النص المفهرس

صفحات 1-20

◌َسْتَرَ الحَ حَاوُد
٧٠سره
لِلحافظ المنذرى
ومَعَالِ السُّنِ أبِى سُليمان الخطابىّ
د:عَهْ لِبَابِّ الحونية
الجزء الأول
تحقيق
أحمَد محمد شاكر و، محمد عَمَا لِفِة
النَاشر
دار المعرفة
للطبَاعَة وَالنشْر
بَيروت - لبنان

بسِ اللهِ الرَّحْ الرحيم
وبه نستعين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أملى علينا سيدنا وشيخنا الفقيه، الإمام ، العالم ، العلامة، الناقد، الحافظ ، الحبر،
القدوة ، عمدة المحدثين ، زكى الدين ، أبو محمد، عبد العظيم بن عبد الله المنذرى : فى يوم
الأحد، لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسمائة ، بدار الحديث الكاملية
من القاهرة المعزية قال :
قال الشيخ الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى رحمه الله تعالى :
الحمد لله الذي هدانا لدينه، وأكرمنا بسنة نبيه، وجعلنا من العاملين بها والمتبعين لها
والمتفقهين فيها . ونسأله أن ينفعنا بما علمنا منها ، وأن يرزقنا العمل به والنصيحة
للمسلمين فيها، وأداء الحق فى إرشاد متعلميها، وإفادة طلابها ومقتبسبها، وأن يصلى
أولاً وآخراً على عبده ورسوله وخيرته من خلقه سابق الأنبياء شرفاً وفضيلة، وسابقهم
يم أحَدالرحمن الرحيم
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا
قال الشيخ الإمام العلامة، شمس الدين ، أبو بكر محمد بن قيم الجوزية، الحنبلى، غفر الله له:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لاشريك له، رب العالمين، وإله المرسلين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
المبعوث رحمة للعالمين ، ومحجة للسالكين ، وحجة على جميع المكلفين ، فرق الله برسالته
بين الهدى والضلال، والغى والرشاد ، والشك واليقين . فهو الميزان الراجح الذى على
أقواله وأعماله وأخلاقه توزن الأخلاق والأعمال والأقوال، وبمتابعته والاقتداء به تميز

- ٤ -
الحمد لله حق حمده . وصلواته على خيرته من خلقه ، محمد نبيه وعبده ، وعلى آله
وأصحابه من بعده ، وسلم تسليما كثيراً
أما بعد : فإننى لما يسر الله تعالى لى اختصار صحيح الإمام أبى الحسين مسلم بن
الحجاج القشيرى - رضى الله عنه - واشتغل الجماعة بجميعه دروساً بدار الحديث الكاملية
عمرها الله تعالى بذ کره ، وقىس روح واقفها ، وتغمده بمغفرته ورضوانه ، وأسكنه تعرف
جنانه، وجعلها له ذخيرة صالحة فى آخرته ، وشملہ بفضله ورحمته ۔ حمدت الله جل جلاله
على إحسانه وإفضاله، وما منَّ به من إتمامه وإكماله ، واستخرته تبارك وتعالى
مهاراً فيما أمليه عليهم بعده. فترحح عندى أن أشفعه باختصار كتاب السنن، للامام أبي
داود ، سليمان بن الأشعث السجستانى - رضى الله عنه - فإنه أحد الكتب المشهورة فى
ديناً وشريعة، ليكون دينه قاضياً على الأديان ، وملته باقية آخر الزمان، لا يستونى عليها
نسخ، ولا يتعقب حكمه حكم ، وليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .
أما بعد : فقد فهمت مساءلتكم، إخوانى أكرمكم الله، وما طلبتموه من تفسير كتاب
السفن لأبى داود سليمان بن الأشعث، وإيضاح ما يشكل من متون ألفاظه، وشرح
ما يستغلق من معانيه ، وبيان وجوه أحكامه ، والدلالة على مواضع الانتزاع والاستنباط
من أحاديثه ، والكشف بمن معانى الفقه المنطوية فى ضمنها ، لتستفيدوا إلى ظاهر الرواية
لها باطن العلم والدراية بها . وقد رأيت الذى ندبتمونى له وسألتمونيه من ذلك أمراً
لا يسعني تركه ، كما لا يسعكم جهله، ولا يجوز لى كتمانه، كما لا يجوز لكم إغفاله وإهماله.
أهل الهدى من أهل الضلال ، أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق
وأوضح السبل . وافترض على العباد طاعته ومحبته ، وتعزيره وتوقيره ، والقيام بحقوقه ،
وأغلق دون جنته الأبواب ، وسد إليها الطرق، فلم يفتح إلامن طريقه. فشرح له صدره،
ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره . هدى
به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وأرشد به من الغى. وفتح به أعينا عميا ، وآذاناصا،
وقلوبا غلفاً . فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد فى الله حق الجهاد ،
لايرده عنه راد ، ولا يصده عنه صاد . حتى سارت دعوته مسير الشمس فى الأقطار ، و بلغ

- ٥ -
الأقطار. وحفظ مصنفه وإتقانه، وتقدمه محفوظ عن حفاظ الأمصار. وثناء الأئمة على
هذا الكتاب وعلى مصنفه مأثور عن رواة الآثار. وها أنا أذكر طرفا منه على طريق
الاختصار، فأقول :
روينا عن أبى بكر أحمد بن على الخطيب أنه قال : وكان أبو داود قد سكن البصرة،
وقدم بغداد غير مرة ، وروى كتابه المصنف فى السنن بها ، ونقله عنه أهلها . ويقال: إنه
صنفه قديما ، وعرضه على أحمد بن حنبل - رضى الله عنه - فاستجاده واستحسنه . ورو ینا
عن إبراهيم بن إسحق الحربى أنه قال لما صنف أبو داود هذا الكتاب - يعنى كتاب
السنن -: أُلين لأبى داود الحديث، كما ألين لداود الحديد. وقال محمد بن إسحق الصاغانى:
كُيِّ لأبى داود السجستانى الحديث كما لين لداود النبى الحديد. وقال أبو بكر محمد بن عبد
فقد عاد الدين غريباً كما بدأ، وعاد هذا الشأن دارسة أعلامه، خاوية أطلاله . وأصبحت
رباعه مهجورة ، ومسالك طرقه مجهولة .
ورأيت أهل العلم فى زماننا قد حصلوا حزبين ، وانقسموا إلى فرقتين : أصحاب حديث
وأثر، وأهل فقه ونظر. وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها فى الحاجة، ولا تستغنى عنها فى
درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذى هو الأصل، والفقه
بمنزلة البناء الذى هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل
أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب .
دينه القيم ما بلغ الليل والنهار. فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين، صلاة دائمة على تعاقب
الأوقات والسنين، وسلم تسليماً كثيرا .
أما بعد : فإن أولى ماصرفت إليه العناية ، وجرى المتسابقون فى ميدانه إلى أفضل غاية،
وتنافس فيه المتنافسون ، وشمر إليه العاملون: العلم الموروث عن خاتم المرسلين ، ورسول
رب العالمين ، الذى لا نجاة لأحد إلا به ، ولا فلاح له فى داريه إلا بالتعلق بسببه ، الذى من
ظفر به فقد فاز وغنم ، ومن صرف عنه فقد خسر وحرم، لأنه قطب السعادة الذى مدارها
عليه، وآخية الايمان الذى مرجعه إليه. فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه محال ،
وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال . وكيف يوصل إلى الله من غير الطريق التى جعلها
هو سبحانه موصلة إليه ، ودالة لمن سلك فيها عليه. بعث رسوله بها ساديا، وأقامه على أعلامها

- ٦ -
العزيز: سمعت أبا داود بن الأشعث بالبصرة، وسئل عن رسالته التى كتبها لأهل مكة وغيرها
جوابا لهم، فأعلى علينا: ((سلام عليكم. فإنى أحمد الله الذى لا إله إلا هو. وأسأله أن
يصلى على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد - عافانا الله وإياكم - فهذه الأربعة
الآلاف والثمانمائة الحديث كلها فى الأحكام. فأما أحاديث كثيرة ، من الزهد والفضائل
وغيرها، من غير هذا ، فلم أخرجها. والسلام عليكم ورحمة الله، وصلى الله على محمد النبى وآله)).
وقال أبو بكر محمد بن بكر بن داسَة : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعنى
كتاب السفن - جمعت فيه أربعة آلاف ونمانمائة حديث . ذكرت الصحيح وما يشبهه
ووجدت هذين الفريقين على مابينهم من التدائي فى المحلين، والتقارب فى المنزلتين،
وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه -:
إخوانا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين .
فأما هذه الطبقة ، الذين هم أهل الأثر والحديث، فإن الأكثرين منهم إنما وَكْده
الروايات وجمع الطرق ، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذى أكثره موضوع أو مقلوب،
لايراعون المتون ، ولا يتفهمون المعانى، ولا يستنبطون سيرها ، ولا يستخرجون ركازها
وفقهها ، وربما عابوا الفقهاء ، وتناولوهم بالطعن ، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون
أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون .
داعيا ، وإليها هاديا ؟ فالباب عن السالك فى غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته
مصدود ، بل كل.ازداد کدحا واجتهادا ، ازداد من اللّه طردا وإبعادا . ذلك بأنه صدف
عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال، ورضى لنفسه
بكثرة القيل والقال، وأخلد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالا على أمثاله من العبيد،
لم يسلك من سبل العلم مناهجها، ولم يرتق فى درجاته معارجها ، ولا تألقت فى خلده أنوار
بوارقه، ولا بات قلبه يتقلب بين رياضه وحدائقه، لكنه ارتضع من تدى من لم تطهر بالعصمة
لبانه، وورد مشربا آجنا طالما كدره قلب الوارد ولسانه، تضج منه الفروج والدما
والأموال، إلى من حلل الحلال وحرم الحرام، وتعج منه الحقوق، إلى منزل الشراء

- ٧ -
ويقاربه . ويكفى الانسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث . أحدها : قوله صلى الله عليه
وسلم ((الأعمال بالنيات)) والثانى: قوله ((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)) والثالث:
قوله ((لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه)» والرابع: قوله ((الحلال بين،
والحرام بين . وبين ذلك أمور مشتبهات - الحديث)).
وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروى : سليمان بن الأشعث السجزى كان أحد حفاظ
الإسلام لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلمه وعلله وسنده، فى أعلى درجة النسك
والعفاف ، والصلاح والورع ، من فرسان الحديث . .
وقال أحمد بن محمد بن الليث: جاء سهل بن عبد الله التسترى إلى أبى داود السجستاني،
فقيل : يا أبا داود، هذا سهل بن عبد الله التسترى جاءك زائراً . قال: فرحب به وأجله .
فقال له سهل: يا أبا داود، لى إليك حاجة . قال: وما هى ؟ قال: حتى تقول: قد قضيتها
وأما الطبقة الأخرى - وهم أهل الفقه والنظر - فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث
إلا على أقله ، ولا یکادون یمیزون صحيحه من سقیمه ، ولا يعرفون جیده من رديئه، ولا
يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التى ينتحلونها ، ووافق
آرائهم التى يعتقدونها . وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم فى قبول الخبر الضعيف والحديث
المنقطع، إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم، من غير ثبت فيه أو يقين
علم به، فكان ذلك ضِلَّةً من الرأى وغبناً فيه، وهؤلاء -وفقنا الله وإياهم لوحكى لهم عن واحد
من رؤساء مذاهبهم وزعماء تملهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه، طلبوا فيه الثقة واستبرؤا
والأحكام . فحق على من كان فى سعادة نفسه ساعيا، وكان قلبه حياواعيا ، أن يرغب بنفسه
عن أن يجعل كده وسعيه فى نصرة من لا يملك له ضرا ولا نفعا ، وأن لاينزلها فى منازل
الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فان لله يوما يخسر فيه
المبطلون، ويربج فيه المحقون ( يوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول.
سبيلا) (يوم ندعو كل أناس بإمامهم ثمن أوفى كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون
فتيلا) فما ظن من اتخذ غير الرسول إمامه، ونبذ سنته وراء ظهره، وجعل خواطر الرجال
وآراءها بين عينيه وأمامه، فسيعلم يوم العرض أى بضاعة أضاع، وعندالوزن ماذا أحضر
من الجواهر أو خرفى المتاع .

- ٨ -
مع الإمكان، قال: قد قضيتها مع الإمكان . قال: أخرج إلى لسانك الذى حدثت به
أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبله . قال: فأخرج إليه لسانه، فقبله .
وحكى أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مَنْدَة الحافظ : أن شرط أبى داود والنسائي
إخراج حديث أقوام لم يجتمع على تركهم ، إذا صح الحديث باتصال الإسناد، من غير قطع
ولا إرسال . وحكى عن أبى داود أنه قال: ما ذكرت فى كتابى حديثاً اجتمع الناس على تركه.
وقال أبو سليمان حمد بن محمد الخطابى: واعلموا - رحمكم الله - أن كتاب السنن
لأبى داود - رحمه الله - كتاب شريف، لم يصنف فى علم الدين كتاب مثله . وقد رزق
القبول من كافة الناس، فصار حَكما بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء، على اختلاف
مذاهبهم . فلكل فيه وِرد ، ومنه شِرب، وعليه معول أهل العراق ، وأهل مصر ، وبلاد
له العهدة. فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم
والأشهب وضر باتهم من تلاد أصحابه ، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم وأضرابه
لم تكن عندهم طائلا .
وترى أصحاب أبى حنيفة لا يقبلون من الرواية عنه إلا ما حكاه أبو يوسف ومحمد
بن الحسن والعلية من أصحابه والأجلة من تلامذته. فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤى
وذويه رواية قول بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه.
وكذلك تجد أصحاب الشافعى إنما يعولون فى مذهبه على رواية المزنى والربيع بن سليمان
المرادى، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزى وأمثالهما لم يلتفتوا إليها ولم يعتدوا بها فى أقاويله.
وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء فى أحكام مذاهب أئمتهم وأستاذيهم .
فصل
ولما كان كتاب السنن لأبى داود، سليمان بن الأشعث السجستانى - رحمه الله -- من
"إسلام بالموضع الذى خصه الله به، بحيث صار حكما بين أهل الاسلام، وفصلا فى موارد
نزاع والخصام . فاليه يتحاكم المنصفون، وتحكمه يرضى المحققون. فانه جمع شمل أحاديث
لأحكام، ورتبها أحسن ترتيب ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، والطراحه
. نها أحاديث المجروحين والضعفاء.

- ٩ -
المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض . وأما أهل خراسان ، فقد أولع أكثرهم بكتابى
محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج. ومن تحا تحوهما فى جمع الصحيح على شرطهما فى
السبك والانتقاد .
وقال أبو العلاء المحسن الوزارى : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال :
من أراد أن يستمسك بالسنن فليقرأ سنن أبي داود، هذا آخر كلامه .
وقد أخبرنا بجميع كتاب السفن الشيخ الأجل المسند أبو حفص عمر بن محمد بن معمر
البغدادى، بقراء تى عليه بعضه ، وقراءة عليه وأنا أسمع لباقيه، قال: أخبرنا بجميعالكتاب
الشيخان: أبو البدر إبراهيم بن محمد منصور الكرخى ، وأبو الفتح مفلح بن أحمد الدومى -
على ما هو مبين فى الأصل من اجتماعهما فى بعض الأجزاء، وانفراد أحدهما عن الآخر
فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون فى أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ
إلا بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا فى الأمر الأهم والخطب الأعظم؟ وأن
يتوا كلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب العزة ، الواجب حكمه، اللازمة طاعته،
الذى يجب علينا التسليم لحكمه، والا قياد لأمره، من حيث لا نجد فى أنفسنا حرجاً مما قضاه،
ولا فى صدورنا غِلاَّ من شىء مما أبرمه وأمضاه ؟ أرأيتم إذا كان للرجل أن يتساهل فى أمر
نفسه، ويتسامح عن غرمائه فى حقه، فيأخذ منهم الزيف، ويغضى لهم عن العيب، هل يجوزله
أن يفعل ذلك فى حق غيره إذا كان نائباً عنه، كولى الضعيف ووصى اليتيم ووكيل الغائب؟
وهل يكون ذلك منه إذا فعله إلا خيانة للعهد، وإخفاراً للذمة ؟ فهذا هو ذاك، إما عيان حس
وإما عيان مثل. ولكن أقواما عساهم استوعروا طريق الحق، واستطالوا المدة فى درك الحظ،
وأحبوا عجالة النَّيل، فاختصروا طريق العلم ، واقتصروا على نتف وحروف منتزعة عن معانى
وكان الإمام العلامة الحافظ زكى الدين أبو محمد عبد العظيم المنذرى - رحمه الله تعالى - قد
أحسن فى اختصاره وتهذيبه، وعزو أحاديثه وإيضاح علمه وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد
يدع للاحسان موضعا، وسبق حتى جاء من خلفه له تبعا : جعلت كتابه من أفضل الزاد ،
واتخذته ذخيرة ليوم المعاد . فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام
على علل سكت عنها أو لم يكملها ، والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها ، والكلام على
متون مشكلة لم يفتح مقفلها ، وزيادة أحاديث صالحة فى الباب لم يشر إليها . وبسطت الكلام

- ١٠ -٠
ببعضها - قالا: أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب، أنبأنا أبو عمر القاسم
بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمى، أنبانا أبو على محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤى ، أنبأنا
الامام أبو داود سلمان بن الأشعث السجسنانى، رضى الله عنهم أجمعين .
أصول الفقه سموها عللاً، وجعلوها شعاراً لأ نفسنهم فى الترسم برسم العلم، واتخذوها جُنة عند
لقاء خصومهم، ونصبوها دريئة للخوض والجدال، يتناظرون بها ويتلاطمون عليها . وعند
التصادر عنها قد حكم للغالب بالحذق والتبريز، فهو الفقيه المذكور فى عصره ، والرئيس المعظم
فى بلده ومصره . هذا وقد دس لهم الشيطان حيلة لطيفة، وبلغ منهم مكيدة بليغة ، فقال لهم:
هذا الذى فى أيديكم علم قصير، وبضاعة مزجاة لا تفى بمبلغ الحاجة والكفاية، فاستعينوا عليه
بالكلام، وصِلُوه بمقطعات منه، واستظهروا بأصول المتكلمين ، يتسع لكم مذهب الخوض
ومجال النظر ، فصدق عليهم ظنه، وأطاعه كثير منهم واتبعوه، إلا فريقاً من المؤمنين .
فياللرجال والعقول ! أنَّى يذهب بهم! وأنى يختدعهم الشيطان عن حظهم وموضع
رشدهم ؟! والله المستعان .
وقد انتهيت - أكرمكم الله - إلى ما دعوتم إليه بجهدى، وأتيت من مسألتكم بقدر
ماتيسرت له ، ورجوت أن يكون الفقيه إذا مانظر إلى ما أَثبَتُه فى هذا الكتاب من
معانى الحديث، ونهجتُه من طرق الفقه المتشعبة عنه، دعاه ذلك إلى طلب الحديث وتتبع
علىه، وإذا تأمله صاحب الحديث رغبه فى الفقه وتعلمه. والله الموفق له، وإليه أرغب فى أن
يجعل ذلك لوجهه ، وأن يعصمنى من الزلل فيه برجمته .
واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف فى علم الدين
كتاب مثله. وقد رزق القبول من الناس كافة . فصار حكماً بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء
على مواضع جليلة، لعل الناظر المجتهد لايجدها فی کتاب سواه . فهى جديرة بأن تننی عليها
الخناصر، وبعض عليها بالنواجذ. وإلى الله الرغبة أن يجعله خالصا لوجهه، موجبالمغفرته.
وأن ينفع به من كتبه أو قرأه أو نظر فيه، أو استفاد منه. فأنا أبرأ إلى الله من التعصب
والحمية، وجعل سنة رسوله صلى الله عليه وسلم تابعة لآراء الرجال، منزلة عليها ، مسوقة إليها .
كما أبرأ إليه من الخطأ والزور والسهو. والله سبحانه عند لسان كل قائل وقلبه. وما توفيقى
إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب .

- ١١ -
وتوفى أبو داود - رضى الله عنه - بالبصرة ، ودفن بها فى شوال سنة خمس وسبعين
ومائتين. وكان مولده سنة اثنتين ومائتين . وهو أزدى سجستانى ، منسوب إلى سجستان -
الاقليم المعروف بين خراسان وكرمان -- وقيل: هو منسوب إلى سجستان، أو سجستانة ــ
١
على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ورد، ومنه شِرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر
وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض . فأما أهل خراسان فقد أُولع أكثرهم
بكتابي محمد بن إسمعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما فى جمع الصحيح على شرطهما
فى السبك والانتقاد ، إلا أن كتاب أبى داود أحسن رصفاً، وأكثر فقهاً، وكتاب أبى
عيسى أيضاً كتاب حسن ، والله يغفر لجماعتهم ، ويحسن على جميل النية فيما سعوا له
مثوبتهم ، برحمته .
ثم اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام : حديث صحيح ، وحديث حسن،
وحديث سقيم . فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته . والحسن منه ما عرف
مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدارا كثر الحديث، وهو الذى يقبله أكثر العلماء، ويستعمله
عامة الفقهاء . وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث. فأما السقيم منه فعلى
طبقات ، شرها الموضوع، ثم المقلوب، أعنى ما قلب إسناده ثم المجهول . وكتاب أبى داود
خلى منها ، برىء من جملة وجوهها. فان وقع فيه شىء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة
تدعوه إلى ذكره ، فانه لا يألو أن يبين أمره، ويذكر علته، ويخرج من عهدته .
وحكى لنا عن أبى داود أنه قال: ماذكرت فى كتابي حديثاً اجتمع الناس على تركه.
وكان تصنيف علماء الحديث - قبل زمان أبى داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فَتَجْمَعُ
تلك الكتب إلى مافيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآداباً . فأما السنن
المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من
أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبى داود . ولذلك
حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضُربت فيه أكباد الإبل
ودامت اليه الرحل .
أخبرنى أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد صاحب أبى العباس أحمد بن يحيى قال:

- ١٢ -
قرية بالبصرة - والأول أكثر وأشهر . ويقال فى النسبة إلى سجستان : سجزى أيضاً .
وقد نسب أبو داود وغيره كذلك . وهو من عجيب التغيير فى النسب .
قال إبراهيم الحربى لما صنف أبو داود هذا الكتاب: أُلِينَ لأبي داود الحديث، كما ألين
لداودالحديد .
وحدثنى عبد الله بن محمد المكى قال: حدثني أبو بكر بن جابر خادم أبى داود قال: كنت
معه ببغداد، فصلينا المغرب إذا قرع الباب، ففتحته، فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد الموفق
يستأذن، فدخلت إلى أبى داود فأخبرته بمكانه، فأذنله، فدخل وقعد، ثم أقبل عليه أبو داود
وقال: ماجاء بالأمير فى مثل هذا الوقت؟ فقال خلال ثلاث، فقال: وما هى ؟قال: تنتقل
إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض، فتعمر بك ، فإنها
قد خربت وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج ، فقال : هذه واحدة ، هات
الثانية، قال: وتروى لأولادى كتاب السنن، فقال: نعم ، هات الثالثة، قال: وتفرد
مجلساً للرواية ، فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة! فقال: أما هذه فلا سبيل اليها،
لأن الناس شريفهم ووضيعهم فى العلم سواء، قال ابن جابر: فكانوا يحضرون بعد ذلك
ويقعدون فى كم حيرى ، ويضرب بينهم وبين الناس ستر، فيسمعون مع العامة .
وسمعت ابن الأعرابى يقول - ونحن نسمع منه هذا الكتاب، فأشار إلى النسخة وهى
بين يديه -: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذى فيه كتاب الله، ثم هذا
الكتاب ، لم يحتج معهما إلى شىء من العلم بَتَّةَ.
قال أبو سليمان: وهذا كما قال، لاشك فيه، لأن الله تعالى أنزل كتابه تبياناً لكل شئ
وقال ( مافرطنا فى الكتاب من شئء) فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئاً من أمر الدين لم
يتضمن بيانَهُ الكتابُ، إلا أن البيان على ضربين: بيان جلى تناوله الذكر نصاً، وبيان خفى
اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً. فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه . وكولا إلى النبى
صلى الله عليه وسلم، وهو معنى قوله سبحانه ( لتبين للناس مانزل إليهم ولعلهم يتفكرون).

- ١٣ -
ونشرع الآن فى اختصار الكتاب على مارتبه مصنفه فى الكتب والأبواب .
وأذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه، بلفظه أو بنحوه.
والرغبة إلى الله سبحانه وتعالى أن ينفع به جامعه، وسامعه، وكاتبه ، وقارئه، والناظر
فيه . إنه سميع الدعاء ، فعال لما يشاء .
فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهى البيان. وقد جمع أبو داود فى كتابه هذا،
من الحديث فى أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه، مالا نعلم متقدماً سبقه إليه، ولا
متأخراً لحقه فيه .
وقد كتبت لكم فيما أمليت من تفسيرها وأوضحته من وجوهها ومعانيها ، وذكر
أقاويل العلماء واختلافهم فيها ، علماً جمًّا، فكونوا به سعداء . نفعنا الله تعالى
وايا كم برحمته .
٠٠٠
ملحوظة - : الأرقام التى بجوار أبواب سنن أبى داود هى أرقام الأجزاء والصفحات
الموجودة بها تلك الأبواب فى كتاب شرحعون المعبود، المطبوع فى الهند

كتاب الطهارة
باب التخلى عند قضاء الحاجة [٥:١]
١ - عن المُغيّرة بن شُعْبة رضى الله عنه «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب
المَذهبَ أَبَعَدَ ».
وأخرجه أيضا الترمذى والنسائى وابن ماجة(١). وقال الترمذى : حسن صحيح .
٢ - وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضى الله عنهما (( أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أرَاد
البَرَازَ انْطلقَ حتى لا يراهُ أحدٌ » .
وأخرجه ابن ماجة أيضا . وفى إسناده: إسماعيل بن عبد الملك الكوفى ، نزيل مكة
شرفها الله تعالى . وقد تكلم فيه غير واحد .
باب الرجل يَتيوأ لبوله (٥:١)
٣ - عن أبى التّيَّح قال: حدثنى شيخ قال ((لما قَدِمَ عبدُ الله بن عباس البَضْرَةَ، فكان
يحَدَّثُ عن أبى موسى ، فكتبَ عبد الله إلى أبى موسى، يسأله عن أشياء. فكتب إليه
أبو موسى : إنى كنتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم، فأرادَ أنْ يَبُولَ ، فَأَى
٢ - ((البراز)» بالباء المفتوحة إسم الفضاء الواسع من الأرض، كنوا به عن حاجة الانسان،
كما كنوا بالخلاء عنه. يقال: تبرز الرجل إذا تغوط، وهو أن يخرج إلى البراز، كما يقال:
تخلى إذا صار إلى الخلاء. وأكثر الرواة يقولون: البراز - بكسر الباء - وهو غلط،
وإنما البراز مصدر بارزت الرجل فى الحرب مبارزة وبرازاً .
وفيه من الأدب: استحباب التباعد عند الحاجة عن حضرة الناس إذا كان فى براح
من الأرض . ويدخل فى معناه الاستنار بالأ بنية وضرب الحجب، وإرخاء السنور وإعماق
الآبار والحفائر، فى نحو ذلك فى الأمور السائرة للعورات .
(١) اعتمدنا أن هذه الأسماء قد صارت بالاستعمال عربية، فعوملت معاملة غيرها فى التأنيث.

- ١٥ -
دَمِثًا فى أصْلِ حِدَارٍ ، فبال، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إذا أراد أحدُ كم أن يبولَ
فَلْيْرْتَدْ لبوله)» .
فيه مجهول .
باب ما يقول إذا دخل الخلاء |٥:١]
٤ - عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل
الَلاءَ - قال عن حَمَّاد: قال - اللّهُمْ إِّى أعُوذُ بِكَ . - وقال عن عَبْدِ الوارِثِ
قال - أعُوذ بالله مِنَ الْحِبْتِ والحبائِثِ».
وأخرجه أيضاً البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
٥ - وعن زَيْدِ بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إنّ هذه الحُشْوش
مُخْتَضَرَةٌ ، فَاذَا أنى أحدُ كم اخلاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ باللهِ من الخبثِ وَالَبَائِتٍ».
٣ - ((الدمث)) المكان السهل الذى يَخِذُّ فيه البول، فلا يرتد على البائل، يقال للرجل
إذا وصف باللين والسهولة: إنه لدمث الخلق، وفيه دمائة. وقوله ((فليرتد)) أى ليطلب
وليتحرّ، ومنه المثل ((إن الرائد لا يكذب أهله)) وهو الرجل يبعثه القوم يطلب لهم
الماء والكلاً. يقال: رادهم يرودهم ريادا، وارتاد لهم ارتياداً .
وفيه دليل على أن المستحب للبائل - إذا كانت الأرض التى يريد القعود عليها
صلبة - أن يأخذ حجراً، أو عوداً ، فيعالجها به ويثير ترابها، ليصير دمناً سهلا، . فلا يرتدّ
بوله عليه .
قلت : ويشبه أن يكون الجدار الذى قعد إليه النبى صلى الله عليه وسلم جداراً عاديا
غير مملوك لأحدمن الناس، فان البول يضر بأصل البناء ويومى أساسه، وهو عليه الصلاة
والسلام لا يفعل ذلك فى ملك أحد إلا بإذنه، أو يكون قعوده متراخياً عن جذمه، فلا يصيبه
البول فيضرّ به.
٥ - ((الحشوش) الكنف، وأصل الخش: جماعة النخل الكثيفة. وكانوا يقضون حوائجهم
إليها قبل أن يتخذوا الكنف فى البيوت. وفيه لغتان: حَش وحُش. ومعنى ((محتضرة))

- ١٦ -
وأخرجه أيضاً النسائى وابن ماجة. وقال الترمذى: حديث أنس أصح شىء فى هذا
الباب وأحسن . وحديث زيد بن أرقم: فى إسناده اضطراب . وأشار إلى اختلاف الرواة فيه
باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة [٦:١]
٦ - عن سلمان رضى الله عنه قال ((قيل لهُ: قد عَلَّمَكُّ نَبِيكم صلى الله عليه وسلم كلّ
شىء حتى الخِرَاءَةَ ؟ قال: أجَلْ، لقد نهانا صلى الله عليه وسلم أنْ تَستقبلَ القِبْلَةَ
بغائِطٍ أوبوْلٍ، وأنْ لاَ نَستنجِىَ بالَيَمِين، وأن لا يسْتَنْجِىَ أحدنا بأقلَّ من ثلاثة
أحجارٍ، أو تستنجِىَ بَرَجيعٍ ، أو عَظْم)).
أى تحضرها الشياطين وتنتابها. و ((الخبث)) يضم الباء جماعة الخبيث.و «الخبائث)) جمع
الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناتهم. وعامة أصحاب الحديث يقولون ((الحبث)) ساكنة.
الباء ، وهو غلط . والصواب الحبث مضمومة الباء ، وقال ابن الأعرابى : أصل الخبث فى
كلام العرب المكروه، فان كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر،
وإن كان من الطعام فهو الحرام ، وإن كان من الشراب فهو الضار .
٦ - ((الخراءة) مكسورة الخاء ممدودة الألف: أدب التخلى والقعود عند الحاجة. وأكثر الرواة
يفتحون الخاء ولا يمدون الألف، فيفحش معناه. ونهيه عن الاستنجاء باليمين فى قول أكثر
العلماء نهى تأديب وتنزيه. وذلك أن اليمين مرصدة فى أدب السنة للأكل والشربوالأخذ
والإعطاء ، ومصونة عن مباشرة السفل والمغابن، وعن مماسة الأعضاء التى هى مجارى الأثفال
والنجاسات ، وامتهنت اليسرى فى خدمة أسافل البدن لإماطة ماهناك من القذارات، وتنظيف
ما يحدث فيها من الدنس والشعث .
وقال بعض أهل الظاهر: إذا استنجى بيمينه لم يجزه، كما لايجزيه إذا استنجى برجيع
أو عظم . واحتج بأن النهى قد اشتمل على الأمرين معاً فى حديث واحد، فإذا كان أحد
فَصْلَيْهِ على التحريم كان الفصل الآخر كذلك .

- ١٧ -
قلت: والفرق بين الأمرين : أن الرجيع نجس ، وإذا لاقى نجاسة لم يزلها، بل يزيدها
نجاسة. وليس كالحجر الطاهر الذى يتناول الأذى ، فيزيله عن موضعه ويقطعه عن أصله .
وأما اليمين فليست هى المباشرة لموضع الحدث، وإنما هى آلة يتناول بها الحجر الملاقى
للنجاسة، والشمال فى هذا المعنى كاليمين، إذ كل واحدة منهما تعمل مثل عمل الأخرى فى
الإمساك بالحجر واستعماله فيما هنالك .
والرجيع النجس لا يعمل عمل الحجر الطاهر، ولا ينظف تنظيفه، فصار نهيه عن الاستنجاء.
باليمين نهى تأديب، وعن الرجيع نهى تحريم ، والمعانى هى المصرفة للأسماء والمرتبة لها .
وحاصل المعنى : أن المزيل للنجاسة الرجيع . لا اليد .
وفى قوله (( وأن يستنجى أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار)) بيان أن الاستنجاء بالأحجار
أحد الطهرين، وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بد من الحجارة أو ما يقوم مقامها. وهو قول
سفيان الثورى ومالك بن أنس والشافعى وأحمد بن حنبل. وفى قوله « أن يستنجى أحدنا
بأقل من ثلاثة أحجار)» البيان الواضح أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز، وإن
وقع الإنقاء بما دونها . ولو كان القصد به الإنقاء حسبُ لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى،
ولا فى ترك الاقتصار على مادونها فائدة ، إذ كان معلوماً أن الإنقاء قد يقع بالمسحة الواحدة
وبالمسحتين . فلما اشترط العدد لفظاً، وكان الإنقاء من معقول الخبر ضمناً ، دل على أنه
إيجاب للأمرين معاً. وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى، لأن الماء يزيل العين والأثر، فحل
محل الحس والعيان، ولم يحتج فيه إلى استظهار بالعدد، والحجر لا يزيل الأثر، وإنما
يفيد الطهارة من طريق الاجتهاد، فصار العدد من شرطه استظهاراً . كالعدة بالأقراء ،
لما كانت دلالتها من جهة الظهور والغلبة على سبيل الاجتهاد شرط فيها العدد ، وإن كانت
براءة الرحم قد تكون بالقرء الواحد، ألا ترى أن الأمة تستبرأ بحيضة واحدة فتكفى. فأما
وضع الحمل الذى دلالته من باب اليقين والإحاطة فإنه لم يحتج فيه إلى شيء من العدد ،
فكذلك الماء والحجارة فى معانيها .
وعند أصحاب الرأى: أن الإنقاء إذا وقع بالحجر الواحد كفى، غير أن مرجع جملة قولهم
فى ذلك الى أنه استحباب لا إيجاب . وعلى هذا تأولوا الحديث . وذلك أنهم يقولون: إن
(٢ - مختصر السنن ج ١)

- ١٨ -
وأخرجه أيضا مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة.
١٠ - وعن أبى هُريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّا أنالكم
بِنْزِلةِ الوالد، أُعلِّمكم ، فإذا أتى أحدكم الغَائْطَ فلا يَستقبِلِ القِبْلَةَ، ولا يَسْتَدْ بِرْها،
كانت النجاسة هناك أكثر من قدر الدرهم فإنه لا يطهره إلا الماء، وإن كان بقدر الدرهم
فلم يزله بالحجارة أو بما يقوم مقامها وصلى أجزأه.
فجاء من هذا أنه إذا أمر بالاستنجاء فإن ذلك منه على سبيل الاستحباب
دون الإيجاب .
قلت: ولا ينكر على مذهبهم أن يكون المراد بالاستنجاء الإنقاء، ويدخله مع ذلك
التعبد بزيادة العدد ، وقد قالوا فى غسل النجاسات بإيجاب الثلاث، فإن لم تزل فإن الزيادة
عليها واجبة حتى يقع الإنقاء .
وقد أجاز الشافعى ثلاث امتساحات بحروف الحجر الواحد، وأقامها مقام ثلاثة أحجار .
ومذهبه فى تأويل الخبر : أن معنى الحجر أُوْفَى من اسمه ، وكل كلام كان معناه أوسع
من اسمه فالحكم للمعنى، وكأنه قال: الحجر وحروفه وجوانبه، والاستنجاء غير واقع
بكل الحجر لكن ببعضه ، فأبعاض الحجر الواحد كأبعاض الأحجار.
وأما نهيه عن الاستنجاء بالعظم، فقد دخل فيه كل عظم من مينة أو ذكى،لأن الكلام على
إطلاقه وعمومه . وقد قيل : إن المعنى فى ذلك أن العظم زلج لا يكاد يتماسك فيقلع النجاسة
وينشف البلة، وقيل: إن العظم لا يكاد يعرى من بقية دسم قد علق به. ونوع العظام قد يتأتى
فيه الأكل لبنى آدم، لأن الرخو الرقيق منه قد يتمشش فى حالة الوجد والرفاهية، والغليظ
الصلب منه يدق ويستفّ عند المجاعة . وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم والرجيع والعذرة ،
ويسمى رجيعاً لرجوعه عن حال الطهارة إلى الاستحالة والنجاسة .
٧ - قوله ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد)) كلام بسط وتأنيس للمخاطبين، لئلا بحتشموه
ولا يستحيوا عن مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم، كما لا يستحى الولد عن مسأنة الوالد
فيما عنَّ وعرض له من أمر . وفى هذا بيان وجوب طاعة الآباء ، وأن الواجب عليهم
تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين .

- ١٩ -
ولا يَسْتَطِبْ بيمينه، وكان يأمر بِثلاثةِ أحجارٍ، وَيَنْهَى عن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ ».
وأخرجه أيضاً مسلم مختصراً ، والنسائى وابن ماجة تامًّا .
وقوله (( ولا يستطب بيمينه)) أى لا يستنج بها. وسمى الاستنجاء استطابة لما فيه من
إزالة النجاسة وتطهير موضعها من البدن. يقال: استطاب الرجل إذا استنجى، فهو مستطيب
وأطاب فهو مطيب. ومعنى الطيب ههنا: الطهارة ، ومن هذا قوله تعالى ( فتيمموا صعيداً
طيبا) وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ((طابة)) ومعناه طهارة التربة وهى سبخة.
فدل ذلك على جواز التيمم بالسباخ، وقيل : معناه الطهارة من النفاق .
وأصل الاستنجاء فى اللغة: الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة ، والنجوة:
المرتفعه منها، كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلى، فقيل على هذا: قد استنجى الرجل ، أى
أزال النَّجو عن بدنه. والنجو كناية عن الحدث، كما كنى عنه بالغائط. وأصل الغائط:
المطمئن من الأرض ، كانوا يفتابونه للحاجة ، فكنوابه عن نفس الحدث ، كراهية لذكره
بخاص اسمه .
ومن عادة العرب التعفف فى ألفاظها، واستعمال الكناية فى كلامها ، وصون الألسنة عما
تصان الأسماع والأبصار عنه .
وقيل : أصل الاستنجاء : نزع الشىء عن موضعه وتخليصه منه، ومنه قولهم : نجوت
الرطب، واستنجينه: إذا جنيته، واستنجيت الوتر: إذا خلصته من أثناء اللحم والعظم،
قال الشاعر :
فتبَازَتْ فَتَبَازَخْتُ لها قِعْدَةَ الجازِر يستنجى الوثرْ(١)
وفى قوله ((يأمرنا بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة)» دليل على أن أعيان الحجارة
غير مختصة بهذا المعنى دون غيرها من الأشياء التى تعمل عمل الحجارة . وذلك أنه لما أمر
بالأحجار ثم استثنى الروث والرمة فحصهما بالنهى ، دل على أن ماعدا الروث والرمة قد دخل
فى الإباحة ، وأن الاستنجاء به جائز، ولو كانت الحجارة مخصوصة بذلك ،وكان كل ماعداها
[١] تبازت: رفعت مؤخرها. تبازخت: جلست جلسة الأبزخ، وهو أن يطمئن وسط الظهر
ويخرج أسفل البطن

- ٢٠ -
٨ - وعن أبى أَيُّوبَ رِوايةً، قال: ((إذا أتيْمُ الغَائِطَ فلا تَستقبلوا القِلَةَ بِغَائِطٍ ولا
بَوْلٍ ، ولكِنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا. فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنا مَراحيضَ قَدَُّ بِنِيَتْ قِبَل
القِبْلَةَ، فكنا ننْحَرِفُ عنها، ونستغفر الله)) .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة
٩ - وعن مَعْقِل بن أبى مَعْقِل الأسَدِىِّ قال: ((نَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ
نستقبِلَ القِبْكَتَينِ بِبولٍ أو غاِئْطٍ »
بخلاف ذلك، لم يكن لنهيه عن الروث والرمة وتخصيصهما بالذكر معنى، وإنما جرى ذكر الحجارة
وسيق اللفظ إليها لأنها كانت أكثر الأشياء التى يستنجى بها وجوداً، وأقربها متناولاً .
«والرمة» العظام البالية، ويقال: إنها سميت رمة لأن الإبل ترمها أى تأ كلها، قال لبيد:
والّيب إن تَعْرُ منى رِمَّة خَلَفًا بعد المات، فإنى كنت أتّثِر
٨ - قوله ((شرقوا أو غربوا)) هذا خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك
السَّمْت . فأما من كانت قبلته إلى جهة المغرب أو المشرق ، فإنه لا يغرب ولا يشرق .
((والمراحيض)) جمع المرحاض ، وهو المغتسل. يقال: رحضت الثوب إذا غسلته.
وقد اختلف الناس فى تأويل ما اختلف من الأخبار فى استقبال القبلة وتخريجها .
فذهب أبو أيوب إلى تعميم النهى والتسوية فى ذلك بين الصحارى والأبنية ، وهو مذهب
سفيان الثورى . وذهب عبد الله بن عمر إلى أن النهى عنه إنما جاء فى الصحارى، فأما
الأبنية فلا بأس باستقبال القبلة فيها ، وكذلك قال الشعبي ، وإليه ذهب مالك والشافعى.
وقد قيل: إن المعنى فى ذلك: هو أن الفضاء من الأرض موضع للصلاة ومتعبد للملائكة
والإنس والجن ، فالقاعد فيه مستقبلاً القبلة ومستديراً لها مستهدف للأبصار، وهذا المعنى
مأمون فى الأبنية .
قلت : الذى ذهب إليه ابن عمر ومن تابعه من الفقهاء أولي ، لأن فى ذلك جمعاً
بين الأخبار المختلفة واستعمالها على وجوهها كلها . وفى قول أبى أيوب وسفيان تعطيل
لبعض الأخبار وإسقاط له .
٩ - أراد بالقبلتين : الكعبة وبيت المقدس . وهذا يحتمل أن يكون على معنى الاحترام