النص المفهرس

صفحات 101-120

مـ
- ١٠١ -
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ابن عيينة - زعموا - كان ينكره ، ويقول:
إيش هذا ، طلحة عن أبيه عن جده ؟
١٢٠ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما: ((رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ -
فذكر الحديث كله ثلاثاً ثلاثاً - قال : ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة».
١٢١ - وعن أبى أمامة - ذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يمسح المأقين ، قال: وقال: الأذنان من الرأس )).
قال سليمان بن حرب : يقولها أبو أمامة . قال قتيبة : قال حماد : لا أدرى ، هو من
قول النبى صلى الله عليه وسلم أو أبى أمامة ? يعنى قصة الأذنين .
١٢١ - ((المأق)) طرف العين الذى يلى الأنف، وفيه ثلاث لغات: ماق ، ومأق مهموز،
وموق. فالمأق: بجمع على الأماق، والموق : يجمع على المآقى .
وقوله (( الأذنان من الرأس)): فيه بيان أنهما ليستا من الوجه ، كما ذهب إليه الزهرى،
وأنه ليس باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس ، كما ذهب إليه الشعبى ..
وممن ذهب إلى أنهما من الرأس: ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وابن سيرين ، وسعيد
بن جبير، والخى ، وهو قول النورى وأصحاب الرأى ومالك وأحمد بن حنبل . وقال
الشافعى: هما سنة على حيالها، ليستا من الوجه ولا من الرأس . وتأول أصحابه الحديث
على وجهين: أحدهما : أخبما يمسحان مع الرأس تبعاً له. والآخر : أنهما يمسحان كما يمسح
الرأس، ولا يغسلان كالوجه ، وإضافتهما إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب، لا إضافة
تحقيق، وإنما هو فى معنى دون معنى، كقوله «مولى القوم منهم)» أى فى حكم النصرة والموالاة،
طلحة ؟ فقال: عمرو بن كعب ، أو كعب بن عمرو ، وكانت له صحبة. وقال عباس الدورى :
قلت ليحي بن معين : طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده ، رأى جده النبى صلى الله
عليه وسلم؟ فقال يحي: المحدثون يقولون : قد رآه ، وأهل بيت طلحة يقولون :
ليست له صحبة.

- ١٠٢ -
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم .
وقال الدارقطنى : رفعه وهم ، والصواب أنه موقوف .
باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً [٥١:١]
١٢٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال: يارسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء فى إناء، فغسل كفيه ثلاثاً ، ثم غسل وجهه
ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ، ثم مسح برأسه، أدخل إصبعيه السباحتين فى أذنيه ومسح
بإيهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه ، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال :
هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء )).
وأخرجه النسائي وابن ماجة . وعمرو بن شعيب ترك الاحتجاج بحديثه جماعة من الأيمة،
ووثقه بعضهم . قال عبد الله بن صالح العجلى : ثقة . وقال يحيى بن معين : ثقة
وقال مرة: ليس بذاك. وقال الإمام أحمد: ليس بحجة، وقال مرة: ربما احتججنا به .
وربما وجس فى القلب منه شىء ، وله منا كير . وقال البخارى : رأيت أحمد بن حنبل
وعلى بن عبد الله والحميدى وإسحاق بن إبراهيم: يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده. وقال يحيى بن سعيد القطان: عمروبن شعيب عندنا وادٍ. وقال أيوب
السختياني: كنت آتى عمرو بن شعيب فأغطى رأسى حياء من الناس . وكان مغيرة بن
مقسم لا يعبأ بصحيفة عمرو بن شعيب . وقال مرة : ما يسرنى أن صحيفة عبد الله بن عمرو
عندى بتمرتين ؛ أو بفلين . وقال الدار قطنى: إذا قال عن أبيه عن جده، فيوهم أن
دون حكم النسب واستحقاق الإرث، ولو أوصى رجل لبنى هاشم لم يعط مواليهم، ومولى
اليهودى لا يؤخذ بالجزية .
وفائدة الكلام ومعناه عندهم: إبانة الأذن عن الوجه فى حكم الغسل، وقطع الشبهة
فيها، لما بينهما من الشبه فى الصورة، وذلك أنهما وجدنا فى أصل الخلقة بلا شعر، وجعلتا
محملاًّ لحاسّة من الحواس، ومعظم الحواس محله الوجه، فقيل ((الأذنان من الرأس)) ليعلم
أنهما ليستا من الوجه .

- ١٠٣ -
يكون جده الأعلى وجده الأدنى، ما لم يبين ، فإذا بين فهو صحيح ، ولم يترك حديثه أحد
من الأبمة . وقال ابن عدى: إن أحاديثه عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله عليه وما
اجتفبه الناس مع احتمالهم إياه، ولم يدخلوه فى صحاح خرجوه، وقال : هى صحيفة .
باب الوضوء مرتين [٥٢:١]
١٢٣ - عن أبى هريرة رضى الله عنه: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين.
وأخرجه الترمذى ، وقال: هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث ابن
ثوبان عن عبد الله بن الفضل ، وهو إسناد حسن صحيح .
١٢٤ - وعن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس: ((أُتَحِبُّون أن أريكم كيف كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء، فاغترف غرفة بيده اليمنى،
فتمضمض واستنشق ، ثم أخذ أخرى ، فجمع بها يديه، ثم غسل وجهه ، ثم أخذ أخرى.
فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى، ثم قبض قبضة من الماء .
ثم نفض يده، ثم مسح بها رأسه وأذنيه، ثم قبض قبضة أخرى من الماء، فرشَّ على رجله
اليمنى وفيها الفعل ، ثم مسحها بيديه ، يدٌ فوق القدم ويد تحت النعل ، ثم صنع باليسرى
مثل ذلك))
وأخرجه البخارى مطولاً ومختصراً ، وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجة ، .فرقاً
بنحوه مختصراً . وفى لفظ البخارى: «ثم أخذ غرفة من ماء، فرش على رجله اليمنى حتى
غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله، يعنى اليسرى)). وفى لفظ للنسائى ((ثم غرف
غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى)). وذلك يوضح ما أبهم فى لفظ
حديث أبى داود. وترجم البخارى والترمذي والنسائي على طرف من هذا الحديث: ((الوضوء
مرة)) خلاف ما فى هذه الترجمة . وكذلك فعل أبو داود فى الباب الذى بعده .
باب الوضوء مرة مرة [٥٣:١]
١٢٥ - عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال ((ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله
عليه وسلم ؟ فتوضأ مرة مرة)).
وهذا طرف من الحديث الذى قبله.

-- ١٠٤ -
باب فى الفرق بين المضمضة والاستنشاق [٥٣:١]
١٢٦ - عن طلحة - وهو ابن مُصَرّفٍ - عن أبيه عن جده، قال: ((دخلت - يعنى
على النبى صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره ،
فرأيته يفْصِلْ بين المضمضة والاستنشاق)).
باب فى الاستثنار [١: ٥٣]
١٢٧٠ - عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا توضأ
أحدكم فليجعل فى أنفه، ثم لَيْثُرْ)).
وأخرجه البخارى والنسائى. وأخرجه مسلم من وجه آخر .
١٢٨ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((استنثِوا مرتين بالنَّتين، أو ثلاثاً)).
وأخرجه ابن ماجة .
١٢٩ - وعن لَفِيطِ بن صَبِرَة قال: (( كنت وافِدَ مَنِى المُنْتَفِقِ - أو فى وفَّدٍ بنى المنتفق -
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قَدِمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أُصادفه
فى منزله، وصادفْنا عائشةَ أم المؤمنين، قال: فأمرت لنا بخزيرةٍ ، فصُنعت لنا، قال :
وأتينا بقِناع -- ولم يَقُمْ قَتَيْبَةُ القِناعَ - والقناعُ الطَبَقُ - فيه تمر، ثم جاء رسول الله
١٢٩ - قوله ((أمرت لنا بخزيرة)) فإن الجزيرة من الأطعمة ما اتّخذ بدقيق ولحم،
والخزيرة: حساء من دقيق ودَسَم . والقناع: الطبق، وسمى قناعاً لأن أطرافه قد أقنعت
إلى داخل ، أى عطفت .
وقوله (تيعر)) من اليُعار، وهو صوت الشاة. وقوله ((ماولدت)) هى مشددة اللام
على معنى خطاب الشاهد . وأصحاب الحديث يروونه على معنى الخبر، يقولون ((ماوَلَدَتْ))
خفيفة اللام سا كنة التاء، أى ماولدت الشاة » وهو غلط، يقال: ولدْتُ الشاةَ، إذا حضرتَ

- ١٠٥ -
صلى الله عليه وسلم، فقال: هل أصبح شيئاً، أو أمِرَ لكم بشىء ؟ قال: قلنا : نعم
يا رسول الله، قال: فبينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس إذ دفع الراعى
غنمه إلى الْمُراحِ، ومعه سَخْلَةٌ تَْعَرُ، فقال: ما وَلَدْتَ يا فلان؟ قال: يَهْمَةَ ، قال :
فاذبح لنا مكانها شاةً، ثم قال: لا تحِمنَّ - ولم يقل لا تحسَنَّ - أنَّا من أجلك
ولادها فعالجتها حتى يبين منها الولد . وأنشدنى أبو عمرو فى ذكر قوم :
إذا ماولدّوا يوماً تنادوا: أُجَدْىٌ تحت شائك، أم غلام؟
((والبهمة)» ولد الشاة أول ما يولد، يقال للذكر والأنثى: بهمة.
وقوله ((لا تحين أنا من أجلك ذبحناها)» معناه: ترك الاعتداد به على الضيف ،
والتبرؤ من الرياء .
وقوله (( ولا تحسين)) مكسورة السين، إنما هو لغة عليا مضر، وتحسين، بفتحها، لغة
سفلاها. وهو القياس عند النحويين. لأن المستقبل من ((فعل)) مكسورة العين ((يفعَل))
مفتوحتها ، كقولهم : علم يعلم، وعجل يعجل ، إلا أن حروفاً شاذة قد جاءت ، نحو
((َنَعِمِ ينعِم)) و((يئس، ييأس)) و((حسِب يحسِب))، وهذا فى الصحيح، فأما المعتل
فقد جاء فيه « ورم ،یرم ))، و« وثق یثق )» ، و« ورِع برع )»، و « ورِی ہیرِی)».
وقوله (( لا تضرب ظعينتك كضر بك أمينك)) فإن الظعينة هى المرأة، وسميت ظعينة
لأنها تظعن مع الزوج وتنتقل بانتقاله. وليس فى هذا ما يمنع من ضربهن أو يحرمه على
الأزواج عند الحاجة إليه، فقد أباح الله تعالى ذلك فى قوله (٤: ٣٤ فِظوهن واهجر وهن فى
المضاجع واضربوهن) وإنما فيه النهى عن تبريح الضرب، كما يضرب الماليك فى عادات
من يستجيز ضربهم ويستعمل سوء الملكة فيهم، وتمثيله بضرب الماليك لا يوجب
إباحة ضربهم ، وإنما جرى ذكره فى هذا على طريق الذم لأفعالهم، ونهاه عن الاقتداء بها.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضرب الماليك إلا فى الحدود، وأمرنا بالإحسان
إليهم وقال: ((من لم يوافقكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله)، فما ضرب الدواب فمباح.
لأنها لاتتأدب بالكلام ، ولا تعقل معانى الخطاب كما يعقل الإنسان، وإنما يكون تقويمها
ب

- ١٠٦ -
ذبحناها ! ننا غنمٌ مائةٌ، لا نريد أن تزيد، فإذا ولَّدَ الراعى بَيْمَةً ذبحنا مكانها شاة،
قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ لى امرأةً، وإنَّ فى لسانها شيئاً - يعنى البَذَاء - قال:
فطِّقها إذن ، قال : قلت: يا رسول الله، إنَّ لها صُحبةً، ولى منها ولدٌ، قال: فمُرْها،
يقول : عِظْها، فإن يكُ فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظَعينتك كضربك أُمَيتَكَ.
قلت : يارسول الله ، أخبرني عن الوضوء، قال: أسغ الوضوء، وخلل بين الأصابع وبالغ
فى الاستنشاق ، إلاَّ أن تكون صائماً )).
غالباً بالضرب، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرك بعيره بمحجنه ، ونخس
جمل جابر رضى الله عنه حين أبطأ عليه ، فسبق الركب، حتى ما يملك رأسنه .
وفى الحديث من الفقه : أن الاستنشاق فى الوضوء غير واجب ، ولو كان فرضاً فيه
لكان على الصائم كهو على المفطر ونرى أن معظم ما جاءمن الحث والتخريض على
الاستنشاق فى الوضوء إنما جاء لما فيه من المعونة على القراءة وتنقية مجرى النفس الذى يكون
به التلاوة ، وبإزالة ما فيه من الثفل تصح مخارج الحروف .
وقال ابن أبي ليلى و إسحق بن راهويه : إذا ترك الاستنشاق فى الوضوء أعاد الصلاة،
وكذلك إذا ترك المضمضة .
وفى الحديث دليل على أن ما وصل إلى الدماغ من سعوط ونحوه فإنه يفطر الصائم ،
كما يفطره ما يصل إلى معدته. إذا كان ذلك من فعله أو بإذنه.
وفيه دليل على أنه إذا بالغ فى الاستنشاق ذا كراً لصومه فوصل الماء إلى دماغه فقد
أفسد صومه .
وقوله ((أحبرني عن الوضوء)) فإن ظاهر هذا السؤال يقتضى الجواب عن جملة الوضوء،
إلا أنه صلى الله عليه وسلم لما اقتصر فى الجواب على تخليل الأصابع والاستنشاق على أن
السائل لم يسأله عن حكم ظاهر الوضوء، وإنما سأله عما يخفى من حكم باطنه. وذلك لأن
آخذ الماء قد يأخذه بجمع الكف وضم الأصابع بعضها إلى بعض فيسد حصاص ما بينها ،

- ١٠٧ -
١٥٠٠
١٣٠ - وفى رواية قال: «فلم نَنْشَبْ أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقلع ،
يَتَكفَّأ)). وقال: ((عَصيدة)) مكان «خَزيرة)).
١٣١ - وفى: رواية ((إذا توضأت فمضمض)).
وأخرجه الترمذى فى الطهارة؛ وفى الصوم مختصراً ، وقال : هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائى فى الطهارة والوليمة مختصراً . وأخرجه ابن ماجة فى الطهارة مختصراً .
باب تخليل اللحية [١: ٥٦]
١٣٢ - عن أنس بن مالك رضى الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ
أخذ كفَّ من ماء فأدخله تحت حَتَكه ، فخلل به لحيته ، وقال : هكذا أمرنى ربى )».
فربما لم يصل الماء إلى باطن الأصابع ، وكذلك هذا فى باطن أصابع الرجل ، لأنها ربما
ركب بعضها بعضاً حتى تكاد تلتحم، فقدم له الوصاة بتخليلها ، ووكد القول فيها،
اثلا يغفلها . والله أعلم.
١٣٢- قلت : قد أوجب بعض العلماء تخليل اللحية، وقال: إذا تركه عامداً أعاد الصلاة.
وهو قول إسحق بن راهويه وأبى ثور. وذهب عامة العلماء إلى أن الأمر به استحباب
وليس بإيجاب . ويشبه أن يكون المأمور بتخليله من اللحى على سبيل الوجوب ما رَقَّ من
الشعر منها فتراءى ما تحتها من البشرة.
١٣٢ -. وقال الشيخ شمس الدين بن القيم: قال أبو محمد بن حزم: لا يصح حديث أنس
هذا، لأنه من طريق الوليد بن زوران (١)، وهو مجهول، وكذلك أعله ابن القطان:
بأن الوليد هذا مجهول الحال. وفى هذا التعليل نظر ، فان الوليد هذا روى عنه جعفر
بن برقان (٢) وحجاج بن منهال وأبو المليح الحسن بن عمر الرقى وغيرهم، ولم
يعلم فيه جرح .
وقد روى هذا الحديث محمد بن يحي الذهلى فى كتاب علل حديث الزهرى، فقال: حدثنا
(١) الوليد بن زوران: بزاى معجمة ثم واو ثم راء، وقيل: بتأخير الواو، وثقهابن حبان.
(٢)» برقان : بضم الباء الموحدة وسكون الراء المجملة.

-- ١٠٨ -
محمد بن عبد الله بن خالد الصفار ، من أصله ، وكان صدوقاً ، حدثنا محمد بن حرب حدثنا
الزبيدى عن الزهرى عن أنس بن مالك: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضاً فأدخل أصابعه
تحت لحيته فحالها بأصابعه، ثم قال: هكذا أمر نى ربى عز وجل)). وهذا إسناد صحيح. وفى
الباب حديث عثمان ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته))، رواه الترمذى وابن
ماجة ، وقال الترمذى: حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة ، وأبو عبد الله الحاكم،
وقال أحمد: هو أحسن شىء فى الباب، وقال الترمذى: قال محمد بن إسماعيل البخارى :
أصح شىء فى هذا الباب حديث عامر بن شقيق عن أبى وائل عن عثمان - يريد هذا
الحديث - وقد أعله ابن حزم، فقال: هو من طريق إسرائيل ، وليس بالقوى ، عن
عامر بن شقيق، وليس مشهوراً بقوة النقل . وقال فى موضع آخر : عامر بن شقيق
ضعيف . وهذا تعليل باطل، فان اسرائيل هو ابن يونس بن أبى إسحاق ، احتج به
الشيخان وبقية السنة، ووثقه الأيمة الكبار . وقال فيه أبو حاتم: ثقة متقن من أتقن
أصحاب أبى إسحاق ، ووثقه ابن معين وأحمد ، وكان يتعجب من حفظه . والذى غر أبا
محمد بن حزم قول أحمد فى رواية ابنه صالح : إسرائيل عن أبى إسحاق: فيه لين ،
سمع منه بآخرة. وهذا الحديث ليس من روايته عن أبى إسحاق، فلا يحتاج إلى جواب.
وأما عامر بن شقيق فقال النسائى: ليس به بأس ، وروى عن ابن معين تضعيفه ، روى
له أهل السنن الأربعة .
وفى الباب حديث عائشة، رواه أبو عبيد - يعنى فى كتاب الطهور - عن حجاج
عن شعبة عن عمرو بن أبى وهب الخزاعى عن موسى بن مروان البجلى عن طلحة بن
عبد الله بن كريز عنها، قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل لحيته)).
وفى الباب حديث عمار بن ياسر ، رواه الطبرانى عن الدبرى عن عبد الرزاق عن
ابن عيينة عن عبد الكريم عن حسان بن بلال: «أن عمار بن ياسر توضأ، مخلل لحيته،
فقيل له : ما هذا؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته)). وقد أعله ابن حزم
بعلتين: إحداهما: أنه قال : حسان بن بلال مجهول . والثانية: قال : لانعرف له لقاء
لعمار بن ياسر . فأما العلة الأولى، فان حساناً روى عنه أبو قلابة. وجعفر بن ابى وحشية
وقتادة ويحي بن أبى كثير ومطر الوراق وابن أبى المخارق وغيرهم ، وروى له
الترمذى والنسائى وابن ماجة . قال على بن المدينى: كان ثقة. ولم يحفظ فيه تضعيف
لأحد . وأما العلة الثانية: فباطلة أيضاً. فإن الترمذى رواه من طريقين إلى حسان: أحدهما
عن ابن أبى عمر عن سفيان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن حسان عن عمار. والثانى
عن ابن أبى عمر عن سفيان بن عيينة عن عبد الكريم بن أبى المخارق عن حسان قال :

-- ١٠٩ -
رأيت عماراً توضأ فخلل لحيته، وفيه: ((ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل
لحيته)). وعلة هذا الحديث المؤثرة: هى ماقاله الإمام أحمد فى رواية ابن منصور عنه، قال :
قال ابن عيينة: لم يسمع عبد الكريم من حسان بن بلال حديث التخليل . قال الترمذى:
سمعت إسحاق بن منصور يقول : سمعت أحمد بن حنبل ، فذكره . وذكر الحافظ
ابن عفاكر عن البخارى مثل ذلك ، وقال الامام أحمد: لا يثبت فى تخليل اللحية حديث .
وفى الباب حديث ابن أبى أو فى ، رواه أبو عبيد عن مروان بن معاوية عن أبى الورقاء
عنه أنه قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته)).
وفيه حديث أبى أيوب ، رواه أبو عيد عن محمد بن ربيعة عن واصل بن السائب الرقاشى
عن أبى سورة عنه قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل لحيته)).
قلت : وتصحيح ابن القطان لجديث أنس من طريق الذهلى فيه نظر ، فان الذهلى
أعله ، فقال في الزهريات : وحدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدى
أنه بلغه عن أنس بن مالك - فذكره - قال الذهلى: هذا هو المحفوظ، قال ابن القطان:
وهذا لايضره ، فانه ليس من لم يحفظ حجة على من حفظ . والصفار قد عين شيخ الزبيدى
فيه، وبين أنه الزهرى، حتى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدث به تارة ، فقال فيه عن الزبيدى
"بلغنى عن أنس ، لم يضره ذلك، فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذى حدث به الزهرى،
فيحدث به عنه، فأخذه عن الصفار هكذا. وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أيمة الحديث وأطباء
. علله، ويعلمون أن الحديث معلول بارسال الزبيدى له ، ولهم ذوق لايحول بينه وبينهم فيه
التجويزات والاحتمالات.
ولهذا الحديث طريق أخرى، رواه الطبرانى فى المعجم الكبير من حديث أبى
حقص العبدى عن ثابت عن أنس قال: ((رأيت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم توضأ) -
فذكره كما تقدم. وأبو حفص وثقه أحمد، وقال: لا أعلى إلا خيراً، ووثقه ابن معين،
وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: ثقة وفوق الثقة. فهذه ثلاث طرق حسنة، وذكر
الحاكم فى المستدرك حديث عثمان فى ذلك ، ثم قال: وله شاهد صحيح من حديث أنس.
ورواه ابن ماجة فى سننه من حديث يحي بن كثير أبى النضر - صاحب البصرى - عن
يزيد الرقاضى عن أنس قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل لحيته وفرج
أصابعه مرتين)) ، قال الدار قطنى: أبو النضر هذا متروك. وقال النسائى: يزيد الرقاشى
متروك . ورواه ابن عدى من حديث هاشم بن سعد عن محمد بن زياد عن أنس مرفوعاً ،
ثم قال ابن عدى: وهاشم هذا مقدار مايرويه لا يتابع عليه . ورواه البيبقى فى السنين
من حديث إبراهيم الصائغ عن أبى خالد عن أنس مرفوعاً، وأبو خالد هذا مجهول .

- ١١٠ -
فهذه ثلاث طرق ضعيفة ، والثلاثة الأولى أقوى منها .
وأما حديث عمار ، فقد تقدم تعليل أحمد والبخارى له من طريق عبد الكريم. وأما
طريق ابن عيينة عن ابن أبى عروبة عن قتادة عن حسان ، فقال ابن أبى حاتم ، فى كتاب
العلل: سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة عن سعيد بن أبى عروبة - فذكره ? فقال
أبى : لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة عن ابن أبى عروبة، قلت: هو صحيح؟ قال:
لو كان صحيحاً لكان فى مصنفات ابن أبى عروبة، ولم يصرح فيه ابن عيينة بالتحديث،
وهذا مما يوهنه . يريد بذلك : أنه لعله دلسه .
قلت : وقد سئل الامام أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: إما أن يكون الحميدى اختلط ،
وإما أن يكون من حدث عنه خلط. ولكن متابعة ابن أبي عمر له ترفع هذه العهدة. والله أعلى.
وقد رويت أحاديث التخليل من حديث عثمان، وعلى ، وأنس ، وابن عباس ، وابن
عمر، وعائشة، وأم سلمة ، وعمار بن ياسر ، وأبى أيوب، وابن أبى أوفى ، وأبى أمامة،
وجابر بن عبد الله، وجرير بن عبد الله البجلى، رضى الله عنهم. ولكن قال عبد الله
بن أحمد: قال أبى: ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فى التخليل شىء. وقال
الخلال، فى كتاب العلل: أخبرنا أبو داود قال: قلت لأحمد : تخليل اللحية؟ قال : قد
روى فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث، وأحسن شىء فيها حديث شقيق عن عثمان . وقال.
عبد الرحمن بن أبى حاتم ، فى كتاب العلل: سمعت أبى يقول: لا يثبت عن النبي صلى الله عليه
وسلم فى تخليل اللحية حديث
قلت : وحديث ابن عباس من رواية نافع مولى يوسف السلمى، قال العقيلى : لا يتابع
عليه، منكر الحديث، وقال أبو حاتم : متروك الحديث، وحديث ابن عمر زواه الدار قطنى.
وقال: الصواب أنه موقوف على ابن عمر. وكذلك قال عبد الحق: الصحيح أنه من فعل ابن.
عمر ، غير مرفوع، وله علة أخرى ذكرها ابن أبى حاتم عن أبيه، وهى أن الوليد بن مسلم
حدث به عن الأوزاعى مرسلا، وعبد الحميد رفعه عنه. والصواب رواية ابن المغيرة عنه
موقوفاً . وذكرها الخلال فى كتاب العثل عن عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر موقوفاً.
ثم حكى عن جعفر بن محمد أنه قال : قال أحمد: ليس فى التخفيل أصح من هذا، بعنى الموقوف.
وأما حديث أبى أيوب فذكره الترمذى فى كتاب العلل ، وقال : سألت محمداً عنه ؟
فقال: لا شىء. فقلت : أبوسورة ما اسمه؟ فقال: ما أدرى، ما يصنع به ؟ عنده مناكير،
ولا يعرف له سماع من أبى أيوب. ورواه ابن ماجة فى سننه من حديث ابن أبى أو فى من
رواية فائد أبى الورقاء، وهو متروك باتفاقهم. وحديث أبى أمامة رواه ابن أبى شيبة
فى مصنفه من حديث أبى غالب عن أبى أمامة. وأبو غالب ضعفه النسائى ووثقة الدار قطنى .
وقال ابن معين: صالح الحديث ، وصحح له الترمذى. وحديث جابر ضعيف جداً .

- ١١١ -
باب المسح على العمامة [٥٦:١]
١٣٣ - عن ثوبان رضى الله عنه قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً،
فأصابهم البرد ، فلما قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على
العصائب والتَّسَاخين ».
١٣٣ - ((العصائب)): العائم، سميت عصائب ، لأن الرأس يعصب بها
(( والتساخين)»: الظفف، ويقال: إن أصل ذلك كل ما يسخن به القدم من خف
وجورب ونحوه .
وقد اختلف أهل العلم فى المسح على العامة فذهب إلى جوازه جماعة من السلف ،
وقال به من فقهاء الأمصار: الأوزاعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وأبو ثور وداود .
وقال أحمد : قد جاء ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم من خمسة أوجه . وشرط من جوز
المسح على العمامة: أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة، كما يفعله من يريد المسح على
الخفين . وروى عن طاوس أنه قال : لا يمسح على العمامة التى لا تجعل تحت الذقن .
وأبى المسح على العمامة أكثر الفقهاء ، وتأولوا الخبر فى المسح على العمامة على معنى
أنه كان يقتصر على مسح بعض الرأس، فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره ، ولا ينزع عمامته من
رأسه ولا ينقضها. وجعلوا خبر المغيرةبن شعبة كالمفسر له، وهو أنه وصف وضوءه ثم قال :
((ومسح بناصيته وعلى عمامته)) فوصل مسح الناصية بالعمامة. وإنما وقع أداء الواجب
من مسح الرأس بمسح الناصية ، إذ هى جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعاً له، كما روى
(( أنه مسح أسفل الخف وأعلاه)) ثم كان الواجب فى ذلك مسح أعلاه، وصار مسح أسفله
كالتبع له . والأصل : أن الله تعالى فرض مسح الرأس، وحديث ثوبان محتمل التأويل،
فلا يترك الأصل المتيقن وجوبه بالحديث المحتمل. ومن قاسه على مسح الخفين فقد أبعد،
لأن الخف يشق نزعه ، ونزع العامة لا يشق .
وحديث جرير ذكره ابن عدى من حديث ياسين بن معاذ الزيات ، عن ربعي بن
حراش عن جرير ، مرفوعاً ، وياسين متروك عند النسائى والجماعة .

- ١١٢ -
١٣٤ - وعن أنس رضى الله عنه قال. «رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يتوضأ وعليه
عمامة قطْريّةً ، فأدخل يديه من تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقصِ العمامة)).
ءُ
١٣٤ - قلت : وهذا يشهد لما تأولوه فى معني الحديث الأول .
و ((القِطْر)) نوع من البرود فيه حمرة.
وحديث عائشة رواه أحمد فى مسنده. وحديث أم سلمة ذكره الترمذى فى كتابه معلقاً
فقال: وفى الباب عن أم سلمة . وذكر جماعة من الصحابة
١٣٤ - وقال فى آخر باب المسح على العمامة : قال ابن المنذر: ويمسح على العمامة، لثبوت ذلك
عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما. وقال الجوزجاني :
روى المسح على العمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم: سلمان الفارسى، وثوبان، وأبو أمامة،
و أنس بن مالك، والمغيرة بنشعبة، وأو موسى، وفعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق
رضى الله عنه. وقال عمر بن الخطاب: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله.
قال : والمسح على العمامة سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضية مشهورة، عند
ذوى القناعة من أهل العلم فى الأمصار . وحكاه عن ابن أبى شيبة وأبى خيثمة زهير
بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي، مذهالهم. ورواه أيضاً عمرو بن أمية الضمرى وبلال.
فأما حديث سلمان (١)
[١] بياض فى الأصل. ولعله كان يريد أن يخرج الأحاديث فنسبها، أو لم يوفق لذلك.
ويحن نخرجها قدر الطاقة: حديث سلمان الفارسى أخرجه أحمد، بلفظ: ((أن سلمان رأى رجلا قد
أحدث وهو يريد أن يخلع خفيه، فأمره سلمان أن يمسح على خفيه وتنى عمامته، وقال : رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين والخمار)). وحديث أبى أمامة رواه
الطبرانى بلفظ: (( مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين والعمامة فى غزوة تبوك)).
وحديث أنس رواه الببيقى فى سننه ، من حديث عاصم الأحول عن أنس بن مالك: ((أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الموقين والخمار)). وحديث المغيرة بن شعبة أخرجه مسلم والترمذى
- وصححه - بلفظ: ((توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة)). وحديث.
أبى موسى الأشعرى رواه الطبرانى بلفظ: (( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فمسح على الجور بين
والتعلين والعمامة)). قال الطبرانى: تفرد به عيسى بن سنان. وفى الباب عن بلال عند مسلم والترمذى
والنسائى وابن ماجة بلفظ قال: ((مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين والخمار)). وفى
لفظ لأحمد عن بلال ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: امسحوا على الخفين والخمار)). وعن عمرو
بن أمية الضمرى، رواه البخارى وأحمد وابن ماجة، قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح
خلى عمامته)). وعن أبى ذر، أخرجه الطبرانى فى معجمه الاوسط قال: ((رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يمسح على الموتين والخمار)) وعن خزيمة بن ثابت أخرجه الطبرانى بلفظ: (( أن النبى

- ١١٣-
باب غسل الرجل [١ :٥٧]
١٣٥ - عن المستورد بن شدَّاد رضى الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا توضأ يَدْلُكُ أصابع رجليه بخِنِصَرَه».
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا
من حديث ابن لهيعة . هذا آخر كلامه . وابن لهيعة يضعف فى الحديث .
باب المسح على الخفين [١ : ٥٧ ]
١٣٦ - عن المغيرة - وهو ابن شُعْبة - قال: عَدَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأنا معه فى غزوة تبوك، قبل الفجر، فَعَدَلْتُ معه، فأناخ النبى صلى الله عليه وسلم،
فتبرَّزَ ، ثم جاء، فسكبْتُ على يده من الإدارة، فغسل كَفيه، ثم غسل وجهه، ثم حسَرّ
عن ذراعيه، فضاق كُمَّا جُبته ، فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة ، فغسلهما إلى
المرفق ، ومسح برأسه، ثم توضأ على خُفَّيه، ثم ركب ، فأقبلنا نسير ، حتى نجد الناس فى
الصلاة ، قد قدّموا عبد الرحمن بن عَوْف، فصلى بهم حين كان وقت الصلاة ، ووجدنا
عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر ، فقام رسول اللهصلى الله عليه وسلم ، فصفًّ
مع المسلمين. فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية ، ثم سلم عبد الرحمن ، فقام
صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين والخمار)). قال الترمذى: وهو قول غير واحد من أهل
العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: منهم أبو بكر وعمر وأنس ، وبه يقول الأوزاعى
وأحمد وإسحاق اهـ، وهو قول أبى ثور وداود بن على . ورواه ابن رسلان فى شرحه عن أبى
أمامة وسعد بن مالك وأبى الدرداء وعمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول .
وروى الخلال بأسناده عن عمر أنه قال: ((من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله)) وقال
. الحافظ ابن حجر فى الفتح: وإلى هذا ذهب الأوزاعى والثورى فى رواية عنه ، وحمد وإسحاق
وأبو ثور والطبرى وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم اهـ. وأحاديث المسح على العمامة أخرجها
البخارى ومسلم والترمذى وأحمد والنسائي وابن ماجة وغير واحد من الأئمة من طرق قوية متصلة
الاسانيد. وذهب إليه جماعة من السلف كما عرفت. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح
على الرأس فقط. وعلى العمامة فقط. وعلى الرأس والعمامة معاً. وكل صحيح ثابت، موجود فى كتب
الأمة الصحاح . والنبى صلى الله عليه وسلم مبين عن الله تعالى، فقصر الاجزاء على بعض ماورد بغير
موجب ليس من دأب المنصفين، والله أعلم .
،!

- ١١٤ -
النبى صلى الله عليه وسلم فى صلاته ، ففزع المسلمون ، فأكثروا التسبيح، لأنهم سبقوا
النبى صلى الله عليه وسلم بالصلاة ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : قد
صبح، أو قد أحسنتم)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة ، مطولاً ومختصراً
١٣٧ - وعنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح ناصيته. ذكر فوق العمامة)).
١٣٨ - وعنه: (( أن نبى الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين، وعلى ناصيته،
وعلى عمامته ».
وأخرجه مسلم ؛ والترمذى ، والنسائى
١٣٩ - وعن عُروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه قال: (( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فى رَ كْبَةٍ، ومعى إداوة، فخرج لحاجته، ثم أقبل، فتاأَّيْتُه بالإدارة ، فأفرغتُ عليه ،
فغسل كفيه ووجهه ، ثم أراد أن يخرج ذراعيه ، وعليه جُبة من صوف من حِباب الرُّوم
ضيقّة الكمّين، فضاقت، فادَّرَعَهما ادِّراعاً، تم أهْوَيت إلى الخفين لأنزعهما ، فقال لى:
دع الخفين ، فإني أدخلت القدمين الخفين ومما طاهرتان، فمسح عليهما)). قال الشَّعْبِى:
شهد لى عُروة على أبيه ، وشهد أبوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرجه البخارى، ومسلم مختصراً ومطولاً .
١٣٩ - قوله ((ادرعهما» معناه: أنه نزع ذراعيه عن الكمين وأخرجهما من تحت الجبة.
وزنه : افتعل ، من ذرع، إذا مد ذراعه ، كما يقال : اذكر من ذكر.
وفى قوله ((أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان)) دليل على أن المسح على الخفين.
لا يجوز إلا بأن يلبسا على كمال الطهارة، وأنه إذا غسل إحدى رجليه فلبس عليها أحد
الخفين، ثم غسل رجله الأخرى ، ثم لبس الخف الآخر، لم يجزئه . لأنه جعل طهارة القدمين
معاً قبل لبس الخفين شرطاً لجواز المسح عليهما، وعلة لذلك. والحكم المعلق بشرط لا يصح
إلا بوجود شرطه، وهو قول مالك والشافعى وأحمد وإسحق.
وفيه : جواز الاستعانة فى الطهاة والوضوء بالخادم ونحوه.
.!..

م
- ١١٥ -
١٤٠ - وعن الحسَنِ - وهو البّصْرىُّ - عن زرارة بن أوفَى: أن المغيرة بن شعبة قال:
(( تخلَّفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم -- فذكر هذه القصة - قال: فأتينا الناس،.
وعبد الرحمن بن عوف يصلى بهم الصبح ، فلما رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أراد أن
يتأخَّر، فأوماً إليه أن يمضى ، قال: فصليتُ أنا والنبى صلى الله عليه وسلم خلفه ركعة ،
فلما سلَّ قام النبى صلى الله عليه وسلم ، فصلى الركمة التى سُبِق بها ، ولم يزد عليها شيئاً »
قال أبو داود: أبو سعيد الخدرى، وابن الزُّبير، وابن عمر، يقولون: من أدرك
الفرْدَ من الصلاة عليه سجدتا السهو .
١٤١ - وعن أبي عبد الرحمن: ((أنه شَهِدَ عبد الرحمن بن عوف، يسأل بلالاً عن وضوء
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: كان يخرج يقضى حاجته، فَآتِيه بالماء ، فيتوضأ ،
ويمسح على عمامته ومُوقَيْهِ)).
١٤٢ - وعن أبى زرعة بن عمرو بن جرير (١): ((أن جريراً بال، ثم توضأ، فمسح على
الخفين ، وقال: ما يمنعنى أن أمسح، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح؟
قالوا : إنما كان ذلك قبل نزول المائدة! قال: ما أسْلمتُ إلا بعد نزول المائدة)).
١٤١ - ((الموق)) نوع من الخفاف معروف، وساقُهُ إلى القِصَر.
١٤٢ - أراد القوم بهذا القول أن المسح على الخفين كان رخصة ثم نسخ بقوله سبحانه
(وأرجلكم إلى الكعبين) فى سورة المائدة، فقال جرير: ((ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة»
أى ما صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد إسلامى، وقد رأيته يمسح على خفيه،
يريد به إثبات المسح على الخفين ، وأنه غير منسوخ.
وفى هذا من قول الصحابة : دلالة على أنهم كانوا يرون نسخ السنة بالقرآن .
وقد روى قوم من الشيعة عن على رضى الله عنه أنه قال: (( إنما كان المسح على
الخفين قبل نزول المائدة، ثم نهى عنه)) فصارت الإباحة منسوخة. هذا أمر لا يصح عن
(١) اسم أبى زرعة هذا: عمرو، ويقال: عبد الرحمن بن عمرو بن جرير البجنى . مات عمرو
بن جرير - أبو أبى زرعة - فى إمارة عثمان؛ سمع أبو زرعة جده . وكان منقطعاً إلى أبى هريرة.

- ١١٦ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة ، من حديث همام بن
الحارث النخعى عن جرير - وهو ابن عبد الله البجلى - ولفظ البخارى ((بال ثم توضأ
ومسح على خفيه . ثم قام فصلى. فسئل . فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
صنع مثل هذا)»
١٤٣ - وعن ابن بُرَيْدَةَ عن أبيه: ((أن النجاشى أهدَى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
خفين أسودين ماذَجين، فلبسهما ، ثم توضأ ، ومسح عليهما )) .
وأخرجه الترمذى وابن ماجة، وقال الترمذى : هذا حديث حسن ، إنما نعرفه من
حديث دَلْم. قال أبو داود : هذا مما تفرد به أهل البصرة . وقال أبو الحسن الدار قطنى:
تفرد به حُجير بن عبد الله عن ابن بريدة. ولم يروه عنه غير دلهم بن صالح . وذكره فى ترجمة
عبد الله بن بريدة عن أبيه . ورواه الإمام أحمد بن حنبل عن وكيغ فقال : عبد الله
ابن بريدة .
١٤٤ - وعن عبد الرحمن بن أبى نعم عن المغيرة بن شُعْبة رضى الله عنه (( أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله، نَسِيْتَ ؟ قال: بل أنت
نسيت ، بهذا أمنى ربى تعالى)).
باب التوقيت فى المسح [٦٠:١]
١٤٥٠ - عن خُزيمة بن ثابت رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المسحُ على
الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة)».
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح ..
١٤٦ - وفى لفظ لأبي داود: ((ولو اسْتَزَدْناهُ لزادنا)).
على رضى الله عنه. وقد ثبت عنه أنه قال: (( لو كان الدين بالقياس، أو بالرأى، لكان
باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، إلا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح
ظاهر خفيه)» .
وقد ذكره أبوداود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص بن غياث حدثنا الأعمش،
عن أبى إسحق عن عبد خير عن على رضى الله عنه ، بمعناه .

- ١١٧ -
وفى لفظ لابن ماجة: ((ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمساً)). وذكر الخطابى : أن
الحكم وحماداً قد روياه عن إبراهيم، فلم يذكرا فيه هذا الكلام . ولو ثبت لم يكن فيه
حجة ، لأنه ظن منه وحسبان .. والحجة إنما تقوم بقول صاحب الشريعة ، لا بظن الراوى.
وقال البيهقى : وحديث خزيمة بن ثابت إسناده مضطرب . ومع ذلك فما لم يرد لا يصير
سنة. هذا آخر كلام البيهقى . وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث على بن أبى طالب
رضى الله عنه - لما سئل عن المسح على الخفين - قال: ((جعل رسول الله صلى الله عليه
وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم)) ولم يذكر هذه الزيادة .
١٤٧ - وعن أُبىّ بن ◌ِعِمَارة .. وكان قد صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القِبلتينِ -
أنه قال: « يا رسول الله، أمسحُ على الخفين ؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ قال: يوماً، قال:
ويومين ؟ قال: ويومين ، قال: وثلاثة؟ قال: نعم ، وما شئتَ)).
١٤٦ - قال ابن القيم رحمه الله: وقد أعل أبو محمد بن حزم حديث خزيمة هذا، بأن قال :
رواه عنه أبو عبد الله الجدلى، صاحب راية الكافر المختار، لا يعتمد على روايته . وهذا
تعليل فى غاية الفساد، فان أبا عبد الله الجدلى قد وثقه الأمة: أحمد ويحي، ومحح
الترمذى حديثه، ولا يعلم أحد من أئمة الحديث طعن فيه ، وأما كونه صاحب راية المختار ،
فان المختار بن أبى عبيد الثقفى، إنما أظهر الخروج لأخذه بنأر الحسين بن على رضى الله
عنهما، والانتصار له من قتلته، وقد طعن أبو محمد بن حزم فى أبى الطفيل ، ورد روايته
بكونه كان صاحب راية المختار أيضاً، مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة، ولكن لم
يكونوا يعلمون ما فى نفس المختار وما يسره، فرد رواية الصاحب والتابع الثقة بذلك باطل.
وأيضاً فقد روى ابن ماجة هذا الحديث عن على بن محمد عن وكيع عن سفيان عن أبيه عن
إبراهيم التيمى عن عمرو بن ميمون عن خزيمة . فهذا عمرو بن ميمون قد تابع أبا عبد الله
الجدلى ، وكلاهما ثقة صدوق. وقد قيل: إن عمرو بن ميمون رواه أيضا عن أبى عبد الله
الجدلى عن خزيمة. فان صح ذلك لم يضره شيئاً، فلعله سمعه من أبى عبد الله، فرواه
عنه ، ثم سمعه من خزيمة ، فرواه عنه .

- ١١٨ -
١٤٨ -وفى رواية: ((حتى بلغ سَبعاً - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: نعم، ما بَدَا لَك).
١٤٧ - قلت : والأصل فى التوقيت أنه للمقيم يوم وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ،
هكذا روى فى خبر خزيمة بن ثابت وخبر صفوان بن عسال . وهو قول عامة الفقهاء ، غير
أن مالكاً قال : يمسح من غير توقيت ، قولاً بظاهر هذا الحديث .
وتأويل الحديث عندنا: أنه جعل له أن يرتخص بالمسح ماشاء ومابدا له، كما احتاج إليه
على مرّ الزمان ، إلا أنه لا يعدو شرط التوقيت . والأصل وجوب غسل الرجلين ، فإذا
جاءت الرخصة فى المسح مقدرة بوقت معلوم لم يجز مجاوزتها إلا بيقين . والتوقيت فى
الأخبار الصحيحة إنما هو: اليوم والليلة للمقيم، والثلاثة الأيام ولياليهن للمسافر.
فأما رواية منصور عن إبراهيم التيمى عن أبى عبد الله الجدلى عن خزيمة بن ثابت
أنه قال: «ولو استزدناه لزادنا)» فإن الحكم وحماداً قد روياه عن ابراهيم فلم يذكروا فيه هذا
الكلام . ولوثبت لم يكن فيه حجة ، لأنه ظن منه وحسبان ، والحجة إنما تقوم بقول صاحب
الشريعة لا بظن الراوى .
وقال محمد بن إسماعيل: ليس فى التوقيت فى المسح على الخفين شىء أصح من حديث
صفوان بن عسال المرادى.
ورأيت أن أذكر حديث صفوان، إذ كان المعول عليه. وفيه ألفاظ فيها معان تحتاج
إِلی شرح وتفسیر ، ونحن نذ کر وجوهها إن شاء الله .
حدثنا ابن الأعرابى وإسمعيل بن محمد الصفار قالا حدثنا سعدان بن نصر حدثنا
١٤٨ - قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف فيه على يحي بن أيوب اختلافاً كثيراً ،
وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن : مجهولون كلهم . وقد أخرجه الحاكم
فى المستدرك من طريق يحي بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين ، كلاهما عن عمرو
بن الربيع بن طارق أخبرنا محمد بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد بن
أبى زياد - قال يحي: شيخ من أهل مصر - عن عبادة بن نسى - الحديث. قال
الحاكم : هذا إسناد مصرى، لم ينسب واحد منهم إلى جرح. وهذا مذهب مالك، ولم
يخرجاه. والعجب من الحاكم كيف يكون هذا مستدركاً على الصحيحين، ورواته
لا يعرفون بجرح ولا بتعديل؟ والله أعلم.

- ١١٩ -
وأخرجه ابن ماجة. وقال أبو داود: وقد اختلف فى إسناده، وليس [هو] بالقوى. وبمعناه
سفيان بن عيينة عن عاصم بن أبى النَّجود عن زِرَّ بن حُبيش . قال (( أتيت صفوان بن
عَسَّال، فقال: ماجاء بك ؟قلت: ابتغاء العلم، قال: فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب
العلم، رِضَى بما يطلب، قلت: حاك فى صدرى المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنتَ
امرءًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيتك أسألك: هل سمعت منه فى ذلك شيئا؟
فقال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سَفْراً أو مسافرين، أن لا نَنزِع خفافنا ثلاثة أيام
ولياليهن إلا من جنابة ، لكن من غائط وبول ونوم، قلت : هل سمعته يذكر الهوى ؟
قال : نعم، بينما نحن فى مسير إذ ناداه أعرابى بصوت له جهورى: يا محمد ، فأجابه على
نحو ذلك : هاؤم، قلنا : ويحك ، أو ويلك ! اغضُض من صوتك ، فإنك قد نهيت عن
ذلك، فقال : والله لا أغضض من صوتى، قال: أرأيت رجلاً أحبَّ قوماً ولمَّا يلحقْ
بهم ؟ قال: المرء مع من أحب، قال: ثم لم يزل يحدثنا حتى قال: إن من قِبَل المغرب باباً
للتوبة مسيرة أربعين سنة، أو سبعين سنة، فتحه الله للتوبة يوم خلق السموات والأرض،
فلا يُغلقه حتى تطلع الشمس منه » .
قوله (( إن الملائكة تضع أجنحتها)) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معنى وضع
الجناح من الملائكة بسط أجنحتها وفرشها لطالب العلم، لتكون وطاء له ومعونة إذا مشى
فى طلب العلم. والوجه الثانى: أن يكون ذلك بمعنى التواضع من الملائكة تعظيماً لحقّه
وتوقيراً لعلمه، فتضم أجنحتها له وتخفضها عن الطيران ، كقوله تعالى (١٧: ٢٤ واخفض
لهما جناح الذل من الرحمة ). والوجه الثالث: أن يكون وضع الجناح يراد به النزول عند
مجالس العلم والذكر، وترك الطيران، كما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من قوم
يذكرون الله عز وجل إلا حَفَّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمه، ونزلت عليهم السكينة ،
وذكرهم الله فيمن عنده )) .
قلت : وهذه الكلمة لم يرفعها سفيان فى هذه الرواية ، ورفعها حماد بن سلمة عن عاصم
عن زر عن صفوان بن عسال. وقد رواه أيضاً أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله ((سَفْراً)) هو جمع سافر، كما يقال: تاجر وتجر، ورا كب وركب.

- ٠٠١٢٠
قال البخارى: وقال الامام أحمد بن حنبل : رجاله لا يعرفون . وقال الدار قطنى : هذا
إسناد لا يثبت . وعمارة بكسر العين المهملة .
باب المسح على الجوربين [ ١: ٦١ ]
١٤٩ - عن أبى قيِْ الأَوْدِىِّ عن هُزَيْلٍ بن شُرَحْبيل عن المغيرةِ بن شُعْبةَ رضى الله
عنه: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين)).
وقوله ((لكن من غائط وبول)) كلمة ((لكن)) موضوعة للاستدراك، وذلك لأنه قد تقدمه
ةفى واستثناء ، وهو قوله: «كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة»
ثم قال: «لكن من بول وغائط ونوم»، فاستدركه بلكن ليعلم أن الرخصة إنما جاءت فى هذا
النوع من الأحداث دون الجنابة. فإن المسافر الماسح على خفه إذا أجنب كان عليه نزع
الخف وغسل الرجل مع سائر البدن ، وهذا كما تقول : ماجاءنى زيد لكن عمرو ،
وما رأيت زيداً لكن خالداً .
ويشبه أن يكون رفع النبى صلى الله عليه وسلم صوته فى جواب الأعرابى وقوله
((هاؤم)) بمد به صوته من ناحية الشفقة عليه، لئلا يحبط عمله. وذلك لما جاء من الوعيد فى
قوله تعالى (٤٩: ٢ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم
البعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) فعذره عليه الصلاة والسلام لجهله وقلة علمه ، ورفع
صوته حتى كان فوق صوته أو مثله، لفرط رأفته وشفقته على أمته .
وفيه : أنه أقام المحبة والمشايعة فى الخير والطاعة مقام العمل بهما، وجعل المرء مع
من أحب .
وفيه: دليل على استحباب احتمال دالة التلامذة، والصبر على أذاهم ، لما يُرجى من عاقبته
من النفع لهم .
١٤٩ - قوله ((والنعلين)) هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجور بين. وقد أجاز المسح
على الجور بين جماعة من السلف . وذهب إليه نفر من فقهاء الأمصار، منهم سفيان الثورى
٠