطع بوفاته ، وقد يستحب
للامام ولعامل الصدقة أن يدعو للمتصدق بالماء والبركة فى ماله، ويرجى أن الله يستجيب
له ذلك ولا يخيب مسألته فيه .
قلت : ومن لواحق بيان ما تقدم فى الفصل الأول من ذكر وجوب إيتاء الزكاة وأدائها
إلى القائم بعد النبى صلى الله عليه وسلم: أن النبى صلى الله عليه وسلم جعل آخر كلامه عند
(١) الآية فى خطاب لقمان لابنه من وصيته إياه فى سورة لقمان، فليس فيها خطاب النبي صلى
الله عليه وسلم .

- ١٦٨ -
فقال عمر بن الخطاب: فوالله ماهو إلا أن رأيتُ الله شرح صدر أبى بكر للقتال، قال :
فعرفتُ أنه الحق)) .
وفاته قوله «الصلاة وما ملكت أيمانكم)) ليعقل أن فرض الزكاة قائم كفرض الصلاة،
وأن القائم بالصلاة هو القائم بأخذ الزكاة، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه ((والله لأقانلن
من فرق بين الصلاة والزكاة)) استدلالاً بهذا مع سائر ماعقل من أنواع الأدلة على وجوبها
والله أعلى .
فإن قيل : كيف تأولتَ أمر هذه الطائفة التى منعت الزكاة على الوجه الذى ذهبت
إليه ، وجعلتهم أهل بغى ؟ أرأيت إن أنكرت طائفة من أهل المسلمين فى زماننا فرض
الزكاة ، وامتنعوا من أدائها إلى الإمام ، هل يكون حكمهم حكم أهل البغي ؟ قيل : لا ، فإن
من أنكرهرض الزكاة فى هذا الزمان كان كافراً بإجماع المسلمين ، والفرق بين هؤلاء وبين
أولئك القوم: أنهم إنما غُذروا فيما كان منهم، حتى صار قتال المسلمين إياهم على استخراج الحق
منهم، دون القصد إلى دملهم ، لأسباب وأمور لا يحدث مثلها فى هذا الزمان ، منها: قرب العهد
بزمان الشريعة التى كان يقع فيها تبديل الأحكام ، ومنها : وقوع الفترة بموت النبى صلى الله
عليه وسم، وكان القوم جهالاً بأمور الدين ، وكان عهدهم حديثاً بالإسلام ، فتداخلتهم
الشبهة، حذروا كما عذر بعض من تَأوَّلَ من الصحابة فى استباحة شرب الخمر قوله تعالى :
(٥: ٩٣ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طَعِمُوا) فقالوا: نحن شربها ونؤمن
بالله ونعمل الصالحات ونتقى ونصلح . فأما اليوم فقد شاع دين الإسلام ، واستفاض علم وجوب
الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام ، واشترك فيه العالم والجاهل ، فلا يعذر أحد بتأويل
يتأوله فى إنكارها . وكذلك الأمر فى كل من أنكر شيئاً مما أجمعت عليه الأمة من
أمور الدين، إذا كان علمه منتشراً، كالصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ، والاغتسال
من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم، فى نحوها من الأحكام ، إلا أن
يكون رجل حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده ، فإذا أنكر شيئاً منه جهلاً به لم
يكفّر، وكان سبياه سبيل أولئك القوم فى نبقية اسم الدين عليه. فأما ما كان الإجماع فيه
معلوماً من طريق على الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، وأن قاتل العمد

- ١٦٩ -
١٥٠٠ - وفى رواية: «لو منعونى عناقاً)) .
لا يرث، وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام ، فإن من أنكرها لا يكفّر،
بل يعذر فيها ، لعدم استفاضة علمها فى العامة، وتَفَرُّد الخاصة بها .
قلت : وإنما عرض الوهم فى تأويل هذا الحديث من رواية أبى هريرة ، ووقعت الشيهة
فيه لمن تأوله على الوجه الذى حكيناه عنهم ، لكثرة ما دخله من الحذف والاختصار ،
وذلك لأن القصد لم يكن به سياق الحديث على وجهه، وذكر القصة فى كيفية الردة منهم،
وإنما قصد به حكاية منجرى بين أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، وما تنازعاه من الحجاج فى
استباحة قتالهم ، ويشبه أن يكون أبو هريرة إنما لم يُعْنَ بذكر القصة وسوقها على وجهها
كلها، اعتماداً على معرفة المخاطبين بها، إذ كانوا قد علموا وجه الأمر ، وكيفية القصة فى
ذلك ، فلم يضر ترك إشباع البيان مع حصول العلم عندهم به، والله أعلم.
ويبين لك أن حديث أبى هريرة مختصر غير مستقصّى: أن عبد الله بن عمر وأنس بن
مالك قد روياه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بزيادة شروط ومعان لم يذكرها أبو هريرة.
فأما حديث أنس فقد رواه أبوداود فى كتاب الجهاد من السنن، قال : حدثنا سعيد بن
يعقوب الطالقانی حدثنا عبد الله بن المبارك عن حميد عن أنس قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
عبده ورسوله ، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا ، فإذا فعلوا
ذلك حَرُمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها ، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)).
حدثناه ابن داسة عنه .
وأما حديث ابن عمر ففيه زيادة شرط الزكاة ، وهذ رواه محمد بن إسمعيل البخارى فى
الجامع الصحيح، قال: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا حَرَمى بن عمارة حدثنا شعبة عن واقد
بن محمد قال : سمعت أبى يحدث عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
((أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا
الصلاة، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا منى دمائهم وأموالهم إلا محق الإسلام،
وحسابهم على الله »، حدثنيه خَلَفَ بن محمد حدثنا إبرهيم بن مَعْقِل عنه .

- ١٧٠ -
١٥٠١ - وفى رواية: قال أبو بكر: ((إنَّ حقه أداء الزكاة)).
قلت : وفى هذا الحديث حجة لمن ذهب إلى أن الكفار مخاطبون بالصلاة والزكاة
وسائر العبادات، وذلك لإبهم إذا كانوا مقاتلين على الصلاة والزكاة ، فقد عُقِل أنهم
مخاطبون بهما .
وأما معنى الحديث وما فيه من الفقه: فمعلوم أن المراد بقوله «حتى يقولوا لا إله إلا الله»
إنماهم أهل الأوثان ، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ثم إنهم يقا تكون
ولا يرفع عنهم السيف.
وقوله ((حسابهم على الله)) معناه فيما يستسرون به دون ما يخلون به من الأحكام
الواجبة عليهم فى الظاهر .
وفيه دليل أن الكافر المُنْتَسِرَّ بكفره لا يتعرض له ، إذا كان ظاهره الإسلام ،
وتقبل توبته إذا أظهر الإنابة من كفر على بإقراره أنه كان يستسر به . وهو قول أكثر
العلماء.
وذهب مالك بن أنس إلى أن توبة الزنديق لاتقبل . ويحكى ذلك أيضاً عن أحمد بن حنبل
وفى قوله (( لو منعوبى عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)» دليل
على وجوب الصدقة فى السِّخال والفُصلان والعجاجيل ، وأن واحدة منها تجزىء عن الواجب
فى الأربعين منها، إذا كانت كلها صغاراً، ولا يكلف صاحبها مُسِنَّةً.
وفيه دليل على أن حول النّتاج حول الأمهات، ولو كان يستأنف بها الحول لم يوجد
السبيل إلى أخذ العناق .
وقد اختلف الناس فيما يجب فى السِّخال: فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: لاشىء فيها ،
وقد اختلف فيها عن أبى حنيفة ، وهذا أظهر أ قاويله . وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل وحكى
ذلك عن سفيان الثورى، وقد روى عن سفيان أيضاً أنه قال: يأخذ المصدق مسنة ثم يردا
على رب المال فضل ما بين المسسنة والصغيرة التى فى ماشيته . وقال مالك : فيها مسنة ،

- ١٧١ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى.
وقال الشافعى: يؤخذ من أربعين سَخْلة واحدة منها، وهو قول الأوزاعى وأبي يوسف
وإسحق بن راهويه .
وأما العقال فقد اختلفوا فى تفسيره، فقال أبو عبيد القاسم بن سَلاَّم: العقال صدقة عام .
وقال غيره: العقال الحبل الذى يعقل به البعير، وهو مأخوذ مع الفريضة ، لأن على صاحبها
· التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها .
وقال ابن عائشة: كان من عادة المصدق إذا أخذ الصدقة أن يَعْمد إلى قَرَن، وهو الحبل
فيقرن به بين بعيرين ، أى يشده فى أعناقهما لئلا تشرد الإبل ، فتسمى عند ذلك القرائن،
وكل قريتين منها عقال .
وقال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي : إذا أخذ المصدق أعيان الإبل قيل: أخذ
عقلاً ، وإذا أخذ أتمانها قيل : أخذ نقدا، وأنشد لبعضهم :
أنانا أبو الخطاب يضرب طبله فَرُدَ، ولم يأخذ عقالاً ولا نقدًا
ونأول بعض أهل العلم قوله ((لو منعونى عقالاً)) على معنى وجوب الزكاة فيه إذا كان من
عروض التجارة فبلغ مع غيره منها قيمة نصاب .
وفيه دليل على وجوب الزكاة فى عروض التجارة، وقد زعم داود أن لا زكاة فى شىء
من أموال التجارات .
وفى الحديث دليل على أن الواحد من الصحابة إذا خالف سائر الصحابة لم يكن شاذًّا،
.وأن خلافه يعد خلافاً .
وفيه دليل على أن الخلاف إذا حدث فى عصر، فلم ينقرض المصر حتى زال الخلاف
.وصار إجماعا: أن الذى مضى من الخلاف ساقط كأن لم يكن .
وفيه دليل على أن الردة لا تُسْقِط عن المرتد الزكاة الواجبة فى أمواله.

- ١٧٢ -
باب ما تجب فيه الزكاة [٣:٢]
١٥٠٢ - عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليس فيما دون
١٥٠٢ - قلت: هذا الحديث أصل فى بيان مقادير ما يحتمل من الأموال المواساة وإيجاب
الصدقة فيها ، وإسقاطها عن القليل الذى لا يحتملها ، لئلا يجحف بأرباب الأموال ، ولا
يبخس الفقراء حقوقهم ، وجعلت هذه المقادير أصولاً وأنصبة ، إذا بلغتها هذه الأموال
وجب فيها الحق. و((الذود)) اسم لعدد من الإبل غير كثير، ويقال: إنه ما بين الثلاث إلى
العشر. ولا واحد للذّود من لفظه، وإنما يقال للواحد منها: بعير، كما قيل للواحدة من
النساء: امرأة، والعرب تقول: الذود إلى الذود إبل. وأما الوَسْق فهو ستون صاعاً، قال
الشاعر ، يصف مطيته ، وهو أبو وَجْزة:
ما حملت مثلها أنتى ولا ذكر
راحت بستین وسقاً فى حقيبتها
وهذا لم يرد أنها حملت هذه الأوساق بأعيانها، فإن شيئاً من المطايا لا يحمل هذا القدر،
وإنما مدح بعض الملوك، فأجازه بستين وسقاً إلى عامله، وصك له بها ، فحمل الكتاب فى
حقيبته . فهذا تفسير الوسق .
وأما الكُرُّ: فهو اثنا عشر وسقاً، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف ،
والصاغ خمسة أرطال وثلث، فهذا صاع النبى صلى الله عليه وسلم المشهور عند أهل الحجاز ،
والصاع في مذهب أهل العراق ، ثمانية أرطال .
والأواقى: جمع أوقية، وهى أربعون درهماً، يقال: أوقية وأواقى، مشددة الياء ، وقد
تخفف الياء أيضاً، فيقال: أواق ، كما يقال: أُضحية وأضاحى وأضاح، ولا يقال: آواق،
كما ترويه العامة ممدودة الألف، لأنها جمع أوق .
وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن الصدقة لا تجب فى شىء من الخضراوات، لأنه
زعم أنها لا تُوسَّق، ودليل الخبر أن الزكاة إنما تجب فيما يوسق ويكال من الحبوب والثمار،
دون مالا يكال من الفواكه والخضر ونحوها ، وعليه عامة أهل العلم، إلا أن أباحنيفة رأى
الصدقة فيها وفى كل ما أخرجته الأرض ، إلا أنه استثنى الطَّرْفاء والقصب الفارسى »
والحشيش وما فى معناه .

- ١٧٣ -
خمس ذَوْ دٍصدقة، وليس فيما دون خمسٍ أُوَاقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أُوْسُق صدقة ».
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
وفيه بيان أن النوع الذى فيه الصدقة من الحبوب والثمار ، لا يجب فيها شىء، حتى
يبلغ خمسة أوسق .
وفى قوله ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)) بيان أن مائتى درهم إذا نقصت شيئاً.
فى الوزن ، وإن قلّ ، أو كانت تجوز جواز مائتى درهم ، أو كانت ناقصة تساوى عشرين
دیناراً، أنه لا شىء فيها .
وفيه دليل على أن الزكاة لا تجب فى الفضة بقيمتها ، لكن بوزبها .
وفيه مستدل لمن ذهب إلى أن نيل المعدن ، إذا كان دون خمس أواق ، لم يجب فيه
شىء ، وإليه ذهب الشافعى .
وفيه دليل على أن مازاد على المائتين فإن الزكاة تجب فيه بحسابه ، لأن فى دلالة
قوله ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)) إيجاباً فى الخمس الأواقى وفيما زاد عليه ، وقليل
الزيادة وكثيرها سواء فى مقتضى الاسم . ولا خلاف فى أن فيما زاد على الخمسة الأوسق من
التمر صدقة، قَلَّت الزيادة أو كثرت ، وقد أسقط النبى صلى الله عليه وسلم الزكاة عما نقص عن
الخمسة الأوسق، كما أسقطها عما نقص عن الخمس الأواقى ، فوجب أن يكون حكم مازاد على
الخمس الأواقى من الورق حكم الزيادة على الخمسة الأوسق ، لأن مخرجهما فى اللفظ
مخرج واحد .
وقد اختلف الناس فيما زاد من الورق على مائتى درهم، فقال أكثر أهل العلم : يخرج
عما زاد على المائتى درهم بحسابه ربع العشر، قلّت الزيادة أو كثرت .
وروى ذلك عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه، وابن عمر ، وبه قال النخعى ، وسفيان
الثورى، وابن أبى ليلى ، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو قول مالك والشافعى وأحمد
بن حنبل وأبى عبيد .

- ١٧٤ -
١٥٠٣ - وعن أبى البخْتَرِی الطّائی عن أبی سعید - يرفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم -
قال: ((ليس فيما دون خمسة أوساق زكاة ، والوسْق ستون مختوماً ».
وأخرجه النسائى وابن ماجة مختصراً . وقال أبو داود: أبو البخترى لم يسمع من أبى سعيد.
١٥٠٤ - وعن حبيب المالكي قال: ((قال رجل لعمران بن حصين: ياأبا نُجَيْد: إنكم
لتُحدّثُونا بأحاديث ما تَجِدُلها أصلاً فى القرآن! فغضب عمران، وقال الرجل : أوجدتم : فى كل
أربعين درهمادرهماً، ومن كل كذا كذا شاةً شاةً، ومن كذا وكذا بعيراً كذا !! أوجد تم
هذا فى القرآن ؟! قال: لا ، قال: فَعَمَن أخذتم هذا؟ أخذتموه عنا، وأخذناه عن النبي
صلى الله عليه وسلم)). وذكر أشياء نحو هذا .
وروى عن الحسن البصرى وعطاء وطاوس والشعبى ومكحول والزهرى أنهم قالوا :
لاشىء فى الزيادة حتى تبلغ أربعين درهماً ، وبه قال أبو حنيفة .
وفيه دليل على أن الفضة لا تضم إلى الذهب ، وإنما يعتبر نصابها بنفسها .
ولم يختلفوا فى أن الغنم لا يضم إلى الإبل ولا إلى البقر، وأن التمر لا يضم إلى الزبيب .
واختلفوا فى البُرِّ والشعير، فقال أكثر العلماء: لا يضم واحد منهما إلى الآخر ، وهو
قول الثورى ، والأوزاعى ، وأصحاب الرأى، والشامی ، وأحمد بن حنبل .
وقال مالك : يضاف القمح إلى الشعير، ولا يضاف القَطَّانى إلى القمح والشعير.
واختلفوا فى الذهب والفضة، فقال مالك والأزاعى والثورى وأصحاب الرأى: يُضَم
أحد الصنفين منهما إلى الآخر. وقال الشافعى وأحمد بن حنبل: لا يضم أحدهما إلى الآخر ،
ويعتبر كل واحد منهما بنفسه، وإليه ذهب ابن أبى ليلى وأبو عبيد، ولم يختلفوا فى أن
الضأن يضم إلى المعز ، لأن اسم الغنم يلزمهما لزوماً واحداً، ولا أعلم عامتهم. واختلفوا فى
أن من كانت عنده مائة درهم ، وعنده عَرْض للتجارة يساوى مائة درهم وحال الحول.
عليهما ، أن أحدهما يضم إلى الآخر ، وتجب الزكاة فيهما .

- ١٧٥ -
باب العُروض إذا كانت للتجارة [٣:٢]
١٥٠٥ - عن سُرة بن جندب قال: ((أما بعد ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذى نُعِدُّ للبيع)».
باب الكَنْز ماهو ؟ وزكاة الخليّ [ ٤:٢]
١٥٠٦ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن امرأة أنت رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومعها ابنة لها ، وفى يد ابنتها مَسَكَتَانٍ غليظتان من ذهب ، فقال لها: أنعطين
زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يُسَوّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار ؟
قال: فَخَلَمْهُمَا، فَأَلْقَتْهُما إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وقالت: هما لله ولرسوله)).
وأخرجه الترمذى بنحوه. وقال : لا يصح فى هذا الباب عن النبى صلى الله عليه وسلم
شىء. وأخرجه النسائى مسنداً ومرسلا، وذكر أن المرسل أولى بالصواب .
١٥٠٧ - وعن أم سلمة قالت: ((كنت ألْبَس أَوْضَاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله
أُ كَنْزُ هو؟ فقال: ما بلغ أن تُودَّى زكاته فزُ كِيَ فليس بكنز)».
فى إسناده عَتَّاب بن بشير أبو الحسن الحَرّانى، وقد أخرج له البخارى ، وتكلم فيه
غیر واحد .
١٥٠٨ - وعن عبد الله بن شدَّاد بن الهاد أنه قال: ((دخلنا على عائشة زوج النبى صلى الله
١٥٠٦ - قلت: قوله ((أيسرك أن يسورك الله بهما ناراً)» إنما هو تأويل قوله عز وجل (٩: ٣٥
يوم يُحْتَى عليها فى نار جهنم مُتُكْوَى بها جِباههم وجنوبهم)
١٥٠٨ - ((الفتحات)) خواتيم كبار، كان النساء يتختمن بها، والواحدة فَتَخَّة. وأنشدنا أبو
العباس عن ابن الأعرابي: (١)
إلّ بِزَعْزاعٍ يُسَلِّى مَمِى يسقط منه فَتَخِى فى كُمِى
(١) الشعر الدهناء بنت مسحل زوج المجاج ، كمافى لسان العرب ٤: ٠٩

- ١٧٦ -
عليه وسلم، فقالت : دخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى فى يَدَىَّ فَتَخاتٍ من
وَرِقٍ ، فقال: ما هذا ياعائشة؟ فقلت: صنعتُهن أتَزَيَنَ لك يارسول الله ، قال: أتؤدين
زكاتهن؟ قلت : لا ، أو ما شاء الله، قال : هوحَسْبُك من النار)) .
ذكر البيهقى: أن بعضهم زعم أن ذلك كان حين كان التحلى بالذهب حرامًاً على النساء،
فلما أبيح ذلك لهن سقطت منه الزكاة ، قال البيهقى: وكيف يصح هذا القول مع حديث
عائشة ، إن كان ذكر الورق فيه محفوظاً؟ غير أن رواية القاسم بن محمد وابن أبى مليكة عن
عائشة فى تركها إخراج الزكاة من الحلي، مع ماثبت من مذهبها: إخراج الزكاة عن أموال
اليتامى - موقع ريباً فى هذه الرواية المرفوعة ، فهى لاتخالف النبى صلى الله عليه وسلم إلا فيما
علمته منسوخاً ، والله أعلم .
قلت : والغالب أن الفتخات لاتبلغ نصاباً تجب فيها بمفردها الزكاة، وإنما معناه أن تضم
إلى سائر ما عندها من الحلى فتؤدّى زكاتها منه .
وقد اختلف الناس فى وجوب الزكاة فى الحلى ، فروى عن عمر بن الخطاب رضى الله
عنه، وعبد اللهبن مسعود ، وعبد الله بن عمرو ، وابن عباس : أنهم أوجبوا فيه الزكاة ، وهو
قول ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء ، وابن سيرين ، وجابر بن زيد، ومجاهد ،
والزهرى ، وإليه ذهب التورى وأصحاب الرأى .
وقد روى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة ، وعن القاسم بن محمد والشعبى: أنهم لم
يروا فيه الزكاة ، وإليه ذهب مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه، وهو أظهر
قولى الشافعى .
قلت: الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومن أسقطها
ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها، والله أعلم.
وذهب بعض من لم ير الزكاة فيما يلبسه الإنسان من الخاتم ونحوه من زى الرجال : أنه
إذا اتخذ خواتيم كثيرة لا يتسع للبسها كلها أن عليه زكاتها، وإنما يسقط عنه فيما كان منها
على مجرى العادة .
-

- ١٧٧ -
باب فى زكاة السائمة [ ٢ : ٦]
١٥٠٩ - عن حماد - هو ابن سَلمة - قال: ((أخذت من ثُمامة بن عبد الله بن أنس كتاباً.
زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بعثه مُصَدِّقاً
١٥٠٩ - قوله « هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم» يحتمل وجهين
من التأويل: أحدهما: أن يكون معنى الفرض الإيجاب، وذلك أن يكون الله تعالى قد
أوجبها وأحكم فرضها فى كتابه، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ ، فأضيف الفرض
إليه بمعنى، الدعاء إليه وحمل الناس عليه، وقد فرض الله تعالى طاعته على الخلق ، فجاز
أن يسمى أمره وتبليغه عن الله عز وجل فرضاً على هذا المعنى .
وكان ابن الأعرابى يقول: معنى الفرض: السنة ههنا. وحكى أبو عمر عن أبى العباس
أحمد بن يحيى عنه قال : الفرض الواجب، والفرض القراءة، يقال: فرضت جزئى، أى
قرأته، والفرض السنة، قال: ومنه ما يروى ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض
كذا )» أى سنّه.
والوجه الآخر: أن يكون معنى الغرض ههنا بيان التقدير، كقوله سبحانه (٢ : ٢٣٦
لاجناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تَمَسُّوهن أو تَفْرِضوا لهنَّ فريضة) ومن هذا فرض نفقة
الأزواج، وفرض أرزاق الجند، ومعناه راجع إلى قوله تعالى (١٦: ٤٤ لتبين للناس
مانُزْل إليهم).
وقوله: ((فمن سئلها على وجهها)) أى على حسب ما بين رسول الله صلى الله عليه
وسلم من فرض مقاديرها ، فليعطها .
وقوله: ((ومن سئل فوقها فلا يعطه )) يتأول على وجهين :
أحدهما : أن لا يعطى الزيادة على الواجب .
(١٢ - مختصر السنن ج ٢)
۔۔

- ١٧٨ ~
وكتبه له، فإذا فيه : هذه فريضة الصدقة التى فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على
المسلمين، التى أمر الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام ، فمن سُئِلِها من المسلمين على وجهها
فليُعْطِها، ومن سُئل فوقها فلا يعطه فيما دون خمس وعشرين من الإبلٍ ، الغَمُ، فى كل
خمسٍ ذَوْدِ شاةٌ ، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض، إلى أن تبلغ خمساً
والوجه الآخر: أن لا يعطى شيئاً منها، لأن الساعى إذا طلب ، فوق الواجب كان خائناً ،
فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته .
وفى هذا دليل على أن الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما .
وفيه دليل على جواز إخراج المرء صدقة أمواله الظاهرة بنفسه دون الإمام .
وفى الحديث بيان أن لاشيء فى الأوقاص ، وهي ما بين الفريضتين .
وفيه دليل على أن الإبل إذا زادت على العشرين ومائة لم يستأنف لها الفريضة ، لأنه
علَّق تغير الفرض بوجود الزيادة، وهو قوله: ((فإذا زادت على عشرين ومائة ففى كل أربعين
ابنة لبون، وفى كل خمسين حقة)) وقد يحصل وجود الزيادة بالواحدة، كحصولها بأكثر منها .
وعلى هذا وجد الأمر فى أكثر الفرائض، فإن زيادة الواحدة بعد منتهى الوقص
توجب تغير الفريضة ، كالواحدة بعد الخامسة والثلاثين ، وبعد الخامسة والأربعين ،
وبعد كمال الستين .
وقد اختلف الناس فى هذا: فذهب الشافعى إلى أنها إذا زادت واحدة على مائة وعشرين
کان فيها ثلاث بنات لبون ، و به قال إسحق بن راهويه .
وقال أحمد بن حنبل : ليس فى الزيادة شيء ، حتى يبلغ ثلاثين، وجعلها من الأوقاص
التى تكون بين الفرائض ، وهو قول أبى عبيد، وحكي ذلك عن مالك بن أنس .
واستدل بعضهم فى ذلك بأنه لما قال ((فإذا زادت على عشرين ومائة ففى كل أربعين
ابنة لبون وفى كل خمسين حقة)) اقتضى ذلك أن يكون تغير الفرض فى عدد يجب فيه السنَّان معاً
قلت: وهذا غير لازم ، وذلك أنه إنما علق تغير الفرض بوجود الزيادة على المائة والعشرين
وجعل بعدها فى أربعين ابنة لبون ، وفى خمسين حقة، وقد وجدت الأر بعونات الثلاث فى
هذا النصاب، فلا يجوز أن يسقط الغرض ويتعطل الحكم ، وإنما اشترط وجود السنَّين فى.
محلين مختلفين ، لا فى محل واحد ، فاشتراطهم وجودهما معاً فى محل واحد غلط .

-- ١٧٩ -
وثلاثين ، فإن لم يكن فيها بنت مخاض ، فابنُ لَبُون ذكر ، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها
بنت لَبون، إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستًّا وأربعين ففيها حِقَّةً طَرُروقة الفَحْل،
إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين فيها جَذَعة ، إلى خمس وسبعين ، فاذا بلغت ستًّاً
وسبعين ففيها ابنتا لبون ، إلى تسعين ، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حِقَّتَان طَروقتا
الفحل ، إلى عشرين ومائة ، فإذا زادت على عشرين ومائة ، ففى كل أر بعین بنت لبون،
وقال إبرهيم النخعى: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففى كل خمس منها شاة،
وفى كل عشر شانان ، وفى كل خمس عشرة ثلاث شياه ، فإذا بلغت مائة وأربعين ففيها
حقتان وأربع شياه، فإذا بلغت مائة وخمساً وأربعين ففيها حقتان وابنة مخاض، حتى تبلغ
خمسين ومائة ، ففيها ثلاث حقاق، فإذا زادت استأنف الفرض كما استؤنفت الفريضة. وهو
قول أبى حنيفة، وقد روي عن علي رضى الله عنه أنه قال: ((إذا زادت الإبل على عشرين
ومائة استؤنفت الفريضة)» قال ابن المنذر: وليس بثابت عنه .
وقال محمد بن جرير الطبرى: وهو مخير، إن شاء استأنف الفريضة إذا زادت الإبل على
مائة وعشرين ، وإن شاء أخرج الفرائض ، لأن الخبرين جميعاً قد رويا .
قلت : وهذا قول لا يصح ، لأن الأمة قد فرقت بين المذهبين، واشتهر الخلاف فيه
بين العلماء، فكل من رأى استئناف الفريضة لم ير إخراج الفرائض ، ومن رأى إخراج
الفرائض لم يجز استئناف الفريضة ، فهما قولان متنافيان . على أن رواية عاصم بن ضمرة
عن على رضى الله عنه لاتقاومٍ لضعفها روايةً حديث أنس، وهو حديث صحيح ذكره البخارى
فى جامعه عن محمد بن عبد الله الأنصارى عن أبيه عن ثمامة عن أنس عن أبى بكر الصديق
رضي الله عنهما ، وفى حديث عاصم بن ضمرة كلام متروك بالإجماع، غير مأخوذ به فى قول
أحد من العلماء، وهو أنه قال: ((فى خمس وعشرين من الإبل خمس شياه ».
وروى أبو داود الحديثين معاً فى هذا الباب، وذكر أن شعبة وسفيان لم يرفعا حديث
عاصم بن ضمرة ووقفاه على علي رضي الله عنه .
وفيه من الفقه: أن كل واحدة من الشاتين والعشرين الدرهم أصل فى نفسه، ليست يبدل،
وذلك لأنه قد خيره بينهما بحرف ((أو)).

- ١٨٠ -
وفى كل خمسين حِقَّةً، فإذا تباين أسنان الإبل فى فرائض الصدقات ، فمن بلغت عنده صدقة
الجذعة وليست عنده جَذَعة، وعنده حِقة فإنها تقبل منه وأن يجعل معها شاتين إن
اسْتَيسرنا له ، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة ، وعنده
جذعة فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدّق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة
الحقة وليست عنده حقة ، وعنده ابنة لبون فإنها تقبل منه - قال أبو داود : من ههنا لم
وقد اختلف الناس فى ذلك فذهب إلى ظاهر الحديث إبرهيم النخعى والشافعى وإسحق
وقال الثورى : عشرة دراهم أو شانان، وإليه ذهب أبو عبيد .
وقال مالك : يجب على رب المال أن يبتاع للمصدق السن الذى يجب له .
وقال أصحاب الرأى: يأخذ قيمة الذى وجب عليه ، وإن شاء تقاصًا بالفضل دراهم .
قلت : وأصح هذه الأقاويل قول من ذهب إلى أن كل واحد من الشائين والعشرين
الدرهم أصل فى نفسه، وأنه ليس له أن يعدل عنهما إلى القيمة ، ولو كان للقيمة فيها مدخل
لم يكن لنقله الفريضة إلى سن فوقها وأسفل منها ، ولا لجبران النقصان فيهما بالعشرين أو
بالشاتين : معنى. والله أعلم .
وعند الشافعى أنه إذا ارتفع إلى السن الذى يلى ما فوق السن الواجب عليه ، كان فيها
أربع شیاه، أو أربعون درهماً ، وبه قال إسحق .
وقال بعض أهل الحديث : ولا يُجَاوَزُ مافى الحديث من السّنِ الواحد ، إلا أن الشافعى
قال: إذا وجبت عليه ابنة لبون، ولم يكن عنده إلا حق ، فإنه لا يأخذ الحق، كما يأخذان
اللبون عند عدم ابنة المخاض، وجعله خاصًّا فى موضعه ، ولم يجعل سبيله فى القياس سبيل
ما يؤخذ من الجبران إذا زاد أو نقص عند تباين الأسنان .
قلت : ويشبه أن يكون صلى الله عليه وسلم إنما جعل الشاتين أو العشرين الدرهم
تقديراً فى جبران النقصان والزيادة بين السنّين ، ولم يكل الأمر فى ذلك إلى اجتهاد الساعى
وإلى تقديره، لأن الساعى إنما يحضر الأموال على المياه، وليس بحضرته حاكم ولا مُقَوّم
يحمله ورب المال عند اختلافها على قيمة يرتفع بها الخلاف ، وتنقطع معها مادة النزاع ، جعلت