النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١ -
وأخرجه الترمذى وابن ماجة ، وقال الترمذى : هذا حديث حسن صحيح. وقال
أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدى لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة
((أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين)).
قال أبو داود : وروى هذا أيضاً عن أبى موسى الأشعرى عن النبى صلى الله عليه
وسلم: ((أنه مسح على الجور بين))، وليس بالمتصل ولا بالقوى(*). قال أبو داود: ومسح
على الجور بين على بن أبى طالب ، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك،
وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حُرَيث. وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن
عباس ، رضى الله عنهم.
وذكر أبو بكر البيهقى حديث المغيرة هذا وقال: وذاك حديث منكر ، ضعفه سفيان
الثورى ، وعبدالرحمن بن مهدى ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلى بن المدینی ،
ومسلم بن الحجاج. والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وروى عن جماعة أنهم
فعلوه . والله أعلم بالصواب . هذا آخر كلامه .
وأبو قيس الأودى: اسمه عبد الرحمن بن ثوران الأودى الكوفى . وهو - وإن كان
البخارى قد احتج به - فقد قال الإمام أحمد بن حنبل : لا يحتج بحديثه . وسئل عنه
أبو حاتم الرازى ؟ فقال: ليس بقوى، هو قليل الحديث، وليس بحافظ ، قيل له: كيف
حديثه؟ قال: صالح، هو لين الحديث.
وأحمد وإسحق . وقال مالك والأوزاعى والشافعى: لا يجوز المسح على الجور بين. قال الشافعى:
إلا إذا كانا منعلين، يمكن متابعة المشي فيهما . وقال أبو يوسف ومحمد: يمسح عليهما إذا كانا
تخينين لا يشفّان .
وقد ضعف أبو داود هذا الحديث، وذكر أن عبد الرحمن بن مهدى كان لا يحدث به .
(*) قال الشيخ شمس الدين بن القيم : وقال النسائى: ما نعلم أن أحداً تابع هزيلا على هذه
الرواية، والصحيح عن المغيرة: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين)). وقال البيهقى:
قال أبو محمد - يعنى يحي بن منصور -: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر ، وقال :
أبو قيس الأدوى وهزيل بن شرحبيل : لايحتملان هذا، مع مخالفتها جملة الذين رووا

- ١٢٢ -
هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: (( مسح على الخفين))، وقال : لا يترك ظاهر القرآن بمثل
أبى قيس وهزيل. قال: فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبى العباس الدغولى؟ فسمعته
يقول : سمعت على بن مخلد بن سنان يقول : سمعت أبا قدامة السرخسى يقول : قال
عبدالرحمن بن مهدى : قلت لسفيان الثورى : لو رجل حدثنى بحديث أبى قيس عن هزيل
ما قبلته منه ؟ فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو واه، أو كلمة نحوها. وقال عبد الله بن
أحمد : حدثت أبى بهذا الحديث ، فقال أبى: ليس يروى هذا إلا من حديث أبى قيس، قال
أبى : أبى عبد الرحمن بن مهدى أن يحدث به، يقول: هو منكر. وقال ابن البراء ، قال
على بن المدينى : حديث المغيرة بن شعبة فى المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل
الكوفة، واهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة ، إلا أنه قال: ((ومسح
على الجوربين)) وخالف الناس . وقال الفضل بن عتبان: سألت يحي بن معين عن هذا
الحديث؟ فقال: الناس كلهم يروونه ((على الخفين)) غير أبى قيس . قال ابن المنذر: يروى
المسح على الجور بين عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: على ، وعمار ، وأبى
مسعود الأنصارى، وأنس ، وابن عمر، والبراء، و بلال ، وعبد الله بن أبى أوفى، وسهل
بن سعد . وزاد أبو داود: وأبو أمامة، وعمرو بن حريث، وعمر ، وابن عباس . فهؤلاء
ثلاثة عشر صحابيا. والعمدة فى الجواز على هؤلاء رضى الله عنهم، لاعلى حديث أبى قيس.
مع أن المنازعين فى المسح متناقضون ، فأنهم لو كان هذا الحديث من جانيهم لقالوا : هذه
زيادة ، والزيادة من الثقة مقبولة! ولا يلتفتون إلى ماذكروه ههنا من تفرد أبى قيس.
فاذا كان الحديث مخالفاً لهم أعلوه بتفرد راويه، ولم يقولوا : زيادة الثقة مقبولة ، كما هو
موجود فى تصرفاتهم ! والانصاف : أن تكتال لمنازعك بالصاع الدى تكتال به لنفسك ،
فان فى كل شىء وفاء وتطفيفا ، ونحن لانرضى هذه الطريقة ، ولا نعتمد على حديث أبى
قيس . وقد نص احمد على جواز المسح على الجوربين ، وعلل رواية أبى قيس . وهذامن
إنصافه وعدله رحمه الله، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس ، فانه لا يظهر بين
الجور بين والخفين فرق مؤثر ، يصح أن يحال الحكم عليه .
والمسح عليهما قول أكثر أهل العلم . منهم من سمينا من الصحابة ، وأحمد، وإسحاق
بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثورى، وعطاء بن أبى رباح، والحسن
البصرى ، وسعيد بن المسيب، وأبو يوسف . ولا نعرف فى الصحابة مخالفاً لمن سمينا.
وأما حديث أبى موسى الذى أشار إليه أبو داود ، فرواه البيهقى من حديث عيسى
بن يونس عن أبى سنان - عيسى بن سنان - عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبى موسى
قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الجور بين والتعليز)). وهذا الحديث
له علتان ذكرها البيهقى. إحداهما : أن الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من

- ١٢٣ -
باب [١ :٦٢]
١٥٠ - عن أوْسِ بن أوْسِ الثَّقَفى رضى الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -
وقال عَبَّدُ ، هو ابن موسى، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - أتَى كِظَامَةَ
قَوْم -- يعنى الميضأة - فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه)).
باب كيف المسح؟ [١ : ٦٣ ]
١٥١ - عن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح
على الخفين)). وقال غير محمد (١): ((على ظهر الخفين)).
وأخرجه الترمذي وقال : حديث حسن .
أبى موسى . والثانية: أن عيسى بن سنان ضعيف. قال البيهقى: وتأول الأستاذ أبو الوليد
حديث المسح على الجوربين والتعلين: على أنه مسح على جور بين منعلين ، لا أنه جورب على
الانفراد ، ونعل على الانفراد .
قلت : هذا مبنى على أنه يستحب مسح أعلى الخف وأسفله ، والبيان فى ذلك (٢) والظاهر
أنه مسح على الجور بين الملبوس عليهما نعلان منفصلان . هذا المفهوم منه ، فانه فصل
بينهما وجعلهما سنتين . ولو كانا جور بين متعلين لقال: مسح على الجور بين المنعلين. وأيضاً
فان الجلد الذى فى أسفل الجورب لايسمى نعلا فى لغة العرب، ولا أطلق عليه أحد هذا
الاسم . وأيضاً فالمنقول عن عمر بن الخطاب فى ذلك : أنه مسح على سيور النعل التى على
ظاهر القدم مع الجورب ، فأما أسفله وعقبه فلا .
وفيه وجه آخر : أنه يسمح على الجورب وأسفل النعل وعقبه . والوجهان لأصحاب
أحمد . وأيضاً فان تجنيد أسافل الجور بين لايخرجهما عن كونهما جوربين، ولا يؤثر
اشتراط ذلك فى المسح ، وأى فرق بين أن يكونا مجلدين أو غير مجلدين ؟
وقول مسلم رحمه الله : لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبى قيس وهزيل ، جوابه من
وجهين: أحدهما : أن ظاهر القرآن لا ينفى المسح على الجور بين إلا كما ينفى المسح على
الخفين ، وما كان الجواب عن مورد الاجماع فهو الجواب فى مسئلة النزاع . الثانى : أن
الذين سمعوا القرآن من النبى صلى اللّه عليه وسلم وعرفوا تأويله مسحوا على الجوربين ،
وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه. والله أعلم.
(١) هو محمد بن الصباح البزاز (٢) كذا فى الأصل. ولعل العبارة: ((والبياز فى ذلك مفقود)).
1

- ١٢٤ -
١٥٢ - وعن على رضى الله عنه قال: « لو كان الدين بالرّأى لكان أسفل الخف
أَوْلى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه)».
١٥٣ - وفى لفظ قال: (( ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحَقَّ بالغسل، حتى رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظهر خفيه )).
١٥٤ - وفى لفظ: (( لو كان الدِّين بالرَّأى لكان باطنُ القدمين أحقَّ بالمسح من ظاهرهما،
وقد مسح النبى صلى الله عليه وسلم على ظهر خفيه)) .
١٥٥ - وفى لفظ: ((كنت أرَى أن باطن القدمين أحقُّ بالمسح من ظاهر هما ، حتى
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهرَ هما)). قال وكيع: يعنى الخفين .
١٥٦ - وفى لفظ: (رأيت عَلِيًّا توضأ، فغسل ظاهر قدميه وقال: لولا أني رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله)» - وساق الحديث(١).
قال شيخنا الحافظ العلامة أبو محمد المنذرى: بقية الحديث: «لظننْتُ أن باطنهما أحَقُّ».
١٥٧ - وعن المغيرة بن شُعْبة قال: ((وضّأت النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة تَبُوكَ،.
فمسح أعلى الخف وأسفله )) .
١٥٧ - قال الشيخ ابن القيم : قال إبراهيم: حديث المغيرة هذا قد ذكر له أربع علل :
إحداها : أن ثور بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حيوة ، بل قال : حدثت عن رجاء .
قال عبد الله بن أحمد فى كتاب العلل : حدثنا أبى قال : وقال عبد الرحمن بن مهدى عن
عبد الله بن المبارك عن ثور بن يزيد قال: حدثت عن رجاء بن حيوية ، عن كاتب المغيرة:
(( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخفين وأسفلهما)).
العلة الثانية: أنه مرسل ، قال الترمذى : سألت أبا زرعة ومحمداً عن هذا الحديث؟
فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء ، قال : حدثت عن
النبى صلى الله عليه وسلم.
العلة الثالثة : أن الوليد بن مسلم لم يصرح فيه بالسماع من تور بن يزيد، بل قال فيه :
عن ثور، والوليد مدلس، فلا يحتج بعنعنته، ما لم يصرح بالسماع .
(١) هو فى مسند الامام أحمد برقم ٠٩١٨

- ١٢٥ -
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وضعف الإمام الشافعى رضى الله عنه حديث المغيرة
هذا . وقال أبو داود : بلغنى أنه لم يسمع نور هذا الحديث من رجاء . وقال الترمذى:
وهذا حديث معلول . وقال: سألت أبا زرعة ومهداً - يعنى البخارى - عن هذا الحديث.
٠
فقالا : ليس بصحيح .
باب فى الانتضاح [١: ٦٤ ]
١٥٨ - عن سفيان بن الحكم النََّفِىِّ - أو الحكم بن سفيان الثقفى - قال: ( كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا بالَ توضأ، وَيَنْتَضِحُ)).
١٥٨- ((الانتضاح)) ههنا: الاستنجاء بالماء. وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة
لا يمسون الماء، وقد يُتَأوَّل الانتضاح أيضاً على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء به، ليرفع
بذلك وسوسة الشيطان .
٦
العلة الرابعة: أن كاتب المغيرة لم يسم فيه، فهو مجهول. ذكر أبو محمد بن حزم هذه العلة.
وفى هذه العلل نظر .
أما العلتان الأولى والثانية، وهما أن ثوراً لم يسمعه من رجاء، وأنه مرسل : فقد
قال الدار قطنى فى سننه : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا داود بن رشيد
حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد قال حدثنا رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن
شعبة عن المغيرة - فذكره . فقد صرح فى هذه الرواية بالتحديث وبالاتصال ، فانتفى
الارسال عنه .
وأما العلة الثالثة، وهى تدليس الوليد ، وأنه لم يصرح بسماعه : فقد رواه أبو دواد
عن محمود بن خالد الدمشقي حدثنا الوليد حدثنا ثور بن يزيد . فقد أمن تدليس الوليد فى هذا.
وأما العلة الرابعة ، وهى جهالة كاتب المغيرة : فقد رواه ابن ماجة فى سننه ، وقال :
عن رجاء بن حيوة عن وراد ، كاتب المغيرة عن المغيرة . وقال شيخنا أبو الحجاج المزى :
رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير عن وراد عن المغيرة . ثم
كلامه. وأيضاً فالمعروف بكتابة المغيرة هو مولاه وراد ، وقد خرج له فى الصحيحين ،
وإنما ترك ذكر اسمه فى هذه الرواية لشهرته وعدم التباسه بغيره ، ومن له خبرة
بالحديث ورواته لا يتمارى فى أنه وراد كاتبه .
وبعد : فهذا حديث قد ضعفه الأئمة الكبار : البخارى ، وأبو زرعة ، والترمذى ،

- ١٢٦ -
١٥٩ - وفى رواية: عن رجل من تَقَيفٍ عن أبيه قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالَ، ثم نَضَحَ فَرْجه)» .
١٦٠ - وفى رواية: عن الحكم، أو ابن الحكم، عن أبيه: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم
بالَ ثم توضأ ونضح فرجه )» .
وأخرجه النسائى وابن ماجة . واختلف فى سماع الثقفى هذا من رسول الله صلى الله
عليه وسلم. وقال الثّرى (١): له حديث واحد فى الوضوء، وهو مضطرب الإسناد . وقال
أبو عيسى الترمذى : واضطر بوا فى هذا الحديث.
وأخرج الترمذى وابن ماجة من حديث الحسن بن على الهاشمى عن عبد الرحمن
الأعرج عن أبى هريرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «جاءنی جبريل فقال: يا محمد،
إذا توضأت فانتضح». وقال الترمذى: هذا حديث غريب ، وسمعت محمداً يقول: الحسن
بن على الهاشمى: منكر الحديث. هذا آخر كلامه . والهاشمى هذا ضعفه غير واحد من الأئمة.
.
باب ما يقول الرجل إذا توضأ [٦٥:١ ]
١٦١ - عن عُقبة بن عامر رضى الله عنه قال: (( كنَّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خُدَّامَ
أنفُسِنا، نتناوَبُ الرِّعاية - رعايةَ إِنِنا - فكانت عَلَىَّ رعاية الإِلِ، فَرَوَّحْتُها بالعَشِيِّ،
وأبو داود ، والشافعى، ومن المتأخرين: أبو محمد بن حزم. وهو الصواب ، لأن
الأحاديث الصحيحة كلها تخالفه. وهذه العلل - وإن كان بعضها غير مؤثر - فتها ماهو مؤثر
مانع من صحة الحديث . وقد تفرد الوليد بن مسلم باسناده ووصله ، وخالفه من هو أحفظ
منه وأجل، وهو الامام الثبت عبد الله بن المبارك ، فرواه عن ثور عن رجاء قال :
حدثت عن كاتب المغيرة عن النبى صلى الله عليه وسلم. وإذا اختلف عبد الله بن المبارك
والوليد بن مسلم فالقول ما قال عبد الله. وقد قال بعض الحفاظ: أخطأ الوليد بن مسلم
فى هذا الحديث فى موضعين: أحدهما : أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة ، وإنما قال :
حدثت عنه . والثانى: أن ثوراً لم يسمعه من رجاء. وخطأ ثالث: أن الصواب إرساله . فميز
الحفاظ ذلك كله فى الحديث وبينوه، ورواه الوليد معنعناً من غير تبيين ، والله أعلم.
(١) هو أبو عمر يوسف بن عبد البر التمرى حافظ المغرب.

٠
١٢٧ -
فأدركتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطُبُ النَّاسَ ، فسمعته يقول: ما منكم من أحدٍ
يتوضأ فيُحْسِنُ الوضوءَ، ثم يقوم فيركعُ ركعتين، يُقْبِلُ عليهما بقلبه ووجهِهِ، إلاَّ فَقَدْ
أَوْجَبَ ، فقلت: بَجِ بَخْ ، ما أجوَدَ هذه! فقال رجل بين يدىَّ: التى قبلها يا عُقِبة
أجودُ منها ، فنظَرْتُ فإذا هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قلت: ما هى يا أبا حفص ؟
قال : إنه قال آنفاً قبل أن تجىء : مامنكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين
يُفْرْغ من وضوئه: أشْهَدُ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ له ، وأن محمداً عبده ورسوله،
إلاَّ فُتحتْ له أبوابُ الجنة الثمانيةِ ، يدخلُ من أيِّها شاء)).
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة .
١٦٢ - وفى لفظ لأبي داود: ((فأحسن الوضوءَ، ثم رفعَ نظرَه إلى السماء فقال ... )).
وفى إسناد هذا : رجل مجهول . وأخرجه الترمذى من حديث أبى إدريس
الحوْلانى - عائد الله بن عبد الله - وأبى عثمان ، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه
مختصراً ، وفيه دعاء . وقال: وهذا حديث فى إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبى
صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب كبير شىء. قال محمد: أبو إدريس لم يسمع من عمر شيئاً.
باب الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد [٦٦:١]
١٦٣ - عن عمرو بن عامر البَجَليّ قال «سألت أنس بن مالك عن الوضوء؟ فقال: كان
النبى صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكلِّ صلاة، وكنا نصلى الصلوات بوضوء واحد)».
وأخرجه البخارى ، والترمذى ، والنسائى، وابن ماجة .
١٦٤ - وعن سليمان بن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال: ((صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ
الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، ومسحَ على خفيه، فقال له عمر: إنى رأيتكَ صنعتَ
شيئاً لم تكُنْ تصنعُه؟ قال: عمدًا صنعته)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .

- ١٢٨ -
باب تفريق الوضوء [٦٧:١]
١٦٥ - عن قتادة قال: حدثنا أنس رضى الله عنه: ((أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وقد توضأ وترَكَ على قَدمهِ مثلَ موضع الظَّمْرِ ، فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ارْجِعْ فأحسِنْ وضوءك)).
وأخرجه ابن ماجة . وقال أبو داود : وهذا الحديث ليس بمعروف [عن جريربن
حازم |، ولم يروه إلا ابن وهب . وقد روى عن معقل بن عبيد الله الجزرى عن أبى
الزبير عن جابر عن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم نحوه، قال: ((ارجع فأحسن وضوءك».
وذكره أبو داود أيضاً من حديث الحسن - وهو البصرى - عن النبى صلى الله عليه
وسلم، مرسلاً بمعنى قتادة .. وذكر الدار قطنى أن جرير بن حازم تفرد به عن قتادة ، ولم
يروه عنه غير ابن وهب .
وحديث عبر - الذى أشار إليه أبو داود -: أخرجه مسلم فى صحيحه عن سَلَمة بن
شَبيب عن ابن أعْيَن عن مَعَقِل. وأخرجه ابن ماجة من حديث عبد الله بن لهيعة عن
أبى الزبير عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم
رأى رجلاً يصلى، وفى ظهر قدمه لُمْعة قدر الدرهم ، لم يصبها الماء ، فأمره النبى صلى الله
عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة)). فى إسناده بقية بن الوليد ، وفيه مقال (*)
١٦٥- دلالة هذا الحديث أنه لا يجوز تفريق الوضوء. وذلك لأنه قال: ((ارجع فأحسن وضوءك)).
وظاهر معناه : إعادة الوضوء فى تمام ، ولو كان تفريقه جائزاً لأشبه أن يقتصر فيه على الأمر
بغسل ذلك الموضع، أو كان يأمره بإمساسه الماء فى ذلك ، وأن لا يأمره بالرجوع إلى المكان
الذى يتوضأ فيه .
(*) قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: هكذا علل أبو محمد المنذرى وابن حزم هذا الحديث
برواية بقية له . وزاد ابن حزم تعليلا آخر ، وهو أن راويه مجهول لايدرى من هو.
والجواب عن هاتين العلتين:

- ١٢٩ -
باب إذا شَكَّ فى الحدث [١: ٦٨ ]
١٦٦ - عن سعيد بن المسيَّبِ وعَباد بن تميم عن عمّة قال: « شُكِيَ إلى النبى صلى الله عليه
وسلم الرَّجلُ بجد الشىء فى الصلاة حتى يُخيّل إليه، فقال: لا يَنفَتِلْ حتى يسمع صوتاً
أو يجدَ ريحاً )).
وأخرجه البخاري ، ومسلم، والنسائى، وابن ماجة .
١٦٧ - وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان أحدُ كم فى الصلاةِ
١٦٦ - قوله ((حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) معناه: حتى يتيقن الحدث، ولم يرد به الصوت
نفسه ولا الريح نفسها حسبُ. وقد يكون أطروشاً لا يسمع الصوت، وأخشم لا يجد الريح، ثم
تنتقض طهارته إذا تيقن وقوع الحدث منه. كقوله صلى الله عليه وسلم فى الطفل: ((إذا
استهل صَلَى عليه)) ومعناه: أن تعلم حياته يقيناً. والمعنى، إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم
له دون الاسم .
وفى الحديث من الفقه: أن الشك لا يزحم اليقين .
وفيه دليل على أنه إذا تيقن النكاح، وشك فى الطلاق ، كان على النكاح المتقدم إلى
أن يتيقن الطلاق .
أما الأولى: فان بقية ثقة فى نفسه صدوق حافظ، وإنما نقم عليه التدليس ، مع
كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع فهو حجة. وقد صرح فى
هذا الحديث بسماعه له . قال أحمد فى مسنده: حدثنا إبراهيم بن أبى العباس حدثنا بقية
حدثنى يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم- فذكر
الحديث. وقال ((فأمره أن يعيد الوضوء)). قال الأثرم، قلت لأحمد بن حنبل: هذا
إسناد جيد؟ قال: جيد.
وأما العلة الثانية فباطلة أيضاً على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث ،
فان عندهم جهالة الصحابى لاتقدح فى الحديث، لثبوت عدالة جميعهم . وأما اصل ابن حزم
فانه قال فى كتابه فى أثناء مسئلة: كل نساء النبى صلى الله عليه وسلم ثقات فواضل عند
الله عز وجل مقدسات بيقين .
(٩ - مختصر السنن ج ١ )

- ١٣٠ -
فوجد حركة فى دُبُرِهٍ : أَحْدث أو لم يُحْدِث ، فأشكل عليه ، فلا ينصرفُ حتى يسمع
صوتاً أو يجدَ ريحاً )).
وأخرجه مسلم والترمذى بنحوه .
باب الوضوء من القُبلة [١: ٦٩]
١٦٨ - عن إبراهيم النَّيْعِىّ عن عائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها، ولم يتوضأ)).
وأخرجه النسائى. وقال أبو داود: هو مرسل ، إبراهيم التيمى لم يسمع من عائشة.
١٦٩ - وعن حبيب - وهو ابن أبى ثابت - عن عروة عن عائشة: ((أن النبى صلى الله
عليه وسلم قبّلَ امرأةً من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ)». قال عُرْوَةُ: فقلت
لها : من هى إلاَّ أنْتِ ؟ فضحكتْ.
وأخرجه الترمذى وابن ماجة .
وأخرجه أبو داود من طريق آخر فيه : حدثنا الأعمش قال : حدثنا أصحاب لنا
عن عروة المزنى عن عائشة ، بهذا الحديث.
وفى حديث ابن ماجة : حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن عروة بن الزبير.
وقال أبو داود: وروى عن الثورى قال : ماحدثنا حبيب إلا عن عروة المزنى، يعنى
لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشىء. قال أبو داود: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب
وقال مالك: إذا شك فى الحدث لم يصل إلا مع تجديد الوضوء ، إلا أنه قال : إذا
كان فى الصلاة فاعترضه الشك مضى فى صلاته . وأحد قوليه حجة عليه فى الآخر .
١٦٨- قال : يحتج به من يذهب إلى أن الملامسة المذكورة فى الآية معناها الجماع دون اللمس
بسائر البدن، إلا أن أباداود ضعف هذا الحديث، فقال: هو منقطع، لأن التيمى لم يسمع
من عائشة. وصعف حديث الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة، وحكى عن يحيى
بن سعيد أنه قال: هو شبه لاشىء، قال: وليس هذا بعروة بن الزبير، إنما هو عروة المزنى.

- ١٣١ -
عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا صحيحا (١) . هذا آخر كلامه.
وضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث ، وقال: هو شبه لاشىء. وقال الترمذى:
وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من
عروة . وقد روى عن إبراهيم التيمى عن عائشة: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قبلها ولم
يتوضأ)» وهذا لا يصح أيضاً، ولا نعرف لإبراهيم التيمى سماعا من عائشة، وليس يصح
عن النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب شىء.
باب فى الوضوء من مس الذكر [١: ٧١]
١٧٠ - عن عروة قال: ((دخلت على مروان بن الحكم، فذكرْنا ما يكون منه الوضوء، فقال
مروان: ومِنْ مَسِّ الذّ كر»، فقال عُروة: ((ماعلِمْتُ ذلك))، فقالمروان: أخبرَ تْنِي بُسْرَةُ
بنت صفْوان: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَنْ مَسَّ ذكرَ، فليتوضأْ)).
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : هذا حديث حسن
١٧٠ - قد ذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر جماعة من السلف، منهم عمر ، وسعد بن
(١) فى عون المعبود: هو ما أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات من سننه: حدثنا أبو كريب
حدثنا معاوية بن هاشم عن حمزة الزيات عن حبيب بن أبى ثابت عن عروة عن عائشة قالت : (( كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم عافنى فى جسدى، وعافنى فى بصرى)) الحديث. فمقصود
أبى داود : أن حبيباً وإن اختلف فى شيخه: أنه المزنى ، أو ابن الزبير ، فلا يشك فى سماع حبيب من
عروة بن الزبير فانه صحيح. وإليه أشار بقوله : حديثاً صحيحاً . فمحصل الكلام : أن عبد الرحمن بن
مغراء - مع ضعفه ورواية شيخه الأعمش عن المجهولين - قد تفرد عن الأعمش عن حبيب عن عروة
بهذا اللفظ، أى عروة المزنى. وأما وكيع وعلى بن هاشم وأبو يحي الحمانى - من أصحاب الأعمش -
فلم يقولوابه . فبعض أصحاب وكيع روى عنه لفظ عروة بغير نسبة . وبعضهم روى عنه بلفظ
عروة بن الزبير . ثم الأعمش أيضا ليس منفرداً بهذا، بل تابعه أبو أويس ، بلفظ (عروة بن
الزبير)). ثم حبيب بن أبى ثابت أيضاً ليس منفرداً، بل تابعه هشام بن عروة عن أبيه. ومعلوم
قطعاً أنه ابن الزبير . فثبت أن المحفوظ عروة بن الزبير. فبعض الحفاظ أطلقه، وبعضهم نسبه. وقد
تقرر فى موضعه أن زيادة الثقة مقبولة . وأما عروة المزنى فغلط من عبد الرحمن بن مغراء.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن سماع حبيب من عروة بن الزبير متكلم فيه . قال سفيان الثورى ويحي بن
معين ويحي القطان والبخارى: لم يصح له سماع من عروة بن الزبير، وصححه أبو داود وأبو عمر
بن عبد البر، لكن الصحيح ، القول الأول ، فيكون الحديث منقطعاً. وأجيب بأن ضعف الانقطاع
منجبر بكثرة الطرق والروايات العديدة .

- ١٣٢ -
صحيح . وقال : قال محمد ، يعني ابنَ إسماعيل البخارى: أصح شىء فى هذا الباب حديث
بسرة . هذا آخر كلامه .
وقال الإمام الشافعى رضى الله عنه: قد روينا قولنا عن غير بسرة عن النبى صلى الله
عليه وسلم، والذى يعيب علينا الرواية عن بسرة يروى عن عائشة بنت عَجْرَد وأم خِداش
وعدة من النساء، لسن بمعروفات فى العامة، ويحتج بروايتهن، ويضعف بسرة، مع سابقتها،
وقديم مجرتها وصحبتها النبى صلى الله عليه وسلم، وقد حدَّثتْ بهذا فى دار المهاجرين
والأنصار وهم متوافرون ، لم يدفعه منهم أحد، بل علمنا بعضهم صار إليه عن روايتها ،
منهم عروة بن الزبير ، وقد دفع وأنكر الوضوء من مس الذكر قبل أن يسمع الخبر، فلما
على أن بسرة روته قال به وترك قوله، وسمعها ابن عمر تحدث به ، فلم يزل يتوضأ من مس
الذكر حتى مات ، وهذه طريقة الفقه والعلم . هذا آخر كلامه.
وقد وقع لنا هذا الحديث من رواية عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن
عبد الله، وزيد بن خالد، وأبى أيوب الأنصارى، وأبى هريرة، وعائشة ، وأم حبيبة،
رضى الله عنهم
أبى وقاص، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، رضوان الله عليهم. وهو مذهب الأوزاعى
والشافعى وأحمد وإسحق ، إلا أن الشافعى لايرى نقض الطهارة إلا أن يمسه بباطن كفه
وقال الأوزاعى وأحمد: إذا مسه بساعده أو بظهر كفه انتقض طهره، كهوإذا مسه ببطن
كفه سواء. وكان على بن أبى طالب ، وعبد الله بن مسعود، وعمار، وحذيفة ، وأبو الدرداء
رضوان الله عليهم لا يرون مسه ناقضاً للطهر. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وهو قول
سفيان الثورى. وكان مالك بن أنس يذهب إلى أن الأمر فيه على الاستحباب، لاعلى
الإيجاب . وروى أبو داود فى الرخصة فيه حديث قيس بن طلق قال : حدثنا مسدد حدثنا
ملازم بن عمرو الخنفى حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه ، قال: « قدمنا
على نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء رجل كأنه بدوی ، فقال : يارسول الله ماترى فى مس
الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: وهل هو إلا مضغة منه، أو بضعة منه !! )).

- ١٣٣ -
باب الرخصة فى ذلك [ ١ : ٧٢]
١٧١ - عن قيس بن طَلْق عن أبيه قال: «قَدِمْنا على نبى الله صلى الله عليه وسلم، فجاء
رجل كأنه بدوىٌّ، فقال: يا نبيَّ الله، ما ترى فى مَسِّ الرَّجل ذكره، بعد ما يتوضأ ؟
فقال: هل هو إِلاَّ مُضْغَةٌ منه، أو بَضْعَةٌ منه !! )).
قال أبو داود: ورواه الثورى وشعبة وابن عيينة عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق
عن أبيه بإسناده ومعناه . وقال «فى الصلاة)». واحتج من رأى فيه الوضوء بأن خبر بسرة
متأخر، لأن أبا هريرة رواه عن النبى صلى الله عليه وسل، وهو متأخر الأسلام، وكان
قدوم طلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بدء الاسلام، وهو إذ ذاك يبنى مسجد
المدينة أول زمن الهجرة ، وإنما يؤخذ بآخر الأمرين. وتأولوا خبر طلق على أنه أراد به
المس ودونه حائل . واستدلوا على ذلك برواية الثورى وشعبة وابن عيينة : أنه سأله عن
مسه فى الصلاة ؟ والمصلى لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه.
وحدثنا الحسن بن يحيى حدثنا أبو بكر بن المنذرقال : بلغنى عن أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين أنهما اجتمعا، فتذاكر الوضوء من الذكر، وكان أحمد يرى فيه الوضوء ،
ويحيى لايرى ذلك، وتكلما فى الأخبار التى رويت فى ذلك، فحصل أمرهما على أن أتفقا
على إسقاط الاحتجاج بالخبرين معاً: خبر بسرة وخبر طلق ، ثم صارا إلى الآثار المروية
عن الصحابة فى ذلك، فصار أمرهما إلى أن احتج أحمد بحديث ابن عمر، فلم يمكن
یحیی دفعه .
١٧١ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم: نقض الوضوء من مس الذكر : فيه حديث بسرة،
قال الدار قطنى : قد صح سماع عروة من برة هذا الحديث ، وبسرة هذه من الصحابيات
الفضليات . قال مالك: أتدرون من بسرة بئت صفوان؟ هى جدة عبد الملك بن مروان ،
أم أمه ، فاعرفوها . وقال مصعب الزبيرى : هى بنت صفوان بن نوفل ، من المبايعات ،
وورقة بن نوفل عمها . وقد ظلم من تكلم فى بسرة وتعدى . وفى الموطأ فى حديثها من
رواية ابن بكي: ((إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة)).

- ١٣٤ -
وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجة . وفى لفظ النسائى ورواية لأبى داود :
((فى الصلاة )) يعنى مس الرجل ذكره فى الصلاة . قال الإمام الشافعى رضى الله عنه:
قد سألنا عن قيس ، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره ، وقد عارضه من وصفنا
نعته ورجاحته فىالحديث و تَبته . وقال يحيى بن معين: لقد أ کثر الناس فی قیس بن طاق،
وإنه لا يحتج بحديثه. وقال عبد الرحمن بن أبى حاتم: سألت أبى وأبا زرعة عن هذا
الحديث؟ فقالا: قيس بن طلق ليس ممن يقوم به حجة، ووهَّناه، ولم يثبتاه .
وفيه حديث أبى هريرةيرفعه: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، ليس بينه وبينهاشىء،
فليتوضأ)) . رواه الشافعي عن سليمان بن عمرو ومحمد بن عبد الله عن يزيد بن عبد الملك
الهاشمى عن سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة . قال ابن السكن : هذا الحديث من أجود
ماروى فى هذا الباب . قال ابن عبد البر : كان حديث أبى هريرة لا يعرف إلا بيزيد بن
عبد الملك التوفلى عن سعيد عن أبى هريرة . ويزيد ضعيف - حتى رواه أصغ بن الفرج
عن ابن القاسم عن نافع بن أبى نعيم ويزيد بن عبد الملك جميعاً، عن سعيد عن أبى هريرة،
قال: فصح الحديث بنقل العدل عن العدل ، على ما قال ابن السكن ، إلا أن أحمد بن حنبل كان
لا يرضى نافع بن أبى نعيم، وخالفه ابن معين فقال : هو ثقة. قال الحازمى: وقد روى
عن ناقع بن عمر الجمحي عن سعيد ، كما رواه يزيد ، وإذا اجتمعت هذه الطرق دلتنا على
أن له أصلا من رواية أبى هريرة .
وفى الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: (( أيما رجل مس فرجه
فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ)). قال الحازمى : هذا إسناد صحيح، لأن
إسحاق بن راهويه رواه فى مسنده : حدثنا بقية بن الوليد حدثنى الزبيدى حدثنى عمرو -
فذكره. وبقية ثقة فى نفسه، وإذا روى عن المعروفين فمحتج به ، وقد احتج به مسلم ومن
بعده من أصحاب الصحيح. والزبيدى - محمد بن الوليد - إمام محتج به . وعمرو بن
شعيب ثقة باتفاق أئمة الحديث. قال: وإذا روى عن غير أبيه لم يختلف أحد فى الاحتجاج
به، وأما رواياته عن أبيه عن جده ، فالأكثرون على أنها متصلة ، ليس فيها إرسال
ولا انقطاع. وذكر الترمذى فى كتاب العلل له ، عن البخارى أنه قال : حديث عبد الله
بن عمرو فى هذا الباب - فى باب مس الذكر - هو عندى صحيح. قال الحازمى: وقد روى
هذا الحديث من غير وجه عن عمرو بن شعيب ، فلا يظن أنه من مفاريد بقية .
وأما حديث طلق فقد رجح حديث بسرة وغيره عليه من وجوه : أحدها ضعفه .

- ١٣٥ -
والثانى: أن طلقاً قد اختلف عنه، فروى عنه ((هل هو إلا بضعة منك؟))
وروى أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه مرفوعاً (( من مس فرجه فليتوضأ))
رواه الطبرانى، وقال: لم يروه عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد. وهما عندى صحيحان،
يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبى صلى الله عليه وسلم قبل هذا، ثم سمع هذا
بعده ، فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى وغيرهم
فسمع الناسخ والمنسوخ.
الثالث : أن حديث طلق لو صح لكان حديث أبى هريرة ومن معه مقدماً عليه ، لأن
طلقاً قدم المدينة وهم يبنون المسجد ، فذكر الحديث، وفيه قصة مس الذكر، وأبو هريرة
أسلم عام خيبر، بعد ذلك بست سنين ، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمره
صلى الله عليه وسلم
الرابع : أن حديث طلق مبقى على الأصل ، وحديث بسرة ناقل ، والناقل مقدم ،
لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه
الخامس : أن رواة النقض أكثر، وأحاديثه أشهر، فانه من رواية بسرة ، وأم حبيبة،
وأبى هريرة وأبى أيوب وزيد بن خالد .
السادس : أنه قد ثبت الفرق بين الذكر وسائر الجسد فى النظر والحس ، فثبت عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه)» فدل على أن الذكر
لا يشبه سائر الجسد ، ولهذا صان اليمين عن مسه، فدل على أنه ليس بمنزلة الأنف ، والفخذ،
والرجل ، فلو كان كما قال المانعون: إنه بمنزلة الابهام واليد والرجل لم ينه عن مسه باليمين.
والله أعلم
السابع : أنه لو قدر تعارض الحديثان من كل وجه لكان الترجيح لحديث النقض،
لقول أكثر الصحابة به ، منهم : عمر بن الخطاب ، وابنه، وأبو أيوب الأنصارى ، وزيد
بن خالد، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عمرو، وجابر ، وعائشة ، وأم حبيبة، وبسرة
بنت صفوان رضى الله عنهم، وعن سعد بن أبى وقاص روايتان، وعنابن عباس رضى الله
عنهما روايتان (١)
(١) والذى تطمئن إليه نفس الفقيه: أنه لا تعارض بين حديث بسرة وحديث طلق. وذلك: أن
للفرج من الرجل والمرأة إحساسا غير إحساس بقية الأعضاء . فمن مسه يقصد إيقاظ هذا الاحساس
الخاص وجب عليه الوضوء. ومن مسه كما يمس أى عضو آخر فلاوضوء عليه. وهذا واضح من تعليل
الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديث طلق: « هل هو إلا مضغة منه، أو بضعة منه؟)) والله أعلم.

- ١٣٦ -
باب فى الوضوء من لحوم الإبل | ١ : ٧٢ ]
١٧٢ - عن البراء بن عازب رضى الله عنهما قال: (( سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن الوضوء من لحوم الإبل ؟ فقال: توضّؤًا منها. وسئل عن لحوم الغنم ؟ فقال:
لا توضؤا منها. وسُئل عن الصلاة فى مبارك الإبل؟ فقال: لا تُصَلوا فى مبارك الإبل ،
فإنها من الشياطين . وسئل عن الصلاة فى مرابض الغنم؟ فقال: صَلّوا فيها، فإنها بَرَكة».
١٧٢ - قلت : قد ذهب عامة أصحاب الحديث إلى إيجاب الوضوء من أكل لحوم الإبل، قولاً
بظاهر هذا الحديث، وإليه ذهب أحمد بن حنبل . وأما عامة الفقهاء فمعنى الوضوء عندهم
منأول على الوضوء الذى هو النظافة، ونفى الزُّهومة، كما روى: (( توضؤا من اللبن فإن له
وسماً)) وكما قال: ((صلوا فى مرابض الغنم ولا تصلوا فى أعطان الإبل)) وليس ذلك من أجل
أن بين الأمرين فرقاً فى باب الطهارة والنجاسة، لأن الناس على أحد قولين : إما قائل .
يرى نجاسة الأبوال كلها، أو قائل يرى طهارة بول مايؤكل لحمه، والغنم والإبل سواء عند
الفريقين فى القضيتين معاً.
وإنما نهى عن الصلاة فى مبارك الإبل لأن فيها نفاراً وشراداً لا يؤمن أن تتخبط المصلى
إذا صلى بحضرتها، أو تفسد عليه صلاته ، وهذا المعنى مأمون من الغنم ، لما فيها من السكون
وقلة النفار ، ومعلوم أن فى لحوم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ماليس فى لحوم الغنم ،
فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفاً إلى غسل اليد، لوجود سببه ، دون الوضوء الذى
هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه. والله أعلم.
١٧٢ - قال ابن القيم رحمه الله: وقد أعل ابن المدينى حديث جابر بن سمرة فى
الوضوء من لحوم الابل . قال محمد بن أحمد بن البراء : قال على : جعفر مجهول ، يريد
جعفر بن أبى ثور راويه عن جابر . وهذا تعليل ضعيف. قال البخارى فى التاريخ:
جعفر بن أبى ثور: جده جابر بن سمرة . قال سفيان وزكريا وزائدة عن سماك عن
جعفر بن أبى ثور عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم فى اللحوم. قال البخارى: وقال
أهل النسب : ولد جابر بن سمرة : خالد، وطلحة، ومسلمة، وهو أبوثور . قال: وقال
شعبة: عن سماك عن أبى ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر . قال الترمذى فى

- ١٣٧ -
وأخرجه الترمذى وابن ماجة مختصراً . وكان أحمد بن حنبل وإسحق بن إبراهيم
الحنظلى يقولان : قد صح فى هذا الباب حديث البراء بن عازب وحديث جابر بن سَمْرة .
قال شيخنا الحافظ العلامة أبو محمد المنذرى رحمه الله: وحديث جابر بن سمرة أخرجه
مسلم فى صحيحه، ولفظه: (( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتوضأ من لحوم
الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ. قال : أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال:
نعم، فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلى فى مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أعلى فى
مبارك الإبل ؟ قال : لا )) .
العلل : حديث سفيان الثورى أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ فيه فقال: عن أبى
ثور ، وإنما هو جعفر بن أبى ثور . قال البيهقى: وجعفر بن أبى ثور رجل مشهور، وهو
من ولد جابر بن سمرة ، روى عنه سماك بن حرب وعثمان بن عبد الله بن موهب
وأشعث بن أبى الشعثاء . قال ابن خزيمة: وهؤلاء الثلاثة من أجلة رواة الحديث . قال
البيهقى : ومن روى عنه مثل هؤلاء خرج عن أن يكون مجهولا، ولهذا أودعه مسلم كتابه
الصحيح . قال البيهقى: وأخبرنا أبو بكر أحمد بن على الحافظ حدثنا إبراهيم بن عبد الله
الأصفهانى قال: قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: لم ز خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر
صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه . قال البيهقى : وروينا عن على بن أبى طالب وابن
عباس رضى الله عنهم: ((الوضوء مما خرج، وليس مما دخل)) وإنما قالا ذلك فى ترك
الوضوء مما مست النار . ثم ذكر عن ابن مسعود أنه أتى بقصعة من الكبد هالسنام من
لحم الجزور ، فأكل ولم يتوضأ . قال : وهذا منقطع وموقوف . وروى عن أبى عبيدة
قال : كان عبد الله بن مسعود يأكل من ألوان الطعام ولا يتوضأ منه. قال البيهقى: وبمثل
هذا لا يترك ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا كلامه فى السنين الكبير. وهو
كما ترى صريح فى اختياره القول بأحاديث النقض . واختاره ابن خزيمة .
ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر: ((كان آخر الأمرين من رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)) ولا تعارض بينهما أصلا. فان
حديث جابر هذا إنما يدل على أن كونه ممسوساً بالنار ليس جهة من جهات نقض الوضوء ،
ومن نازعكم فى هذا؟ نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء مما مست
النار، على صعوبة تقرير دلالته، وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل هو الموجب للوضوء"
سواء مسته النار أم لم تمسه، فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده، فكيف يحتج عليه

- ١٣٨ -
باب الوضوء من مس اللحم النّئْ وغسله [١: ٧٣]
١٧٣ - عن هلال بن ميمون الْجَنِيّ عن عطاء بن يزيد الليثى، قال هلال: لا أعلمه إلا
عن أبى سعيد، وقال أيوب وعمرو: (١) أُراه عن أبي سعيد، وهو الخدرىُّ رضى الله عنه:
(( أن النبى صلى الله عليه وسلم مَرَّ بغلام يَسْلُحُ شاةً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
تَنَحَّ حتى أُريَك. فأدخل يده بين الجلد واللَّحم، فَدَحَسَ بها (٢) حتى توارتْ إلى الإبط ،
ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ)».
١٧٣-قوله«حتی اریك)» معناه: أعلمك .ومنهقولهتعالى(١٢٨:٢ وأرنامنا سكنا)وقوله«فدحسبها
إلى الإبط)) أى أدخل ملء يده بذراعها إلى الإبط. والدحس كالدس، ويقال للسنبلة إذا
امتلأت واشتد حبها : قد دحست . ومعنى الوضوء فى هذا الحديث غسل اليد . والله أعلم.
بهذا الحديث؟ وحتى لو كان لحم الابل فرداً من أفراده، فانما تكون دلالته بطريق العموم،
فكيف يقدم على الخاص؟ هذا مع أن العموم لم يستفد ضمناً من كلام صاحب الشرع ،
وإنما هو من قول الراوى .
وأيضاً: فأبين من هذا كله: أنه لم يحك لفظاً، لاخاصاً ولا عاماً ، وإنما حكى أمرين
هما فعلان: أحدهما متقدم، وهو فعل الوضوء، والآخر متأخر ، وهو تركه من ممسوس
النار ، فهاتان واقعتان، توضأ فى إحداهما وترك فى الأخرى، من شىء معين مسته النار ، لم.
يحك لفظاً عاماً ولا خاصاً ينسخ به اللفظ الصريخ الصحيح .
وأيضاً: فان الحديث قد جاء مثبتاً من رواية جابر نفسه: (( أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم دعى إلى طعام ، فأكل ثم حضرت الظهر، فقام وتوضأ وصلى، ثم أكل ، خضرت
العصر، فقام فصلى ولم يتوضأ، فكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم
ترك الوضوء مما مست النار)). فالحديث له قصة ، فبعض الرواة اقتصر على موضع الحجة ،
فحذف القصة، وبعضهم ذكرها، وجابر روى الحديث بقصته. والله أعلم .
(١) قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء وأيوب بن محمد الرقى وعمرو بن عثمان الحمصى- المعنى -
قالوا: حدثنا مروان بن معاوية قال: أخبرنا هلال بن ميمون. اهـ. وقول أبى داود (المعنى)) أى
أحاديثهم متقاربة فى المعنى [٢] فى الصحاح : الدحس: إدخال اليد بين جلد الشاة وصفاتها لسلخها .

- ١٣٩ -
قال أبوداود: زاد عمرو فى حديثه - يعنى لم يمَسَّ ماء. وقال أيضا: إنه قدروى مرسلاً.
وأخرجه ابن ماجة .
وفى إسناده: هلال بن ميمون الجهنى الرملى، كنيته: أبو المغيرة . قال ابن معين : ثقة .
وقال أبو حاتم الرازى : ليس بقوی ، یکتب حديثه .
باب ترك الوضوء من مس الميتة [١: ٧٤ ]
١٧٤ - عن جابر - وهو ابن عبد الله، رضى الله عنهما - : (( أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم مَرَّ بالسوق داخلاً من بعض العاليةِ(١) والناس كنَفَتَيْهِ، فَرَّ بَجَدْىٍ أَسَكَّ (٣)
مَيْتٍ، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيُّكُمُ يُحِبُّ أن هذا لهُ؟)) وساق الحديث(٣).
وأخرجه مسلم .
باب فى ترك الوضوء مما مست النار [٢٥:١]
١٧٥ - عن ابن عباس رضى الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتِفَ شَاةٍ
ثم صلَّى ، ولم يتوضأ ».
وأخرجه البخاري ومسلم.
١٧٦ - وعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: «ضِفْتُ النبى صلى الله عليه وسلم ذات
١٧٦ - قوله ((تربت يداه) كلمة يقولها العرب عند اللوم والتأنيب، ومعناها الدعاء عليه بالفقر
والعُدم ، وهم يطلقونها فى كلامهم، وهم لا يريدون وقوع الأمر، كما قالوا: عَقْرَى خَلْقَى،
وكقولهم: هَبَلته أمه، فإن هذا الباب لما كثر فى كلامهم ودام استعمالهم له فى خطاهم صار عندهم
بمعنى اللغو، كقولهم : لا والله وبلى الله، وذلك من لغو اليمين الذى لا اعتبار به ولا كفارة
فيه. ويقال: ترب الرجل إذا افتقر، وأترب - بالألف - إذا استغنى، ومثل هذا قوله
صلى الله عليه وسلم: « فعليك بذات الدِّين، تربت يداك)).
(١) العوالى: أرض بأعلى المدينة (٢) الأسك - بفتح الهمزة والسين وتشديد الكاف - قال
القاضى عياض فى المشارق : يطلق على ملتصق الأذنين ، وعلى صغيرهما ، وعلى مقطوعهما ، وعلى
الأضم الذى لا يسمع. والمراد هبنا الأول (٣) رواه مسلم فى الزهد من صحيحه، ونصه: ((أيكم يحب
أن هذا له بدرهم؟ فقالوا : ما تحب أنه لنا بشىء، وما نصنع به؟ قال: تحبون أنه لكم؟ قالوا: والله
لو كان حياً كان عيباً فيه، لأنه أسك. فكيف وهو ميت! فقال: والله الدنيا أهون عند الله من هذا عليكم)).

- ١٤٠ -
ليلةٍ ، فأمرَ بِجَنْبٍ، فَتُوِىَ، وأخذ الشَّفْرَةَ، فَجِعَلَ يَحُزَّ لى بها منه، قال: فَجاءَ بِلاَّلْ،
فأذَّنه بالصلاة، قال : فألَتَى السّكين(١)، وقال: ما لَهُ ج ◌َرِبتْ يداهُ! وقام يصلى - زاد
الأَنْبَارِىُّ (٢): وكان شاربِى وَفَى، فَقَتُهُ لى عَلَى سِواكٍ ، أو قال: أُقُتُّهُ لك على سِواك!)).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة .
:
١٧٧ - وعن عِكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: « أكلَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم كيتِفًا، ثم مسح يده بمِسْحٍ كان نحته، ثم قام فصلى ).
وأخرجه ابن ماجة .
١٧٨ - وعن يحيى بن يَغْمُر عن ابن عباس: (( أن النبى صلى الله عليه وسلم انتهس من
كتف، ثم صلى ولم يتوضَّأ)».
وقد أخرج البخارى ومسلم من حديث عطاء بن يسار عنه: (( أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ، ولم يتوضأ)» . وقد تقدم.
قلت : وليس هذا الصنيع من رسول الله بمخالف لقوله « إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة
فابدؤا بالعشاء))، وإنما هو للصائم الذى قد أصابه الجوع وتاقت نفسه إلى الطعام، فأمر
بأن يصيب من الطعام قدر مايسكن به شهوته ، لتطمئن نفسه فى الصلاة ، فلا تنازعه
شهوة الطعام، وهذا فيمن حضره الطعام، أو أن العادة غداء وعشاء، وهو متماسك فى نفسه،
لا يزعجه الجوع، ولا يعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها .
وفى الخبر دليل : على أن الأمر بالوضوء ممّا غَيَّت النار استحباب، لاأمر إيجاب .
وفيه جواز قطع اللحم بالسكين ، وقد جاء النهى عنه فى بعض الحديث، ورويت الكراهة
فيه، وأمر بالنهى. ويشبه أن يكون المعنى فى ذلك كراهية زى العجم واستعمال عادتهم فى
الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفع عن مس الأصابع الشفتين والفم،
وليس يضيق قطعه بالسكين وإصلاحه به والحزّمنه إذا كان اللحم طابقاً أو عضواً كبيراً،
كالجنب ونحوه، فإذا كان عُراقاً ونحوه فنهسه مستحب على مذهب التواضع وطرح الكبر ،
وقطعه بالسكين مباح عند الحاجة إليه غير ضيق .
(١) فى أبى داود: ((فألقى الشفرة)). (٢) هو محمد بن سليمان