النص المفهرس

صفحات 201-220

- ٢٠١ -
عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار . وكذلك قال أبو أويس .
وشك فيه ابن عيينة، قال مرة : عن عبيدالله عن أبيه، أو عن عبيد الله عن ابن عباس.
اضطرب فيه وفى سماعه من الزهرى . ولم يذكر أحد منهم الضربتين إلا من سميت . وقال
غيره: حديث عمار لا بخلو، إما أن يكون عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو لا ، فإن
لم يكن عن أمره فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف هذا، ولا حجة لأحد مع
كلام النبى صلى الله عليه وسلم، والحق أحق أن يتبع. وإن كان عن أمر النبى صلى الله
عليه وسلم فهو منسوخ، وناسخه حديث عمار أيضاً . وقال الإمام الشافعى : ولا يجوز على
عمار إذا ذكر قيممهم مع النبى صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية ((إلى المناكب)) إن
كان عن أمر النبى صلى الله عليه وسلم: إلا أنه منسوخ عنده ، إذ روى أن النبى صلى الله
ووجه الاحتجاج له من صنيع عمار وأصحابه : أنهم رأوا إجراء الاسم على العموم ،
فبلغوا بالتيمم إلى الآباط ، وقام دليل الإجماع فى إسقاط ما وراء المرفقين فسقط ، وبقى
مادونهما على الأصل ، لاقتضاء الاسم إياه .
ويؤيد هذا المذهب أن التيم بدل من الطهارة بالماه ، والبدل يسد مَسَدَّ الأصل
ويحل محله، وإدخال المرفقين فى الطهارة بالماء واجب ، فليكن التيمم بالتراب كذلك.(١)
وقد يقول من يخالف فى هذا : لو كان حكم التيعم حكم الطهارة بالماء لكان التيمم على
أربعة أعضاء .
فيقال له: إن العضوين المحذوفين لاعبرة بها، لأنها إذا سقطا سقطت المقايسة
عليها . فأما العضوان الباقيان فالواجب أن يراعى فيها حكم الأصول، ويستشهد لها
بالقياس، ويستوفى شرطه فى أمرهما، كركمتى السفر، قد اعتبر فيها حكم الأصل، وإن كان.
الشطر الآخر ساقطاً . وذهب هؤلاء إلى حديث ابن عمر .
(١) هذا قياس فى مقابلة النص، على أن ((اليد)) فى اللغة باطلاق هى الكف، ولذلك
أطلقها الله فى القطع فى السرقة، وقيد غسلها فى الوضوء إلى المرفقين. وإصح الأحاديث فى التيمم
حديث عمار بن ياسر : أن التيمم ضربة واحدة الوجه والكفين، كما قال الامام أحمد وغيره من الأيمة.

- ٢٠٢ -
عليه وسلم أمر بالتيمم على الوجه والكفين ، أو يكون لم يرو عنه إلا قيماً واحداً ،
فاختلفت روايته عنه، فتكون رواية ابن الصمة التى لم تختلف أثبت . وإذا لم تختلف
فأولى أن يؤخذ بها ، لأنها أوفق لكتاب الله من الروايتين اللتين رويتا مختلفتين ، أو
يكون إنما سمعوا آية التيمم عند حضور صلاة ، فتيمموا فاحتاطوا ،. وأتوا على غاية ما يقع
عليه اسم اليد، لأن ذلك لا يضرهم ، كما لا يضرم لو فعلوه فى الوضوء، فلما صاروا إلى
مسألة النبى صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنهم يجزيهم من التيم أقل مما فعلوا . وهذا أولى
المعانى عندى برواية ابن شهاب من حديث عمار، بما وصفت من الدلائل . وقال الخطابى:
لم يختلف أحد من أهل العلم فى أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب ما وراء المرفقين .
وفيما قاله نظر . فقد ذكر ابن المنذر والطحاوى وغيرهما عن الزهرى : أنه كان يرى التيمم
إلى الآباط .
وقد أخرج البخارى ومسلم والنسائى حديث عائشة فى انقطاع العقد ، وليس فيه
كيفية التيم .
٣٠٣ - وعن شقيق قال: «كنت جالساً بين عبد الله وأبى موسى ، فقال أبو موسى:
يا أبا عبد الرحمن، أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً، أما كان يقيمم؟ قال:
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين ، وهو قول
عطاء بن أبي رباح، ومكحول ، وبه قال الأوزاعى، وأحمد بن حنبل، وإسحق وعامة
أصحاب الحديث .
قلت : وهذا المذهب أصح فى الرواية. والمذهب الأول أشبه بالأصول، وأصح
فى القياس .
واختلفوا فى نفض الكفين، أو النفخ فيها : فقال مالك : ينفضهما نفضاً خفيفاً.
وقال أصحاب الرأى: ينفضهما. وقال الشافعى: إذا علقت الكفان غباراً كثيراً نفض .
وقال أحمد بن حنبل : لا يضرك نفضت أو لم تنفض .
٣٠٣ - قلت: فى دلالة هذا الحديث أن مذهب عمر فى تأويل آية الملامسة : أن المراد بها

- ٢٠٣ -
لا ، وإن لم يجد الماء شهراً، فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية التى فى سورة
المائدة (٦:٥ فإ تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً)؟ فقال عبد الله: لو رُخص لهم فى
هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد! فقال له أبو موسى: وإنما كرهتم
هذا لهذا ؟ قال: نعم، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثنى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى حاجة ، فأجنبت فلم أجد الماء ، فتمرغت فى الصعيد كما تتمرغ الدابة،
ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع
هكذا ، وضرب بيده على الأرض ، فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه، و بيمينه على
شماله على الكفين ، ثم مسح وجهه؟ فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟!)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
٣٠٤ - وعن عبد الرحمن بن أبْزَى قال: « كنت عند عمر ، فجاءه رجل، فقال : إنا
نكون بالمكان الشهرَ أو الشهرين؟ قال عمر: أما أنا فلم أكن أصلى حتى أجد الماء ، قال:
فقال عمار: يا أمير المؤمنين ، أما تذكر إذا كنتُ أنا وأنت فى الإبل فأصابتنا جنابة ،
فأما أنا فتمعّكت، فأتينا النبى صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ؟ فقال : إنما كان.
يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما، ثم مس بهما وجهه
ويديه إلى نصف الذراع؟ فقال عمر: ياعمار، اتق الله ! فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئتَ
والله لم أذكره أبداً ؟! فقال عمر: كلا، [ والله] لنولينك من ذلك ما قوليتَ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى النسائى وابن ماجة ، مختصراً ومطولاً .
٣٠٥ - وفى رواية: «ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى
قصف الساعد ، ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة)).
٣٠٦٠ - وفى رواية: شك سلمة - يعنى ابن كُتهيل - فقال: لا أدرى فيه ((إلى المزفقين))
يعنى أو (( إلى الكفين». وقال شعبة: كان سلمة يقول: ((الكفين والوجه والذراعين»
غير الجماع، وأن اللمس باليد ونحوه ينقض الطهارة. وكذلك مذهب ابن مسعود . ولولا
أنه كذلك عندهما لم يكن لهما عذر فى ترك التيم مع ورود النص فيه .

- ٢٠٤ -
فقال له منصور ذات يوم : انظر ما تقول ؟ فإنه لا يذكر الذراعين غيرك .
٣٠٧ - وفى رواية ((إلا أنه لم ينفخ)).
٣٠٨ - وعن عمار بن ياسر قال: ((سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التيعم؟ فأمرنى به
واحدة الوجه والكفين)) .
٣٠٩ - وفى رواية قال: ((إلى المرفقين)).
فى إسناد هذه الرواية : رجل مجهول .
باب التيمم فى الحضر [١: ١٢٩]
٣١٠ - وعن عمير - مولى ابن عباس - أنه سمعه يقول: «أقبلت أنا وعبد الله بن يسار
مولى ميمونة زوج النبى صلى الله عليه وسلم ، حتى دخلنا على أبى الجهيم بن الحرث بن
الصِّعَّة الأنصارى ، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جَمَلٍ ،
فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه السلام حتى أتى على
جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام)).
وأخرجه البخارى والنسائى. وأخرجه مسلم منقطعاً. وهو أحد الأحاديث المنقطعة
فى صحيحه .
٣١١ - وعن محمد بن ثابت العبدى قال: حدثنا نافع قال: ((انطلقت مع ابن عمر فى
حاجة إلى ابن عباس ، فقضى ابن عمر حاجته ، وكان من حديثه يومئذ أن قال : منَّ رجل
وذكر أبو داود فى هذا الباب حديث ابن أبزى [٣٠٨] من طريق قنادة . وهو
أصح الأحاديث وأوضحها .
فالمعول فى هذا إنما هو على تعليم النبى صلى الله عليه وسلم إياهم ، لا على فعلهم الأول
واجتهادهم، من حيث سبق إلى أوهامهم فى وجوب استيعاب اليه كلها .
وحديث ابن عمر [٣١١] لا يصح. لأن محمد بن ثابت العبدى ضعيف جداً ،
لا يحتج بحديثه .

٠٠ ٢٠٥ --
على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سكة من السكك، وقد خرج من غائط. أو بول،
فسلم عليه ، فلم يرد عليه ، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى فى السكة فضرب بيديه على
الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثمرد على الرجل السلام،
وقال: إنه لم يمنعنى أن أرد عليك السلام إلا أنى لم أكن على طهر)).
قد أنكر محمد بن إسماعيل البخارى على محمد بن ثابت رفع هذا الحديث . قال
البيهقى : ورفعه غير منكر . وقال الخطابى: وحديث ابن عمر لا يصح ، لأن محمد بن
ثابت العبدى ضعيف جداً ، لا يحتج بحديثه .
٣١٢ - وعن ابن عمر قال: ((أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط، فلقيه
رجل عند بئر جمل ، فسلم عليه . فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل
على الحائط ، فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه ، ثم رد رسول الله صلى الله
عليه وسلم على الرجل السلام )).
مرسل .
باب الجنب يقيم [١: ١٢٩]
٣١٣ - عن عمرو بن بجدان عن أبى ذَرّ رضى الله عنه قال: ((اجتمعتْ غنيمة عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا ذر، أُبْدُ فيها ، فبدوت إلى الرَّبَذَة ، فكانت
تصيبنى الجنابة ، فأمكث الخمس والست ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال :
٣١٣ - قلت: يحتج من هذا الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الصعيد الطيب وضوء
المسلم ولو إلى عشر سنين)) من يرى أن المتعم أن يجمع بتيممه بين صلوات كثيرة. وهو
مذهب أصحاب أبى حنيفة. ويحتجون أيضاً بقوله: ((فإذا وجدت الماء فأمسه جارك))
٣١٣ - قال ابن القيم رحمه الله: وصححه الدار قطنى. وفى مسند البزار عن أبى هريرة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر
سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته، فان ذلك خير)). وذكره ابن القطان فى
باب أحاديث ذكر أن أسانيدها صحاح .

- ٢٠٦ -
أبو ذر ؟ فسكتّ ، فقال: ثكلتك أمك أبا ذر، لأمّك الويل ! فدعالى بجارية سوداء ،
فجاءت بُسّ فيه ماء ، فسترتنى بثوب واستقرت بالراحلة، واغتسلت، فكأنى ألقيت
عنّى جَبلاً، فقال: الصعيد الطيب وَضوء المسلم، ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدتَ الماء
فأمِسَّه جلدك ، فإن ذلك خير » .
وفى رواية: (( غنيمة من الصدقة )) .
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. و((بجدان)).
يضم الباء الموحدة وسكون الجيم ، وبعد الألف نون .
٢١٤ - وعن رجل من بنى عامر قال: ((دخلت فى الإسلام، فأهمَّنِي دينى، فأتيت
أبا ذر، فقال أبو ذر: إني اجتويت المدينة، فأمر لى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذَوْدٍ
وبغنم، فقال لى: اشربْ من ألبانها - قال حماد: وأشك فى أبوالها - فقال أبو ذر:
فكنت أعزب عن الماء، ومعى أهلى، فتصيبنى الجنابة ، فأصلى بغير طهور ، فأتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف النهار، وهو فى رَهط من أصحابه، وهو فى ظل المسجد،
فقال: أو ذر؟ فقلت: نعم، هلكتُ يا رسول الله ! قال: وما أُهلكك؟ قلت: إنى
كنت أعزُب عن الماء ومعى أهلى ، فتصيبنى الجنابة، فأصلى بغير طهور؟ فأمر لى رسول الله
فى إيجاب انتقاض طهارة المنيعم بوجود الماء، على عموم الأحوال، سواء كان فى صلاة
أو غيرها .
ويحتج به من يرى إذا وجد من الماء ما لا يكفى لكال الطهارة أن يستعمله فى بعض.
أعضائه، ويقيم للباقى . وكذلك فيمن كان على بعض أعضائه جرح، فإنه يغسل ما لا ضرر
عليه فى غسله، ويتسم الباقى منه. وهو قول الشافعى. ويحتج به أصحابه أيضاً فى أن لا يتيم
فى مصر لصلاة فرض ولا جنازة ولا عيد، لأنه واجد الماء ، فعليه أن يمسه جلده.
ومعنى قوله (( ولو إلى عشر سنين)) أى إن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن
بلغت مدة عدم الماء واتصلت إلى عشر سنين . وليس معناه أن التيمم دفعة واحدة
يكفيه لعشر سنين .

- ٢٠٧ -
صلى الله عليه وسلم بماء ، فجاءت به جارية سوداء بُسّ يتخضخض، ما هو يملآن،
فتسترت إلى بعير ، فاغتسلت ، ثم جئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يا أبا ذر، إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين ، فإذا وجدت
الماء فأمسه جلدك» .
قال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب، لم يذكر ((أبوالها»، هذا ليس يصح،
وليس فى أبوالها إلا حديث أنس ، تفرد به أهل البصرة . هذا آخر كلامه.
وهذا الرجل الذى من بنى عامر : هو عمروبن بجدان المتقدم فى الحديث قبله ، سماه
خالد الحذاء عن أبى قلابة ، وسماه سفيان الثورى عن أيوب.
٠
باب إذا خاف الجنب البرد أيتيم ؟ [١٣٢:١]
٣١٥ - عن عمرو بن العاص قال: ((احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات السلاسل.
فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت ، ثم صلیت بأصحابى الصبح ، فذ كروا ذلك للبی
صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ فأخبرته بالذى
منعنى من الاغتسال، وقلت: إنى سمعت الله يقول (٤ : ٢٩ ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله
كان بكم رحيماً) فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يقل شيئاً ».
٣١٥ - قلت: فيه من الفقه أنه جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء ، وجعله
بمنزلة من خاف العطش ومعه ماء ، فأبقاه لشفته ، وتيمم خوف التلف .
وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة : فشدد فيه عطاء بن أبى رباح، وقال : يغتسل
وإن مات، واحتج بقوله (٥: ٦ وإن كنتم جنباً فاطهروا). وقال الحسن نحواً من قول
عطاء . وقال مالك وسفيان: يقيمم، وهو بمنزلة المريض. وأجازه أبو حنيفة فى الحضر،
وقال صاحباه : لا يجزيه فى الحضر. وقال الشافعى : إذا خاف على نفسه من شدة البرد
تيم وصلى، وأعاد كل صلاة صلاها كذلك ، ورأى أنه من العذر النادر، وإنما جاءت
الرخص التامة فى الأعذار العامة .

٢٠٨ -
٣١٦ - وفى رواية: ((أن عمرو بن العاص كان على سرية - وفيه قال؛ فغسل مغابنه
وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم. ولم يذكر التيعم)).
باب المجدور يقيم [١٣٢:١]
٣١٧ - عن جابر - وهو ابن عبد الله - رضى الله عنهما قال: ((خرجنا فى سفر فأصاب
رجلاً معنا حجر، فشجَّه فى رأسه ، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال : هل تجدون لی رخصة
فى التيمم ؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات، فلما قدمنا
على النبى صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألاّ سألوا، إذْ لم
يعلموا؟ فإنما شفاء العِىّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيم ويعصر، أو يعصب - شك
موسى - على جُرحه خرقة ، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)).
٣١٧ - قلت: فى هذا الحديث من العلم أنه عابهم بالفتوى بغير علم ، وألحق بهم الوعيد
بأن دعا عليهم، وجعلهم فى الإثم قَتَلةً له .
وفيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء ، ولم يرأحد الأمرين
كافياً دون الآخر .
٣١٧ - قال ابن القيم رحمه الله: قال أبو على بن السكن: لم يسند الزبير بن خريق غير حدثين،
أحدهما هذا، والآخر عن أبى أمامة الباهلى ، وقال لى أبو بكر بن أبى داود : حديث
الزبير بن خريق أصح من حديث الأوزاعى ، وهذا أمثل ما روى فى المسح على الجبيرة .
وحديث الأوزاعى الذى أشار إليه أبو بكر بن أبى داود : حديث ابن أبى العشرين عنه
عن عطاء بن أبى رباح قال: سمعت ابن عباس يخبر (( أن رجلا أصابه جرح فى رأسه على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أصابه الاحتلام، فأمر بالاغتسال: فاغتسل
فكز فمات ، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: قتلوه، قتلهم الله، أو لم يكن شفاء
العي السؤال؟)) قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لوغسل جسده
وترك رأسه حيث أصابه الجرح؟)) رواه ابن ماجة عن هشام بن عمار عنه. قال البيهقى :
وأصح ما فى هذا حديث عطاء بن أبى رباح ، يعنى حديث الأوزاعى هذا. وأما حديث

- ٢٠٩ -
٣١٨ - وعن عبد الله بن عباس قال: «أصاب رجلاً جُرح فى عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ثم احتلم، فامر بالاغتسال، فاغتسل ، فمات ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: قتلوه، قتلهم الله، ألم يكن شفاء العِى السؤالُ؟!)).
أُخرجه منقطعاً. وأخرجه ابن ماجة موصولاً . وفى طريق ابن ماجة عبد الحميد بن
حبيب بن أبى العشرين الدمشقى ، ثم البيرونى ، كاتب الأوزاعى ، وقد استشهد به
البخارى، وتكلم فيه غير واحد . وقال ابن عدى : يُغرب عن الأوزاعى بغير حديث .
لا برويه غيره ، وهو ممن يكتب حديثه .
باب المتيمم يجد الماء بعد ما يصلى فى الوقت [١٠٣:١]
٣١٩ - عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال: ((خرج رجلان فى سفر، فحضرت
وقال أصحاب الرأى: إن كان أقل أعضائه مجروحاً جمع بين الماء والتيمم ، وإن كان
الأكثر كفاه التيمم وحده .. وعلى قول الشافعى: لا يجزيه فى الصحيح من بدنه - قَلَّ أو
كترب إلا الغسل.
٣١٩ - قال أبو داود: ذِكُرُ أبى سعيد الخدرى فى هذا الحديث ليس بمحفوظ ، إنما هو
عن عطاء بن يسار ..
على: «انكسرت إحدى زنديه فأمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يمسح على الجبائر)) فهو من
رواية عمرو بن خالد ، وهو متروك ، رماه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بالكذب ، وذكر
ابن عدى عن وكيع قال : كان عمرو بن خالد فى جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له تحول
إلى واست. وقد سرقه عمر بن موسى بن وجيه (١) فرواه عن زينب بنت على ، مثله ، وعمر
هذا متروك منسوب إلى الوضع ، وروى بإسناد آخر لا يثبت. قك البيهقى: وصح عن ابن عمر
المسح على العصابة موقوفاً عليه، وهو قول جماعة من التابعين .
٠
[١] عمر بن موسى بن وجيه الميثمى قال البخارى: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة،
وقال ابن عدى : هو ممن يضع الحديث متناً وإسناداً .
[١٤ - مختصر السنن ج ١ ]

- ٢١٠ -
الصلاة، وليس معهما ماء، فتيما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء فى الوقت ، فأعاد
أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرا
ذلك له؟ فقال الذى لم يعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك ، وقال الذى توضأ وأعاد:
لك الأجر مرتين ،
وذكره عن عطاء بن يسار عن النبى صلى الله عليه وسلم. وقال: وذكر أبى سعيد فى
هذا الحديث ليس بمحفوظ، هو مرسل . وأخرجه النسائى مسنداً ومرسلاً .
باب فى الغسل للجمعة [١: ١٣٤]
٣٢٠ - عن أبى هريرة: ((أن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب يوم الجمعة، إذ دخل رجل ،
فقال عمر : أتحتبسون عن الصلاة ؟ فقال الرجل: ما هو إلا أن سمعت النداء ، فتوضأت ،
قلت : فى هذا الحديث من الفقه أن السنة تعجيل الصلاة للمتيمم فى أول وقتها ،
كهو للمتطهر بالماء .
وقد اختلف الناس فى هذه المسألة . فروى عن ابن عمر ، أنه قال : يتلوَّم ما بينه
وبين آخر الوقت . وبه قال عطاء وأبو حنيفة وسفيان. وهو قول أحمد بن حنبل. وإلى
نحو من ذلك ذهب مالك، إلا أنه قال: إن كان فى موضع لا يرجى فيه وجود الماء تيمم
وصلى فى أول وقت الصلاة . وعن الزهرى : لا يتيم حتى يخاف ذهاب الوقت .
واختلفوا فى الرجل يقيم فيصلى، ثم يجد الماء قبل خروج الوقت . فقال عطاء، وطاوس
وابن سيرين ، ومكحول ، والزهرى: يعيد الصلاة، واستحبه الأوزاعى، ولم يوجبه. وقالت
طائفة : لا إعادة عليه ، روى ذلك عن ابن عمر. وبه قال الشعبى . وهو مذهب مالك.
وسفيان ، وأصحاب الرأى ، والشافعى ، وأحمد وإسحق .
٣٢٠ - فيه دلالة على أن غسل يوم الجمعة غير واجب، ولو كان واجباً لأشبه أن يأمره عمر
رضى الله عنه بأن ينصرف فيغتسل ، فدل سكوت عمر رضى الله عنه ومن معه من الصحابة
على أن الأمر به على معنى الاستحباب ، دون الوجوب .

- ٢١١ -
قال عمر : الوضوءَ أيضاً؟ أو لم تسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أتى
أحدكم الجمعة فليغتسل ؟)).
وأخرجه البخارى ومسلم. وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث
عبد الله بن عمر عن أبيه .
٣٢١ - وعن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عسل يوم الجمعة
واجب على كل محتلم)».
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة .
٣٢٢ - وعن حفصة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((على كل محتلم رواح إلى الجمعة ،
وعلى من راح الجمعة الغسل)».
وأخرجه النسائي . قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل
الجمعة، وإن أجنب .
وقد ذكر فى هذا الخبر من غير هذا الوجه أن الرجل الذى دخل المسجد هو عثمان
بن عفان. وفى رواية أخرى: « دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم »
وليس يجوز عليه وعلى عمر ومن بحضرته من المهاجرين والأنصار أن يجتمعوا على ترك
(١)
واجب (١) .
٣٢١ - قلت: قوله ((واجب)) معناه وجوب الاختيار والاستحباب ، دون وجوب الفرض،
كما يقول الرجل لصاحبه : حقك علىّ واجب. وأنا أوجب حقك. وليس ذلك بمعنى
اللزوم الذى لا يسع غيره . ويشهد لصحة هذا التأويل حديث عمر رضى الله عنه الذى
تقدم ذكره .
وقد اختلف الناس فى وجوب الغسل يوم الجمعة. فكان الحسن يراه واجباً ، وقد
حكى ذلك عن مالك بن أنس . وقال ابن عباس : هو غير محتوم .
(١) سبحان الله! وهل تشديد عمر فى الانكار عليه إلا لأنه واجب؟ هم ظنوا أنه إذا كان
واجباً كان شرطاً لصحة الصلاة ، وليس بلازم ! هو واجب فى ذاته ؛ كما تدل عليه الأحاديث،
وليس شرطاً ، فلم يرد ما يدل على الشرطية .

- ٢١٢ -
٣٢٣ - وعن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِسَ من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب، إن كان عنده، ثم أتى
الجمعة، ولم يَتَخَطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى
يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينهما وبين جمعته التى قبلها . قال : ويقول أبو هريرة :
وزيادة ثلاثة أيام ، ويقول : إن الحسنة بعشر أمثالها ».
وذهب عامة الفقهاء إلى أنه سنة وليس بفرض . ولم تختلف الأمة فى أن صلاته
مجزية إذا لم يغتسل . فلما لم يكن الغسل من شرط محتها دل على أنه استحباب، كالاغتسال
العيد وللإِحرام الذى يقع الاغتسال فيه متقدماً لسببه. ولو كان واجباً لكان متأخراً عن
سببه، كالاغتسال للجنابة ، والحيض ، والنفاس (١).
٣٢٣ - قلت: وقرانه بين غسل الجمعة وبين لبس أحسن ثيابه ومسه للطيب يدل على
أن الغسل مستحب كاللباس والطيب.
وقوله « كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التى قبلها)» يريد بذلك ما بين الساعة .
التى تُصلى فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى ، لأنه لو كان المراد ما بين الجمعتين
على أن يكون الطرفان - وهما يوما الجمعة - غير داخلين فى العدد لكان لايحصل من
عدد الحسوب له أكثر من ستة أيام . ولو أراد ما بينهما على معنى إدخال الطرفين فيه بلغ
العدد ثمانية، فاذا ضمت إليها الثلاثة الأيام المزيدة التى ذكرها أبو هريرة صار جملتها
إما أحد عشر يوماً ، على أحد الوجهين ، وإما تسعة أيام، على الوجه الآخر . فدل أن
المراد به ما قلنا، على سبيل التكسير اليوم، ليستقيم الأمر فى تكميل عدد العشرة.
وقد اختلف الفقهاء فيمن أقر لرجل بما بين درهم إلى عشرة دراهم . فقال أبو حنيفة:
يلزمه قسمة دراهم. وقال أبو يوسف ومحمد : يلزمه عشرة دراهم، ويدخل فيه الطرفان
والواسطة . وقال أبو ثور: لا يلزمه أكثر من ثمانية دراهم، ويسقط الطرفان . وهو قول
زفر. وهذا أغلب وجوه ما يذهب إليه أصحاب الشافعى .
(١) هذا قياس فى مقابلة النص - والنص دل على الوجوب، ولا دليل على الشرطية، فلذلك
ممت الصلاة إذا توضأ للجمعة ولم ينتسل ، وقد قصر فى الواجب .

- ٢١٣ -
وأخرجه مسلم مختصراً من حديث أبى صالح عن أبى هريرة، وأدرج «وزيادة ثلاثة
أيام » فى الحديث .
٣٢٤ - وعن عمرو بن سليم الزَّرَقى عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى عن أبيه : أن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، ويمسّ من
الطيب ما قُدِّرله)). إلا أن بكيراً - يعنى ابن الأشَجّ - لم يذكر عبد الرحمن ، وقال
فى الطيب (( ولو من طيب المرأة)).
وأخرجه مسلم والنسائى . وأخرجه البخارى من حديث عمرو بن سليم الزرقى عن
أبى سعيد الخدرى بنحوه .
٣٢٥ - وعن أوس بن أوس الثقفى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من
غَسَّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر ، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام استمع ولم
يَلْغُ ، كان له بكل خُطوة عمل سنة: أجر صيامها وقيامها » .
وفى رواية لأبى داود: ((من غَسَّل رأسه يوم الجمعة واغتسل».
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة .. وقال الترمذى : حديث أوس بن أوس
حديث حسن .
٣٢٥ - قوله ((غسّل واغتسل، وبكّر وابتكر)) اختلف الناس فى معناهما. فمنهم من ذهب
إلى أنه من الكلام المظاهر الذى يراد به التوكيد، ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف
اللفظين. وقال: ألا تراه يقول فى هذا الحديث ((ومشى ولم يركب)) ومعناهما واحد.
وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد.
وقال بعضهم: قوله « غسل)) معناه غسل الرأس خاصة ، وذلك لأن العرب لهم
لِمَمْ وشعور، وفى غسلها مؤونة، فأفرد ذكر غسل الرأس من أجل ذلك. وإلى هذا
ذهب مکحول .
وقوله (( واغتسل)) معناه: غسل سائر الجسد .
٠

- ٢١٤ -
٣٢٦ - وعن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من اغتسل
يوم الجمعة ومَسَّ من طيب امرأته، إن كان لها ، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخطّ رقاب
الناس ولم يَلْغُ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطَى رقاب الناس
كانت له ظهراً » .
هو من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص . وقد
تقدم الخلاف فیه (١) .
٣٢٧ - وعن عائشة: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من أربع: من الجنابة،
ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت)).
وأخرجه فى الجنائز، وقال: هذا منسوخٍ. وقال أيضاً : وحديث مُصعَب فيه خصال،
ليس العمل عليه . وروى عنه أيضاً : حديث مصعب بن شيبة ضعيف . وقال البخارى :
وزعم بعضهم أن قوله ((غسَّل) معناه أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة ، ليكون
أملك لنفسه، وأحفظ فى طريقه لبصره. قال: ومن هذا قول العرب ((فَخْلُ غُسَلَةٌ))
إذا كان كثير الضِراب.
وقوله (( بكر وابتكر)) زعم بعضهم أن معنى ((بكر)) أدرك باكورة الخطبة، وهى
أولها، ومعنى (( وابتكر)» قدم فى الوقت. وقال ابن الأنبارى: معنى ((بكر)) تصدق
قبل خروجه. وتأول فى ذلك ما روى فى الحديث من قوله « باكروا بالصدقة، فإن البلاء
لا يتخطاها » .
٣٢٧ - قلت: قد يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء المختلفة الأحكام ، والمعانى ترتبها
وتنزلها . فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق ، وأما الاغتسال للجمعة فقد قام
الدليل على أنه كان يفعله ، ويأمر به استحباباً، ومعقول أن الاغتسال من الحجامة إنما
هو لإماطة الأذى ، ولما لا يؤمن أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم ، فالاغتسال
منه استظهار بالطهارة واستحباب للنظافة (٢).
(١) تقدم فى باب الوضوء ثلاثا ثلاثا. (أ) هذا الحديث مؤخر عند الخطابى.

-٢١٥ -
حديث عائشة فى هذا الباب ليس بذاك . وقال الإمام أحمد بن حنبل وعلى بن المدينى :
لا يصح فى هذا الباب شىء. وقال محمد بن يحيى: لا أعلم فى ((من غسل ميتاً فليغتسل »
حديثاً ثابتاً ، ولو ثبت لزمنا استعماله .
وعن على بن حَوْشَب قال: سألت مكحولاً عن هذا القول ((غسَّل واغتسل»؟
قال: غسل رأسه وجسده. وقال سعيد - وهو ابن عبد العزيز - : غسل رأسه وغسل جسده.
٣٢٨ - وعن أبى صالح السمان عن أبى هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرَّب بَدَنة، ومن راح فى الساعة
الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح
- فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة،
. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)).
وأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه على غير الوجوب .
. وقد روى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( من غسل ميناً
فليغتسل )) .
وروى عن ابن المسيب والزهرى معنى ذلك. وقال النخعى وأحمد وإسحق : يتوضأ
غاسل الميت. وروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: (( ليس على غاسل الميت غسل)).
وقال أحمد : لا يثبت فى الاغتسال من غسل الميت حديث .
وقال أبو داود : حديث مصعب بن شيبة ضعيف . ويشبه أن يكون من رأى
الاغتسال منه إنما رأى ذلك لما لا يؤمن أن يصيب الغاسل من رشاش المغسول نَصْح،
وربما كانت على بدن الميت نجاسة. فأما إذا علمت سلامته منها فلا يجب الاغتسال منه .
والله أعلم.
٣٢٨٠ - قوله ((راح إلى الجمعة)) معناه: قصدها وتوجه إليها مبكراً قبل الزوال. وإنما
تأولناه على هذا المعنى لأنه لا يجوز أن يبقى عليه بعد الزوال من وقت الجمعة خمس
ساعات. وهذا جائز فى الكلام، أن يقال: راح لكذا ، ولأن يفعل كذا ، بمعنى أنه

- ٢١٦ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى. وأخرجه ابن ماجة والنسائى من حديث
سعيد بن المسيب عن أبى هريرة بنحوه .
باب الرخصة فى ترك غسل يوم الجمعة (١ : ١٣٨)
٣٢٩ - عن عائشة قالت: « كان الناس مُهَّانَ أنفسهم » فيروحون إلى الجمعة بهيتهم»
فقيل لهم : لو اغتسلّم )» .
وأخرجه البخارى ومسلم بنحوه .
٣٣٠- وعن عكرمة: ((أن أناساً من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عباس، أترى
قصد إيقاع فعله وقت الرواح، كما يقال القاصدين إلى الحج: حُجَّاج ، ولَمّا بحجوا بعدُ ،
والخارجين إلى الغزو : غزاة ، ونحو ذلك من الكلام .
فأما حقيقة الرواح فإنما هى بعد الزوال . يقال : غدا الرجل فى حاجته ، إذا خرج
فيها صدر النهار ، وراح لها إذا كان ذلك فى عجز النهار ، أو فى الشطر الآخر منه .
وأخبرنى الحسن بن يحيى عن أبى بكر بن المنذر ، قال : كان مالك بن أنس يقول :
لا يكون الرواح إلا بعد الزوال، وهذه الأوقات كلها فى ساعة واحدة .
قلت : كأنه قسم الساعة التى يحين فيها الرواح للجمعة أقساماً خمسة ، فسماها ساعات
على معنى التشبيه والتقريب ، كما يقول القائل : قعدت ساعة ، وتحدثت ساعة ، ونحوه ،
يريد جزءاً من الزمان غير معلوم ، وهذا على سعة مجاز الكلام ، وعادة الناس فى
الاستعمال (١) .
٣٢٢ - «المهان» جمع الماهن، وهو الخادم، يريد: أنهم كانوا يتولون المهنة لأنفسهم فى
الزمان الأول ، حين لم يكن لهم خدم يكفونهم المهنة . والانسان إذا باشر العمل الشاق
حمى بدنه وعرق ، سيما فى البلد الحار ، فربما تكون منه الرائحة الكريهة ، فأمروا بالاغتسال،
تنظيفاً للبدن وقطعاً للرائحة .
(١) هذا مقدم عند الخطابى.

- ٢١٧ -
الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر، وخير لمن اغتسل ، ومن لم يغتسل فليس
عليه بواجب ، وسأخبركم كيف بدء الغسل : كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ،
ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف ، إنما هو عريش ، مخرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يوم حارّ ، وعَرِقٍ الناس فى ذلك الصوف ، حتى
ثأرت منهم رياح، آذى بذلك بعضهم بعضاً ، فلما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
تلك الريح قال: أيها الناس، إذا كان هذا اليومُ فاغتسلوا ، وليمسَ أحدكم أفضلَ
ما يجد من دهنه وطيبه - قال ابن عباس: ثم جاء الله تعالى ذكره بالخير ، ولبسوا
غير الصوف ، وكُفُوا العمل، ووسّع مسجدهم ، وذهب بعض الذى كان يؤذى بعضهم
بعضاً من العرق))(١) .
٣٣١ - وعن الحسن عن سَمُرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فيها
وِنِعْمَتْ ، ومن اغتسل فهو أفضل)».
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : حديث سمرة حديث حسن . وقال :
ورواه بعضهم عن قتادة عن الحسن عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وقال أبوعبدالرحمن
النسائى: الحسن عن سمرة: كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة . هذا
آخر كلامه. وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة شيئاً، ولا لقيه. وقيل: أنه سمع منه .
ومنهم من عَيْن سماعه لحديث العقيقة، كما ذكره النسائى (٢).
٣٣١ - قوله ((فيها)) قال الأصمعى: معناه فبالسنة أخذ. وقوله ((ونعمت)) يريد :
ونعمت الخصلة، ونعمت الفعلة، أو نحو ذلك . وإنما ظهرت التاء التى هى علامة التأنيث
لإظهار السنة أو الخصلة أو الفعلة .
(١) أنظر المسند ٢٣٨٣ ومجمع الزوائد ٢ : ١٧٢.
[٢] قال الحافظ ابن حجر : لهذا الحديث طرق ، أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة ،
وله علتان: إحداهما: أنه من عنعنة الحسن ، والأخرى : أنه اختلف عليه فيه. وأخرجه ابن ماجة
من حديث أنس ، والطبرانى من حديث عبدالرحمن بن سمرة ، والبزار من حديث أبى سعيد ، وابن
عدى من حديث جابر ، وكلها ضعيفة .

- ٢١٨ -
وقوله ((فيها ونعمت)) أى فبالرخصة أخذ ، ونعمت السنة ترك. وقيل: فبالسنة أخذ
ونعمت الخصلة الوضوء. والأول أصح ، لأن الذى ترك هو السنة، وهو الغسل .
باب الرجل يُسْلم فيؤمرُ بالغسل (١٣٩:١)
٣٣٢ - عن قيس بن عاصم قال: «أتيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم أريد الإسلام، فأمرنى
أن أغتسل بماء وسِدْر)).
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من
هذا الوجه .
٣٣٣ - وعن ابن جريج قال: أخبرت عن عُثَيم بن كليب عن أبيه عن جده: ((أنه جاء
إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أسلمت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألقٍ
عنك شعر الكفر - يقول: أُحلِقٍ)) قال: وأخبرنى ((أن النبى صلى الله عليه وسلم قال
لآخر معه : ألق عنك شعر الكفر واختتن)).
وفيه البيان الواضح: أن الوضوء كاف للجمعة، وأن الغسل لها فضيلة ، لا فريضة .
٣٣٢ - قلت: هذا عند أكثر أهل العلم على الاستحباب، لا على الإيجاب. وقال الشافعى:
إذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل ، فإن لم يفعل ولم يكن جنباً أجزاء أن يتوضأ
ويصلى. وكان أحمد بن حنبل وأبو ثور يوجبان الاغتسال على الكافر إذا أسلم ، قولاً
بظاهر الحديث. قالوا: ولا يخلو المشرك فى أيام كفره من جماع أو احتلام، وهو لا يغتسل،
ولو اغتسل لم يصح منه ذلك، لأن الاغتسال من الجنابة فرض من فروض الدين ، لا يجزيه
إلا بعد الإيمان، كالصلاة والزكاة ونحوهما . وكان مالك يرى أن يغتسل الكافر إذا أسلم .
واختلفوا فى المشرك يتوضأ فى حال شركه ثم يسلم ، فقال أصحاب الرأى : له أن
يصلى بالوضوء المتقدم فى حال شركه، ولكنه لو كان تيمم ثم أسلم لم يكن له أن يصلى بذلك
التيم، حتى يستأنف التيم فى الإسلام، إن لم يكن واجداً للماء . والفرق بين الأمرين
عندهم أن التيمم مفتقر إلى النية، ونية العبادة لا تصح من مشرك. والطهارة بالماء غير
مفتقرة إلى النية ، فإذا وجدت من المشرك محت فى الحكم، كما توجد من المسلم سواء .

- ٢١٩ -
قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : کلیب۔۔ والد عثیم - بصرى روى عن أبيه ، مرسل.
هذا آخر كلامه. وفيه أيضاً: رواية مجهول . وعنيم: بضم العين المهملة، وبعدها ثاء مثلثة،
ویاء آخر الحروف ساكنة، وميم .
: باب المرأة تغسل ثوبها الذى تلبسه فى حيضها [١: ١٤٠]
٣٣٤ - عن معاذة قالت: ((سألت عائشة عن الحائض يصيب ثوبَها الدم ؟ قالت :
تغسله، فإن لم يذهب أثره، فلتُّغَّيّه بشىء من صُفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حيض جميعاً لا أغسل لى ثوباً)).
٣٣٥ - وعن مجاهد قال: قالت عائشة («ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه ، فإذا
أصابه شىء من دم بَلته بريقها، ثم قَصَعته بريقها » .
وأخرجه البخارى . وقال يحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ : لم يسمع
مجاهد من عائشة . وقد أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما أحاديث من رواية مجاهد
عن عائشة .
وقال الشافعى: إذا توضأ وهو مشرك أو تيم ثم أسلم ، كان عليه إعادة الوضوء للصلاة
بعد الإسلام، وكذلك التيم، لا فرق بينهما، ولكنه لوكان جنباً فاغتسل ثم أسلم، فان أصحابه
قد اختلفوا فى ذلك، فمنهم من قال: يجب عليه الاغتسال ثانياً، كالوضوء سواء،وهذا أشبه،
ومنهم من فرق بينهما ، فرأى عليه أن يتوضأ على كل حال ، ولم ير عليه الاغتسال،
فإن أسلم وقد علم أنه لم يكن أصابته جنابة قط فى حال كفره . فلا غسل عليه فى قولهم
جميعاً. وقول أحمد فى الجمع بين إيجاب الاغتسال والوضوء عليه إذا أسلم أشبه بظاهر
الحديث وأولى .
٣٣٥٠ - قولها «قصعته بريقها)» معناه دلكته به، ومنه: قصع القملة، إذا شدخها بين أظفاره.
فأما فصع الرطبة فهو بالفاء ، وهو أن يأخذها بين أصبعه فيغمزها أدنى غمز، فتخرج الرطبة
خالصة قشرها .

- ٢٢٠ -
٣٣٦ - وعن بكار بن يحيى قال: حدثتني جدتي قالت: ((دخلت على أم سلمة، فسألتها
امرأة من قريش عن الصلاة فى ثوب الحائض ؟ فقالت أم سلمة : قد كان يصيبنا الحيض
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلبث إحدانا أيام حيضتها ، ثم تطهر ، فتنظر
الثوب الذى كانت تقلّبُ فيه ، فإن أصابه دم غلسناه ، وصلينا فيه، وإن لم يكن أصابه
شىء تركناه ، ولم يمنعنا ذلك أن نصلى فيه ، وأما الممتشطة فكانت إحدانا تكون
ممتشطة، فإذا اغتسلت لم تنقض ذلك، ولكنها تَحفِن على رأسها ثلاث حَفَنات: فإذا رأت
البلل فى أصول الشعر دَلَكتْه، ثم أفاضت على سائر جسدها)).
٣٣٧ - وعن أسماء بنت أبى بكر أنها قالت: « سألت امرأةٌ رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقالت : يا رسول الله ، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة ، كيف
تصنع؟ قال: إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلْتَقْرُّصه، ثم لْتَنْضَحْه بالماء، ثم لْتُصَلَى».
٣٣٨ - وفى رواية: « حُتّيه، ثم اقرصيه بالماء ، ثم انضحيه».
وأخرجه البخارى ومسلم والترمدى والنسائى وابن ماجة .
٣٣٩ - وفى رواية من حديث محمد بن إسحاق: ((فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشىء من ماء
ولتنضح ما لم ترَ، وتصلى فيه » .
٣٤٠ - وعن أم قيس بنت يُحصن قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم
الحيض يكون فى النوب ؟ قال: حُكَّهِ بضلع، واغسليه بماء وسدر».
وأخرجه النسائي وابن ماجة .
٣٣٧ - أصل القرص أن يقبض بإصبعه على الشىء ثم يغمزه غزاً جيداً، والنضح: الرش.
وقد يكون أيضاً بمعنى الغسل والصب .
٣٤٠ - قوله ((اغسليه بماء)) دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات،
لأنه إذا أمر بإزالتها بالماء فأزالها بغيره، كان الأمر باقياً لم يمتثل" وإذا وجب ذلك عليه
فى الدم بالنص كان سائر النجاسات بمثابته، لا فرق بينهما فى القياس. وإنما أمر بحكه
بالضلع لينقلع المستجسد منه، اللاصق بالثوب، ثم تتبعه بالماء، ليزيل الأثر .