النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
کتاب الأدب
عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيِّ، فَإِذَا في المَجْلِسِ أَخْلاَطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ
وَالْيَهُودِ، وَفي المُسْلِمِينَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، حَمَّرَ
ابْنُ أُبَيِّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لاَ تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللّهِ بَيْ عَلَيهِمْ ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ
فَدَعاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللّهُ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ: أَيُّهَا المَرْءُ، لاَ
أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كانَ حَقًّا، فَلاَ تُؤْذِنَا بِهِ في مَجَالِسِنَا، فَمَنْ جاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيهِ. قَالَ
عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ، فَاغْشَنَا في مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذلِكَ، فَاسْتَبَّ
المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ حَتَى كادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَل رَسُولُ اللّهِ وَهِ يُخَفِّضُهُمْ
حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللّهِ مَ﴿ْ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَ لَه: «أَي سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ ما قالَ أَبُو حُبَابِ - يُرِيدُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبَيِّ - قالَ كَذَا
وَكَذَا؟!)) فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَي رَسُولَ اللّهِ، بِأَبِي أَنْتَ،َ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِي
أَنْزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ، لَقَدْ جاءَ اللّهُ بِالحَقِّ الَّذِي أُنْزَلَ عَلَيكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هذهِ
البَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ ويُعَصِّبُوهُ بِالعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللّهُ ذلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ
بِذلِكَ، فَذلِكَ فَعَلَ بِهِ ما رَأَيتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللّهِ لَِّهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ اَلِهِ وَأَصْحَبُهُ
يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الكِتَابِ كما أَمَرَهُمُ اللّهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذى، قالَ اللّهُ
تَعَالَى: ﴿وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ. وَقالَ: ﴿وَذَّ كَثِيرٌ
مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ [البقرة: ١٠٩] فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ ﴿ يَتَأَوَّلُ في العَفْوِ عَنْهُمْ ما أَمَرَهُ اللّهُ
بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ بَه بَدْراً، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيْدِ
الْكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ، فَقَفَلَ رَسُولُ اللّهِ وَمٍ وَأَصْحَابُهُ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ، مَعَهُمْ أُسَارَى مِنْ
صَنَادِيدِ الكُفَّارِ، وَسَّادَةِ قُرَيشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ
الأَوْثَانِ: هذا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فُّبَابِعُوا رَسُولَ اللّهِ وَيَ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَأَسْلَمُوا. [طرفه في:
٢٩٨٧].
٦٢٠٨ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ، عَنْ عَبْدِ
اللّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَلِبِ قالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، هَل نَفَعْتَ أَبَا
طَالِبَ بِشَيءٍ، فَإِنَّهَ كَانَ يُحُوطُكَ وَيَغْضَب لَكَ؟ قالَ: ((نَعَمْ، هُوَ في ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ،
لَوْلاَ أَنَاَ لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)). [طرفه في: ٣٨٨٣].
١١٦ - بابٌ المَعَارِيضُ مَنْذُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ: سَمِعْتُ أَنَساً: ماتَ ابْنٌ لأَبِي طَلحَةَ، فَقَالَ: كَيفَ الغُلاَمُ؟ قالَتْ أُمُّ
سُلَيم: هَدَأَ نَفَسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ، وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ.
٦٢٠٩ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتِ البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ قالَ: كانَ

١٨٢
كتاب الأدب
النَّبِيُّ ◌َّ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَحَدَا الحَادِي، فَقَالَ النَّبِيُّ وَلَ: «ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ - وَيحَكَ -
بِالقَوَارِيرِ)). [طرفه في: ٦١٤٩].
٦٢١٠ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، وَأَيُّوبُ، عَنْ
أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كانَ في سَفَرٍ، وَكَانَ غُلاَمٌ يَحْدُو بِهِنَّ
يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ، فَقِّالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((رُوَيدَكَ يَا أَنْجَشَةُ سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ)). قالَ أَبُو قِلاَّبَّةً:
يَعْنِي النِّسَاءَ. [طرفه في: ٦١٤٩].
٦٢١١ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مالِكِ قالَ: كانَ لِلِنَّبِيِّ وَِّ حادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ، وَكان حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ ◌َُّ: ((رُوَيَدَكَ يَا أَنْجَشَةُ، لاَ تَكْسِرِ القَوَارِيرَ)). قالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. [طرفه
في: ٦١٤٩].
٦٢١٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحيى، عَنْ شُعْبَةَ قالَ: حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكِ قالَ: كانَ بِالمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللّهِ لَّهَ فَرَساً لأَبِي طَلَحَةَ، فَقَالَ: ((ما رَأَيْنَاً
مِنْ شَيءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً)). [طرفه في: ٢٦٢٧].
٦٢١٢ - وقوله: (ما رأينا من شيءٍ)، مع أنه كان رأى شيئاً من الأشياء لا مَحَالة،
فيكونُ المرادُ شيئاً يُعْتَدُّ به، فسمَّاها معاريضَ، مع أنَّها ليست من المعاريض في شيءٍ،
وذلك لكونه ليس من فَنِّه، نعم لو أتى عليه مثلُ الزمخشريّ، لكشف عن حقيقته.
وبالجملة: مرادُ المصنّف أنَّ المعاريضَ وأمثالَها، ليست من الكذب في شيءٍ،
ولكنَّها أنواعٌ من الكلام.
١١٧ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لِلِشَّيءِ، لَيسَ بِشَيءٍ، وَهُوَ يَنْوِي أَنَّهُ لَيسَ بِحَقٌّ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ للقَبْرَيْنِ: ((يُعَذَّبانِ بِلا كَبِيرٍ وإِنَّهُ لَكَبِيرٌ)) .
٦٢١٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمِ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج: قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي يَحْيِى بْنُ عُرْوَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَأَلَ أَنّاسٌ رَسُولَ
اللّهِ وََّ عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: (لَيسُوا بِشَيءٍ)). قالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ،
فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَاناً بِالشَّيءٍ يَكُونُ حَقًّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: ((تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ،
يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ كَذْبَةٍ)) .
[طرفه في: ٣٢١٠].
١١٨ - باب رَفع البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ

١٨٣
كتاب الأدب
[الغاشية: ١٨.١٧] وَقَالَ أَيُّوب: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: رَفَعَ النَّبِيُّ ◌َهِ رَأْسَهُ إِلَى
السَّمَاءِ.
٦٢١٤ - حدّثنا ابْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: سَمِعْتُ
أبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَ﴾.
يَقُولُ: ((ثُمَّ فَتَرَ عَنِّي الوَحْيِّ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي
إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِرَاءٍ، قاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
[طرفه في: ٤].
٦٢١٥ - حدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ، عَنْ
كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَّا قالَ: بِتُّ في بَيْتِ مَيمُوَنَةَ، وَالنَّبِيُّ مَلَ عِنْدَهَا، فَلَمَّا
كانَ ثُلُثُ اللَّيَلِ الآخِرُ، أَوْ بَعْضُهُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْنِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. [طرفه في: ١١٧].
١١٩ - باب نَكْتِ العُودِ في المَاءِ وَالطَّنِ
٦٢١٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمانَ، عَنْ
أَبِي مُوسى: أَنَّهُ كانَ مَعَ النَّبِيِّ بَيِّ في حائِطِ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، وَفِي يَدِ النَّبِيِّ وَ مُودٌ
يَضْرِب ◌ِهِ بَينَ المَاءِ وَالطِّينِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلِّ: ((افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ)).
فَذَهَبْتُ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ((افتَحْ لَهُ
وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ)). فَإِذَا عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، وَكَانَ مُتَّكِئاً
فَجَلَسَ، فَقَالَ: ((افتحْ وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ، عَلَى بَلوَى تُصِيبُهُ، أَوْ تَكُونُ)). فَذَهَبْتُ فَإِذَا عُثْمانُ،
فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قالَ، قالَ: اللّهُ المُسْتَعَانُ. [طرفه في: ٣٦٧٤].
ولمَّا ثَبَتَ عن النبيِّ وََّ لا يكونُ مخالفاً للوقار والمتانة.
١٢٠ - باب الرَّجُلِ يَنْكُتُ الشَّيءَ بِيَدِهِ في الأَرْضِ
٦٢١٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمانَ
وَمَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ
قالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ بَيَ في جَنَازَةٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ الأَرْضََ بِعُودٍ، فَقَالَ: ((لَيسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
إِلَّ وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ)). فَقَالُوا: أَفَلاَ نَتَّكِلُ؟ قالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ،
﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وََّ ◌ِجَ﴾)) [الليل: ٥]. [طرفه في
٦٢١٧ - قوله: (فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ)، أي لستم في مُكْنَةٍ من فعل شيءٍ، وترکِه من عند
أنفسكم. وإنَّما هو أمرٌ مقدَّرٌ، فتفعلون وتتركون ما قُدِّرَ لكم. وذلك يكون مُيَسَّراً لكم،

١٨٤
كتاب الأدب
فلا يأتي منكم خلافُه. فالاتكالُ، وترك الجهد في الأعمال عبثٌ.
١٢١ - باب التّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ عِنْدَ الثَّعَجُّبِ
٦٢١٨ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ
الحَارِثِ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ نَّهُ فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللّهِ، مَاذَا
أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ! مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجَرِ؟ - يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ
حَتَّى يُصَلِّينَ - رَبَّ كَاسِيَةٍ فَي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ في الآخِرَةِ). وَقَالَ ابْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: قُلتُ لِلِنَّبِيِّ بَّهَ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قالَ: ((لاَ))، قُلتُ: اللّهُ أَكْبَرُ! [طرفه
في : ١١٥].
٦٢١٩ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح. وَحَدثَنَا إِسْمَاعِيلُ
قالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيَقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ
الحُسَينِ: أَن صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ وَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا جاءَتْ رَسُولَ اللّهِ وَلَه تَزُورُهُ،
وَهُوَ مُغَتَكِفٌ في المَسْجِدِ، في العَشْرِ الغَوَابِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنَ
الِعِشَاءِ، ثُمَّ قامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ مَعَهَا النَّبِيُّ ◌َّهُ يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الِمَسْجِدِ،
الَّذِي عِنْدَ مَسْكَنٍ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَّهَ، مَرَّ بِهِمَا رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى
رَسُولِ اللّهِ وََّ ثُمَّ نَفَذَا، فَقَالَ لَّهُمَا رَسُولُ اللّهِ ◌َُّ: ((عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ
حُيَيٍّ)). قالاَ: سُبْحَانَ اللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ، وَكَبُرَ عَلَيهِمَا، قالَ: ((إِنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنٍ
آدَمَ مَبلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا)). [الحديث ٦٢١٩ - أطرافه في: ٢٠٣٨،
٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٧١٧١].
فأباح المصنِّفُ إخراجَ الأذكار عن معناها واستعمالها في غيره، وهو ثابتٌ في
السَّلَفِ ثبوتاً لا مردَّ له. وحينئذٍ ينبغي أن يؤوَّلَ ما في ((الدر المختار)): أن الطلبةَ إن
اصطلحوا على أن يُكَبِّرُوا، أو يسبِّحُوا عند ختم الدرس، فهو مكروهٌ، لأنَّه إخراجُ الذكر
عن مدلوله. نعم إن كان إخراجُه إلى محل ممتهنٍ، فله وجهٌ، كما ذكره الحنفيةُ: إن
السائلَ إن ذكر اسمَ الله على الباب، لا يقولُ السامعُ: جلَّ جلاله، أو كلمةً تدلُّ على
عظمته تعالى، وإن كان أدرباً في عامة الأحوال، وذلك لأنَّه قال باسمه في موضعٍ لم
یکن له ذلك.
١٢٢ - باب النَّهْي عَنِ الخَذْفِ
٦٢٢٠ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ الأَزْدِيَّ
يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ قَالَ: نَهِى النَّبِيُّ ◌َّهَ عَنِ الخَذْفِ، وَقَالَ: ((إِنَّهُ لاَ

١٨٥
كتاب الأدب
يَقْتُلُ الصَّيدَ، وَلاَ يَنْكَأُ العَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفقَأُ العَينَ، وَيَكْسِرُ السِّنَّ)). [طرفه في: ٤٨١٤].
وفي حکمه القوس: "غلیل."
١٢٣ - باب الحَمْدِ لِلعَاطِسِ
٦٢٢١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ
رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: عَطَسَ رَجُلاَنٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ هِ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ،
فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: ((هذا حَمِدَ اللّهَ، وَهذا لَمْ يَحْمَدِ اللّهَ)). [الحديث ٦٢٢١ - طرفه في: ٦٢٢٥].
٦٢٢١ - قوله: (وهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ).
حكاية: أنَّهمَ الناسُ قاضياً بالرِّشْوَةِ في عهد الرشيد، فجيء به بين يديه، إذ عَطَسَ
الرشيدُ، فشمَّته الناسُ، ولم يشمِّته القاضي. فسأله إنك لِمَ لم تشمِّتني، وقد شمَّتني
الناسُ؟ قال: إنَّك لم تَحْمَد اللَّهَ. فقال له: اذهب إلى قضائك، فإنَّ من لا يَجُودُ بكلمةٍ،
لا يَغْصِبُ أموالَ النَّاسِ.
١٢٤ - باب تَشْمِيتِ العَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللّهَ
فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ.
٦٢٢٢ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيم قالَ:
سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ◌ََّ بِسَبْعِ،
وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِجاَبَةٍ
الدَّاعِي، وَرَدِّ السَّلاَمِ، وَنَصْرِ المَظُلُومَ، وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ. وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: عَنْ خاتَم
الذّهَبِ، أَوْ قالَ: حَلَقَةِ الذَّهَبِ، وَعَنَْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وَاَلَدِّيبَاجٍ، وَالسُّنْدُسِ، وَالمَيَائِرِ.
[طرفه في: ١٢٣٩].
١٢٥ - باب ما يُسْتَحَبُّ مِنَ العُطَاسِ وَما يُكْرَهُ مِنَ التََّاؤُب
٦٢٢٣ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ
التَّنَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلٍ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التََّاؤب فَإِنَّمَا
هُوَ مِنَ الشَّيطَانِ، فَلَيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هّا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيطَانُ)). [طرفه في:
٣٢٨٩].
١٢٦ - بابٌ إِذَا عَطَسَ كَيفَ يُشَمَّتُ
٦٢٢٤ - حدّثنا مالِكُ بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ

١٨٦
كتاب الأدب
اللّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ رَّرْ قالَ: ((إِذَا
عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلَيَقُلِ: الحَمْدُ لِلّهِ، وَلَيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ:
يَرْحَمُكَ اللّهُ، فَلَيَقُلَ: يَهْدِيكُمُ اللّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ)).
١٢٧ - بابٌ لاَ يُشَمَّتُ العَاطِسُ إِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللّهَ
٦٢٢٥ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سُلَيمانُ التَّيمِيُّ قالَ: سَمِعْتُ
أَنَساً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَقُولُ: عَطَسَ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ََِّّ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ
الآخَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، شَمَّتَّ هذا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟! قَالَ: ((إِنَّ هذا حَمِدَ اللّهَ،
وَلَمْ تَحْمَدِ اللّهَ)). [طرفه في: ٦٢٢١].
١٢٨ - بابٌ إِذَا تَثَاوَبَ فَلَيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ
٦٢٢٦ - حدّثنا عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهُ قالَ: ((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التََّاؤُبَ، فَإِذَا
عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللّهَ،َ كانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِم سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللّهُ، وَأَمَّا
التَّثَاؤُبُ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلَيَرُدَّهُ ما اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا
تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ)). [طرفه في: ٣٢٨٩].
٦٢٢٦ - قوله: (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) لمَّا يَرَاه تابعاً، ومسخّراً له.

His
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٧٩ - كتاب الاستئذان
١ - باب بَدْءِ السَّلاَم
٦٢٢٧ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ جَعْفَرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَ قَالَ: ((خَلَقَ الَّلهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّوْنَ ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ
قالَ: اذْهَبَّ فَسَلِّمْ عَلَى أُولئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلائِكَةِ، جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ ما يُحِيُّونَكَ، فَإِنَّهَا
تَحِيِّئُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ، فَزَادُوهُ:
وَرَحْمَةُ اللّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةٍ آدَمَ، فَلَمْ يَزَل الخَلقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى
الآنَ)). [طرفه في: ٣٣٢٦].
أي كيف ظَهَرَ السلامُ في الكون، وكيف وُجِدَ من كَثْم العدم؟ والمرادُ به ظهورُ ذلك
النوع، فيحوي على بقائه أيضاً، كما مرَّ تقريره في بَدْءِ الوحيَ. وإذن لا يقتصرُ على
الأحوال الابتدائية فقط.
٦٢٢٧ - قوله: (خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)، والصوابُ أن الضميرَ راجعٌ إلى الله
تعالى لِمَا في بعض الظُرُق: ((على صورة الرحمن)). وإذن أشكلَ شرحُهُ. فقال القاضي
أبو بكر بن العربي: إن المرادَ من الصورة الصفةُ، والمعنى: أنَّ اللَّهَ تعالى خلق آدمَ على
صفاته. وتفصيلُه أنه وضع في بني آدم أُنْمُوذَجاً من الصفات الإلهية، وليس من الكائنات
أحدٌ مَنْ يكون مظهراً كاملاً لتلك الصفات، إلاَّ هو. أَلاَ ترى أنَّ صفةً العلم التي هي من
أخصِّ الصفات لا توجدُ إلاَّ في الإِنسان؟ فإنَّ سائِرَ الحيوانات ليس فيها إلاَّ قوةٌ مَخِيلةً .
وقيل: الغرضُ من إسناد الصورة إلى نفسه، مجرَّدُ التشريف والتكريم، على ما
[التين: ٤]. وليس المرادُ منه: أنَّ لله
يَنْطِقُ به النصُّ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا أُلْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (
تعالى أيضاً صورة.
وقال الشيخُ الأكبرُ: الصورةُ على معناها، ومغزى الحديث: أنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى
لو تنزَّل إلى عالم الناسوت، لكان في صورة الإِنسان، فإنَّ ذلك صورتُه في هذا العالم،
لو كانت. أَلاَ ترى أنه أسندَ إلى نفسه: العينَ، والقدمَ، والأصابعَ، والوجهَ، والساقَ،
واليدَ، والحَقْوَ، واليمينَ، والقبضةَ، والرداءَ، والإِزارَ، إسناداً شائعاً في القرآن
والحديث، ولا ريب أنَّها هي حِلْيَةُ الإِنسان؟ فلو فرضنا فرضَ المُحَال أنَّ اللَّهَ تعالى لو
١٨٧

١٨٨
كتاب الاستئذان
كان نازلاً في العالم الناسوتي، لَمَا كانت حِلْيَتُهُ إلَّ حليةَ الإِنسان. وإليه يُشِيرُ قولُهِلَُّ
في حديث الدَّجَّال: ((إنه أعورُ العين اليمنى، وربُّكم ليس بأعور)). فلو تجلَّى ربُنا جلَّ
وعلا في هذا العالم لم يكن أعور، فإنَّه ليس من حِلْيَةِ الإِنسانِ الصحيح.
ثم إنَّ الشيخَ الأكبرَ ذكر في موضع من كتابه: أن للصورة معاني، فمنها أنه يُرَادُ
منها الأوامر والنواهي، فهذا قريبٌ ممَّاً ذكره ابن العربيّ، بيدَ أنه أراد منها الصفاتِ
مطلقاً، وأراد الشيخُ الأكبرُ هذه الأشياء خاصةً.
هذا ملخّصُ ما ذكروه إلى الآن، ثم تَنَاقَلُوه في الشروح. والذي تبيَّن لي: أنَّ
الصورةً علی نحوین:
الأولى: ما كانت قائمةً بذاته تعالى، حاكيةً عنه جلَّ مجده. وتلك ليست بمرادةٍ
هُهنا، بل يَجِبُ نفيُها عنه، ولا مادةً لها في السمع.
والثانيةُ: ما ليست قائمةً بذاته تعالى، ولكنَّه تعالى علَّمنا إيّاها في كتابه، أنَّها
صورتُه، فأسندَ إليه: الوجهَ، واليدَ، والساقَ، والقدمَ، والأصابعَ، وأمثالَها. لا أَقُولُ إِنَّه
أثبتها لنفسه، ولكن أقولُ: إنه أسندَها إليه، وكم من فرقٍ بينهما! ثم أقولُ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ
أيدِ يِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] كما قاله هو، ولا أقولُ: إنَّ الله يداً. فإن كنتَ ممَّن يقوم بالفرق
بينهما ، فادره.
ولقد أجاد البخاريُّ حيث سمَّاها في كتابه نعوتاً، لا صفاتٍ، لكونها غيرَ معانٍ
زائدةٍ على الذات، فهي الحِلْيَةُ. وسمَّاها المتكلِّمون صفاتٍ سمعيةً، وسمَّوْا نحوَ القدرةِ
والإِرادةِ صفاتٍ عقليةً، فجعلوا مرجعَها إلى الصفات أيضاً، فصارت معاني زائدةً على
الذات، كما هو مقتضى معنى الصفة. بخلاف الصورة، والحلْيَةِ، فإنها من الذات، لا
معاني زائدة عليها. ولعلَّك عَلِمْتَ أن في تسميتها صفاتٍ - كما سمّاها المتكلِّمون -
تفويتٌ لغرضِ الشارع، وإخلاءُ هذه الألفاظ عن معانيها. وأحسنَ البخاريُّ في تسميتها
نعوتاً، فلم يَدَّلَّ على كونها زائدةً على الذات.
نعم لا بُدَّ من تقييدها بكونها وراءَ عقولِنا، وخيالِنا، وأوهامِنا، ثم وراءَ، ووراءَ،
وبما شِئْتَ من التنزيهات ممَّا يُسَاعِدُك فيها خيالُك. فهذه النعوتُ التي كلَّت الأنظارُ
والأفكارُ عن إدراكها هي صورتُه تعالى، وإرجاعُها إلى معنى الصفات، سلخٌ عن معناها .
وليست تلك على حدٍّ مَا زَعَمَهُ الفلاسفةُ، أي ما تَحْصُلُ بإِحاطة الحدِّ والحدودِ. فإن تلك
الصورةَ لا تختصُّ بشيءٍ دون شيء، مع أنَّ الله تعالى ذكرها في موضع الامتنان، وقال:
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] فدلَّ على معنى زائدٍ فيها، فالتصويرُ أمرٌ مُغَايِرٌ

١٨٩
كتاب الاستئذان
للخلق. وما ذكروه من الإِحاطة داخلٌ في الخلق، فلا يَظْهَرُ في العطفِ لطفٌ، مع أنه
قال: (خلقكم))، ((وصوَّركم)) ... إلخ. فجاء بالعطف تنبيهاً على تغايُرِهما.
فاللَّهُ سبحانه يتجلَّ في هذه النعوت التي نَعَتَ بها نفسه في الدنيا والآخرة، فإنَّ
الحِلْيَةَ المرضيةَ له هي التي نَعَتَ بها نفسَه بِنفسِه، ففيها تكونُ الرؤيةُ، وهي التي تسمَّى
برؤية الرَّبِّ جلَّ مجده. أَلاً ترى أنك إذا رأيتَ ربَّك في المنام، تيقَّنتَ أنَّكَ رأيتَ الرَّبَّ
عزَّ برهانه، مع علمكَ أنه ليس ربَّك، وهذا لأنَّكَ تنفي كونَ تلك الصورة ربّاً، مع إذعانكَ
يكون المجلّى فيها ربَّك عزَّ سلطانه. فكأنَّكَ في بيانك هذا تنفي المثلَ له، وتريدُ
المَرْمَى. وإذ قد ورد في الحديث: ((أنَّ المؤمنين يَرَوْنَ ربهم في المحشر في صورة
يعرفون بها))، فما الدليلُ على أنه ليست برؤيته؟ بل هو رؤيةٌ محقَّقةٌ فوق رؤيتك إيَّاه في
المنام، ثم أَزْيَد، وأَزْيَد.
وبالجملة(١) لا يُمْكِنُ الوصولُ للعبد إلى جَنَابه تعالى إلاَّ بوساطة تلك الصورة، فإِنَّ
اللَّهَ تعالى غنيٌّ عن العالمين.
وتحقيقُه: أن صورةَ الشيء ما تُعْرَفُ بها شخصيةُ الشيء، ولا ريبَ أن الأدخلَ فيه
هو الوجه، ولذا أظنُّ أن غالبَ استعمال الصورة في الوجه، لأنَّه هو مبدأ التمييز
والمعرفة كثيراً. ولذا قَلَّما يُسْتَعْمَلُ لفظُ الصورة في الجمادات والنباتات خاصةً، وذلك
لأنَّها ممَّا يُسْتَغْنَى عن معرفة أشخاصها. وإنَّما نحتاجُ إلى معرفة الشخصية في
الحيوانات، أمَّا النباتاتُ والجماداتُ فليس لنا بشخصياتها عرضٌ. ثم لمَّا كان الأقدمُ في
المعرفة هو الإِنسانُ، كان أقدمَ في إطلاق الصورة عليه أيضاً، ثم الحيوانات، ثم
الأشجار. أمَّا السماءُ والأرضُ، فهي مبسوطةٌ كالمادة، لا يَسْأَلُ عن صورها أحدٌ.
ولما كان اللَّهُ سبحانه غايةَ الغايات، ومنتهى المطالب، ومقصودَ العوالم كافةً،
وكان في أقصى مراتب التجرُّد والتنزُّه، احتاج الناسُ لمعرفته إلى صورةٍ يَعْرِفُون بها
ربَّهم، لأن الماديّ المظلمَ المتدنسَ بأنواع الظلمات. لا يَبْلُغُ شَأْوَ المجرَّد، وإنْ تجرَّد،
وإن تجرَّد. فلا يَحْصُلُ له نسبة الرائي، والمرئي بينه وبين الله تعالى إلاَّ بقَدْرٍ ما يتمكَّن
(١) واعلم أن الشيخَ الأُلَوسيّ قد تكلّم في تحقيق الرؤيا، وبَسَطّه جداً، فراجعه من تفسيره: ص٢٤٢ الى: ص٢٤٤ -
ج٣، ثم ذكر عن حُجَّة الإِسلام الغزالي في شرح قوله عليه الصلاة والسلام: ((من رآني في المنام ... )). إلخ:
أنه ليس المرادُ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((فقد رآني)). رؤيةً الجسم، بل رؤيةَ المِثَال الذي صار آلةً يتأدَّى بها
المعنى الذي في نفسه إليه. ثم ذكر أن النفسَ غير المِثَال المتخيَّل، فالشكلُ المرئي ليس روحَه صلى الله عليه
وسلم، ولا شخصَه، بل مِثَالَه على التحقيق. وكذا رؤيتُه سبحانه نوماً، فإنَّ ذاتَه تعالى منزهةٌ عن الشكل
والصورة، لكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثالٍ محسوسٍ، من نورٍ، أو غيرِهِ، وهو آلةٌ حقّاً في قوله،
واسطةً في التعريف. فقولُ الرائي: رأيتُ اللَّهَ نوماً، لا يعني به أنه رأى ذاتَه تعالى اهـ: ص٢٤٤ - ج٣.

١٩٠
كتاب الاستئذان
من إدراكه، وينالُ من نعوته، ويَبْلُغُ مبلغَهما. فلا يمكن الوصولُ للإِنسان إلى ربِّه جلَّ
مجده إلاَّ بوساطة الصور. ولولا تلك، لوجدته يَؤوساً قَنُوطاً، محروماً عن الرؤية:
قُلَلُ الجِبالِ، ودونهن حتوفٌ؟!
كيف الوصولُ إلى سعاد، ودونها،
وبالجملة لم يُخْبِرْنا ربُّنا تبارك وتعالى إلاَّ بتلك الحِلْيَةِ، وعلَّلنا بها. فلا علم لنا إلاَّ
ما علمتنا، فنحن نهتدٍ بها. فإن تعسَّر عليك إسنادُ الصورة إلى جَنَابه تعالى، وتراه خلافَ
التنزيه، فاعلم أنَّ منشأَه أنَّك تَزْعُمُ اتحادَ الصورة مع زيِّها دائماً، ولا تتعقَّلُ انفكاكَها عن
الذات. وليس ذلك إلاَّ لأنَّك مَارَسْتَ صورةَ الإِنسانِ، فرأيتَها قائمةٌ به، غيرَ منفصلةٍ عنه.
مع أنَّ صورةَ الإِنسان أيضاً غيرُه، بل ما من شيءٍ إلاَّ وصورتُه تُغَايِرُهُ. وإنَّما نحن أجسادٌ
من عالم الناسوت، فالتبس الحالُ فينا .
ويدُلُّكَ على ما قلنا، إنك إذا رأيتَ المرآةَ وجدتَ فيها صورتَك؛ مع انعدام زِيِّ
الصورة منها، فَدَلَّ على أنَّ الصورةَ قد تنفكُ عن زِيِّها. ولولا ذلك لَمَا وَسِعَكَ أن تقولَ:
إنَّك رأيتَ صورتَكَ في المرآة. فلمَّا أقرَّ به أهلُ العُرْفِ، عُلِمَ أنَّ صورتَك غيرُك، وقد
تنفكُ عنكَ أيضاً، إلاَّ أنَّك كنتَ مِن عالم الناسوت، فضاهت صورتُك بنفسك. وهكذا
في العلم، فإنَّه لا يَحْصُلُ فيه إلاَّ صورةَ الشيء، دون الذات بعينها، وهي التي تسمَّى
صورتُه الذهنيةُ.
ثم لههنا دقيقةٌ أخرى، وهي: أنه لا يَحْصُلُ لزيدٍ علمُ عمروٍ، بل لا يمكنُ أن
يَحْصُلَ له علمُه، ما لم يكن عمرو من ملابسات زيدٍ بنوع من التعمُّل، أعني به حصولَ
نسبةٍ خاصةٍ بين زيدٍ وعمروٍ، حتى يُعَدَّ من صفات زيدٍ ومتّعلقاتِهِ، وذلك بحصول صورته
في الذهن. فإذا حَصَلَت صورتُه في ذهنه، وقامت به صار عمرو من ملابساته مثل صفاته،
وحينئذ يَحْصُلُ له علمُهُ. وهكذا الحالُ في المرآة، فإِنَّها لا تُرِيكَ صورتَكَ حتَّى تكونَ
قائماً بها قيامَ الأوصاف بموصوفاتها، وهو بقيام شَبَحِكَ فيها. فإذا حَصَلَ فيها شبحُكَ،
وصِرْتَ من ملابساته، بنحوٍ من التعمُّل كصورة عمرٍو لزيدٍ، جَعَلتْ تُرِيكَ صورتَك. وإنَّما
الفرقُ بين الصورتين: أن الذُّهْنَ تَنْطَبعُ فيه صور المعقولات والحسيَّاتِ، والمراً لا تَنْطَبِعُ
فيها الأمورُ المحسوسات.
ولعلَّك عَلِمْتَ أنه لا بُدَّ لرؤية نفسه من نوعِ اثنينية، فما لم تَقُمْ تلك الإثنينيةُ بين
المرء ونفسه، ولا يُمْكِنُ له رؤيتها. وحينئذٍ عُلِمَ أنَّه لا بُدَّ للإِنسان أن يكونَ مخلوقاً على
صورته. فإنَّ العالمَ كلَّه كالمرايا لحضرة الرَّبِّ تعالى، والمتجلي فيها هو اللَّهُ سبحانه،
وهي مسألةُ التجلِّي.
وما أقربُ حال الشَّبَح وزِيِّه بالصورة وزيِّها. فكما أنَّ الشَّبَحَ غيرُ زيِّ الشَّبَح، وينفكُ.
عنه. هكذا فليفهم صورة الرحمن، فإنَّها غيرُ قائمةٍ بالباري تعالى، ومنفصلةٌ عنه. إلاَّ أنَّه

١٩١
كتاب الاستئذان
لا يمكن رؤيةُ تلك الصورة من نفسها بنفسها، ما لم تقع الإثنينيةُ بين الرائي والمرئي،
فخلق اللَّهُ تعالى الإِنسانَ، ليكونَ مظهراً ومرآةً لصورته، ويتجلَّى فيه حتَّى يَظْهَرَ أمرُهُ في
الأكوان، ويقالُ: إنَّ الإِنسانَ خُلِقَ على صورة الرحمن. وإلاَّ فما للإِنسان أن يكونَ مظهراً
له، كما هو. وما للممكن أن تتجلَّى فيه صورةُ الرحمن كما هي. ولكن تلك أمثالٌ
وأوهامٌ، ترتاحُ بها نفوسُ الصُّبَّ الهائمة، فيُعَلِّلون بها أنفسَهم، واللَّهُ تعالى أعلى وأجلُّ،
وَسِعَ كرسيَّه السمواتِ والأرضَ، ولا يَؤُودُه حفظُهُما، وهو العليُّ العظيمُ (١).
(١) قلتُ: هذه مسألةٌ دقيقةً جداً، بل أدقُّ المسائلَ من باب الحقائق. لم أَفُزْ بحاشيةٍ تَلِيقُ بها في هذه المُجَالة، إلاَّ ما
ذكره بعضُ المحقّقين، فَخُذْها منِّي راضياً مرضياً .
قال: أقول مستمسكاً بحبل الله الوثيق، ومستمدّاً ممن بيده ملكوت التحقيق: كما أنَّ القرآنَ عند أهل السنة من
حيث حقيقتُه التي هي الكلامُ النفسيُّ القديمُ القائمُ بذات الله سبحانه، لم يكن في الأَزَلِ ظاهراً في صورة الأصواتِ
والحروفِ الملفوظةِ، ولا في صورة الحروفِ المكتوبةِ، ولا المخيّلةِ في الأذهان البشرية، ثم ظهر في تلك الصور
جميعاً، فيما لا يزال، مع كونه منزَّهاً عن أن يكونَ حالاً في شيءٍ منها، ومن مُحَالها من حيث حقيقتُه. وإنَّما الحالُ
فيها - أي في مُحَالها - صورُه ومظاهرُه. ولذلك لم يَلْزَمْ أن يكونَ ذا صورةٍ، ولا حَادِثاً، ولا عَرَضاً غير قارٌ الذات،
ولا جَوْهراً، مع ظهوره في تلك المظاهر التي منها جواهرٌ، كظهور الحروف المنقوشة في نحو الأحجار الموضوعة
في جدران المساجد وغيرها، ومنها أعراضٌ، كالحروفِ الملفوظةِ، والمخيّلةِ.
فكذلك، فَلْيُفْهَم ظهورُ الحقِّ سبحانه وتعالى في المظاهر المختلفة التي يُعْرَفُ بعضُها، ويُتْكَرُ بعضُها. فإنَّه سبحانه،
وإن ظهر في أي مظهر شاء، متى شاء، لمن شاء، فإنَّه من حيث حقيقتُه، وذاتُه الذي ليس كمثله شيءٌ، منزَّهُ عن
كلِّ صورةٍ في كلّ حالٍ، حتَّى في حال ظهوره في أيّ مظهرٍ شاء. كما أنَّ الكلامَ النفسيّ منزَّةٌ عن كلِّ صورةٍ من
تلك الصورِ الملفوظةِ، والمخيّلةِ، والمكتوبةِ في كلٌّ حالٍ، حتى في حال ظهوره فيها، مع كون تلك الصور كلّها
قرآناً، حقيقةً شرعيةً، معلومةً في الدين ضرورةً لا مجازاً، وإن كانت دلائلَ على الكلامِ النفسيِّ.
فكذلك إذا تجلّى الحقُّ في أيِّ صورةٍ شاء، فهو حقيقةٌ، وإن كان منزَّها عن الصورة من حيث ذاتُه، فإنَّ رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((رأيتُ ربِي الليلةَ في أحسن صورةٍ ... )) الحديثَ. وقال: ((أتاني الليلةَ ربِّي تبارك
وتعالى في أحسن صورةٍ ... )) الحديث وقال: ((أما إنِّي سأحدثُكم ما حَبَسَني عنكم الغداةَ، أنّ قُمْتُ فتوضأت،
فصلَّيتُ، ما قُدْرَ لي، فَتَعَسْتُ في صلاتي حتّى استثقلتُ، فإذا أنا بربِّي تبارك وتعالى في أحسن صورة» الحديثُ.
وقال: ((رأيتُ ربِّي في صورة شابٍّ له وَفْرَةٌ)). رواه الطبرانيُّ في السنة، عن ابن عبَّاسٍ.
ونُقِلَ عن ابن أبي زُرعة الرازي أنه قال: هو حديثٌ صحيحٌ، كذا في ((الجامع الكبير)) للسيوطي. وفيه أيضاً: ((رأيتُ
ربِّي في المنام في سورة شابٌّ مُوَفِر في الخَضْر، عليه نعلان من ذهبٍ، وعلى وجهه فراشٌ من ذهبٍ». رواه
الطبرانيُّ في السنة، عن أمّ الطَّفَيْل، امرأةٍ أُبَيِّ بن كعبٍ. وفيه أيضاً: ((رأيتُ ربِّي في حظيرٍ من الفردوس، في
صورة شابٌ، عليه تاجٌ يَلْمَعُ البصرَ)). رواه الطبرانيُّ في السنة، عن مُعَاذ ابن عَفْرَاء.
وفي ((الجامع الكبير)) عن الطبرانيِّ، وصحَّحه، عن حُذَيْفَة [بن] اليمان، قال: ((سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه
وسلم يقولُ: رأيتُ ربِّي عزَّ وجلَّ الليلةَ في صورة شابٍّ، له وَفْرَةٌ، وفي رجليه نعلان من ذهبٍ، وعلى وجهه
فراش من ذهبٍ، وعلى رأسه تاجٌ يَلْمَعُ البِصرَ)). انتهى.
فقد أطلق على الظاهر: ((في أحسن صورةٍ))، ((وفي صورة شابٍّ)) موصوفٍ بالصفات المذكورة أنَّه ربُّه تبارك
وتعالى. كما أطلق على الآتي في الصورة التي تُعْرَفُ، وتُنكّرُ، أنه اللَّهُ في الأحاديث السالفة - أي في إتيانه تعالى =

١٩٢
كتاب الاستئذان
ثم أَحْسَبُ أن التجلِّي لا يكون إلاَّ فيما أطلقه على نفسه من النور، والوجه،
وغيرِهما. وما لم يَرِد النصُّ بإِطلاقه عليه تعالى، فلعلَّه لا يكونُ فيه التجلِّي أيضاً. وقد
تجلَّى ربُّنا تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام مرتين: مرَّةً في الجَذْوَةِ في شجرةٍ
حينٍ ذهابه إلى بني إسرائيل، ومرةً أخرى حين رَجَعَ عنهم، وذلك حين سأل ربَّه أن
يتجلَّى له، فيراه بعينيه هاتين، فَنُودِي ﴿لَنْ تَرَِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]:
كمثل تجلِّي النور في جبل (١) الطور
تَجَلَّى، ولم يُكْشَفْ کسُبحاتٍ وجهه
ومن بين غيبٍ، والشهادةُ أَوْرَى
وكان حجابُ النور نوراً، وظلمةً
ويبقى به مرآه في حكمٍ مستورٍ
فيذهب ما قد كان عنوانٌ بينه،
في المحشر، فَيَعْرِفُونَه مرةً، ويُنْكِرُونَه أخرى - والأصلُ في الإِطلاق الحقيقةُ، ولا ضرورةَ تدعو إلى العدول عنها،
=
فإنَّه سبحانه، وإن ظهر في أيِّ صورةٍ شاء، فهو تعالى منزَّهُ عن كلّ صورةٍ، في كلِّ حالٍ، من حيث ذاتُه. فالظاهرُ
في الصورة هو الرَّبُّ حقيقةٌ شرعيةً بلا إشكالٍ. ومما يَنُصُّ على ذلك حديثُ أبي موسى السابق الذي فيه:
((فَيَنْصَرِفُ اللَّهُ عنهم، وهو الله تبارك وتعالى يأتيهم ... )). والحديثَ.
ومن ههنا يتَّضِحُ ما ذكره بعضُ المحقّقين في حديث حُذَيْفَة الذي رواه الطبرانيُّ السابق آنناً. وقد استنكر بعضُ
العلماء هذا الحديث، وما كان ينبغي له الاستنكارُ، وذلك لأنَّ للحقِّ تبارك وتعالى تجلّاً في خِزَانة الخيال، في
صورةٍ طبيعيةٍ، بصفاتٍ طبيعيةٍ، فيرى النائمُ في نومه تجسُّد المعاني في صورة المحسوسات، هذه حقيقةُ الخيال.
فتجسُّدُ ما ليس من شأنه أن يكونَ جسداً، لا تُغْطِي حضرتَه إلاَّ ذلك. فحضرةُ الخيال أوسع الحضرات، إذ فيها
يَظْهَرُ وجودُ المُحَالِ، فإنَّ اللَّهَ سبحانه لا يَقْبَلُ الصورةَ، وقد ظَهَرَ بالصورةِ في هذه الحضرة. انتهى.
ومعنى قوله: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ الصورةَ، أنَّه لا يتقيَّدُ بالصورة، وإن ظَهَر فيها.
والحاصلُ: إذا كان الحقُّ له أن يَظْهَرَ في أيّ مظهرٍ شاء، على أيِّ هيئةٍ شاء، مع كونه منزَّهاً عن كلّ صورةٍ في كلِّ
حالٍ، لم يَبْقَ إشكالٌ في تجلِيه في أحسن صورةٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي صورة الشابِّ المذكور في عالم
الخيال، ولا في تجليه لأهل الموقف في المظاهر المختلفة:
إمّا في عالم المِثَال، كما يَدُلُّ عليه حديثُ ابن مسعودٍ السابق الذي عند ابن أبي شَيْبَةً، والطبرانيِّ، والحاكم،
وغيرهم: ((ثم يتمثّلُ اللَّهُ للخلق، فَيَلْقَاهُم ... )) الحديثَ. وحديثُ ابن مسعودٍ أيضاً، عند الدار قطنيّ، والطبرانيُ،
والحاكم، وغيرهم: ((ويبقى أهلُ الإِسلام جُثُوماً، فيتمثّلُ لهم الربُّ تعالى، فيأتيهم، فيقول ... )) الحديثَ.
أو فيما هو أعمُّ من ذلك، كما يَدُلُّ عليه حديثُ أبي هريرة الذي عند ابن جرير، والطبرانيِّ، والبيهقيِّ، وغيرهم،
السابق: (فإذا لم يَبْقَ إلاَّ المؤمنون، وفيهم المنافقون، جاءهم اللَّهُ فيما شاء من هيئة ... )) الحديثَ. وحديثُ أبي
سعيدٍ عند الشيخين: ((ثم يتبدَّى اللَّهُ لنا في صورةٍ غير صورته التي كثَّا رأيناه فيها أوَّل)). وحديث أبي موسى
الأشعريّ عند الطبرانيّ: ((فيتجلّى لهم تبارك وتعالى)). وحديثُ أبي هريرة: ((ويتجلّى لهم من عظمته ما يَعْرِفُون أنَّه
ربُهم))، إلى غير ذلك.
وإذا تحقّقت أنَّ لله تعالى أن يجيءَ، ويتجلّى في أيّ هيئةٍ شاء، مع أن ليس كمثله شيءٌ. فإذاً الذي جاءنا بأنَّ اللّهَ
تعالى ليس كمثله شيءٌ، هو الذي جاءنا بالمتشابهات، التي منها هذه الأحاديثُ، وما في معناها. وحيث إنَّ الأصلَ
في الإِطلاق الحقيقةُ، ولا يُعْدَلُ عنها إلاَّ بضرورةٍ، وقد تبيَّن بما قرَّرناه أنَّه لا ضرورةَ تدعو إلى العدول عنها، لم
يَبْقَ عندك إشكال في شيءٍ من المتشابهات الواردة في الكتاب والسنة على كثرتها أصلاً، بإِذن الله تعالى.
(١) في نسخة: شجر الطور.

١٩٣
كتاب الاستئذان
والظلمةُ فيه من لفظ الحديث، وإنَّما أتى به لِيَكْشِفَ به معنى الحِجَاب، فإنَّه لا
حِجَابية في النور، فعبّر عن معنى الحِجَابية بالظلمة.
ثم إنَّك قد سَمِعْتَ منَّا في أمر الصورة ما سَمِعْتَ، فاسمع الآن ما ذَكَرَهُ الماتريديُّ
في الكلام النفسيِّ، فإنه قال: إنَّه غيرُ مسموع، خلافاً للأشعريِّ، فذهب إلى أنَّه مسموعٌ.
وحينئذٍ، فالكلامُ المسموعُ من الشجرة عند الماتريديِّ، كان مخلوقاً للَّهِ تعالى، فهل
تتعقَّل انفصالَ الكلام عن المتكلّم؟ وإن كنتَ عَقِلْتَه، وفَهِمْتَهُ، فهلاَّ قِسْتَ عليه أمرَ
الصورة، ليتجلَّى لك الحالُ؟.
ثم إنَّ تجلِّي الوجه عندي يكون في الجنَّةِ، وتجلِّي الساق في المحشر، وهذا يَعْرِفُهُ
المؤمنون. وتجلّي القدم لخيبة جهنّم، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
وبالجملة: الرؤيا عبارةٌ عن رؤية تلك التجلِّيات(١).
٢ - باب
قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿يَّأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ
وَتُسَلِّمُواْ عَلَ أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَُّونَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْخُلُوهَا حَتَّى
يُؤْذَنَ لَكُرُّ وَإِن قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِمُ ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاعُ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيَرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَنْعُ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
٢٩)
[النور: ٢٧ - ٢٩].
وقالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ لِلِحَسَنِ: إِنَّ نِسَاءَ العَجَم يَكْشِفْنَ صُدُورَهُنَّ ورُؤُوسَهُنَّ؟
قالَ: إِصْرِف بَصَرَكَ عَنْهُنَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ
فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وَقالَ قَتَادَةُ: عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَهُمْ. ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، [النور: ٣١] ﴿خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] مِنَ النَّظَرِ إِلَى ما نُهِيَ عَنْهُ. وَقَالَ
الزُّهْرِيُّ فِي النَّظَرِ إِلَى الَّتِي لَمْ تَحِضْ مِنَ النِّسَاءِ: لاَ يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَيءٍ مِنْهُنَّ، مِمَّنْ
يُشْتَهَى النَّظَرُ إِلَيهِنَّ، وَإِنْ كانَتْ صَغِيرَةً، وَكَرِهَ عَطَاءُ النَّظَرَ إِلَّى الجَوَارِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلاَّ أَنْ
يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ.
(١) قلتُ: هذا مبحثٌ دقيقٌ جدّاً يتعلّق بذاته وصفاته تعالى، وأفسحتُ من كلام الشيخ بقدْرٍ ما عَقِلْتُ. وأنا أَخْشَى
ممَّا أقتحمُ فيه، إلاَّ أني لم أجد منه بُدّاً، فها أنا أستغفر اللَّهَ العظيمَ على ما فَرَطَ منِّي من الخطأ في هذا
المطلب، وأدعوه أن لا يُؤَاخِذْني بما لا يَضُرُّه، وأدعوه دعاءَ المسكين، وابتهلُ إليه ابتهالَ المذنبِ الذليلِ،
والمشفقِ المعترفِ بذنبه، وأدعوه دعاءَ البائس الفقير، والمضطرِ الضريرِ. اللّهُمَّ هذا الدعاءُ، وعليك الإِجابةُ،
فإنَّك أنت المستغاثُ، وأنت المستعانُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بك.

١٩٤
كتاب الاستئذان
٦٢٢٨ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيمانُ بْنُ
يَسَار: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرْدَفَ رَسُولُ اللّهِ لَّهِ الفَضْلَ بْنَ
عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلفَهُ عَلَى عَجْزِ رَاحِلَتِهِ، وَكَانَ الفَضْلُ رَجُلاً وَضِيئاً، فَوَقَفَ النَّبِيُّ
لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللّهِ بَِّ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ
إِلَيْهَا، وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالتَّفَتَ النَّبِيُّ ◌ََّ وَالفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ فَأَخَذَ بِذَقَنِ
الفَضْلِ، فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ فَرِيضَةً اللّهِ في الحَجِّ
عَلَى عِبَادِهِ، أَدْرَكَتْ أَبِي شَيخاً كَبِيراً، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَل يَقْضِي عَنْهُ
أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قالَ: ((نَعَم)). [طرفه في: ١٥١٣].
٦٢٢٩ - حدّثنا عَبْد اللّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو عامِرٍ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ
أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللّه عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيِّ بَّ قالَ:
(إِيَّاكُمْ وَالجُلوسَ بِالْظُرُقَاتِ)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِنَا بُدُّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا،
فَقَالَ: ((إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّ المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ)). قالُوا: وَما حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ
اللّهِ؟ قالَ: ((غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ
المُنْكَرِ)). [طرفه في: ٢٤٦٥].
قوله: (وَكَرِهَ عَطَاءٌ النَّظَرَ إِلَى الجَوَارِي يُبَعْنَ بِمَأَّةَ، إلاَّ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ)، وعن
محمد بن سلاَّم في فقه الحنفية: أنه لا حرمةً لنساء الكفَّار، فإنهنَّ قد هَتَكْنَ حُرَمَهُنَّ
بأنفسهنَّ، فلا بأسَ في وقوع البصر علیھن.
قلتُ: ومرادُه من النظر هو النظرُ لا عن عمدٍ. أمَّا إن كان عن عمدٍ، فلا يجوز(١).
٣ - بابٌ السَّلاَمُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللّهِ تَعَالَی
﴿وَإِذَا حُِِّثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
٦٢٣٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ،
عَنْ عَبْدِ اللّهِ قالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَّ النَّبِيِّ ◌ََّ قُلْنَا: السَّلاَمُ عَلَى اللّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلامُ
عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلاَنٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ◌ََّ، أَقْبَلَ
عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللّهَ هُوَ السَّلاَمُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلَيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ
لِلّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ، الَسَّلاَمُ عَلَيْنَا
(١) قلتُ: لا يُقَالُ: إنه لا يَظْهَرُ حينئذٍ لتخصيص نساء الكفار معنىّ، فإنَّ الحكمَ فيه في نساء المؤمنين أيضاً كذلك،
لأنَّا نقولُ: إن الفرقَ بين الطائفتين بالمراتب، فالأمرُ أوسعُ في حقٌّ نساء الكفَّار، وأوكدُ في نساء المؤمنين،
فافهم .

١٩٥
كتاب الاستئذان
وَعَلَى عِبَادِ اللّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا قالَ ذلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِح في السَّمَاءِ وَالأَرْضِ،
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثمَّ يَتْخَيَّرُ بَعْدُ مِنَ الكَلَامِ ما
شَاءَ)). [طرفه في: ٨٣١].
٤ - باب تَسْلِيم القَلِيلِ عَلَى الكَثِيرِ
٦٢٣١ - حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُوَ الحَسَنِ: أَخْبَرِّنَا عَبْدُ اللّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ قالَ: ((يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ
عَلَىَ القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)). [الحديث: ٦٢٣١ - أطرافه في: ٦٢٣٢، ٦٢٣٣، ٦٢٣٤].
٥ - باب تَسْلِيمِ الرَّاكِبِ عَلَى المَاشِي
٦٢٣٢ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مَخْلَّدٌ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج قالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ: أَنَّهُ سَمِعَ
ثَابِتاً مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ: ((يُسَلِّمُ
الرَّاكِب عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ)). [طرفه في: ٦٢٣١].
٦ - باب تَسْلِيم المَاشِي عَلَى القَاعِدِ
٦٢٣٣ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيج قالَ:
أَخْبَرَنِي زِيَادٌ: أَنَّ ثَابِتاً أَخْبَرَهُ، وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِّيَ اللّهُ
عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بِهِ أَنَّهُ قالَ: ((يُسَلِّمُ الرَّاكِب عَلَىَ الَمَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ،
وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)). [طرفه في : .
وجملةُ الأمر في هذه الأبواب: أنَّ الشارعَ راعى فيها الجانبين، فحرَّض الماشي
أن يُسَلِّم على القاعد، والراكبَ على الرَّاجِل، لئلاَّ يَسْرِي الكِبَرُ إلى صاحبه. وحرَّض
القليلَ أن يُسَلِّم على الكثير رعايةً للتعظيم. فقد يُقْصَدُ من التسليم نقضُ كِبَرِهِ، حيث
يُخَافُ منه الكِبَرُ. وقد يُرَادُ تعظيمُ المسلَّم عليه، حيث يكون موضعَهُ. وهما نظران.
٧ - باب تَسْلِيم الصَّغِيرِ عَلَى الكَبِيرِ
٦٢٣٤ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمانَ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ مََّ: ((يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ،
وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ)). [طرفه في: ٦٢٣١].
٨ - باب إِفِشَاءِ السَّلاَم
٦٢٣٥ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ

١٩٦
كتاب الاستئذان
مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَمَرَنا رَسُولُ اللّهِ
بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَتُشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنٍ
المَظَلُومِ، وَإِفِشَاءِ السَّلَامِ، وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ، وَنَهى عَنِ الشُّرْبِ في الفِضَّةِ، وَنَهَانَا عَنْ تَخَتُم
الذَّهَبِ، وَعَنْ رُكُوبِ المِّيَائِرِ، وَعَنْ لُبْسَ الحَرِيرِ، وَالدِّيَاجِ، وَالقَسِّيِّ، وَأْلإِسْتَبْرَقِ. [طرفَهَ
في: ١٢٣٩].
٩ - باب السَّلاَمَ لِلمَعْرِفَةِ وَغَيرِ المَعْرِفَةِ
٦٢٣٦ - حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي
الخَيرِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّهَ: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيرٌ؟ قالَ: ((تُطْعِمُ
الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ، عَلَى مَنْ عَرَفتَ، وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِف)). [طرفه في: ١٢].
٦٢٣٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ
اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قالَ: ((لاَ يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ
فَوْقَ ثَلاَثٍ، يَلْتَقِيَانِ: فَيَصُدُّ هذا، وَيَصَدُّ هَذَا، وَخَيرُهُما الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ)). وَذَكَرَ
سُفيَانُ: أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. [طرفه في: ٦٠٧٧].
١٠ - باب آيَةِ الحِجَابِ
٦٢٣٨ - حدّثنا يَحْيى بْنُ سُلَيمانَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مالِكِ: أَنَّهُ كانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينٌ، مَقْدَمَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ الَمَدِينَةَ،
فَخَدَمْتُ رَسُولَ اللّهِ بَ ◌َّ عَشْراً حَيَاتَهُ، وَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ الحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ، وَقَدْ
كانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ في مُبْتَنَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ
جَحْشٍ، أَصْبَحَ النَّبِيُّ وََّ بِهَا عَرُوساً، فَدَعا القَوْمَ فَأَصَابُوا مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ خَرَجُوا، وَبَقِيَ
مِنْهُمْ رَهْطٌ عَنْدَ رَسُولِ اللّهِ رََّ فَأَطَالُوا المُكْثَ، فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ
كَي يَخْرُجُوا، فَمَشى رَسُولُ اللّهِ وَلّه وَمَشَيتُ مَعَهُ، حَتَّى جاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةَ عائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ
رَسُولُ اللّهِ وَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ
لَمْ يَتَفَرَّقُوا، فَرَجَعَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ عَتَبَةَ حُجْرَةَ عَائِشَةَ، فَظَنَّ أَنْ قَدْ
خَرَجُوا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَأَنْزِلَ آيَّةُ الحِجَابِ، فَضَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
سِتْراً. [طرفه في: ٤٧٩١].
٦٢٣٩ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ: قالَ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ◌َّهَ زَيْنَبَ، دَخَلَ القَوْمُ فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوًا
يَتَحَدَّثُونَ، فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلِقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قامَ، قامَ مَنْ قامَ

١٩٧
كتاب الاستئذان
مِنَ القَوْمِ وَقَعَدَ بَقِيَّةُ القَوْمِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ جَاءَ لِيَدْخُلَ، فَإِذَا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثمَّ إِنَّهُمْ قامُوا
فَانْطَلَقُواَ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيِّ وَِّ فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الحِجَابَ بَيْنِي وَبَينَهُ،
وَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيةَ.
قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُمْ حِينَ قَامَ وَخَرَجَ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلِقِيامِ
وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومُوا. [طرفه في: ٤٧٩١].
٦٢٤٠ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَتْ: كانَ
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللّهِ وَ: احْجُبْ نِسَاءَكَ، قَالَتْ: فَلَمْ يَفْعَل، وَكانَ أَزْوَاجُ
النَّبِيِّ ◌َُّ يَخْرُجْنَ لَيلاً إِلَى لَيلٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وَكانَتِ امْرَأَةً
طَوِيلَةٌ، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وُهُوَ في المَجْلِسِ، فَقَالَ: عَرَفْتُكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصاً عَلَى
أَنْ يُنْزَلَ الحِجَابُ، قالَتْ: فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةً الحِجَابِ. [طرفه في: ١٤٦].
١١ - بابٌ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ
٦٢٤١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ هَا
حمه الله
هُنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَمَعَ النَّبِيِّ
ـام
مِدْرَى يَحُكّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَينِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ
الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ)). [طرفه في: ٥٩٢٤].
٦٢٤٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكِ: أَنَّ رَجُلاً اطَلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ وََّ، فَقَامَ إِلَيهِ النَّبِيُّ لَهَ بِمِشْقَصٍ، أَوْ:
بِمَشَاقِصَ، فَكَأَنَّي أَنْظُرُ إِلَيهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعَنَهُ. [الحديث ٦٢٤٢ - طرفاه في: ٦٨٨٩، ٦٩٠٠].
١٢ - باب زِنَا الجَوَارِحِ دُونَ الفَرْجِ
٦٢٤٣ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالَ: لَمْ أَرَ شَيئاً أَشْبَهَ بِاللَّمَم مِنْ قَوْلِ أَبِيَّ هُرَيرَةَ. وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قالَ: ما
رَأَيتُ شَيئاً أَشْبَهَ بِاللَّمَم مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ الَّنَّبِيِّ وََّ: ((إِنَّ اللّهَ كَتَبَ عَلَّى ابْنِ آدَمَ
حَظّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِّكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا العَينِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ
تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلِكَ كُلَّهُ وَيَّكَذِّبُهُ)). [الحديث ٦٢٤٣ - طرفه في: ٦٦١٢].
ذهب طائفةٌ من العلماء إلى أن النظرَ إلى غير المحرَّمة، ولمسَهَا من الصغائر.
قلتُ: والأحاديثُ قد وردت بالوعيد فيمن نَظَرَ إلى أجنبيةٍ نظرَ شهوةٍ، فيكون من

١٩٨
كتاب الاستئذان
الكبائر. وما قيل: إنَّ وسائلَ الكبائر صغائرُ، فليس على إطلاقه، ولا بُدَّ فيه من تفصيل.
أمَّا نظرُ فضل بن عبَّاسٍ إلى امرأةٍ من خَتْعَم، فلم يكن من هذا الباب، فإنَّ النبيَّ
صَرَفَ وَجْهَه خَشْيَةَ أن يَدْخُلَ الشيطانُ بينهما. فدلَّ على أنَّه لم يكن بلغ نظرُه هذا المَبْلَغ
بعدُ، ولكنَّه صَرَفَ وجهَه قبل أن يَبْلُغَ مَبْلَغَهُ.
٦٢٤٣ - قوله: (مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشْبَهَ بِاللَّمَم). يريدُ ابنُ عبَّاسٍ أن يستفيدَ من حديث
أبي هريرة هذا تفسِيرَ قوله تعالى: ﴿إِلَّ اللَّهُ﴾ [النجم: ٣٢]، فجعل دواعي الزِّنَا، وما يقعُ
من الرجل في سلسلة الزِّنَا منِ المعاصي كلِّها صغائرَ ولمماً، فإن غشي الزنا تُحْسَبُ كلَّها
من الزنا، وتنقلب كبائرَ، وإلاَّ فهي صغائرُ تَصْلُحُ أن تُغْفَرَ له، ويُعْفَى عنها. فاستفاد منه
بعضُهم تعريفَ الصغيرة، وقال: إنَّ المعاصي على نحوين: منها ما تقعُ تمهيداً، ومنها ما
تكون مَقْصَداً. فالتي تقعُ في السلسلة، وتكون وسيلةً لتحصيل منتهاها، هي الصغائرُ،
وذلك المنتهى هو الكبيرةُ.
قلتُ: ولا بُدَّ فيه من تنبيهٍ، وهو أن السمعَ، والبصرَ، والنظرَ قد تَصِيرُ مقصورةٌ
أيضاً، وذلك حين يَعْجَزُ عن المنتهى - أعني الزنا - فيرضى بتلك الأمور، ويجعلها
مقصورةً لحظّ نفسه، وحينئذٍ لا ريب في كونها كبيرةً. نعم إن أتى بها في سلسلة الزنا،
ثم امتنع عنه مخافةً ربِّه جلَّ وعلا، فَيَنْزِلُّ امتناعُه عن الزنا منزلةَ التوبة، ويُرْجَى له أن تُغْفَرَ
له تلك السلسلة بأسرها، إذا أَتْبَعَهَا بحسَنةٍ، فإنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ.
أمَّا الحديثُ، فهو في الدواعي التي تكونُ مبادئاً للزنا، وقد سَمِعْتُ أنَّها إذا كانت
في سلسلةٍ غيرِ مقصودةٍ بأنفسها، فهي صغائرُ، ولممّ، فإن غشي الزنا - والعياذ بالله - أخذ
بالأوَّل والآخر، ويُحْسَبُ الكلُّ من الزنا، وتكون كبائرَ. فإن جَعَلَها مقصودةً، كما إذا
عَشِقَ امرأةٌ، فَجَعَلَ يلتذَّ بالنظر والسمع، صارت كبائرَ في حقِّه، لكونها حينئذٍ مقصودةٌ.
ومن هُهنا عُلِمَ أن معصيةً واحدةً تختلف صغيرةً وكبيرةً، لحال الفاعلين.
قوله: (قال أبو عبد الله: أَرَادَ عمرُ التثُبُّتَ، لا أن لا يُجِيزَ خبرَ الواحدٍ)، وذلك لأنَّ
عمرَ رواه بنفسه أيضاً، كما عند الترمذيِّ، فكيف جاز له أنَ يتردّدَ فيه؟ غير أنه لم يكن
عنده هذا التفصيل، فأراد التثُّتَ فيه.
١٣ - باب التَّسْلِيم وَالاسْتِئْذَانِ ثَلاَثَاً
٦٢٤٤ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا
ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِهِ كانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاَثاً،
وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعادَهَا ثَلاَّثاً. [طرفه في: ٩٤].
٦٢٤٥ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيفَةَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ

١٩٩
كتاب الاستئذان
سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قالَ: كُنْتُ في مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ، إِذْ جاءَ أَبُو
مُوسى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَّرَ ثَلاَثًاً، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: ما
مَنَعَكَ؟ قُلتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًاً فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وَقالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهُ: ((إِذَا اسْتَأْذَنَ
أَحَدُكُمْ ثَلاَثًاً فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلَيَرْجِعْ)). فَقَالَ: وَاللّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ
النَّبِيِّ نَُّ؟ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللّهِ لاَ يَقُومُ مَعَكَ إِلَّ أَصْغَرُ القَوْمِ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ القَوْم
فَقُمَثُ مَعَهُ، فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ ذلِكَ. وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَينَةَ:
حَدَّثَنِي يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةٌ، عَنْ بُسْرٍ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ: بِهذا. [طرفه في: ٢٠٦٢].
١٤ - بابٌ إِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجَاءَ هَل يَسْتَأْذِنُ
قالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ لَّهُ قَالَ: ((هُوَ
إِذْتُهُ» .
٦٢٤٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ
اللّهِ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ: أَخْبُرَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قالُ: دَخَلتُ مَعَ
رَسُولِ اللّهِ وَّهِ فَوَجَدَ لَبَّنَاً في قَدَحِ، فَقَالَ: ((أَبَا هِرَّ، الحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ)). قالَ:
فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأُذَنُوا، فَأُذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا. [طرفه في: ٥٣٧٥].
قلتُ: وينبغي أن يُنْظَرَ فيه إلى الأحوال أيضاً، فإن كان الداعي جالساً في النساء،
لا بُدَّ له من الاستئذان مرَّةً ثانيةً، ولم يَكْفِ له دعوتُه .
١٥ - باب التَّسْلِيم عَلَى الصِّبْيَانِ
٦٢٤٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ ثَابِتِ البُنَانِيِّ، عَنْ
صَلَى اللّه
رستم
أَنَسٍ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيهِمْ، وَقَالَ: كانَ النَّبِيُّ
يَفعَلُهُ.
١٦ - باب تَسْلِيم الرِّجالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءِ عَلَى الرِّجالِ
٦٢٤٨ - حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حازِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ قالَ:
كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمعَةِ، قُلْتُ لِسَهْلٍ: وَلِمَ؟ قالَ: كَانَتْ لَّنَا عَجُوزٌ، تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةٌ - قَالَ
ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْلٍ بِالمَدِينَةِ - فَتَأُخِذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ، فَتَظْرَحُهُ في قِدْرٍ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ
مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ انْصَرَفَنَا، وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا، فَتَفرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَما
كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى إِلَّ بَعْدَ الجُمُعَةِ. [طرفه في: ٩٣٨].
٦٢٤٩ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي
سَلمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَهُ: ((يَا عَائِشَةُ

٢٠٠
كتاب الاستئذان
هذا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيكِ السَّلاَمَ)). قالَتْ: قُلتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ، تَرَى ما لاَ
نَرَى، تُرِيدُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ تَابَعُهُ شُعَيبٌ. وَقالَ يُونُسُ وَالنُّعْمَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَبَرَكَاتُهُ.
[طرفه في: ٣٢١٧].
٦٢٤٨ - قوله: (كَانَتْ لنا عَجُوزٌ تُرْسِلُ إلى بئر بُضَاعَةَ) ... إلخ، وهذا ما قلتُ
لكم: إن بئرَ بُضَاعَةَ كانت تُسْقَى منها البساتين. وليس التصريحُ باسمها - البُضَاعة - إلاَّ
في هذا الموضع. وهذا الذي أراده الطحاويُّ من الجريان، أي كان الماءُ يُسْقَى منها،
فلم يكن يستقرُّ فيها، فكان ماؤها جارياً بهذا المعنى. ولمَّا لم يُدْرِك مرادَه بعضُهم
اعترض عليه، وقال: إنَّها كانت قليلةَ الماء، ولم تكن عيناً، فكأنَّهم حَمَلُوه على الجريان
من طرفٍ إلى طرِفٍ، وكان مرادُه رحمه الله النبوعَ من التحت، والاستقاء من الفوق،
فَسَخِرُوا به من قلَّةِ علمهم. ثم إنِّي لم أر أحداً من الشارحين توجّه إلى هذه الرواية،
وكان لا بُدَّ لكون جريانها ثابتاً من البخاريِّ، غير أن الحمويَّ ذكرها في ((معجم البلدان)».
١٧ - بابٌ إِذَا قَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقَالَ أَنَا
٦٢٥٠ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ
المُنْكَدِرِ قالَ: سَمِعْتُ جابِراً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وََّ فِي دَينٍ كَانَ عَلَى أَبِي،
فَدَقَّقْتُ البَابَ، فَقَالَ: ((مَنْ ذَا؟)). فَقُلتُ: أَنَا، فَقَالَ: ((أَنَا أَنَا!)) كَأَنَّهُ كَرِهَهَا. [طرفه في:
٢١٢٧].
١٨ - باب مَنْ رَدَّ، فَقَالَ: عَلَيكَ السَّلاَمُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: «رَدَّ المَلائِكَةُ
عَلَى آدَمَ: السَّلاَمُ عَلَيكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ)).
٦٢٥١ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ المَسْجِدَ،
وَرَسُولُ اللَّهِ ﴿ ﴿وَ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَصَلَّى ثُمَّ جاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ
اللّهِ ﴿: ((وَعَلَيكَ السَّلاَمُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِ)). فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ جِاءَ فَسَلَّمَ،
فَقَالَ: ((وَعَلَيكَ السَّلاَمُ، فَارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)). فَقَالَ في الثَّانِيَةِ، أَوْ في الَّتِي
بَعْدَهَا: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللّهِ، فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلٍ
القِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى
تَسْتَوِيَ قائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَظْمَئنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَظْمَئنَّ جالِساً، ثُمَّ اسْجُدْ
حَتَّى تَظْمَيْنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَظْمَئنَّ جالِساً، ثُمَّ افعَل ذلِكَ في صَلاَتِكَ كُلُّهَا)). وَقالَ